مستشار سلفا كير يكشف لـ«الشرق الأوسط» أسباب فشل مبادرة «إيغاد» لحلّ الأزمة السودانية

الدكتور قرنق محذّراً من مغبة إطالة الحرب: البرهان رفض خيارَي لجنة القمة الثلاثية

كاستيلو قرنق مستشار رئيس جنوب السودان لشؤون الرئاسة (الشرق الأوسط)
كاستيلو قرنق مستشار رئيس جنوب السودان لشؤون الرئاسة (الشرق الأوسط)
TT

مستشار سلفا كير يكشف لـ«الشرق الأوسط» أسباب فشل مبادرة «إيغاد» لحلّ الأزمة السودانية

كاستيلو قرنق مستشار رئيس جنوب السودان لشؤون الرئاسة (الشرق الأوسط)
كاستيلو قرنق مستشار رئيس جنوب السودان لشؤون الرئاسة (الشرق الأوسط)

بينما تدخل المواجهة المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شهرها الثالث، كشف دبلوماسي رفيع المستوى من جنوب السودان، أن أسباب فشل مبادرة الـ«إيغاد» لحلّ الأزمة السودانية، يعود لعدم استشارة السودان في خيارين، خرجت بهما نتائج اجتماع رؤساء دول الـ«إيغاد» في القمة الثلاثية في جيبوتي حول أزمة السودان، ترتب عليهما رفض الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش السوداني.

وقال الدكتور كاستيلو قرنق، مستشار رئيس جنوب السودان لشؤون الرئاسة، لـ«الشرق الأوسط»: رفض الفريق أول عبد الفتاح البرهان «اقتراح اللجنة المنبثقة من قمة الـ(إيغاد) بتنظيم لقاء مباشر بينه وبين الفريق أول حميدتي، كما رفض أن يرأس الرئيس الكيني وليم روتو رئاسة اللجنة الرباعية المشكّلة من القمة الثلاثية، بل طالب بإسناد رئاستها إلى سلفا كير ميارديت، رئيس جمهورية جنوب السودان»، مقرّاً أن اجتماع جيبوتي لم ينجح في طرح معادلة أولية مقبولة، لقيادة الجيش السوداني لحلّ الأزمة السودانية.

وحذّر مستشار سلفا كير من مغبة إطالة أمد الصراع المسلح في السودان والانحدار إلى حرب قبلية، ربما تقسم البلاد إلى دويلات وتتمدد إلى دول الجوار بما في ذلك جنوب السودان، مقرّاً في الوقت نفسه أنه ليس هناك مانع في أن تنضم المبادرات إلى جانب المبادرة السعودية - الأميركية. لكنه رهن نجاح أي مبادرة بضرورة استصحاب الرؤية والحضور الأفريقيين لارتباطها بالشأن الأفريقي المتصل بدول الجوار والـ«إيغاد» والاتحاد الأفريقي.

فإلى تفاصيل الحوار:

* لماذا فشل اجتماع الرؤساء الثلاثة في قمة الـ«إيغاد» الثلاثية في جيبوتي حول أزمة السودان؟

- حقيقة، انتهت مخرجات قمة الـ«إيغاد» في جيبوتي بالوصول إلى خيارين، الخيار الأول كان بإضافة رئيس وزراء دوله إثيوبيا للجنة رباعية كمبعوث لـ«إيغاد»، لترتيب لقاء مباشر بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي). وكان من المقترح أن يقابل كلاً على حدة أولاً، ثم يقوم بجمعهما بالخارج من أجل الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، أما الاقتراح الآخر، فاشتمل على أن يقوم الرئيس الكيني وليم روتو برئاسة اللجنة الرباعية. ولكن للأسف؛ فإن الاقتراحين لم يكونا موفقين لأنهما تم اتخاذهما دون مشاورة السودان، وفق ما قالت وزارة الخارجية السودانية، على الرغم من أن نائب رئيس مجلس السيادة الجنرال مالك عقار، كان موجوداً في قمة الـ«إيغاد» ومثّل السودان.

