من هم لصوص الحرب في الخرطوم؟

آلاف المنازل والمتاجر والمصانع نُهبت وأُحرقت كلياً أو جزئياً

دبابة للجيش السوداني في إحدى نقاط التفتيش بالخرطوم (أ.ف.ب)
دبابة للجيش السوداني في إحدى نقاط التفتيش بالخرطوم (أ.ف.ب)
TT

من هم لصوص الحرب في الخرطوم؟

دبابة للجيش السوداني في إحدى نقاط التفتيش بالخرطوم (أ.ف.ب)
دبابة للجيش السوداني في إحدى نقاط التفتيش بالخرطوم (أ.ف.ب)

لن يستطع أبرع مخرج أفلام رعب تخيل سيناريوهات الرعب في العاصمة السودانية الخرطوم، والتي يحدث فيها أن يقتحم مسلحون بأزياء قوات «الدعم السريع» منزل أسرة، ويطالبوها بإخلائه على الفور، من دون أن يسمحوا لها بأخذ «إبرة» منه، كما لن يستطيع تصوير رعب رب الأسرة السبعيني الذي لا يعلم ماذا اقترف حتى يدفع هذا الثمن الباهظ، هو وزوجته وأبناؤه الخمسة في تلك الليلة الظلماء.

أيضاً، لن يستطع المخرج البارع نفسه تخيل سيناريو رعب أكثر مما تسببه الطائرات الحربية التي تجوب ليلاً سماء المدينة، وتوجه صواريخها، التي قد لا تصيب هدفها، لكنها تقتل الأبرياء وتدمر المنازل وتشعل الحرائق في المصانع، تحت ذريعة الاشتباك مع قوات «الدعم السريع».

فمنذ منتصف الشهر الماضي، احتلت القوات العسكرية المنازل والدور والمنشآت والمستشفيات والوزارات والمصانع والشركات، وسرقت ممتلكات المواطنين في الخرطوم، جراء الحرب التي تجاوزت أسبوعها السابع. فبعض الذين تم الاعتداء على منازلهم من قِبل قوات «الدعم السريع»، طالبوا الجيش، عبر صفحاتهم الرسمية في «فيسبوك»، بهدم المنزل على رؤوس تلك القوات.

الأحياء الثرية الأكثر تضرراً

وتُعدّ مناطق وأحياء «كافوري» و«الرياض» و«الطائف» و«غاردن سيتي» الثرية، أكثر المناطق التي شهدت عمليات سرقة ونهب مستمرة منذ الأيام الأولى للحرب، ونزح كثير من سكانها داخلياً، ولجأ آخرون إلى خارج البلاد. وبعد دخول القوات التي ترتدي زي «الدعم السريع» إلى المنازل لتسرق الذهب والمال والسيارات وغيرها من الأشياء القيمة، تأتي مرحلة ثانية من السرقة يقوم بها مواطنون، ينهبون الأثاث المنزلي والملابس، ولا يتركون شيئاً.

وشهدت منطقة «العمارات» (وسط)، اشتباكات عنيفة بين الجيش و«الدعم السريع»؛ ما يجعل من محاولة دخول المنطقة مخاطرة كبيرة، إذ قُتل كثير من مواطنيها بالقصف بالأسلحة الثقيلة وتم دفنهم داخل منازلهم، ولم يتمكن أقاربهم من دفنهم في مقابر عامة.

أما ضاحية «الجريف» (شرق)، ويفصلها عن الخرطوم «كوبري المنشية»، فقد نشأت فيها سوق حديثة باسم «سوق البيع المخفض» أو «سوق المسروقات»، وتعرض فيها الأجهزة الكهربائية والأثاثات المنزلية المستعملة، غالباً بأسعار زهيدة جداً. فسعر الثلاجة لا يتجاوز 25 ألف جنيه، بينما سعرها في السوق نحو 400 ألف جنيه. أما شاشات التلفزيون الذكية فلا يتجاوز سعر الواحدة منها 10 آلاف جنيه.

مقر الجهاز المركزي للإحصاء بعد أن تم إحراقه في جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

سوق للمسروقات

ويرتاد «سوق المسروقات» مواطنون من المناطق المجاورة، ويؤكد كثيرون أن ما يباع فيها هي ممتلكات مواطنين تمت سرقتها من مناطق مختلفة. فالسعر الزهيد الذي تباع به، وحداثة ميلاد السوق يؤكدان ذلك.

