ما فرص نجاح مصر في تحقيق «الاكتفاء الذاتي» من القمح؟

بعد استهدافها رفع نسب الإنتاج المحلي لـ5 سلع استراتيجية

محصول القمح يحظى بأولوية لدى الحكومة المصرية لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي منه (صفحة وزارة التموين - فيسبوك)
محصول القمح يحظى بأولوية لدى الحكومة المصرية لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي منه (صفحة وزارة التموين - فيسبوك)
TT

ما فرص نجاح مصر في تحقيق «الاكتفاء الذاتي» من القمح؟

محصول القمح يحظى بأولوية لدى الحكومة المصرية لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي منه (صفحة وزارة التموين - فيسبوك)
محصول القمح يحظى بأولوية لدى الحكومة المصرية لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي منه (صفحة وزارة التموين - فيسبوك)

تستهدف الحكومة المصرية خلال المرحلة المقبلة زيادة نسبة «الاكتفاء الذاتي» من محاصيل استراتيجية عدة، يتصدرها القمح، بهدف تخفيف الأعباء التي عاناها الاقتصاد المصري مع ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية عقب الحرب الروسية الأوكرانية؛ إذ تعد مصر واحدة من أكثر دول العالم استيراداً للقمح.

لجنة من وزارة الزراعة المصرية خلال تفقد حقول لإرشاد المزارعين لزيادة الإنتاجية (الصفحة الرسمية لوزارة الزراعة - فيسبوك)

ووفق تقرير حكومي حديث فإنه من المستهدف زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح والذرة إلى 49 في المائة، ومن الفول إلى 30 في المائة، ومن اللحوم الحمراء إلى 70 في المائة، ومن الأسماك إلى 98 في المائة، مع تحقيق فائض تصديري لأصناف عديدة من محاصيل الخضر والفاكهة.

وتثير تلك الخطة الكثير من التساؤلات حول فرص نجاحها في ظل ثبات حصة مصر من المياه، ومواجهة تداعيات استمرار عمليات بناء وملء سد النهضة الإثيوبي، وكذلك الزيادة المطردة للسكان، وهي تحديات يراها متخصصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» عوائق أمام تحقيق الاكتفاء الذاتي المصري من المحاصيل الزراعية، إلا أنهم أشاروا في الوقت نفسه إلى أن اتجاه الدولة للتوسع في الرقعة الزراعية ورفع كفاءة استخدام المياه، ودعم بحوث إنتاج سلالات أعلى إنتاجية من المحاصيل، تمثل «بارقة أمل وتحركا على الطريق الصحيح».

وزير الزراعة المصري يتفقد نتائج تجارب علمية لتحسين تقاوي المحاصيل الزراعية (الصفحة الرسمية للوزارة - فيسبوك)

وكشف التقرير الصادر عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية، أنه من المستهدف زيادة المساحة المحصولية خلال العام المالي الجديد 2023 - 2024 والوصول بمساحة الأراضي الزراعية إلى نحو 18 مليون فدان، والتوسع في المساحات المخصصة لزراعات القمح لتصل إلى 3.43 مليون فدان، ولزراعات الذرة إلى 2.8 مليون فدان، ولزراعات الفول إلى 220 ألف فدان.

وتمثل هذه المحاصيل أولوية قصوى في توفير الاحتياجات الغذائية للسكان، وكذلك توفير الأعلاف الضرورية للثروة الحيوانية، وتستورد مصر نحو 60 في المائة من احتياجاتها الغذائية، ويأتي في مقدمتها محصول القمح، إذ تستورد نحو 10 ملايين طن سنوياً، ونحو 50 في المائة من محصول الذرة، و87 في المائة من زيت الطعام، و90 في المائة من الفول، و49 في المائة من اللحوم الحمراء.

