«مؤتمر برلين»... تعهدات بمساعدات للسودان وآمال في دعم جهود السلام

تحدث عن «أزمة إنسانية كارثية» وعن «خذلان» للشعب السوداني

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«مؤتمر برلين»... تعهدات بمساعدات للسودان وآمال في دعم جهود السلام

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

تزامناً مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، استضافت العاصمة الألمانية برلين، الأربعاء، مؤتمراً التقت فيه جهات مانحة ومنظمات إنسانية وأممية وممثلون لحكومات بهدف دعم جهود السلام وحشد تعهدات بتقديم مساعدات للسودان.

وفي ختام المؤتمر، الذي انعقد برعاية ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، تعهد المانحون بتقديم 1.3 مليار يورو (1.5 مليار دولار) على شكل مساعدات للسودان.

وهذا هو المؤتمر الدولي الثالث حول السودان بعد مؤتمرين في باريس ولندن. وكانت تعهدات المساعدات الإنسانية في باريس قد بلغت نحو ملياري يورو، وفي لندن نحو مليار يورو.

وغاب عن «مؤتمر برلين» ممثلون عن طرفي الحرب: الجيش السوداني والحكومة الموالية له، و«قوات الدعم السريع».

جانب من «مؤتمر برلين» الدولي بشأن السودان الذي تزامن مع دخول حربه عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

وقبل انطلاقه، انتقدت الحكومة السودانية إقدام ألمانيا على استضافته، قائلة إن هذا «يمثل تدخلاً مفاجئاً وغير مقبول» في الشأن الداخلي، إذ يأتي دون التشاور معها.

وقالت وزارة الخارجية في بيان أوردته وكالة السودان للأنباء، الأربعاء، إن الحكومة «تستغرب أن تجيء هذه الخطوة المغلفة باهتمام بالشأن الإنساني دون تشاور وتنسيق مع حكومة السودان ودعوتها، وتجاهل الرؤى المطروحة من الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية، مما يعكس نهج الوصاية الاستعماري الذى لا تزال تمارسه بعض الدول الغربية، وتحاول من خلاله فرض أجندتها ورؤيتها على الدول والشعوب الحرة».

التعهد بالمساعدات

في افتتاح المؤتمر دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمد علي يوسف، إلى مزيد من التركيز الإعلامي على «الأزمة الإنسانية الكارثية» التي خلفتها الحرب؛ في حين تحدث المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، عن أهميته البالغة لدعم وصول المساعدات الإنسانية إلى السودان ووقف الحرب.

رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمد علي يوسف في «مؤتمر برلين» الدولي بشأن السودان يوم الأربعاء (أ.ب)

وتركز المؤتمر على تعهدات المساعدات الإنسانية. ووفقاً للأمم المتحدة، لم يجرِ تأمين سوى نحو 16 في المائة من التمويل المطلوب لعام 2026 حتى الآن.

وخلال المؤتمر، أعلن وزير ‌الخارجية الألماني يوهان فاديفول أن بلاده تعهدت بتقديم 212 مليون يورو (249.97 مليون دولار) مساعدات إنسانية للسودان.

وكانت وزارة التنمية الألمانية قد أشارت في بيان إلى تقديمها حتى نهاية العام الماضي 155.4 مليون يورو لمشروعات في السودان ودول الجوار المتضررة.

وقبيل المؤتمر، عبَّرت ألمانيا عن أملها في أن يتعهد المانحون بأكثر من مليار دولار، وقال فاديفول: «نريد أن نصل إلى أكثر مما حققه مؤتمر لندن العام الماضي وهو مليار دولار».

وأضاف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنه رغم أن تركيز الدبلوماسية العالمية منصب حالياً على أوكرانيا وإيران، فإن «هذه الكارثة الإنسانية الكبيرة في أفريقيا ينبغي ألا تُنسى». وعبَّر عن أمله في أن يتيح اجتماع برلين فرصة «للأطراف على الأرض للتحدث معاً».

