من هم لصوص الحرب في الخرطوم؟

آلاف المنازل والمتاجر والمصانع نُهبت وأُحرقت كلياً أو جزئياً

دبابة للجيش السوداني في إحدى نقاط التفتيش بالخرطوم (أ.ف.ب)
دبابة للجيش السوداني في إحدى نقاط التفتيش بالخرطوم (أ.ف.ب)
TT

من هم لصوص الحرب في الخرطوم؟

دبابة للجيش السوداني في إحدى نقاط التفتيش بالخرطوم (أ.ف.ب)
دبابة للجيش السوداني في إحدى نقاط التفتيش بالخرطوم (أ.ف.ب)

لن يستطع أبرع مخرج أفلام رعب تخيل سيناريوهات الرعب في العاصمة السودانية الخرطوم، والتي يحدث فيها أن يقتحم مسلحون بأزياء قوات «الدعم السريع» منزل أسرة، ويطالبوها بإخلائه على الفور، من دون أن يسمحوا لها بأخذ «إبرة» منه، كما لن يستطيع تصوير رعب رب الأسرة السبعيني الذي لا يعلم ماذا اقترف حتى يدفع هذا الثمن الباهظ، هو وزوجته وأبناؤه الخمسة في تلك الليلة الظلماء.

أيضاً، لن يستطع المخرج البارع نفسه تخيل سيناريو رعب أكثر مما تسببه الطائرات الحربية التي تجوب ليلاً سماء المدينة، وتوجه صواريخها، التي قد لا تصيب هدفها، لكنها تقتل الأبرياء وتدمر المنازل وتشعل الحرائق في المصانع، تحت ذريعة الاشتباك مع قوات «الدعم السريع».

فمنذ منتصف الشهر الماضي، احتلت القوات العسكرية المنازل والدور والمنشآت والمستشفيات والوزارات والمصانع والشركات، وسرقت ممتلكات المواطنين في الخرطوم، جراء الحرب التي تجاوزت أسبوعها السابع. فبعض الذين تم الاعتداء على منازلهم من قِبل قوات «الدعم السريع»، طالبوا الجيش، عبر صفحاتهم الرسمية في «فيسبوك»، بهدم المنزل على رؤوس تلك القوات.

الأحياء الثرية الأكثر تضرراً

وتُعدّ مناطق وأحياء «كافوري» و«الرياض» و«الطائف» و«غاردن سيتي» الثرية، أكثر المناطق التي شهدت عمليات سرقة ونهب مستمرة منذ الأيام الأولى للحرب، ونزح كثير من سكانها داخلياً، ولجأ آخرون إلى خارج البلاد. وبعد دخول القوات التي ترتدي زي «الدعم السريع» إلى المنازل لتسرق الذهب والمال والسيارات وغيرها من الأشياء القيمة، تأتي مرحلة ثانية من السرقة يقوم بها مواطنون، ينهبون الأثاث المنزلي والملابس، ولا يتركون شيئاً.

وشهدت منطقة «العمارات» (وسط)، اشتباكات عنيفة بين الجيش و«الدعم السريع»؛ ما يجعل من محاولة دخول المنطقة مخاطرة كبيرة، إذ قُتل كثير من مواطنيها بالقصف بالأسلحة الثقيلة وتم دفنهم داخل منازلهم، ولم يتمكن أقاربهم من دفنهم في مقابر عامة.

أما ضاحية «الجريف» (شرق)، ويفصلها عن الخرطوم «كوبري المنشية»، فقد نشأت فيها سوق حديثة باسم «سوق البيع المخفض» أو «سوق المسروقات»، وتعرض فيها الأجهزة الكهربائية والأثاثات المنزلية المستعملة، غالباً بأسعار زهيدة جداً. فسعر الثلاجة لا يتجاوز 25 ألف جنيه، بينما سعرها في السوق نحو 400 ألف جنيه. أما شاشات التلفزيون الذكية فلا يتجاوز سعر الواحدة منها 10 آلاف جنيه.