الاقتراحان تم رفضهما من السودان، حيث رفض البرهان لقاء حميدتي، كما رفض أن يرأس الرئيس الكيني وليم روتو رئاسة اللجنة الرباعية المشكلة من الـ«إيغاد»، وطالب السودان أن تعاد رئاسة لجنة وساطة الـ«إيغاد» وتسند إلى سلفا كير ميارديت؛ لأنه هو من يفهم مشاكل السودان أكثر من غيره من الموجودين في عضوية اللجنة المشكلة. وبذلك لم ينجح اجتماع جيبوتي في طرح معادلة أولية مقبولة لقيادة الجيش السوداني لحلّ قضية السودان.

سكان يغادرون منازلهم في جنوب العاصمة السودانية الخرطوم وسط قتال بين الجيش وقوات الدعم السريع (أ.ف.ب)

* ما رؤية حكومة جنوب السودان لحلّ الأزمة السودانية؟

- رؤية حكومة جنوب السودان أن تحل هذه القضية بالطريقة نفسها، التي تم بها حلّ الأزمة الأخيرة في جنوب السودان والسودان، وتتلخص في إيقاف الحرب عن طريق وساطة جنوب السودان؛ لأنه لا يوجد من يفهم مشكلة السودان أكثر من الرئيس سلفا كير ميارديت والجنوبيين؛ ذلك لأن قضايا السودان متداخلة مع جنوب السودان كما يعلم الجميع، وليس لدى جنوب السودان مصالح خاصة غير المصالح المشتركة الواضحة أو المعروفة.

* كيف يتم تنفيذ إيقاف الحرب؟

- يتم ذلك وفق رؤية جنوب السودان بتضامن العالم العربي والدول الأفريقية والمجتمع الدولي مع قياده جنوب السودان لإرساء السلام في جمهورية السودان. كل المحاولات التي يراد بها استثناء جنوب السودان من الوساطة فشلت. حتى بعض الدول العربية لديها مصالح مع هذا الطرف أو ذاك. الرئيس سلفا كير تربطه علاقات مبنية على الثقة مع البرهان ومع حميدتي، فالطرفان يعرفان جيداً بأن جنوب السودان محايد حياداً تاماً. وحتى أبسط الناس يعي بأن ما يضرّ السودان سيضرّ جنوب السودان؛ ففي حربنا تعلمنا أن نحافظ ونحترم التوازنات السياسية الموجودة في السودان.

حرائق جراء الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)

* إلي أي حد هناك مجال للتعاون مع المبادرة السعودية - الأميركية لإدامة الهدنة؟

- ليس هناك ما يمنع من أن يتعاون الاتحاد الأفريقي ودول الـ«إيغاد» مع المبادرة السعودية - الأميركية، غير أنه من المهم أن الاتجاه لتطوير الجهد الجماعي للدول المعنية، خاصة الأفريقية منها؛ بغية إيجاد حل عن طريق وساطة تصطحب معها الرؤية الأفريقية، من خلال الاتحاد الأفريقي والـ«إيغاد» في المبادرة؛ لأنه بالمقابل لا يمكن للأفارقة أن يجدوا حلاًّ لأي قضية عربية دون وجود الجهد والحضور العربي فيها. والأمر نفسه ينطبق أيضاً على القضايا الأميركية في أي قارة من القارات والدول؛ إذ لا بد من وجود الأميركيين في مسرح الحلول، وعلى سبيل المثال يواجه الوفد الأفريقي صعوبات في محاولة التوسط بين روسيا وأوكرانيا.