وزير ‌الخارجية الألماني يوهان فاديفول خلال «مؤتمر برلين» الدولي بشأن السودان يوم الأربعاء (رويترز)

كما أشار إلى تقلص المساعدات الأميركية الإنسانية للسودان قائلاً إنه «من المؤسف» أن الولايات المتحدة «لم تعد نشطة كما كانت في السنوات السابقة».

لكن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، قال لدى وصوله برلين إن واشنطن قدَّمت 579 مليون دولار مساعدات إنسانية للسودان العام الماضي، وإنها تعهّدت بالفعل بتقديم 200 مليون دولار في العام الحالي.

وأضاف بولس أن الولايات المتحدة ‌لا ‌تنحاز ​لأي ‌طرف ⁠في ​الحرب الدائرة ⁠بالسودان، وأنها تركز جهودها على العمل على آلية ⁠أممية لإنهاء الصراع الذي دخل، الأربعاء، عامه الرابع.

جوع وخذلان

أما وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، فقالت على هامش المؤتمر: «تجتمع ⁠دول من مختلف ‌أنحاء ‌العالم ​هنا ‌في برلين لمناقشة ‌كيف أن المجتمع الدولي خذل، بصراحة، الشعب السوداني».

وأضافت: «علينا ضمان ‌ممارسة كل الضغوط الممكنة على ⁠الطرفين المتحاربين ⁠للتوصل إلى وقف إطلاق نار عاجل نحن بأمسّ الحاجة إليه»، مؤكدة على ضرورة تقديم الدعم الإنساني.

ووصف توم فليتشر، مسؤول المساعدات الدولية التابع للأمم المتحدة، المؤتمر الدولي الثالث بشأن السودان بأنه «اختبار للمجتمع الدولي». وقال: «إذا عقدنا مؤتمراً رابعاً نصدر فيه مزيداً من التصريحات والبيانات، فسوف نستمر في خذلان الشعب السوداني».

جانب من الحضور في المؤتمر الدولي الثالث بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

وأضاف فليتشر، الذي يترأس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية: «ما نحتاج إليه هو رؤية واضحة لمستقبل السودان».

وقد ألقت الحرب بالسودان بنحو 21 مليون شخص إلى براثن الجوع حسب الأمم المتحدة التي أعلنت تقارير مدعومة منها عن مجاعة في مدينتي الفاشر في شمال دارفور، وكادوقلي في جنوب كردفان.

وتضاعفت معدلات الفقر عما قبل الحرب لتبلغ 70 في المائة، وفق تصريحات أدلى بها الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، لوكا ريندا، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

واندلعت الحرب في السودان بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» بقيادة نائب البرهان السابق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في 15 أبريل (نيسان) 2023، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 11 مليوناً في أسوأ أزمة إنسانية في العالم حسب الأمم المتحدة.


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا بعض أجزاء من المُسيّرة التي أسقطها الجيش السوداني بولاية النيل الأبيض (فيسبوك)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مُسيرة استراتيجية ثالثة خلال أسبوعين

أعلن الجيش السوداني إسقاط مُسيرة استراتيجية بشمال كردفان، في حين أفاد «محامو الطوارئ» بقتل 15 مدنياً خلال قصف طائرة مُسيرة في بلدتين بولاية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا جانب من الآثار في مخزن متحف السودان القومي (الشرق الأوسط)

«من بين أنقاض الحرب»... السودان يخوض معركة استعادة ذاكرته التاريخية

لم يقتصر الخراب الذي خلفته الحرب على تدمير المدن والأحياء والبنية التحتية، بل امتد إلى أكثر رموز البلاد تعبيراً عن تاريخها وهويتها الثقافية متحف السودان القومي

بهرام عبد المنعم (الخرطوم) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيات في مخيم للنازحين بالقرب من مدينة الأبيض السودانية 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

الجامعة العربية تُحذّر من كارثة إنسانية وشيكة في السودان

حذّرت جامعة الدول العربية من «كارثة إنسانية وشيكة» في مدينة الأبيض بالسودان، وقال أمينها العام نبيل فهمي إنه يتابع بقلق بالغ التطورات الخطيرة هناك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من إحدى جلسات «مجلس حقوق الإنسان» في جنيف (أرشيفية - الأمم المتحدة)