مقر الجهاز المركزي للإحصاء بعد أن تم إحراقه في جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

سوق للمسروقات

ويرتاد «سوق المسروقات» مواطنون من المناطق المجاورة، ويؤكد كثيرون أن ما يباع فيها هي ممتلكات مواطنين تمت سرقتها من مناطق مختلفة. فالسعر الزهيد الذي تباع به، وحداثة ميلاد السوق يؤكدان ذلك.

وأثار نشوء هذه السوق نقاشات بين مواطني المنطقة. فبعضهم يطالب بعدم الشراء منها بحجة أن كل محتوياتها مسروقة من مواطنين ومن شركات ومصانع المواد الغذائية، ولا يجوز شراء المال المسروق، بينما يشتري البعض دون الالتفات لمنشأ السلعة.

وقال الجيش في بيان سابق، إنه رصد عمليات هروب كبيرة للمليشيات المتمردة نحو الغرب، على متن مئات العربات بأنواع مختلفة، وجميعها محملة بالمنهوبات. وفي المقابل، فإن قوات «الدعم السريع» تتبرأ من حوادث النهب، وتقول إن أزياءها تُستغل لتنفيذ الجرائم بغرض تشويه سمعتها. وفي وقت سابق، نشر «الدعم السريع» فيديو قال فيه إنه عثر على مخازن مليئة بأزياء قواته وعلاماتها في أحد المقار الأمنية.

وقبل 15 أبريل (نيسان) الماضي، كانت الشرطة تقوم بدورها، وتنتشر في الشارع بكثافة، عندما تعلن لجان المقاومة عن المواكب التي تطالب بإسقاط انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) وكل ما ترتب عليه، وتستخدم عنفاً مفرطاً ضد المحتجين السلميين؛ ما أدى إلى مقتل أكثر من مائة مواطن، لكنها اختفت فجأة وتخلت عن أداء مهمتها مع بداية حرب الخرطوم.

وانسحبت قوات الشرطة من كل المناطق التي كانت تقوم بحراستها وحمايتها بمجرد اندلاع الحرب؛ ما سهل مهمة القوات العسكرية في الدخول إليها، وسهّل أيضاً مهمة اللصوص في الدخول إلى الشركات والمصانع، فتمت سرقتها وحرق بعض أجهزة الحاسوب والملفات المهمة.

عناصر من الجيش السوداني في أحد شوارع الخرطوم الخميس (أ.ف.ب)

واجب الشرطة

ويقول الخبير القانوني، المعز حضرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حماية المدنيين والممتلكات هو واجب الشرطة، وكان يجب عليها أن تقوم بدورها، لكن للأسف اختفت في ظروف غامضة، وتقاعست عن القيام بدورها المنصوص عليه وفق القانون، ويجب فتح بلاغ ضد مدير الشرطة حسب القانون الجنائي، وهذا لا يمنع فتح بلاغات ضد الطرفين المتقاتلين أو أي جهات شاركت في الحرب».

وأشار حضرة إلى أن أفراد الشرطة لم يقوموا بدورهم في حماية مواقع مثل الجامعة الأهلية، التي تم نهبها اللصوص وبعض المدنيين، وقال إن «البلاد تعيش الآن في مرحلة اللادولة»، مضيفاً «تم ضبط لصوص يرتدون ملابس قوات عسكرية، ولا بد من لجنة تحقيق محايدة لضبط المتورطين في هذه الجرائم». لكنه استدرك قائلاً «الآن، لا يمكن الوصول إلى حقائق؛ نظراً لغياب الشرطة والنيابة والقضاء».

وقطع حضرة بأن احتلال قوات «الدعم السريع» المستشفيات أو ارتكابها جرائم ضد المدنيين لا يعطي القوات المسلحة الحق في أن تقصف بالطائرات مواقع سكنية، وقال «القوات المتحاربة خالفت القانون الدولي الإنساني».