فهنالك دول أوروبية تقول «بالسر» إن الدور الأفريقي غير مهم بهذه القضية، والغربيون يريدون فقط تأييد دول أفريقية لقضية أوكرانيا دون أن تأتي بمقترحاتها، ألا وهي إيقاف الحرب وإيجاد الحل بالطرق الدبلوماسية. فكما قال رئيس جنوب أفريقيا رامافوسا في خطابه في كييف «من يترك الأفارقة خارج محاولات الوساطة لم يفهم عمق القضية السودانية بالطريقة الصحيحة»؛ ذلك لأن بها جوانب إثنية تتطلب وجود دول الاتحاد الأفريقي لكي لا يتم سوء فهم للحل الخارجي بما يؤدي إلى تعميق الخلافات، ومن هذا المنطلق أرى من الأهمية بمكان إشراك جنوب السودان في محادثات جدة؛ لأن الرئيس سلفا كير ميارديت هو رئيس لجنه وساطة الـ«إيغاد»، وبالتالي إمكانية توحيد مبادرة الـ«إيغاد» مع المبادرة السعودية - الأميركية.

رئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان يلقي خطاباً خلال القمة الاستثنائية الـ39 لـ«إيغاد» في نيروبي في 5 يوليو 2022

* ما مخاطر إطالة الأزمة السودانية على الأمن والسلم في المنطقة؟

- الحروب الطويلة تحدث تغييراً، بغض النظر عن الدول التي قامت فيها، بسيكولوجية الشعوب وتحوليها في كثير من الأحيان من شعوب متفائلة إلى شعوب متشائمة غير متكافلة. والشعب السوداني كان معروفاً في منطقة الشرق الأوسط والخليج بطبيعته وكرمه، فمعظم سكان الخرطوم لم يعلموا ولم يعايشوا مآسي الحروب التي قامت في جنوب السودان وفي دارفور؛ إذ لم يكونوا يعرفون ذلك كما هو الآن، إلا بعد احتكاكهم المباشر بأدوات ومظاهر الحرب، كتلك التي امتدت إلى أكثر من 20 عاماً في جنوب السودان. لذا؛ من الأرجح أنه إذا طال أمد الحرب في السودان فستتغير الشخصية السودانية المعروفة، ومعظم الذين هجروا الخرطوم إلى الخارج أو إلى الريف، في غالب الظن لن يعودوا إلى الخرطوم بعد الحرب؛ لأن الخرطوم غدت مرتبطة بكل المآسي التي ارتُكبت. فمن خرج من السودان لن يتقبل بسهولة بأن السلام ربما يسود ربوع السودان.

آثار ما بعد النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في سوق الجنينة غرب دارفور (أ.ف.ب)

* ما توقعاتك بآثار الحرب على المشهد السياسي المقبل؟

- من الناحية السياسية، ستضعف الحكومة المركزية، ولن يكون من السهل الاحتفاظ بوحدة البلاد وحتى إذا انفصل إقليم دارفور، كما يطالب البعض، فلن يكون هناك سلام في غرب دارفور؛ نظراً لما نراه الآن في دارفور، حيث تسكن أبناء قبيلة المساليت الذين يقتلون في تطهير عرقي. وهناك أيضاً شرق السودان الذي يهدد دائماً بحق تقرير المصير لأنهم يميلون إلى الانفصال. كما أن هناك المسكوت عنه وهو قضيه جنوب كردفان. فإذا لم يتوحد السودانيون ويجدون حلاً سريعاً لقضية الحرب، فستتقسم البلاد دويلات متعددة وضعيفة. وعلى أصحاب الانتماء العربي خارج السودان، ألا يقوموا بتصدير أزماتهم إلى السودان من أجل مصالح وهمية قصير الأمد.

كان الدور العربي في مسألة إيقاف الحرب في جنوب السودان ضعيفاً على أساس فهم وهمي بأن جنوب السودان ضد الإسلام وضد المسلمين. والآن يتقاتل المسلمون السودانيون في ملتقى النيلين وكل طرف يهلل ويكبّر بعد مقتل أخيه «الانتصار الوهمي» فكيف يكون ذلك؟ بعد انتقال الحرب إلى دارفور وربما إلى جنوب كردفان، فلن توجد حواجز طبيعية تمنعها من التمدد إلى جنوب السودان عن طريق إشغال الفتن بين القبائل. فأصحاب العرقيات من القبائل العربية التي تحارب الآن الحكومة في الخرطوم، كما يقال هي القبائل نفسها التي تعيش على طول الحدود في دارفور وغرب كردفان وحدود جنوب السودان، وأحياناً تقوم بينها وبين قبائل جنوب السودان خلافات على الماء والكلأ.