وكشف التقرير أن الحكومة المصرية تستهدف كذلك زيادة صادراتها من المنتجات الزراعية لتصل إلى 5.7 مليار دولار خلال العام المالي المقبل، بنسبة زيادة تبلغ نحو 5.5 في المائة، من خلال التوجه نحو أسواق جديدة في أفريقيا ومنطقة شرق وجنوب آسيا، وبعض دول أميركا اللاتينية، خصوصاً بعد التوسع في الزراعات العضوية.

ورأى الدكتور كميل نجيب، النائب السابق لرئيس مركز البحوث الزراعية في مصر، أن التحدي المائي يمثل العقبة الأبرز أمام تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية المصرية، إذ يشير إلى ثبات حصة مصر من المياه، وازدياد عدد السكان، إضافة إلى زيادة نسبة الإهدار في الزراعات القديمة.

ويضيف نجيب لـ«الشرق الأوسط» أن اتجاه الدولة مؤخراً لزيادة كفاءة استخدام المياه سواء عبر تبطين الترع، أو إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي، أو البحث عن موارد مائية جديدة كالمياه الجوفية وتحلية المياه «تفتح باباً للأمل في زيادة الإنتاج الزراعي بنفس حصة المياه المتاحة».

شاحنات تستعد لتوريد محصول القمح المحلي في مصر (صفحة وزارة التموين المصرية - فيسبوك)

ويرى نائب رئيس مركز البحوث الزراعية سابقاً أن إضافة نحو 2.5 مليون فدان للرقعة الزراعية المصرية يمثل إضافة مهمة لجهود تحقيق الأمن الغذائي، لافتاً في هذا الصدد إلى أهمية توظيف سلالات نباتية جديدة للمحاصيل الزراعية تواكب طبيعة الأراضي المستصلحة، وتتحمل الملوحة والجفاف، موضحاً أن هناك تطبيقات حالية في مناطق مثل توشكى وشرق العوينات لنتائج دراسات علمية أجريت على مدى السنوات العشر الماضية في هذا المجال.

وتقدر موارد مصر المائية بنحو 60 مليار متر مكعب سنوياً من المياه، يأتي معظمها (55 ملياراً) من نهر النيل، بالإضافة لكميات محدودة للغاية من مياه الأمطار والمياه الجوفية، وفي المقابل يصل مجموع الاحتياجات المائية في مصر لنحو 114 مليار متر مكعب سنوياً من المياه وفق تصريح قبل عامين لوزير الموارد المائية المصري.

وتمثل الزيادة السكانية تحدياً رئيسياً للموارد المائية، فمن المتوقع أن يصل إجمالي السكان في مصر لأكثر من 175 مليون نسمة في عام 2050 وهو ما يمثل ضغطاً كبيراً على الموارد المائية، وهو ما يراه الدكتور رأفت خضر، الرئيس الأسبق لمركز بحوث الصحراء في مصر «تحدياً جدياً»، مشيراً إلى أن مصر حالياً «تعيش تحت خط الفقر المائي»، إذ يقل نصيب الفرد سنوياً من المياه عن 600 متر مكعب، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى قدرة البحث العلمي على تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المائية المحدودة في تحقيق معدلات عالية من الاكتفاء الذاتي من الغذاء.

ويعتقد خضر في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» أن تحقيق الاكتفاء الذاتي هو «الحل الوحيد أمام الدولة حالياً في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، وعدم مراعاة الدول الكبرى لمصالح الدول النامية»، مشيراً إلى أن اتجاه مصر للتوسع الزراعي أفقياً (عبر زيادة المساحة)، ورأسياً (بزيادة الإنتاج) يمثل استجابة واضحة لاستشعار حجم الضغوط التي يفرضها الاعتماد المتنامي على استيراد الغذاء.

ورأى الرئيس الأسبق لمركز بحوث الصحراء أن تفعيل قانون الزراعات التعاقدية في محاصيل استراتيجية مثل القمح والذرة الصفراء ودوار الشمس يوفر فرصة لطمأنة المزارعين للتوسع في زراعة هذه المحاصيل الضرورية، إضافة إلى الاهتمام باستخدام مخرجات مؤسسات البحث العلمي سواء في استحداث طرق الري أو في سلالات المحاصيل الجديدة، يمكن أن يزيد من فرص زيادة الاكتفاء الذاتي، خصوصاً «في ظل توافر الإرادة السياسية لدعم هذا القطاع».