وكان وزير الدفاع، الفريق ركن يس إبراهيم، قد أصدر بلاغاً جاء فيه «بما أن قوات التمرد تمادت في إذلال رموز الدولة، من الأدباء والصحافيين والقضاة والأطباء والأسر، وطاردت وقبضت على متقاعدي القوات النظامية، فإننا نوجه نداءنا هذا، ونهيب بكل متقاعدي القوات المسلحة، من ضباط وضباط صف وجنود، وكل القادرين على حمل السلاح، بالتوجه إلى أقرب قيادة عسكرية لتسليحهم؛ تأميناً لأنفسهم وحرماتهم وجيرانهم، وحماية لأعراضهم، والعمل وفق خطط هذه المناطق».

وأدى قرار الوزير إلى انقسام بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ رفض بعضها هذه القرارات، مستنداً إلى كون حماية المدنيين تقع على عاتق الدولة وليس المتقاعدين، وإلى أن انتشار السلاح سيقود إلى حرب أهلية تنسف ما تبقى من السودان، بينما رحب فريق آخر بالقرار، وقال إنه يمكن الاستفادة من خبرات المتقاعدين في تأمين الأحياء السكنية، مشيرين إلى أن «الأمن مسؤولية مشتركة بين الشرطة والمجتمع».

عناصر مسلحة في أحد أحياء الخرطوم (أ.ف.ب)

الواقع الجديد

ورسمت حرب أبريل واقعاً جديداً، ربما ليس في السودان فقط، بل على المستوى الإقليمي، وصار أكثر ما يهم السودانيين هو تثبيت مبدأ تحقيق العدالة وانتهاء عهد سياسية الإفلات من العقاب أو سياسة «عفا الله عما سلف»، التي كان ينتهجها النظام السابق كغطاء للجرائم التي يرتكبها؛ ما دفع خبراء إلى اعتبار أن الثمن الذي يدفعه الشعب لا يجب أن يضيع سدى، بل يجب أن يكون مناسبة لتحقيق عادل يقدم فيه مرتكبو انتهاكات حقوق الإنسان والاعتداءات على المدنيين للمحاسبة والمساءلة.

خبير إدارة الأزمات والتفاوض في «مركز البحوث الإستراتيجية»، أمين إسماعيل، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات «الدعم السريع» هي المسؤولة عن السرقات والسلب والنهب والتخريب الذي حدث في الأسواق والمصانع والمحال التجارية، وتابع «هي التي بدأت بالنهب والتخريب والاحتماء بالمناطق السكنية، واعتدت أيضاً على البنوك والمرافق الاقتصادية». وأضاف «هذه الأمور موثقة بكاميرات مراقبة، ويوجد حديث متفق عليه بالوثائق والدلائل بأن قوات (الدعم السريع) هي المسؤولة».

وأشار إسماعيل إلى أن عصابات «النيقرز»، وهي عصابات مكونة من سكان محليين يعانون الفقر والبطالة والنزوح الداخلي سابقاً، وجدت الفرصة لتكمل نهب ما بدأته قوات «الدعم السريع». وتابع «بعض المجرمين الذين تم إخراجهم من السجون يعيشون من دون وسائل لكسب العيش، وأغلبهم اتجه إلى السلب والنهب».

وتوقع إسماعيل أن تعرض الدولة كل هذه الخسائر على المانحين والوسطاء، وأن تبادر عبر الوكالات وغيرها في تعويض المتضررين حتى يستقيم الاقتصاد ودورة الإنتاج مرة أخرى.


مقالات ذات صلة

«فتيات بلا سند»... مشكلة فاقمتها الحرب في السودان

شمال افريقيا لقطة من فناء «دار الفتيات فاقدات السند» بأم درمان (الشرق الأوسط)

«فتيات بلا سند»... مشكلة فاقمتها الحرب في السودان

تفاقمت الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وتأثرت بها بشدة الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة واحتياجاً، ووقع التأثير بضراوة على الفتيات «فاقدات السند».