وأثار نشوء هذه السوق نقاشات بين مواطني المنطقة. فبعضهم يطالب بعدم الشراء منها بحجة أن كل محتوياتها مسروقة من مواطنين ومن شركات ومصانع المواد الغذائية، ولا يجوز شراء المال المسروق، بينما يشتري البعض دون الالتفات لمنشأ السلعة.

وقال الجيش في بيان سابق، إنه رصد عمليات هروب كبيرة للمليشيات المتمردة نحو الغرب، على متن مئات العربات بأنواع مختلفة، وجميعها محملة بالمنهوبات. وفي المقابل، فإن قوات «الدعم السريع» تتبرأ من حوادث النهب، وتقول إن أزياءها تُستغل لتنفيذ الجرائم بغرض تشويه سمعتها. وفي وقت سابق، نشر «الدعم السريع» فيديو قال فيه إنه عثر على مخازن مليئة بأزياء قواته وعلاماتها في أحد المقار الأمنية.

وقبل 15 أبريل (نيسان) الماضي، كانت الشرطة تقوم بدورها، وتنتشر في الشارع بكثافة، عندما تعلن لجان المقاومة عن المواكب التي تطالب بإسقاط انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) وكل ما ترتب عليه، وتستخدم عنفاً مفرطاً ضد المحتجين السلميين؛ ما أدى إلى مقتل أكثر من مائة مواطن، لكنها اختفت فجأة وتخلت عن أداء مهمتها مع بداية حرب الخرطوم.

وانسحبت قوات الشرطة من كل المناطق التي كانت تقوم بحراستها وحمايتها بمجرد اندلاع الحرب؛ ما سهل مهمة القوات العسكرية في الدخول إليها، وسهّل أيضاً مهمة اللصوص في الدخول إلى الشركات والمصانع، فتمت سرقتها وحرق بعض أجهزة الحاسوب والملفات المهمة.

عناصر من الجيش السوداني في أحد شوارع الخرطوم الخميس (أ.ف.ب)

واجب الشرطة

ويقول الخبير القانوني، المعز حضرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حماية المدنيين والممتلكات هو واجب الشرطة، وكان يجب عليها أن تقوم بدورها، لكن للأسف اختفت في ظروف غامضة، وتقاعست عن القيام بدورها المنصوص عليه وفق القانون، ويجب فتح بلاغ ضد مدير الشرطة حسب القانون الجنائي، وهذا لا يمنع فتح بلاغات ضد الطرفين المتقاتلين أو أي جهات شاركت في الحرب».

وأشار حضرة إلى أن أفراد الشرطة لم يقوموا بدورهم في حماية مواقع مثل الجامعة الأهلية، التي تم نهبها اللصوص وبعض المدنيين، وقال إن «البلاد تعيش الآن في مرحلة اللادولة»، مضيفاً «تم ضبط لصوص يرتدون ملابس قوات عسكرية، ولا بد من لجنة تحقيق محايدة لضبط المتورطين في هذه الجرائم». لكنه استدرك قائلاً «الآن، لا يمكن الوصول إلى حقائق؛ نظراً لغياب الشرطة والنيابة والقضاء».

وقطع حضرة بأن احتلال قوات «الدعم السريع» المستشفيات أو ارتكابها جرائم ضد المدنيين لا يعطي القوات المسلحة الحق في أن تقصف بالطائرات مواقع سكنية، وقال «القوات المتحاربة خالفت القانون الدولي الإنساني».

وكان وزير الدفاع، الفريق ركن يس إبراهيم، قد أصدر بلاغاً جاء فيه «بما أن قوات التمرد تمادت في إذلال رموز الدولة، من الأدباء والصحافيين والقضاة والأطباء والأسر، وطاردت وقبضت على متقاعدي القوات النظامية، فإننا نوجه نداءنا هذا، ونهيب بكل متقاعدي القوات المسلحة، من ضباط وضباط صف وجنود، وكل القادرين على حمل السلاح، بالتوجه إلى أقرب قيادة عسكرية لتسليحهم؛ تأميناً لأنفسهم وحرماتهم وجيرانهم، وحماية لأعراضهم، والعمل وفق خطط هذه المناطق».