قلق أممي إزاء الوضع الخطير في مدينة الأُبَيِّض السودانية

أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بشدة، تصاعد العنف الذي ترتكبه «قوات الدعم السريع» والقوات المتحالفة معها بمدينة الأُبَيِّض؛ كبرى مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

مسؤولة بـ «الجنائية الدولية» تؤكد إحراز تقدم في تحقيقات دارفور

لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

مسؤولة بـ «الجنائية الدولية» تؤكد إحراز تقدم في تحقيقات دارفور

لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

كشفت مسؤولة كبيرة في «المحكمة الجنائية الدولية» لوكالة «رويترز» عن إحراز «تقدم كبير» في التحقيق بشأن الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب التي شهدها إقليم دارفور في السودان، مما سمح للادعاء العام بربط هذه الجرائم بالقيادة.

وتحقق المحكمة الجنائية الدولية في الهجمات التي استهدفت مدينتي الجنينة في عام 2023، والفاشر العام الماضي، حيث يقول خبراء الأمم المتحدة إن عناصر من «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية ارتكبت جرائم تحمل «سمات الإبادة الجماعية» بحق أفراد من قبائل غير عربية.

وقالت نزهة شميم خان، نائبة المدعي العام لـ«رويترز» عقب زيارة إلى شرق تشاد للقاء ضحايا الهجمات: «لدينا أدلة إضافية، أدلة قوية، تربط ما يحدث في دارفور بمستويات القيادة. ونحن سعداء جداً جداً بأن نقول إن هذا يمثل تقدماً كبيراً بالنسبة لنا».

نزهة شميم خان نائبة المدعي العام لـ«المحكمة الجنائية الدولية» (رويترز)

ولم تحدد المسؤولة القوى التي تنتمي إليها هذه القيادات، ولم تستطع وفقاً لقواعد المحكمة الجنائية ‌الدولية الإفصاح عما ‌إذا كان قد تم التقدم بطلبات لإصدار مذكرات توقيف، أو سيتم التقدم ​بها.

وقالت: «نحن ‌واثقون ⁠من أن ​النتائج ⁠ستظهر في غضون فترة زمنية معقولة على الأقل» من دون أن تحدد إطاراً زمنياً.

وفي المحاكمات الدولية المتعلقة بجرائم الحرب التي تستهدف القادة السياسيين، غالباً ما يكون من الصعب ربطهم بجرائم فظيعة محددة ارتكبها جناة من مستويات أدنى. ويحتاج ممثلو الادعاء العام إلى ما تُسمى «أدلة الارتباط»، التي غالباً ما تكون في شكل شهود من الداخل، أو سجلات مادية، تثبت أن القيادة السياسية كانت على علم بالعمليات، والخطط الميدانية.

وشهدت مدينتا «الجنينة» و«الفاشر» أشد أعمال العنف في الصراع بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» الذي استمر لأكثر من ثلاث سنوات. وتسيطر «الدعم السريع» الآن على المدينتين، وقالت خان لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في يناير (كانون الثاني) الماضي ⁠إن هذه القوات شبه العسكرية لم تتعاون مع التحقيقات.

وقالت «الدعم السريع» إنها لم ‌تستهدف المدنيين في الهجمات، وإنها ستحاسب الجناة الأفراد.

نازحون من دارفور بمخيم للاجئين السودانيين شرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

روايات شهود

حدد فيلم وثائقي أعدته «رويترز» حول سيطرة «الدعم السريع» ​على مدينة الفاشر عدداً من قادة القوات المشاركين في ‌الهجمات، أو الموجودين في محيطها، وذلك استناداً إلى مقابلات، وتحليل لمقاطع فيديو منشورة على الإنترنت.

وقالت خان إن التحقيقات التي تجريها المحكمة تشمل شهادات مماثلة جمعها محققو المحكمة. أضافت أن الشهود تحدثوا عن عمليات إعدام، وأعمال عنف جنسي، مؤكدة أن المحكمة ستضمن أن «تروى هذه الشهادات أيضاً خلال إجراءاتنا القضائية».