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

مقتل 10 أشخاص وتدمير 20 شاحنة جراء استهداف القوافل الإنسانية بالسودان

الانتهاكات في السودان «ليست عشوائية، بل نمط متكرر ومنهجي يقوض قواعد القانون الدولي الإنساني، ويحد من فاعلية الاستجابة الإنسانية...».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

الجيش السوداني يعزز تعاونه عسكرياً مع سلطات غرب ليبيا

على نحو مفاجئ، بحث صلاح النمروش رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية المؤقتة مع مدير الاستخبارات العسكرية بالجيش السوداني الفريق محمد علي صبير سبل التعاون العسكري.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

هز انفجار عنيف وسط العاصمة الخرطوم، ارتجت له حوائط المنازل في عدد من أحياء المدينة، وسُمع صوته المرعب في مناطق بعيدة، بينما تباينت المعلومات حول تحديد نوعه.

أحمد يونس (كمبالا)
الخليج صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيّرة

السعودية تدين استهداف مستشفى الجبلين في السودان

أعربت وزارة الخارجية السعودية عن إدانة المملكة واستنكارها استهداف «قوات الدعم السريع» لمستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض في السودان، مما أسفر عن سقوط…

«الشرق الأوسط» (الرياض)

قاعدة إثيوبية لمساعدة «الدعم السريع»

 صورة التقطتها الأقمار الصناعية تظهر معسكراً في بني شنقول بإثيوبيا يوم 22 يناير 2026 (رويترز)
صورة التقطتها الأقمار الصناعية تظهر معسكراً في بني شنقول بإثيوبيا يوم 22 يناير 2026 (رويترز)
TT

قاعدة إثيوبية لمساعدة «الدعم السريع»

 صورة التقطتها الأقمار الصناعية تظهر معسكراً في بني شنقول بإثيوبيا يوم 22 يناير 2026 (رويترز)
صورة التقطتها الأقمار الصناعية تظهر معسكراً في بني شنقول بإثيوبيا يوم 22 يناير 2026 (رويترز)

أفاد تقرير صادر عن وحدة أبحاث في جامعة يال الأميركية، بأنَّ قاعدة عسكرية إثيوبية قريبة من الحدود السودانية تقدِّم دعماً لـ«قوات الدعم السريع» في السودان.

وقال التقرير إنّ تحليل صور للأقمار الاصطناعية يظهر نشاطاً «يتماشى مع تقديم مساعدة عسكرية لقوات الدعم السريع» في قاعدة إثيوبية في أسوسا بين أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 وأواخر مارس (آذار) 2026».

وذكر معدو البحث أنَّ النتائج «تمثّل دليلاً بصرياً واضحاً على مدى 5 أشهر»، على أنَّ هجمات «الدعم السريع» على ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان كانت تُشن من إثيوبيا.

ورصد الفريق وصول شاحنات مُخصَّصة لنقل السيارات بشكل متكرِّر إلى القاعدة، حيث أفرغت مركبات «تقنية»، وهي شاحنات صغيرة تستخدمها الجماعات المسلّحة بشكل شائع، وقد شوهدت في إطار إمداد وحدات «الدعم السريع» العاملة في ولاية النيل الأزرق.

واتَّهم الجيش السوداني، الشهر الماضي، «الدعم السريع»، بشنّ هجمات «من داخل الأراضي الإثيوبية»، فيما نفت إثيوبيا الاتهامات.