في منطقه الساحل الأفريقي يزداد الجفاف ويمتد إلى مناطق كانت خضراء قبل فترة وجيزة، وبحيرة تشاد فقدت ثلثي مياهها. ومع التغير المناخي سيزداد الجفاف بشدة وينتج من ذلك محاولة هجرة القبائل الرعوية من هذه المناطق في تجاه النيل والمناطق الخضراء في أفريقيا. وبهذا تزداد المعارك اشتعالاً من أجل الموارد، وهذا يعني أن الحروب من أجل الماء والكلأ ستمتد جنوباً إلى دول أفريقية مثل الكونغو وأوغندا وأفريقيا الوسطى، وبهذا يتم تجييش هذه المجتمعات للدفاع عن نفسها. فحذارٍ لمن يظن بأن المشكلة ستظل سودانية بحتة؛ لهذا يريد الرئيس سلفا كير إيقاف الحرب الآن قبل توسعها؛ لأن من يعرف من يشعلون نار الفتنة في السودان لن يعرفوا ولن يأمنوا عواقبها.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

أعلن الجيش السوداني أنه كثّف ضرباته في عدد من محاور القتال ضد «قوات الدعم السريع»، مؤكداً إلحاق خسائر بالأفراد والعتاد.

أحمد يونس (كمبالا)

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
TT

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

اختتم أعضاء مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» في ليبيا جولة ثالثة من الاجتماعات المباشرة في العاصمة طرابلس، بالمطالبة بمراجعة «جوهرية» لمشروع قانون العدالة الانتقالية الحالي، وضمان إبعاد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان عن المشهد السياسي.

وأدرجت بعثة الأمم المتحدة، في بيان، مساء السبت، المناقشات التي انتهت الخميس الماضي، في إطار «الحوار المهيكل» برعاية الأمم المتحدة، لوضع «خريطة طريق» لـ«المساءلة عن تجاوزات الماضي وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة كركيزة أساسية للوصول إلى انتخابات وطنية سلمية».

وشدّد المشاركون في توصياتهم الختامية على أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية» لتلافي «إخفاقات الماضي» التي غذّتها الانقسامات السياسية والمعاملة غير المتساوية للضحايا.

«الحقيقة والعدالة»

واعتبرت هانا تيتيه، رئيسة البعثة الأممية، أن أي تحول ذي مصداقية في ليبيا «يجب أن يتجذر في الحقيقة والعدالة والكرامة للضحايا وعائلاتهم»، مشيرة إلى أنه «لا يمكن استدامة المصالحة الوطنية دون مقاربة قائمة على الحقوق بقيادة وملكية ليبية».

وشملت التوصيات الرئيسية الصادرة عن الاجتماع ضمان استقلال هيئة تقصي الحقائق والمصالحة المزمع إنشاؤها، واعتماد إطار شفاف لجبر الضرر ومنح الأولوية لعودة النازحين، بالإضافة إلى إنهاء ممارسات الاحتجاز التعسفي وحماية الفضاء المدني والصحافيين، وتعزيز تمثيل المرأة والمكونات الثقافية في عملية صنع القرار.

وفي سياق متصل، استعرض المشاركون نتائج استطلاع للرأي العام المحلي شمل نحو 6 آلاف ليبي، عكس حالة من عدم الرضا الشعبي والمخاوف الأمنية؛ حيث أيّد 82 في المائة من المستطلعين استبعاد الشخصيات المتورطة في الانتهاكات والمتسببة في الانقسام من مناصب السلطة.