والسودان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي، وبالتالي لا يعد عضواً في المحكمة الجنائية الدولية.

غير أن مجلس الأمن الدولي منح المحكمة اختصاص التحقيق في فظائع مرتكبة في إقليم دارفور منذ ‌عام 2005. وتعاونت الحكومة السودانية بقيادة الجيش مع التحقيقات المتعلقة بالهجمات الأحدث، لكنها لم تسلم حتى الآن عدداً من كبار المسؤولين السابقين المطلوبين للمحكمة، والذين يواجهون اتهامات تشمل ⁠الإبادة الجماعية، وشن هجمات ⁠أخرى خلال الصراع السابق في دارفور.

سودانيون فارُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

ولم تصدر المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن أي مذكرات توقيف علنية تتعلق بالحرب الحالية في السودان التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023.

ورداً على سؤال بشأن ما إذا كان يمكن ملاحقة دول يقال إنها تدعم ارتكاب هذه الجرائم، قالت خان إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ينطبق على الأفراد الذين يسهمون في ارتكاب الجرائم، وليس على الدول، مضيفة أن التركيز ينصب على الجرائم المرتكبة داخل المدينتين بهدف تحقيق نتائج ملموسة.

وفي غرب أفريقيا، أعلنت ثلاث دول في منطقة الساحل -هي النيجر، ومالي، وبوركينا فاسو- العام الماضي عزمها الانسحاب من نظام روما الأساسي، وأعلنت المحكمة في أول يوليو (تموز) أنها تلقت رسائل رسمية لبدء إجراءات الانسحاب التي تستغرق عاماً كاملاً.

وقالت خان: «آمل أن تعيد هذه الدول النظر في قرارها، لأنني أرى قيمة كبيرة في الانتماء إلى أسرة نظام روما ​الأساسي، وأعتقد أنه يوفر حماية للعالم».

وتخضع خان وعدد من ​موظفي المحكمة الجنائية الدولية حالياً لعقوبات أميركية، بعدما أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.


الدبيبة أمام «خيارات صعبة» لتمرير «المبادرة الأميركية» بشأن ليبيا

أعيان وحكماء من مصراتة خلال استقبال بولس 7 يوليو (صفحات موثوقة في مصراتة)
أعيان وحكماء من مصراتة خلال استقبال بولس 7 يوليو (صفحات موثوقة في مصراتة)
TT

الدبيبة أمام «خيارات صعبة» لتمرير «المبادرة الأميركية» بشأن ليبيا

أعيان وحكماء من مصراتة خلال استقبال بولس 7 يوليو (صفحات موثوقة في مصراتة)
أعيان وحكماء من مصراتة خلال استقبال بولس 7 يوليو (صفحات موثوقة في مصراتة)

وضعت حالة الرفض المتصاعدة في مدن غرب ليبيا لـ«المبادرة الأميركية» -التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس لحل الأزمة الليبية عبد الحميد الدبيبة- رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في مأزق سياسي معقد.

ويجد الدبيبة نفسه أمام خيارات صعبة؛ إما الرضوخ لمطالب هذه المدن، التي تُشكل حاضنته الشعبية والعسكرية، وإما الاصطدام بتوجهات واشنطن. ويتمحور الرفض للمبادرة حول إسناد أي دور سياسي إلى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني».

ووفقاً لمراقبين، يجد الدبيبة نفسه أمام تحدٍّ كبير، خصوصاً بعدما تمسكت قوى عسكرية في مصراتة -مسقط رأس الدبيبة- بموقفها الرافض للمبادرة التي وصفتها بـ«الصفقة المشبوهة».

المبادرة الأميركية تقضي بالإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة (الوحدة)

ويرى عضو «المجلس الأعلى للدولة»، محمد معزب، أن الرفض المتصاعد في غرب ليبيا ينطلق من «مخاوف مشروعة»، عادّاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن المبادرة «تُعدّ صفقة تقاسم سلطة برعاية أميركية بين حفتر والدبيبة، دون تفويض شعبي أو انتخابي، وهو ما يُعدّ إهانة لليبيين الرافضين لتحويل بلادهم إلى غنيمة».

وعدّ معزب المبادرة «تمديداً للمرحلة الانتقالية وتكريساً للانقسام دون معالجة جذوره؛ والأخطر أنها تُرسخ شرعية الأمر الواقع عبر تثبيت الشخصيات المتصدرة للمشهد الحالي، والتي قد لا تُمهد للانتخابات أو تعالج جذور الانقسام».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً وتنفيذياً حادّاً بين حكومتين متنافستين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» في طرابلس، والأخرى برئاسة أسامة حماد، المكلفة من البرلمان، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني»، خليفة حفتر.

المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني (قيادة الجيش الوطني)

ووفقاً لتصريحات بولس منتصف الشهر الماضي، ترتكز المبادرة على تسوية سياسية بين قوى الشرق والغرب، وتوحيد المؤسسات، خصوصاً العسكرية، وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة تُشرف على التمهيد للانتخابات. وتتداول أوساط سياسية أن المبادرة تُبقي الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

وتطرق معزب إلى ما يُثيره تصعيد صدام حفتر، بصفته شخصية عسكرية، إلى منصب سيادي «من مخاوف إزاء إعادة إنتاج الحكم العسكري في البلاد»، كما لفت إلى «رفض قاطع» لهذا التوجه من المتضررين من الحرب التي شنّها «الجيش الوطني» على طرابلس عام 2019.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

أما المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، فاستبعد إمكانية تمرير المبادرة، لافتاً إلى أن «الغموض المحيط بها يمنح بولس والدبيبة هامشاً للمناورة، ويبعث برسائل طمأنة إلى الأطراف الرافضة».

وقال محفوظ لـ«الشرق الأوسط» إن «أي تنازلات أو ضمانات ستُقدم لغرب ليبيا ستثير فوراً مخاوف معسكر الشرق، وتدفعه إلى المطالبة بضمانات مضادة»، مرجعاً الأمر إلى «غياب الثقة بين المعسكرين».

من جانبه، تحدّث أحد قيادات عملية «بركان الغضب» -العملية العسكرية التي تشكّلت لمواجهة تقدم «الجيش الوطني» نحو العاصمة- عن «رفض المنطقة الغربية لأي تسوية تمنح حفتر وأبناءه أي منصب وفقاً للمبادرة».

وقلل المسؤول العسكري السابق، الذي رفض ذكر اسمه، من «إمكانية أن تُغير الزيارة التي أجراها بولس إلى مصراتة منتصف الأسبوع من تلك القناعة».

وتتعدد القراءات لتفسير صمت الدبيبة بشأن المبادرة على النقيض من ترحيب القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» في الشرق بها؛ فبينما يقول البعض إنه «يرفضها ضمناً، ويفضل إبقاء الوضع الحالي، تاركاً المواجهة للشارع»، يعرب بعض آخر عن «خشيته من أن يؤدي تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي إلى إزاحة حكومته».

محمد المنفي خارج حسابات المبادرة الأميركية (رويترز)

ويعتقد المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، أن الحراك الرافض للمبادرة يُشير إلى «عدم سيطرة الدبيبة المطلقة على المشهدين السياسي والعسكري في غرب ليبيا عبر علاقاته الوثيقة بالشخصيات الفاعلة والفصائل المسلحة هناك».

وعدّ العبدلي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الرفض «سيضعف موقف الدبيبة التفاوضي مع الأطراف الداخلية والدولية، وقد يدفع واشنطن لاحقاً إلى التفكير في استبداله».

ورغم تصاعد الرفض من تشكيلات عسكرية وكيانات اجتماعية وازنة في طرابلس ومصراتة، ومعارضة مفتي غرب ليبيا، الصادق الغرياني، يرى العبدلي أن هناك «قطاعاً آخر لا يُستهان به في تلك المنطقة يرحب بأي تسوية توحد البلاد ومؤسساتها».