التضخم يتسارع في مصر ويدفع أسراً لمزيد من التقشف

«سوق العتبة» الشعبي في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)
«سوق العتبة» الشعبي في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

التضخم يتسارع في مصر ويدفع أسراً لمزيد من التقشف

«سوق العتبة» الشعبي في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)
«سوق العتبة» الشعبي في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

لم يفاجَأ الموظف الثلاثيني مصطفى من القفزة التي سجلتها معدلات التضخم بمصر خلال مارس (آذار) الماضي؛ فالارتفاع الكبير في الأسعار كان ملموساً، وترك تأثيراً واضحاً على أسرته الصغيرة. ويقول: «رغم محاولات التحوط من الغلاء عبر تخزين بعض السلع الغذائية، لم نسلم من تأثير الزيادات التي طالت كل شيء، ولم يكن أمامنا سوى مزيد من التقشف».

وسجل معدل التضخم في مصر على أساس سنوي نحو 15.2 في المائة خلال مارس الماضي، ارتفاعاً من 13.4 في المائة في فبراير (شباط)، كما ارتفع معدل التضخم على أساس شهري في مارس إلى 3.2 في المائة، مقارنة بـ2.8 في المائة في فبراير، وفق «الجهاز المركزي للإحصاء».

ويضيف مصطفى لـ«الشرق الأوسط» أنه كان يضطر بسبب ارتفاع أسعار وسائل النقل للمشي أحياناً «خصوصاً لو كان المشوار قريباً».

وارتفعت أسعار وسائل النقل في مصر عقب زيادة أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة الشهر الماضي بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، كما ارتفعت أسعار تذاكر القطارات ومترو الأنفاق.

ويسكن الموظف الشاب، الذي يعمل في إحدى شركات القطاع الخاص، بمحافظة الإسكندرية، ولا يجد صعوبة في المشي بجوار البحر لتوفير النفقات، على عكس الطالبة نورهان التي ظل مصروفها ثابتاً رغم ارتفاع تكلفة النقل، ولا يمكنها قطع المسافة سيراً من منزلها في منطقة حدائق المعادي بالقاهرة إلى جامعتها في حي حلوان.

وتقول نورهان لـ«الشرق الأوسط» إن كل شيء تأثر في منزلها بارتفاع الأسعار، خصوصاً طبيعة الوجبات، فتقلص تناول اللحوم المختلفة مثلاً. وتعتمد أسرة نورهان على دخل والدها من معاش حكومي، واضطرت هي للعمل إلى جانب دراستها لتتكفل بالزيادات في مصاريفها.

جولات لمسؤولين حكوميين بمنافذ بيع السلع المخفضة في القاهرة خلال فبراير الماضي (وزارة التموين والتجارة الداخلية)

ويقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس: «الزيادات المتسارعة جعلت أسراً كثيرة عاجزة عن مجاراتها». وتخوف من تأثير ذلك على ملفات حيوية مثل الصحة والتعليم، قائلاً: «قد تعجز كثير من الأسر عن تعليم أبنائها. ولن يقتصر التقشف على الرفاهيات، بل قد يمتد لأساسيات».

وسجل «جهاز الإحصاء» بمصر ارتفاعاً في أسعار الخضراوات بنسبة 21.8 في المائة، وفي اللحوم والدواجن بنسبة 5.9 في المائة، وفي الحبوب والخبز بنسبة 1.5 في المائة.

ويلفت النحاس إلى أن «نسب الزيادة في الأسواق تتجاوز هذه الأرقام؛ إذ إن الجهاز الحكومي يحسب الزيادة بناء على الأسعار الموجودة في سرادقات حكومية مدعومة، ولا تعبر عن مجمل السوق ومختلف المناطق».

«سوق وكالة البلح» في وسط القاهرة المخصص لبيع الملابس المستعملة (الشرق الأوسط)

ويتواصل منحنى التضخم في مصر في اتجاهه التصاعدي منذ بداية العام؛ إذ سجل 1.2 في المائة خلال يناير (كانون الثاني)، مقارنة بـ0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، ثم قفز إلى 2.8 في المائة في فبراير، ثم إلى 3.2 في المائة في مارس.

وتتزايد مخاوف النحاس من أن يكون ارتفاع معدل التضخم في شهر مارس «مجرد بداية لآثار كبيرة يعاني منها المصريون، سواء توقفت حرب إيران أو لم تتوقف».