كما أظهر الاستطلاع أن 67 في المائة من المشاركين لا يزالون يخشون الاعتقال أو الانتقام، ما يشكل عائقاً رئيسياً أمام المشاركة السياسية وحرية التعبير في البلاد التي تعاني عدم استقرار مزمناً منذ سنوات.

وأكّد سفراء وممثلون عن «مجموعة عمل القانون الدولي الإنساني» المنبثقة عن «عملية برلين»، الذين انضموا إلى اليوم الختامي لمناقشات مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان»، على ضرورة استقلال القضاء الليبي كضمانة وحيدة لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب.

الدبيبة يتوسط ليبيات خلال فعاليات إحياء «اليوم الوطني للمرأة الليبية» 26 أبريل (مكتب الدبيبة)

اليوم الوطني للمرأة

على صعيد آخر، حضر رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الأحد، في العاصمة طرابلس، فعاليات الاحتفاء بـ«اليوم الوطني للمرأة الليبية»، المخصص هذا العام للمرأة العاملة بالقطاع الحكومي.

وأكّد الدبيبة خلال كلمته «استمرار دعم الحكومة لبرامج تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مواقع صنع القرار، بما يضمن حضوراً أكثر فاعلية داخل مؤسسات الدولة».

وأشاد بالدور الذي تضطلع به المرأة العاملة في مختلف القطاعات، معتبراً أنها ركيزة أساسية في استقرار المؤسسات واستمرار أدائها، مؤكداً «أن ما حققته من إنجازات يعكس قدرتها على تحمل المسؤولية والمساهمة في دفع عجلة التنمية».

وقالت المبعوثة الأممية، التي التقت مع بعض الليبيات بهذه المناسبة، إنه «رغم التحديات والعقبات، تواصل النساء في ليبيا التقدم للمساهمة في بناء وطنٍ يسوده السلام والازدهار للجميع»، مؤكدة أن النساء «عنصر أساسي في تعزيز وحدة المجتمع الليبي واستقراره وجعله أكثر عدلاً».


وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
TT

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «(اللجنة المركزية لإدارة الأزمات) وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة 11 مساءً، والعودة إلى المواعيد الطبيعية المعمول بها سابقاً».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وترأس رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماع «لجنة الأزمات» لمتابعة مستجدات تداعيات الحرب الإيرانية. وقال الحمصاني إنه «تم خلال الاجتماع استعراض آخر تطورات موقف العمليات العسكرية في المنطقة وانعكاسات تلك العمليات على الأوضاع الاقتصادية، إقليمياً وعالمياً، وكذا على المستوى المحلي».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن جهود مختلف جهات الدولة المعنية للتعامل مع تداعيات ومستجدات هذه الأزمة غير المسبوقة، وما يتم إعداده بشكل متواصل ومستمر من سيناريوهات مختلفة، وفقاً لرؤى وتوقعات أمد الصراع، ومدى اتساع دائرته.

ولفت إلى ما يتم من تنسيق وتعاون بين مختلف الجهات لتأمين أرصدة واحتياطات بكميات ومدد طويلة من السلع والمنتجات البترولية، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، وبما يسهم في توفير وتلبية مختلف المتطلبات الاستهلاكية والإنتاجية.

وشدد مدبولي على «أهمية الاستمرار في تطبيق مختلف الإجراءات الرقابية من جانب الجهات المعنية، سعياً لمزيد من الاستقرار والانضباط في حركة الأسواق ومنعاً لأي تلاعب، وهو الذي من شأنه أن يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة لمختلف المواطنين».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وتابع مدبولي خلال اجتماع «لجنة الأزمة» موقف ما يتم تطبيقه من إجراءات وخطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء، وكذا ما يتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي، مؤكداً «أهمية العمل على تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل ما نشهده من تداعيات لأزمة ألقت بظلالها على مختلف دول المنطقة والعالم، وهو الذي من شأنه أن يسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

كما وجه رئيس الوزراء المصري بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكداً أن «الحكومة تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها».