وأدى قرار الوزير إلى انقسام بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ رفض بعضها هذه القرارات، مستنداً إلى كون حماية المدنيين تقع على عاتق الدولة وليس المتقاعدين، وإلى أن انتشار السلاح سيقود إلى حرب أهلية تنسف ما تبقى من السودان، بينما رحب فريق آخر بالقرار، وقال إنه يمكن الاستفادة من خبرات المتقاعدين في تأمين الأحياء السكنية، مشيرين إلى أن «الأمن مسؤولية مشتركة بين الشرطة والمجتمع».

عناصر مسلحة في أحد أحياء الخرطوم (أ.ف.ب)

الواقع الجديد

ورسمت حرب أبريل واقعاً جديداً، ربما ليس في السودان فقط، بل على المستوى الإقليمي، وصار أكثر ما يهم السودانيين هو تثبيت مبدأ تحقيق العدالة وانتهاء عهد سياسية الإفلات من العقاب أو سياسة «عفا الله عما سلف»، التي كان ينتهجها النظام السابق كغطاء للجرائم التي يرتكبها؛ ما دفع خبراء إلى اعتبار أن الثمن الذي يدفعه الشعب لا يجب أن يضيع سدى، بل يجب أن يكون مناسبة لتحقيق عادل يقدم فيه مرتكبو انتهاكات حقوق الإنسان والاعتداءات على المدنيين للمحاسبة والمساءلة.

خبير إدارة الأزمات والتفاوض في «مركز البحوث الإستراتيجية»، أمين إسماعيل، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات «الدعم السريع» هي المسؤولة عن السرقات والسلب والنهب والتخريب الذي حدث في الأسواق والمصانع والمحال التجارية، وتابع «هي التي بدأت بالنهب والتخريب والاحتماء بالمناطق السكنية، واعتدت أيضاً على البنوك والمرافق الاقتصادية». وأضاف «هذه الأمور موثقة بكاميرات مراقبة، ويوجد حديث متفق عليه بالوثائق والدلائل بأن قوات (الدعم السريع) هي المسؤولة».

وأشار إسماعيل إلى أن عصابات «النيقرز»، وهي عصابات مكونة من سكان محليين يعانون الفقر والبطالة والنزوح الداخلي سابقاً، وجدت الفرصة لتكمل نهب ما بدأته قوات «الدعم السريع». وتابع «بعض المجرمين الذين تم إخراجهم من السجون يعيشون من دون وسائل لكسب العيش، وأغلبهم اتجه إلى السلب والنهب».

وتوقع إسماعيل أن تعرض الدولة كل هذه الخسائر على المانحين والوسطاء، وأن تبادر عبر الوكالات وغيرها في تعويض المتضررين حتى يستقيم الاقتصاد ودورة الإنتاج مرة أخرى.


مقالات ذات صلة

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

شمال افريقيا «الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

أعلنت «قوات الدعم السريع» في ولاية النيل الأزرق السيطرة على محلية الكرمك الاستراتيجية قرب الحدود مع إثيوبيا.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانية تتلقى العلاج فى أحد مستشفيات أم درمان (رويترز)

مقتل أكثر من 500 مدني بضربات بمسيّرات في السودان هذا العام

أعلنت الأمم المتحدة أنَّ أكثر من 500 مدني قُتلوا بضربات نُفِّذت بمسيّرات في السودان بين يناير (كانون الثاني) ومنتصف مارس (آذار)، قضى معظمهم في منطقة كردفان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون في تشاد (رويترز - أرشيفية)

تشاد تنقل لاجئين سودانيين بشكل طارئ من منطقة حدودية

قال مسؤول في وكالة معنية بشؤون اللاجئين في تشاد لوكالة «رويترز» للأنباء، الاثنين، إن بلاده بدأت نقل لاجئين بشكل طارئ من منطقة محاذية لحدودها مع السودان.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات فررن من العنف في إقليم دارفور السوداني يُحضِّرن وجبة الإفطار بجوار ملاجئهن المؤقتة قرب الحدود بين السودان وتشاد في كوفرون التشادية يوم 11 مايو 2023 (رويترز)

مقتل 15 شخصاً بقصف على مدينة لقاوة في السودان

قُتل 15 شخصاً على الأقل في قصف على مدينة لقاوة بولاية غرب كردفان، جنوب السودان، الاثنين، حسبما أفاد مصدر طبي «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أرشيفية لمستشفى ميداني شمال دارفور (رويترز)

الجيش السوداني ينفي ضلوعه في مجزرة «مستشفى الضعين» بشرق دارفور

ارتفعت حصيلة ضحايا قصف مستشفى مدينة الضعين عاصمة ولاية شرق دارفور، إلى أكثر من 150 شخصاً بين قتيل وجريح، ونفى الجيش السوداني مسؤوليته.