كانت مصر قد أطلقت في نهاية عام 2020 استراتيجية لإدارة الموارد المائية حتى عام 2050، بتكلفة 50 مليار دولار، تضمنت مشروعات كبرى عدة لتطوير قطاعات الزراعة والري، منها المشروع القومي لتأهيل الترع، ومشروع التحول من نُظم الري بالغمر إلى الري الحديث، وبرامج التكيف مع التغيرات المناخية، والحماية من ارتفاع منسوب سطح البحر، ومشروعات حصاد الأمطار.


مقالات ذات صلة

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

الاقتصاد واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

على مدار 3 أيام، تمكنت وزارة الداخلية المصرية من ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة، بقيمة مالية تجاوزت 20 مليون جنيه.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
الاقتصاد وزير البترول المصري يشهد توقيع عقد بين هيئة الثروة المعدنية وشركة «إكس كاليبر» الإسبانية لإجراء مسح جوي شامل لثروات مصر التعدينية (وزارة البترول)

مصر توقّع عقداً لبدء المسح الجوي الشامل لاكتشاف الثروات التعدينية

أعلنت وزارة البترول المصرية، التوقيع على عقد تنفيذ مشروع المسح الجيوفيزيقي الشامل للثروات المعدنية للبلاد، على أن يغطي 6 مناطق جغرافية على مستوى الجمهورية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مشاورات مصرية روسية موسعة لتعزيز التعاون في مجالات الأمن الغذائي (وزارة التموين المصرية)

القاهرة تُعمّق تعاونها مع موسكو لتدشين «مركز عالمي للحبوب»

تحركات مصرية لتعزيز تعاونها مع موسكو في مجالات عديدة منذ سنوات، كان أحدثها مناقشات متواصلة لتدشين مركز عالمي للحبوب في مصر، تزامناً مع اضطرابات سلاسل الإمداد.

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد بدوي يتفقد عمليات بدء الحفر ببئر «نرجس» للغاز بالبحر المتوسط (وزارة البترول)

مصر: بدء عمليات الحفر بحقل «نرجس» للغاز بالبحر المتوسط

أعلنت وزارة البترول المصرية، السبت، بدء عمليات حفر بئر جديدة بحقل نرجس للغاز الطبيعي بالبحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الحكومة المصرية تتدخل لضبط سوق العقارات (العاصمة الإدارية الجديدة)

تشديد مصري على المطوّرين العقاريين بعد أزمات تأخّر التسليم

تتجه الحكومة المصرية لضبط سوق العقارات عبر تشريع يحكم العلاقة بين المطورين العقاريين من جهة ومشتري الوحدات من جهة أخرى في ظل شكاوى متزايدة من تعثر بعض المطورين.

رحاب عليوة (القاهرة)

السيسي يدعو رئيس إيران إلى تفادي «الحسابات الخاطئة»

الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدعو رئيس إيران إلى تفادي «الحسابات الخاطئة»

الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إيران، إلى «التحلي بالمرونة وتفادي الحسابات الخاطئة وإتاحة الفرصة الكافية للمسار الدبلوماسي».

وأكد السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الثلاثاء، «موقف مصر الداعي إلى تسوية سلمية لكل أزمات المنطقة، ورفضها القاطع لأي اعتداء على سيادة دول الخليج الشقيقة أو تهديد سلامة أراضيها».

وحسب متحدث الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، الثلاثاء، فإن «الاتصال الهاتفي تناول الجهود المبذولة للتوصل إلى مذكرة تفاهم بين الجانبين الأميركي والإيراني»، وأكد السيسي «دعم بلاده الكامل للمسار التفاوضي القائم»، كما استعرض الاتصالات والجهود التي تضطلع بها مصر لتيسير المفاوضات وتمهيد الطريق نحو اتفاق نهائي وشامل يضع حداً للتصعيد ويعيد الأمن والاستقرار إلى المنطقة.