وكانت قرارات «الترشيد الحكومية» قد واجهت اعتراضات في وقت سابق من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية. وسبق أن ذكرت الحكومة أن قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد جاء بهدف «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وأشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال الاجتماع، الأحد، إلى أن «صندوق النقد الدولي يتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.1 في المائة عام 2026 مقارنة بمعدل بلغ 3.4 في المائة عام 2025. كما يتوقع الصندوق تراجعاً حاداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 1.1 في المائة عام 2026، وذلك يأتي انعكاساً لارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة الطاقة والغذاء، فضلاً عن عزوف المستثمرين عن المخاطر في الأسواق المالية».

كما لفت بحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» إلى «التوقعات والسيناريوهات المرجحة فيما يتعلق بمعدلات التضخم العالمية، وكذا ما يتعلق بمعدلات التجارة العالمية وانخفاض حجم نموها من 5.1 في المائة عام 2025 إلى 2.8 في المائة في عام 2026».


«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

يربط تقرير أممي ودراسة محلية حديثة بين تعثر آليات الرقابة في ليبيا على النحو الأمثل، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب.

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أفاد الأسبوع الماضي بأن «جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي، بما أفضى إلى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة».

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك في لقاء مع نائبتي مبعوثة الأمم المتحدة في طرابلس 24 أبريل 2026 (البعثة الأممية)

وبحسب التقرير، فإن «هذه التشكيلات المسلحة استخدمت أدوات العنف دون مساءلة، ما مكّنها من تعزيز تدفق مكاسبها، وأتاح لها الإفلات من العقاب»، كما أُجبرت مؤسسات الدولة على العمل في «بيئة تكرّس نفوذ هذه الجماعات وتُضعف آليات المساءلة، بما يعزز هيمنتها على الدولة».

ويتفق أبو عجيلة سيف النصر، عضو «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية راهناً، مع هذه المعطيات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشأن الفساد في ليبيا «يتسق مع الواقع». وقال إن هذه الآفة «وجدت بيئة خصبة» في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.

ويشير سيف النصر إلى أن الأجهزة الرقابية «دفعت جزءاً كبيراً من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة».

وأضاف أن ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الأجهزة الرقابية «لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا»، لافتاً إلى أن «وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي».

وسبق أن شدّدت البعثة الأممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتَي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، في طرابلس الأسبوع الماضي مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك.

وتستشعر أحزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن «تشابك بين السلطة وحملة السلاح، والاقتصاد غير المشروع»، واعتبر «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» ذلك «نمط حكم موازياً تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة».

وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون إجراءات ردع كافية. بل خُطف رضا قرقاب، وهو أحد مديري ديوان المحاسبة، عام 2020، وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشأن «عرقلة أعمال الرقابة».

وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تُنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة «الجيش الوطني» الليبي بقيادة خليفة حفتر.

لكن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة و«الجيش الوطني» «استخدما آليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال إطلاق استراتيجية مكافحة الفساد في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ويصف مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» الدكتور مصطفى بن حكومة، هذه الممارسات بأنها «فساد بقوة السلاح»، عاداً أن «هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات أحد أبرز العوائق أمام عمل الأجهزة الرقابية وسبباً رئيسياً في تعطّل مسارات الإصلاح وبناء الدولة».

ويحذر بن حكومة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «مخاطر مستقبلية»، منها «تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد».

وسبق أن أطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. وتشير تقارير دولية إلى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 دولة في 2024، وفق منظمة الشفافية الدولية.

وخلصت دراسة أكاديمية في جامعة فزان، بجنوب ليبيا، حول معوقات أداء الرقابة، إلى أن الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلباً على أدائهم. علماً بأن الدراسة التي أعدّها الباحثان هشام مسعود وإسراء دنكم شملت 70 موظفاً بالديوان.

ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، ما يثير مخاوف «من ضعف قبضته في مكافحة الفساد».

ويرى مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» أن التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، مشدداً على «ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفكّ الارتباط بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحدّ من التدخلات».