أحمد يونس (كمبالا)

مصر تُسرّع وتيرة اكتشافات الغاز المحلية لمواجهة آثار الاضطرابات العالمية

مصر توسع وتيرة اكتشافات الغاز المحلية لمواجهة آثار الاضطرابات العالمية (وزارة البترول المصرية)
مصر توسع وتيرة اكتشافات الغاز المحلية لمواجهة آثار الاضطرابات العالمية (وزارة البترول المصرية)
TT

مصر تُسرّع وتيرة اكتشافات الغاز المحلية لمواجهة آثار الاضطرابات العالمية

مصر توسع وتيرة اكتشافات الغاز المحلية لمواجهة آثار الاضطرابات العالمية (وزارة البترول المصرية)
مصر توسع وتيرة اكتشافات الغاز المحلية لمواجهة آثار الاضطرابات العالمية (وزارة البترول المصرية)

تُسرع مصر وتيرة اكتشافات الغاز المحلية لمواجهة آثار الاضطرابات العالمية، بعد تأثر إمدادات البترول والطاقة بسبب الحرب الإيرانية.

وأعلنت «وزارة البترول والثروة المعدنية» المصرية عن اكتشاف حقل غاز جديد في الصحراء الغربية. وقالت في بيان، الثلاثاء، إنه في «إطار نتائج جهود تحفيز الاستثمار لزيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي، وتقليل فاتورة الاستيراد، نجحت شركة (أباتشي) العالمية بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للبترول، في تحقيق كشف جديد للغاز الطبيعي بالصحراء الغربية، وذلك عقب حفر البئر الاستكشافية (SKAL-1X) بمنطقة جنوب كلابشة».

وأظهرت نتائج الاختبارات الأولية للبئر تحقيق معدلات إنتاج يومية تُقدر بنحو 26 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، و2700 برميل متكثفات. وأكدت وزارة البترول «أن هذا الكشف يعكس نجاح الحوافز والإجراءات التي نفذتها الوزارة، والتي أسهمت في تشجيع (أباتشي) على التوسع في أنشطة البحث والاستكشاف وزيادة استثماراتها، خصوصاً في المناطق الجديدة المجاورة لمناطق امتيازها القائمة».

وقالت خبيرة الطاقة في مصر، الدكتورة وفاء علي، إن «لمصر خطة جيدة للتوسع في اكتشافات الغاز بما يسهم في تقليل فاتورة الاستيراد»، وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تطمح إلى إنتاج نحو 4.2 مليار قدم مكعب من الغاز عبر توسيع مناطق البحث والاستكشاف، سواء في الصحراء الغربية أو المناطق العميقة شرق المتوسط».

وتؤكد أن «خطط الحكومة المصرية للتوسع في اكتشافات الغاز، تتضمن حفر 101 بئر خلال العام الحالي». وتضيف: «ساهمت زيادة التدفقات والمخصصات المالية لعمليات البحث والاستكشاف في عمليات التوسع الجغرافي، حيث تشمل الخطط تغطية نحو 100 ألف كيلو متر مربع بالصحراء الغربية، ونحو 95 ألف كيلو متر مربع في منطقة شرق المتوسط».

مصر تطمح إلى حفر 101 بئر غاز خلال العام الحالي (وزارة البترول المصرية)

ووصلت إلى المياه الإقليمية المصرية، الاثنين، سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12»، لبدء مرحلة جديدة من أنشطة حفر آبار الغاز في البحر المتوسط، ضمن برنامج يستهدف حفر 4 آبار جديدة لصالح شركتي «بي بي» البريطانية و«أركيوس إنرجي». وحسب وزارة البترول، من المقرر أن «تبدأ السفينة بحفر بئر إنتاجية وأخرى استكشافية لصالح شركة (بي بي) على أن يعقب ذلك حفر بئرين استكشافيتين لصالح (أركيوس إنرجي) الكيان المشترك بين (بي بي) و(أدنوك) الإماراتية».