ورأى العبدلي أن «الكشف عن مزيد من تفاصيل المبادرة، أو تضمينها نقاطاً، كموعد إجراء الانتخابات ووضع الدستور الدائم، وتحديد مدة حكم المجلس الرئاسي والحكومة المرتقبة، قد يوسع دائرة التأييد لها».

وانتهى العبدلي إلى أن «توسيع المبادرة، بضم شخصيات وأجسام سياسية، قد يمنحها أملاً في القبول، لكن ذلك لا يضمن نجاحها على المدى الطويل».

وكان بولس قد أجرى زيارة إلى ليبيا الثلاثاء الماضي، استهلها بلقاء قيادات عسكرية وأعيان وحكماء ومؤسسات مجتمع مدني في مصراتة، وانتهى الاجتماع إلى رفض تلك القوى لما سموه «عسكرة ليبيا»، أو «الدفع بشخصيات غير نزيهة، أثبتت التقارير الدولية تورطها في قضايا فساد، أو انتهاكات لحقوق الإنسان».


مصر تجدد رفضها للتهجير وتشدد على وحدة غزة والضفة الغربية

سفير مصر في رام الله خلال لقاء نائب الرئيس الفلسطيني (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
سفير مصر في رام الله خلال لقاء نائب الرئيس الفلسطيني (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر تجدد رفضها للتهجير وتشدد على وحدة غزة والضفة الغربية

سفير مصر في رام الله خلال لقاء نائب الرئيس الفلسطيني (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
سفير مصر في رام الله خلال لقاء نائب الرئيس الفلسطيني (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

فيما طالبت مصر بتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها في قطاع غزة، جددت رفضها «تهجير الفلسطينيين»، جاء ذلك خلال لقاء سفير مصر في رام الله إيهاب سليمان، ونائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، الخميس.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية استعرض سليمان والشيخ تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والجهود المصرية الرامية إلى تنفيذ استحقاقات خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بما يشمل ضمان النفاذ الكامل للمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وتنفيذ وقف إطلاق النار، وتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها في القطاع وفقاً لقرار مجلس الأمن 2803.

وطرح ترمب خطته للسلام بقطاع غزة في سبتمبر (أيلول) الماضي، قبل أن تعزز اتفاقاً لوقف إطلاق النار في الشهر التالي لذلك. ومنتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة لإنهاء الحرب في القطاع، عبر بنود تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار.

وأكد سفير مصر في رام الله، الخميس، «ثبات موقف بلاده الرافض لتهجير الفلسطينيين أو تصفية القضية الفلسطينية»، و«أهمية الحفاظ على وحدة قطاع غزة والضفة الغربية». وجدد «إدانة الأنشطة الاستيطانية والانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية». كما شدد على «ضرورة عدم انصراف الاهتمام الدولي عن الانتهاكات اليومية بحق الشعب الفلسطيني».

بينما أعرب نائب الرئيس الفلسطيني عن تقديره للدور المصري وجهود القاهرة في دعم القضية الفلسطينية وتحقيق التهدئة والتخفيف من المعاناة الإنسانية.

فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين بغزة (أ.ف.ب)

والأسبوع الحالي أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى «عمق العلاقات الأخوية والتاريخية بين مصر وفلسطين». وشدد عبد العاطي حينها على أهمية استكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي بما يسهم في ضمان النفاذ الكامل للمساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف للانتقال إلى المراحل التالية وصولاً إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

كما تناول الاتصال الهاتفي بين عبد العاطي ومصطفى وقتها التحضيرات الجارية لمؤتمر الدول المانحة المقرر عقده في بروكسل خلال يوليو (تموز) الحالي، وأكد وزير الخارجية المصري «دعم بلاده الكامل للحكومة الفلسطينية، وأهمية حشد الدعم المالي الدولي للسلطة الوطنية الفلسطينية بما يمكنها من الوفاء بمسؤولياتها وتقديم الخدمات الأساسية للشعب الفلسطيني، ويسهم في تعزيز صموده ودعم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية»، حسب «الخارجية المصرية».