الرئيسان المصري والإيراني ووفدا البلدين على هامش قمة «بريكس» في روسيا أكتوبر 2024 (الرئاسة المصرية)

وتحدث الرئيس الإيراني خلال الاتصال عن مسار المفاوضات الجارية، معرباً عن «تقديره للجهود التي بذلتها مصر والأطراف الإقليمية الأخرى لتقريب وجهات النظر بين الجانبين الإيراني والأميركي». كما شدد على حرص بلاده على تعزيز العلاقات الأخوية مع كل الدول العربية، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي.

وقطعت مصر وإيران علاقاتهما الدبلوماسية عام 1979 قبل استئناف التمثيل الدبلوماسي بينهما بعد 11 عاماً، وإن كان على مستوى القائم بالأعمال. وشهدت الثلاث سنوات الماضية لقاءات بين وزراء مصريين وإيرانيين في مناسبات عدة لبحث إمكانية تطوير العلاقات بين البلدين، بعد توجيه رئاسي إيراني لوزارة الخارجية في مايو (أيار) 2023 باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر. كما زار وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، القاهرة أكثر من مرة والتقى الرئيس السيسي وكبار المسؤولين المصريين.

الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير علي الحفني، يرى أن «اتصال الرئيس الإيراني بنظيره المصري في هذا التوقيت له دلالة مهمة، لأن الرئيس الإيراني يدرك تماماً الآن أهمية عنصر الوقت، ويدرك أن مصر لها سياسة وموقف واضح بضرورة استقرار المنطقة، ورفض أي اعتداءات على دول الخليج».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر أرادت التأكيد خلال الاتصال أنه آن الأوان للانخراط بجدية في الجهود الدبلوماسية، وإبداء قدر من المرونة من الطرفين الإيراني والأميركي حتى نصل إلى تفاهم لوقف الحرب».

وزير الخارجية المصري خلال استقبال نظيره الإيراني بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكد السيسي خلال الاتصال «موقف مصر الثابت القائم على إعلاء مبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وحسن الجوار والتسوية السلمية للنزاعات».

وشددت مصر مراراً على دعمها الكامل لأمن واستقرار دول الخليج، ورفض أي اعتداءات تستهدف المساس بسيادتها واستقرارها. كما دعت في أكثر من مناسبة إلى «ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة».


ملايين السودانيين يستقبلون العيد بين النزوح والفقر والجوع والخوف

خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
TT

ملايين السودانيين يستقبلون العيد بين النزوح والفقر والجوع والخوف

خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)

يدخل السودانيون عيد الأضحى هذا العام فيما تدخل الحرب عامها الرابع، وسط واقع إنساني واقتصادي قاس غيّر ملامح العيد، وأفقده كثيراً من معانيه الاجتماعية التي ظلت راسخة لعقود طويلة.

وفي بلد ارتبطت فيه الأعياد بالتجمعات العائلية والزيارات و«عزومات شواء الأضاحي»، يستقبل ملايين السودانيين العيد هذا العام بين النزوح والفقر والجوع والخوف، بينما تحولت الأولويات من شراء الأضحية وملابس الأطفال إلى البحث عن الغذاء والدواء ومياه الشرب.

واعتاد السودانيون خلال عيد الأضحى، وهم في ملابسهم ناصعة البياض، على تبادل الزيارات والدعوات مع الجيران والأصدقاء والأهل، وتناول شواء الأضاحي في المنازل والأحياء والساحات المفتوحة، باعتبارها واحدة من أبرز الطقوس الاجتماعية المرتبطة بالمناسبة، إلى جانب تبادل اللحوم والزيارات العائلية.

سودانيون ينتظرون دورهم للحصول على مياه صالحة للشرب (أ.ب)

لكن الحرب والانهيار الاقتصادي أضعفا تلك المظاهر بصورة كبيرة، بعد أن أصبحت أعداد واسعة من الأسر عاجزة عن شراء الأضاحي أو حتى توفير الاحتياجات الأساسية.

ويبدو اللاجئون والنازحون الأكثر معاناة خلال الأعياد، بعد أن فقد كثير منهم منازلهم ومصادر دخلهم واستقروا في معسكرات ومراكز إيواء تفتقر إلى الخدمات الأساسية، فيما يواجه المقيمون في المدن والبلدات الأخرى واقعاً اقتصادياً حانقاً يلتهم دخولهم المحدودة.

وفي مراكز النزوح داخل السودان، يمر العيد وسط خيام مكتظة ودرجات حرارة مرتفعة، مع نقص في الغذاء والمياه والرعاية الصحية، بينما تنتشر أمراض مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك في المناطق المتأثرة بالحرب.

وتقول أمونة إسماعيل، وهي نازحة من شمال دارفور تقيم في مركز إيواء بمدينة الدبة لـ«الشرق الأوسط»: «الأطفال لم يعودوا يسألون عن الملابس أو الألعاب، بل عن الطعام، كثيرون منهم لا يشعرون أصلاً أن هناك عيداً».

أما في معسكرات اللاجئين بدول الجوار، فتبدو الأوضاع أكثر تعقيداً، مع اعتماد أعداد كبيرة من السودانيين بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، وتقول اللاجئة بأحد المعسكرات في أوغندا «م. ن» لـ«الشرق الأوسط»، إنها لم تشعر بطعم أي عيد منذ لجوئها، وتضيف: «لكن ماذا نفعل؟ ننتظر أن تتوقف الحرب ونعود لبلادنا»، وتتابع: «لم أكن أشتري خرافاً للضحية، فقد كنت أربيها في بيتي».

أما أم أحمد، وهي نازحة من كردفان إلى القضارف، فتقول: «في السابق كان العيد مناسبة للفرح والتواصل، الآن الناس تخجل لأنها لا تستطيع فعل شيء لأطفالها أو جيرانها النازحين».

لكن حتى خارج مناطق النزوح واللجوء، تبدو الحياة صعبة بالنسبة لكثير من السودانيين الذين بقوا في مدنهم وقراهم، مع الارتفاع الحاد في الأسعار وتراجع الدخول وانقطاع الخدمات الأساسية.

ويقول هاشم موسى، وهو معلم بالمرحلة الثانوية، إن راتبه البالغ 140 ألف جنيه لم يعد يساوي حتى ثمن جوال سكر واحد، بعدما تجاوز سعره 200 ألف جنيه سوداني.

ويضيف أن المعلمين لم يتسلموا الرواتب أو العلاوات، كما لم تُصرف مستحقات مراقبة الامتحانات، متسائلاً: «كيف يستطيع المعلم إدخال الفرحة على أطفاله أو شراء الملابس والطعام في ظل هذه الظروف؟».

ويقول عبد الله محمد يوسف (52 عاماً) إن الحرب استنزفت مدخرات الأسر وأضعفت العائد من الزراعة والعمل، مشيراً إلى أن عمله سائقاً لجرار زراعي «تراكتور»، لم يعد يوفر دخلاً يكفي لتغطية تكاليف المعيشة أو شراء خروف الأضحية.

أما خالد التهامي، الذي يعمل حداداً، فيقول إن الانقطاع المتكرر للكهرباء أثر بشكل مباشر على عمله ودخله، بينما أصبحت الزراعة أقل جدوى بسبب شح المياه وارتفاع تكاليف الوقود والتقاوي والآفات الموسمية، ما جعل شراء الأضحية هذا العام أمراً بالغ الصعوبة.

وقال الدكتور صلاح جلال، المتحدث باسم «المجموعة السودانية لمناصرة اللاجئين» لـ«الشرق الأوسط»، إن منظمات ومبادرات إغاثية عملت على تقديم الأضاحي في معسكرات اللاجئين السودانيين بشرق تشاد، خاصة في مناطق «أدري» و«مجي» و«أبو تنقي»، إضافة إلى معسكرات اللاجئين في جنوب السودان، ومعسكر «دويلي» ومدينة كمبالا في أوغندا.

وأضاف أن تلك المبادرات تستهدف التخفيف من معاناة الأسر التي فقدت كل شيء تقريباً بسبب الحرب، خصوصاً خلال الأعياد التي يشعر فيها اللاجئون والنازحون بالعزلة والفقد.

وأشار إلى أن منظمة الصليب الأحمر التركي قدمت 100 ثور أضحية لصالح اللاجئين السودانيين في معسكر «كرياندنقو» في أوغندا.

وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد الأضحية مجرد شعيرة دينية فقط، بل أصبحت أيضاً مظهراً اجتماعياً يعكس القدرة المادية والاستقرار الأسري، خاصة في المدن الكبرى، لكن الحرب والانهيار الاقتصادي دفعا كثيراً من الأسر إلى التخلي عن تلك الطقوس للمرة الأولى.

وتأثرت أسواق المواشي بالحرب بصورة مباشرة، بعد خروج مناطق واسعة في كردفان ودارفور، المعروفة بإنتاج الضأن، عن نشاطها الطبيعي بسبب القتال وانعدام الأمن وصعوبة نقل المواشي.

ويقول متعاملون في تجارة الماشية إن حركة نقل الضأن من دارفور وكردفان إلى ولايات الوسط والشمال تراجعت بشكل حاد بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف النقل والقيود المفروضة على حركة المواشي، ما تسبب في ارتفاع الأسعار في المدن الرئيسية.

وتتراوح أسعار الخراف في ولايات الوسط والشمال بين 700 ألف ومليون و500 ألف جنيه سوداني، أي نحو 150 إلى 300 دولار أميركي، وهي مبالغ تفوق قدرة معظم الأسر التي استنزفتها الحرب والتضخم وفقدان مصادر الدخل.

أطفال في أم درمان ينتظرون بلهفة وصول خروف العيد (د.ب.أ)

في المقابل، تراوحت الأسعار داخل دارفور وكردفان بين 250 و300 ألف جنيه سوداني بسبب الركود وضعف القوة الشرائية وصعوبة نقل الماشية إلى بقية أنحاء البلاد.

ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية، يبدو أن ملايين السودانيين يستقبلون عيداً آخر مثقلاً بالفقد، حيث لم تعد المناسبة مرتبطة بالفرح بقدر ما أصبحت تذكيراً يومياً بحجم التحولات التي فرضتها الحرب على حياة الناس ومجتمعهم.

وفي مؤشر آخر على التحولات التي فرضتها الحرب على الحياة الاجتماعية، اتجهت بعض الولايات السودانية إلى إقامة صلاة عيد الأضحى داخل المساجد بدلاً من الساحات العامة التي اعتاد السودانيون أداء الصلاة فيها لعقود.

ففي ولاية سنار، أجازت لجنة الأمن بالولاية خطة تأمينية خاصة بالعيد، تضمنت توجيهات بإقامة الصلاة داخل المساجد، بحسب «وكالة السودان للأنباء» الرسمية.

ويقول سودانيون إن غياب مشهد «صلاة الساحات» هذا العام يعكس حجم التغيرات التي فرضتها الحرب على تفاصيل الحياة اليومية وطقوس المناسبات العامة، بعدما كانت ساحات العيد تمثل مساحة مفتوحة للتلاقي الاجتماعي وتبادل التهاني صباح العيد.


«طوابير الوقود» تُربك الليبيين قبل العيد... وتعيد للواجهة ملف التهريب

طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
TT

«طوابير الوقود» تُربك الليبيين قبل العيد... وتعيد للواجهة ملف التهريب

طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية

تتجدد أزمة نقص الوقود في ليبيا مع كل موسم، لتعيد معها مشاهد الطوابير الممتدة أمام محطات البنزين في مختلف المدن. ورغم كون البلاد منتجة للنفط، فإن اضطرابات التوزيع وازدياد التهريب و«السوق السوداء» عوامل تفاقم حدة الأزمة.

وبينما كان الليبيون يستعدون للعيد، تحولت محطات الوقود إلى ساحات ازدحام وتوتر، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول مصير كميات الوقود المستوردة، وحدود نفوذ شبكات التهريب، وعجز السلطات عن احتواء أزمة باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين وتستنزف الاقتصاد.

ومع استعدادات العيد، كانت مدينة الزاوية في غرب البلاد تشهد طوابير طويلة أمام محطات الوقود، فيما سجل سعر لتر البنزين في السوق الموازية قفزات كبيرة مقارنة بالسعر الرسمي، وهو مشهد بات يتكرر في مناسبات عدة، وفق ما رصده الناشط المدني عبد الرحمن شعيب لـ«الشرق الأوسط».

وترسخت هذه المعاناة بعد مقتل الشاب وائل الدوبالي، إثر تعرضه لإطلاق نار خلال مشاجرة على تعبئة الوقود داخل محطة بمدينة الزاوية، مساء الأحد، في واقعة عكست حجم التوتر الاجتماعي المرتبط بأزمة البنزين.

زحام أمام إحدى محطات الوقود في جبل نفوسة غرب ليبيا قبل عامين في مشهد يتكرر (وسائل إعلام محلية)

وفي شرق البلاد، لم يكن الوضع أفضل حالاً، إذ تزايدت طوابير السيارات أمام محطات الوقود في مدينة درنة، وهو ما دفع المدون الليبي عادل المسلاتي إلى القول إن المناسبات الدينية تحولت إلى «مواسم للآلام والضغوط النفسية».

وتأتي هذه الأزمة رغم ضخامة فاتورة استيراد المحروقات، إذ أظهرت بيانات المؤسسة الوطنية للنفط أن واردات الوقود بلغت نحو 803 ملايين دولار خلال مارس (آذار) الماضي، و917 مليون دولار في أبريل (نيسان) الماضي، وهي أرقام وصفها الباحث الاقتصادي إدريس الشريف بأنها «ضخمة مقارنة بعدد السكان»، متسائلاً: «أين ذهبت هذه الكميات؟».

مستويات «غير مسبوقة»

هذا المشهد أعاد بدوره ملف تهريب الوقود إلى الواجهة، خصوصاً بعد تقرير لـ«لجنة خبراء الأمم المتحدة» صدر الشهر الماضي، تحدث عن وصول الظاهرة إلى مستويات «غير مسبوقة» خلال العامين الماضيين، عبر شبكات تهريب تعمل من خلال موانئ ليبية وبمشاركة جهات نافذة.

وعكست صفحات التواصل الاجتماعي الليبية جانباً من الأزمة، إذ جدد رئيس المؤسسة الوطنية للإعلام في غرب ليبيا، عبد الرازق الداهش، التحذير من تطور عمليات التهريب عبر البحر. فيما رأى الصحافي الليبي محمد أبو صاع أن السبب الأكثر تأثيراً في الأزمة هو «تحول تهريب المحروقات إلى صناعة رائجة، بعد 2011 وسط غياب الرقابة والإصلاحات».

أمام هذه الأزمة، قالت شركة البريقة لتسويق النفط مساء الاثنين إن كميات البنزين الموجهة لمنطقة تشغيل طرابلس بلغت أكثر من 8.5 مليون لتر، بالتزامن مع تعزيز الإمدادات عبر الصهاريج من مستودع الزاوية النفطي إلى مستودع طرابلس النفطي.

ونفى المتحدث باسم شركة البريقة لتسويق النفط، أحمد المسلاتي، مسؤولية الشركة عن تضارب أسعار الوقود بين السوق الرسمية والموازية، مؤكداً أن «دورها يقتصر على استلام الوقود وتخزينه وتوزيعه، بينما تبدأ تحديات التهريب والتسرب غير المشروع بعد خروج الشحنات من المستودعات».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن مكافحة التهريب «ليست من الاختصاصات التنفيذية للشركة»، مشدداً على أن مواجهة الظاهرة تتطلب رقابة ميدانية وأمنية مستمرة، وتكاملاً بين الأجهزة الأمنية والرقابية والجهات المختصة بمتابعة حركة المحروقات حتى وصولها إلى المستهلك النهائي. ولافتاً إلى أن الانقسام السياسي يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل مكافحة التهريب والتسرب غير المشروع مهمةً شديدة الصعوبة.

وكان تقرير موسع صادر عن منظمة «ذا سينتري» قد كشف أن اقتصاد تهريب الوقود في ليبيا تجاوز 20 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، بمتوسط 6.7 مليار دولار سنوياً، مشيراً إلى تحوله إلى شبكة منظمة تضم مجموعات مسلحة وشبكات جريمة عابرة للحدود.

فساد وإهدار للمال العام

هذا الوضع بدا من منظور رئيسة قسم التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط نجوى البشتي، انعكاساً «لمرحلة ما بعد 2011 ورحيل النظام السابق»، مشيرة إلى أن أكثر من ثلث الكميات المستوردة يجري تهريبها، وفق تقارير محلية ودولية.

وأوضحت البشتي لـ«الشرق الأوسط» أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بالكميات المهربة، بل بآلية تسعير الوقود المستورد، التي وصفتها بأنها «معيبة»، مؤكدةً أن أسعار الوقود المستورد تتجاوز بأكثر من 50 في المائة قيمته الفعلية، فضلاً عن إضافة «علاوة» تتجاوز 100 دولار للطن المتري، بما يعكس حجم الفساد وإهدار المال العام.

ناقلة وقود في مستودع طبرق النفطي (شركة البريقة لتسويق النفط)

وأكدت أن «مكمن الداء الحقيقي يكمن في الفساد المرتبط بآلية استيراد الوقود»، معتبرةً أن معالجة هذا الملف يجب أن تسبق أي نقاش بشأن استمرار دعم المحروقات أو رفعه.

وسبق أن قدّر تقرير ديوان المحاسبة الليبي فاقد الأموال الناتج عن بند «المبادلة» بأكثر من 9 مليارات دولار، خلال الأعوام من 2021 إلى 2023، وتشير البشتي إلى أن هذه المبالغ «لا تمثل تكلفة الدعم، بل أموال مهدرة استفادت منها أطراف محددة».

ودائماً ما تتعالى أصوات في ليبيا بضرورة رفع الدعم عن البنزين، وهي رؤية يتبناها اقتصاديون، من بينهم رجل الأعمال الليبي حسني بي، علماً بأن سعر لتر البنزين في ليبيا يبلغ 15 قرشاً، وهو الأرخص عالمياً.

غير أن الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي رأى أن أزمة المحروقات «أكثر تعقيداً من اختزالها في مسألة السعر فقط»، موضحاً أن إصلاح التسعير «مطلوب، لكنه لن يكون كافياً وحده لحل الأزمة».

وقال الشحاتي لـ«الشرق الأوسط» إن المشكلة ترتبط أيضاً بضعف قدرات التخزين، وما يترتب عليها من أزمات في التوزيع والنقل، مشيراً إلى أن تعديل الأسعار قد يسهم تدريجياً في ترشيد الاستهلاك، وتقليل الهدر، إلا أن تأثيره يحتاج إلى وقت، نظراً لأن الطلب على البنزين لا يزال غير مرن في ظل غياب بدائل فعالة للنقل العام.

وانتهى الشحاتي إلى أن أي رفع للأسعار سيؤدي إلى تراجع فائض المستهلك، وقد يدفع بعض الفئات الهشة إلى مزيد من الفقر، مشدداً على أن هذه العوامل يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، عند تطبيق أي سياسة لإصلاح تسعير المحروقات.