وتتحسب مصر لأزمة في الطاقة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، ورفعت الحكومة أخيراً أسعار المحروقات (البنزين والسولار وأسطوانات الغاز) بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة.

وذكرت وزارة البترول أن «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، أدّيا إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي».

ويرى الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور كريم العمدة، أن «توسع مصر في اكتشافات الغاز يكتسب أهمية مضاعفة في الظروف الراهنة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التوسع في اكتشاف الغاز محلياً يقلل تكلفة فاتورة الاستيراد، ويخفف الضغط على العملة المحلية، كما يقلل الحاجة إلى الدولار، ويحد أيضاً من ارتفاع أسعار السلع التي تتأثر بفاتورة الطاقة».

إحدى السفن خلال التنقيب عن الغاز بمنطقة شرق المتوسط الأسبوع الماضي (وزارة البترول المصرية)

وحسب العمدة، فإن «تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك فيما يتعلق بالطاقة يحقق استقراراً اقتصادياً ويعزز خطط التنمية ويضمن استقراراً نسبياً في الأسواق».

وأكد وزير البترول والثروة المعدنية المصري، كريم بدوي، أن «قطاع البترول يواصل العمل على زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الفاتورة الاستيرادية»، وقال في تصريحات أخيراً إن «الوزارة تتبنى خطة خمسية بالتعاون مع شركائها لزيادة الاكتشافات والإنتاج، حيث أعلنت شركة (إيني) الإيطالية خطة استثمارية بنحو 8 مليارات دولار، و(بي بي) البريطانية بنحو 5 مليارات دولار، و(أركيوس) الإماراتية بنحو ملياري دولار، إلى جانب تعزيز (شل) العالمية لاستثماراتها في البحث عن الغاز وإنتاجه في البحر المتوسط».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


هل يؤثر التقشف الحكومي بسبب الحرب الإيرانية في حياة المصريين؟

 إجراءات تقشفية تبدأ السبت المقبل (الشرق الأوسط)
إجراءات تقشفية تبدأ السبت المقبل (الشرق الأوسط)
TT

هل يؤثر التقشف الحكومي بسبب الحرب الإيرانية في حياة المصريين؟

 إجراءات تقشفية تبدأ السبت المقبل (الشرق الأوسط)
إجراءات تقشفية تبدأ السبت المقبل (الشرق الأوسط)

أثارت إجراءات «التقشف» التي أعلنت الحكومة المصرية تطبيقها بسبب «الحرب الإيرانية»، تساؤلات بشأن مدى تأثيرها في حياة المصريين.

وقررت الحكومة «إغلاق المحال التجارية والكافيهات في التاسعة مساءً، بداية من السبت المقبل، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، ووقف بعض بنود الإنفاق وتأجيل أخرى».

ويستقبل الثلاثيني طارق عبد اللطيف، الذي يقطن في محافظة الإسكندرية، ويعمل في «مركز أشعة» بقلق «قرارات التقشف خاصة المتعلقة بالمحال». وقال إنها ذكرته بقرار مماثل بـ«تبكير غلق المحال» وقت «جائحة كورونا» قبل سنوات، حين طبقت مصر «حظراً للتجوال». ووقتها لم يكن عبد اللطيف قد تزوج بعد، أما الآن فقد اعتاد هو وزوجته أن «يذهبا لشراء احتياجاتهما المنزلية في المساء بعد انتهاء مواعيد العمل»، لكنه بعد القرارات الأخير، «سيضطر لشرائها صباحاً قبل الذهاب إلى العمل، وهو أمر مرهق ومربك للزوجين».

واستعاد كثيرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً، ذكريات «أيام كورونا» وغلق المحال «مبكراً»، وانتقدوا القرارات الحكومية الجديدة، التي قالوا إنها «سوف تغير طريقة حياتهم المسائية».

لكن مراقبين شككوا في تنفيذ القرارات خصوصاً في المناطق الشعبية التي اعتاد سكانها «الجلوس في المقاهي لساعات متأخرة، فضلاً عن استمرار فتح المحال والمتاجر بهذه الأحياء.

