شكَّلت دعوة المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، مجلسي «النواب» و«الدولة» لتشكيل حكومة «تكنوقراط موحدة» تشرف على الانتخابات المنتظرة، خلفاً لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تطوراً لافتاً، في ظل ما تردد خلال الأشهر الأخيرة بشأن وجود «صفقة» لتقاسم السلطة بين حفتر والدبيبة.
وتباينت آراء سياسيين ومحللين ليبيين حول دعوة القيادة العامة، بين مَن عدّها دليلاً على «فشل الصفقة»، اضطر حفتر على أثرها للتراجع وإعادة حساباته، فيما رأى آخرون أنها مجرد «مناورة» للحيلولة، بهدف قيام المبعوث الأممي إلى ليبيا، عبد الله باتيلي، بانتزاع ملف الانتخابات من يدي مجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة». يشار إلى أن مجلس الدولة اتخذ خطوة متقدمة في هذا المسار، وأعلن ترشيحه للسياسي محمد المزوغي لرئاسة تلك الحكومة.
وانضم إلى الطرح الأول عضو ملتقى الحوار السياسي، أحمد الشركسي، حيث رأى أن البيان الذي أصدرته القيادة العامة جاء «ليضع حداً للأقاويل والشائعات حول تلك الصفقة المزعومة، وليس انعكاساً لفشلها كما يردد البعض». وقال الشركسي لـ«الشرق الأوسط» إن «الأمر ربما لم يكن أكثر من اتصالات جرت بين مقربين من الدبيبة وحفتر، لكن الأخير لم يكن منخرطاً بشكل مباشر في هذا الأمر، ولهذا اقتصرنا منذ البداية على وصف أي حديث عن تلك الصفقة بكونه مجرد شائعات». وأضاف الشركسي أن القيادة العامة «لم يكن لها أن تمضي نحو هذا السيناريو في ظل معرفتها أن الدبيبة لا يسعى لحكومة مشتركة وتقاسم السلطة، وإنما لكسب الوقت لإطالة بقائه على رأس السلطة لعدة سنوات».
وخلال لقائه مع باتيلي في العاصمة طرابلس، قدم الدبيبة رؤية حكومته تجاه ملف الانتخابات، وهو ما ترجمه البعض برفض الأخير تسليم السلطة، وتشبثه بأن تكون حكومته هي المعنية بالإشراف على إجراء الاستحقاق. وفيما يتعلق بمستقبل الحكومة الجديدة التي يطالب مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» بتشكيلها، وإمكانية أن يعترف المجتمع الدولي بها، توقع الشركسي «ألا تكون هناك إشكاليات»، قائلاً إن المجتمع الدولي «محكوم باتفاق الصخيرات». وكانت لجنة (6+6) المشكَّلة من مجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» قد أنهت أعمالها في المغرب بوضع مشاريع قوانين للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وتضمنت مخرجاتها الدعوة لوجود حكومة موحدة للإشراف على الانتخابات في عموم البلاد، وذلك لتعذر إجرائها في ظل الانقسام الحكومي الراهن.

من جهته، رأى المحلل السياسي الليبي، عبد الله الكبير، أن ترحيب بيان حفتر بمخرجات اللجنة وتأييده لها «مجرد مناورة لقطع الطريق على مبادرة باتيلي، التي تعتمد على تشكيل لجنة توجيهية أو رفيعة المستوى للإشراف على إعداد قوانين الانتخابات، وهو ما يعني سحب ملف الانتخابات من مجلسَي النواب والأعلى للدولة بغير رجعة».

أما بخصوص وجود مفاوضات بين حفتر والدبيبة من عدمه ومصيرها، فقد أوضح الكبير لـ«الشرق الأوسط» أنها «كانت موجودة لكنها توقفت في الوقت الراهن، وإن كانت لا تزال هناك إمكانية لاستئنافها». وأرجع المحلل السياسي «توقف تلك الصفقة» إلى «مطالبة حفتر بأن تُمنح جميع الوزارات السيادية لمقربين منه، وهو ما لم يستطع الدبيبة تمريره بسبب رفض حلفائه في المنطقة الغربية هذه الاشتراطات». متوقعاً تعثر مشروع تشكيل الحكومة الموحدة التي يطالب بها صالح والمشري، «نظراً لتعدد الأطراف والراغبين بها، بالإضافة لتحفظات باتيلي بشأنها». مشيراً في هذا السياق إلى ما أورده باتيلي في إحاطته أمام مجلس الأمن بأن وجود حكومة جديدة «يعد من القضايا الأكثر إثارة للخلاف السياسي، فيما يتعلق بتقييم عمل اللجنة».
أما المحلل السياسي الليبي، إسلام الحاجي، فيرى أن «الصفقة لم تلغَ وإن تباطأت وتيرة التواصل بين الدبيبة وحفتر، مع العمل في الوقت ذاتها على شرعنتها تحت مظلة مجلسَي النواب والأعلى للدولة». وقال بهذا الخصوص: «لقد تغيّرت طريقة تشكيل الحكومة الجديدة، ولن تظهر بصورة تقاسم للسلطة بين أكثر الأطراف الفاعلة على الأرض، وبرعاية عواصم غربية نافذة بالملف الليبي، وهي الطريقة التي جلبت لهم تدريجياً الكثير من الانتقادات، ولكنها ستتحلى بالشرعية عبر إقرارها من المجلسين». وسلط الحاجي الضوء على «التقارب الذي حدث مؤخراً في اجتماع الدبيبة والمشري، بوساطة قيادات تشكيلات مسلحة في العاصمة، ومن قبل ذلك اجتماع صالح ووفد من مجلسه مع حفتر بمقره في الرجمة شرق بنغازي»، مشدداً على أن «ما يحدث ليس عودة للاصطفافات القديمة بين حفتر وعقيلة صالح، والدبيبة وخالد المشري، وإنما محاولة لإكساب هذه الحكومة قدراً من الشرعية عبر تمريرها من المجالس المنوطة بإقرار التشريعات».

أما الزميل أول بمعهد الدراسات الدولية في جامعة «جونز هوبكنز»، الليبي حافظ الغويل، فأعرب عن تشكيكه في تصريحات حفتر والدبيبة، مشدداً على أن «السياسيين يحكَم عليهم من أفعالهم ومواقفهم السابقة وليس من خلال تصريحاتهم». واستبعد الغويل في تصريح لــ«الشرق الأوسط» أن تكون مخرجات (6+6) موضع تطبيق، قائلاً: «ربما يتفقون على الأطر العامة، لكن سرعان ما سيشب الخلاف بينهم حول التفاصيل، وبالتبعية ستستمر الفوضى السياسية الراهنة ما دامت ذات الشخصيات تتحكم بالمشهد».