وتابع: «الزيادة المرتقبة في أجور العاملين الحكوميين التي سيتم تطبيقها في يوليو (تموز) المقبل لن تستطيع تعويض كل هذه الزيادات على السلع».

وكانت الحكومة قد أعلنت رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه (نحو 150 دولاراً) بداية من يوليو، بدلاً من 7 آلاف جنيه.


مصر تخفف إجراءات «الإغلاق المبكر» حتى نهاية أبريل

جانب من اجتماع الحكومة المصرية الخميس (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع الحكومة المصرية الخميس (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تخفف إجراءات «الإغلاق المبكر» حتى نهاية أبريل

جانب من اجتماع الحكومة المصرية الخميس (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع الحكومة المصرية الخميس (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية تخفيف قرارات «الإغلاق المبكر» حتى نهاية أبريل (نيسان) الجاري، وهو ما أرجعه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إلى «تراجع أسعار الوقود عالمياً»، تزامناً مع بدء هدنة بين إيران والولايات المتحدة.

وأعلن مدبولي، خلال مؤتمر صحافي عقده الخميس، تعديل مواعيد غلق المحال التجارية ومدها إلى الساعة 11 مساءً بدءاً من الجمعة حتى يوم 27 أبريل الجاري، وهو موعد نهاية الفترة المحددة لتطبيق «القرارات الاستثنائية» التي أعلنت عنها الحكومة المصرية مع اندلاع «الحرب الإيرانية».

وأشار إلى أن «القرار يأتي بالتزامن مع الاحتفال بعيد القيامة المجيد، وفي إطار التيسير على المواطنين خلال فترة الأعياد، ويتماشى أيضاً مع التطورات الأخيرة المرتبطة بوقف إطلاق النار، والتي انعكست على انخفاض نسبي في أسعار الوقود عالمياً».

وأضاف أن الحكومة تأمل في استمرار حالة الاستقرار خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن الدولة تتابع المستجدات، وتتخذ القرارات المناسبة بما يحقق التوازن بين متطلبات النشاط الاقتصادي واحتياجات المواطنين.

وبدأت الحكومة المصرية، في 28 مارس (آذار) الماضي، تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في 10 مساءً لمدة شهر، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في محافظتَي جنوب سيناء وأسوان، ومدينة الأقصر، ومدينتَي الغردقة ومرسى علم في محافظة البحر الأحمر، والمحال العامة والمنشآت السياحية على النيل في القاهرة والجيزة.

غير أنها عدلت من قرارها، مطلع هذا الشهر، إذ مددت توقيت قرارات «الإغلاق» حتى الساعة 11 مساءً بدلاً من التاسعة مساءً بدءاً من الجمعة الموافق 10 أبريل الحالي حتى الاثنين الموافق 13 أبريل، بناء على توصية «اللجنة المركزية لإدارة الأزمات»، خلال أسبوع أعياد المواطنين الأقباط.

وتهدف الحكومة من قرار «الإغلاق المبكر» إلى تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً.

وواجهت تلك القرارات اعتراضات من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية، وفي ظل مخاوف من فقدان «عمالة المساء» فرص عملهم، إلى جانب تأثيرات أخرى متوقعة على قطاع السياحة، رغم استثناء المنشآت السياحية من قرارات «الغلق المبكر».

وكان مدبولي قد أشار في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي إلى أن «الحكومة اتخذت القرار بعد نقاشات طويلة بهدف تقليل فاتورة استهلاك الوقود والكهرباء، وحتى لا تتأثر حركة الاقتصاد بشكل كامل». وأشار إلى أن «التوفير هنا لا يقتصر على الكهرباء التي تستهلكها المحال التجارية، بل يمتد إلى فاتورة استهلاك الوقود من انتقالات المواطنين لهذه المحال».