الباحث الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، وصف «التقشف الحكومي» بأنه «اقتصاد الضرورة» بمعنى قصر الإنفاق على الضرورة القصوى، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن ما اتخذته الحكومة ليس «تقشفاً» بالمعنى الحرفي إنما قرارات لترشيد الإنفاق. كما يرى الخبير الاقتصادي، خالد الشافعي، أن «المستهدف الرئيسي من إعلان الحكومة هو ترشيد الإنفاق داخل الوزارات والجهات الرسمية».

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)

وشهدت مصر موجات متتالية من التضخم، سجل معدله على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أخيراً، إنه وجَّه بغلق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة، في السادسة مساءً، على أن يُكمل الوزراء أعمالهم الإدارية من منازلهم إن احتاجوا لذلك.

لكن الشافعي انتقد قرار تبكير غلق المحال التجارية، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «يؤثر في عديد من القطاعات والأنشطة، وليس الأنسب لبلد سياحي مثل مصر»، مطالباً «الحكومة بإعادة النظر فيه». بينما يرى مهدي في القرار جانباً إيجابياً وآخر سلبياً، حيث يتمثل «الإيجابي» في تخفيف تحمُّل موازنة الدولة مصروفات الطاقة التي تزايدت بعد الحرب الإيرانية بفعل زيادة أسعار المواد البترولية، ومن ثم سيعود بالإيجاب على الاقتصاد، خصوصاً لو كان بديلاً لرفع أسعار الكهرباء على المواطنين.

أما الجانب السلبي بحسب مهدي، فيتمثل في تأثر عديد من الأنشطة والمشروعات التي يتزايد الإقبال عليها خلال ساعات المساء، مثل المولات والكافيهات غيرها، وهي أنشطة هامة جداً للطبقة الوسطى، مطالباً أن «تكون هذه الإجراءات لمدة محدودة».

مواطنون مصريون ينتقدون قرارات الحكومة التقشفية (الشرق الأوسط)

وكان مدبولي قد قرر تطبيق هذه القرارات لمدة شهر واحد. وتعهد في حال انتهاء حرب إيران عدم تمديدها. ورغم أن قرار غلق المحال مبكراً هو الأكثر تأثيراً في المواطنين، فإنه ليس الوحيد الذي وصل أثره إليهم؛ إذ انزعج كثيرون من «تخفيف الإضاءة على الطرق، خصوصاً مع غلقها تماماً في بعض المناطق»، عكس توجيه مدبولي الذي حدد قراره في «غلق إضاءة الإعلانات الكبرى، وتخفيف الإضاءة على الطرق إلى الحد الأدنى، دون أن يؤثر ذلك في اشتراطات السلامة».

ولاحظت العشرينية فاطمة مصطفى إطفاء الإضاءة على طرق كانت مضاءة في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة؛ ما أثر في مستوى الأمان عند استخدامها الطريق، وفق ما قالته لـ«الشرق الأوسط».

الأمر نفسه لاحظته زهراء أشرف، لكن في ضاحية التجمع الخامس (شرق القاهرة)، متسائلة: «لماذا لا يتم إطفاء عمود وإنارة الآخر حتى لا يغرق الطريق في الظلام بشكل مخيف؟». وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «إطفاء الإنارة على الطرق يسبب مخاوف لدى كثيرين؛ لذا سوف يضطرون إلى عدم الخروج من المنازل مساءً».

إلا أن الخمسينية سعاد محمد، الموظفة في إحدى المصالح الحكومية، تترقب قرار العمل من المنزل ليوم أو يومين أسبوعياً، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن القرار «يؤدي إلى توفير للطاقة بالعمل، وفي مصروفات تنقلي يومياً، خصوصاً أن عملي إدارياً يمكن إنهاؤه من المنزل».

وكان مدبولي قد أشار خلال المؤتمر الصحافي، أخيراً، إلى أن «لجنة الأزمات» في مجلس الوزراء تدرس تطبيق قرار العمل من المنزل في المؤسسات الحكومية والخاصة ليوم أو يومين في الأسبوع، لتوفير الطاقة، في حال استمرار الحرب.


«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا
TT

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

أعلنت قوات «تحالف تأسيس» سيطرتها الكاملة على محلية الكرمك بولاية النيل الأزرق، بما في ذلك مدينة الكرمك ذات الأهمية الاستراتيجية قرب الحدود مع إثيوبيا، وذلك عقب معارك عنيفة استمرت لساعات مع قوات الجيش السوداني وحلفائه. وبثت القوات مقاطع مصورة تُظهر انتشار عناصرها داخل المدينة ومقر اللواء 16 التابع للفرقة 14 مشاة، فيما تحدثت عن تحقيق مكاسب ميدانية كبيرة شملت الاستيلاء على معدات عسكرية وتكبيد الجيش خسائر بشرية ومادية. ولم يصدر تعليق رسمي من الجيش، الذي يلتزم عادة الصمت حيال خسائره الميدانية.

تأتي هذه التطورات في وقتٍ اشتعلت فيه جبهة النيل الأزرق، المحاذية للحدود الإثيوبية، من جديد، وسط تصاعد اتهامات الجيش السوداني للسلطات في إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع»، بما في ذلك إطلاق طائرات مسيّرة انطلاقاً من أراضيها باتجاه الداخل السوداني. وتُعد هذه الجبهة من أخطر مسارح العمليات العسكرية، نظراً لموقعها الحدودي الذي يربط السودان بكل من إثيوبيا وجنوب السودان، ما يجعلها ممراً حيوياً للإمدادات والتحركات العسكرية، فضلاً عن طبيعتها الجغرافية الوعرة التي توفر غطاءً مثالياً للتمركز والمناورة. كما أن السيطرة على الكرمك تفتح الطريق نحو مدينة الدمازين، عاصمة الولاية، وهو ما قد يؤدي إلى تغيير موازين القوى في الإقليم، ويمنح الطرف المسيطر أفضلية استراتيجية في إدارة الصراع الممتد.

صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية في يناير الماضي تُظهِر معسكراً في إثيوبيا في إطار اتهامات بتدريب عناصر لـ«الدعم السريع» (رويترز)

وأفادت «قوات الدعم السريع»، في بيان، بأنها «حررت» مدينة الكرمك بالكامل إلى جانب منطقتي البركة والكيلي، بعد معارك وصفتها بالشرسة مع الجيش والحركات المتحالفة معه، مشيرة إلى أنها أوقعت خسائر كبيرة في صفوف خصومها، واستولت على عشرات المركبات القتالية وعدد من الدبابات وكميات من الأسلحة. كما أعلنت نشر قواتها لتأمين المناطق التي سيطرت عليها، مؤكدة عزمها مواصلة التقدم في محاور القتال المختلفة.

في المقابل، لم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش السوداني، في وقت أفاد فيه شهود عيان بتحركات لقوات «تحالف تأسيس» نحو مناطق جديدة، بينها بلدة دندرو، بالتزامن مع موجة نزوح واسعة من قرى ومناطق مجاورة شملت مقجة وسركم والسلك وملكن وأبيقو، نتيجة تصاعد حدة المواجهات واتساع رقعتها. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن السيطرة على الكرمك لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت نتيجة سلسلة عمليات عسكرية متدرجة نفذتها «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها خلال الأشهر الماضية، حيث تمكنت منذ مطلع العام من السيطرة على مواقع استراتيجية عدة في محيط المحلية، من بينها قاعدة السلك العسكرية وبلدات أحمر سيدك وملكن، قبل أن توسع نطاق عملياتها أخيراً لتشمل مناطق مثل جروط وخور البودي، ما مهد الطريق لإحكام السيطرة على المدينة.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) يُحيي حشداً خلال تجمع سابق في ولاية نهر النيل بالسودان (أ.ب)

وتكتسب الكرمك أهمية مضاعفة، ليس فقط بسبب موقعها الحدودي، بل لكونها تمثل عقدة ربط حيوية بين طرق برية تمتد نحو إثيوبيا وجنوب السودان، وهو ما يمنح السيطرة عليها قدرة على التحكم في خطوط الإمداد والتواصل العسكري. كما أن الطبيعة الجبلية للمنطقة تجعلها نقطة مثالية للمراقبة والرصد، الأمر الذي ينعكس مباشرة على موازين القوى في ولاية النيل الأزرق والمناطق المجاورة. ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا التصعيد إلى فتح جبهة قتال أوسع في الإقليم، خصوصاً مع استمرار الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم الخارجي، واحتمال امتداد العمليات باتجاه مدينة الدمازين، ما قد ينذر بمرحلة جديدة من الصراع أكثر تعقيداً في جنوب شرق السودان.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended