«مبادرة عراقيون»: معالجة ملفات الفساد الكبرى عمل يومي لا استعراضات موسمية

ضبط أموال جديدة في قضية «وكيل النفط»

رزم الأموال الجديدة التي ضبطت عند وكيل وزارة النفط (وكالة الأنباء العراقية)
رزم الأموال الجديدة التي ضبطت عند وكيل وزارة النفط (وكالة الأنباء العراقية)
TT

«مبادرة عراقيون»: معالجة ملفات الفساد الكبرى عمل يومي لا استعراضات موسمية

رزم الأموال الجديدة التي ضبطت عند وكيل وزارة النفط (وكالة الأنباء العراقية)
رزم الأموال الجديدة التي ضبطت عند وكيل وزارة النفط (وكالة الأنباء العراقية)

ما زالت عمليات ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد التي أطلقتها السلطات العراقية قبل نحو ثلاثة أسابيع، تحظى باهتمام شعبي واسع، لكن هذا الاهتمام يثير في الوقت ذاته، أسئلة عديدة حول أهدافها ومآلاتها، وما إذا كانت ستستمر بوتيرة متصاعدة وتلاحق كبار الفاسدين، أم ستتوقف عند حدود المسؤولين والأشخاص الذين حصلوا على غطاء سياسي وقانوني مكّنهم من ممارسة أعمال النهب المنظم للمال العام؟

وبينما أعلن عن «اكتشافات» جديدة للأموال المنهوبة، التحقت «مبادرة عراقيون» التي تضم طيفاً واسعاً من أكاديميين وكتاب وصحافيين وناشطين، بعجلة الاهتمام الشعبي المتواصل بحملة مكافحة الفساد.

صورة وزعها القضاء العراقي للقاضي فائق زيدان -الثاني من اليسار- وهو يعاين سبائك ذهبية تم ضبطها في قضية الموقوف عدنان الجميلي

ورأت المبادرة في بيان، أن الحملة الأخيرة ضد الفساد «كشفت عن أن سوء ظنّ الشارع العراقي بالسلطة الحاكمة وعزوفه المستمرّ عن الانتخابات كان في محلّه، بل كان وعياً مبكراً».

كما كشفت، بحسب البيان أن «الفساد قد تحوّل، بسبب القوى المسيطرة على الدولة، من سلوك فرديّ عابر إلى منظومة اجتماعية وسياسية وإدارية متكاملة، ترتبط بشبكات النفوذ السياسيّ والمحاصصة الحزبية».

ورغم إشادة المبادرة بدور الجهات الرقابية والقضائية في مواجهة استباحة المال العامّ، لكنها تساءلت عن «أسباب تأخّر تنفيذ الإجراءات بحقّ من تضخّمت ثرواتهم أو حملاتهم الانتخابية، من المعتقلين وممّن لا يزالون طليقين، من (الصغار) إلى (الكبار)».

وأبدت تعجبها من أن «الشعب نفسه كان يستغرب هذا التضخّم ويطالب بمعالجته، بينما كانت الجهات الرقابية لا تحرّك ساكناً!». وطالبت بأن تكون مسألة معالجة ملفات الفساد الكبرى «عملاً يومياً، لا استعراضات موسمية أو انتقائية».

ورأت أن «دخول مكافحة الفساد في دورات متتابعة من التصاعد والخفوت، واقتصارها على قضايا محددة مثل قضية (نور زهير) وقضية (الجميليّ) وبضعة ملفات عشوائية، أمر يضع أكثر من علامة استفهام حول جدّيتها، أو استمراريتها، أو كونها مرتبطة بمباشرة الحكومة الجديدة عملها، وعمّا إذا كانت تستهدف (الصغار) فقط وتتجنّب (الكبار)». في إشارة إلى قضية سرقة الأموال الضريبية التي تورط بها نور زهير وقضية وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي الذي يقبع في السجن حالياً.

وجبة من الأموال النقدية ضُبِطت في أحد المنازل تعود لقضية الموقوف عدنان الجميلي (مجلس القضاء)

وتحدثت المبادرة كذلك، عن أن «المواجهة الجادّة للفساد لا تتمّ عبر القبض على الأشخاص فقط، بل عبر معالجة البيئة الحاضنة وإصلاح مؤسسات الدولة، وإغلاق منافذ الهدر والبيروقراطية، وتطبيق مبدأ (من أين لك هذا) بشكل فوريّ وعلى الجميع بلا استثناء».

وحذرت «مبادرة عراقيّون» من «تحوّل بعض إجراءات الملاحقة إلى أدوات لتصفية الحسابات واستهداف أشخاص محدّدين دون غيرهم، وبناءً على حسابات سياسية ومصلحية».

ودعت مجلس القضاء الأعلى إلى إعلان نتائج التحقيقات المنجزة للرأي العام بشكل مستمر، ورفض مبدأ استرجاع الأموال المسروقة مقابل إسقاط القضايا عن المتهمين.

مليارات إضافية...

وفي آخر تطور لقضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية الموجود قيد الاعتقال عدنان الجميلي، أعلنت محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، الأحد، ضبط 27 مليار دينار جديدة في القضية، وسبق أن ضبط القضاء نحو 300 مليار دينار إلى جانب 24 مليون دولار ونحو 450 كيلوغراماً من الذهب وأكثر من 70 عقاراً ومنزلاً ضمن ممتلكات الجميلي.

وذكر القضاء في بيان، أن «قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، أعلن ضبط 27 مليار دينار عراقي، في قضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية المتهم الموقوف، عدنان الجميلي، والأطراف المتورطة معه».

صورة وزعها القضاء العراقي في 9 يوليو الحالي بعد ضبط نحو 12 مليون دولار تعود لقضية الموقوف عدنان الجميلي كانت مُخبَّأة في قناة لتصريف الأمطار

وأضاف، أنه «نتيجة للمتابعة الدقيقة لضبط المتحصلات المالية الناتجة عن الهدر الحاصل في المشروعات المنفذة من قبل المتهم وأطراف القضية، تم ضبط هذا المبلغ الذي كان مخبأً لدى عدد من الأشخاص، والتحقيقات مستمرة للوصول إلى جميع المتورطين».

ولم تمر عمليات الضبط المتوالية للمليارات بقضية الجميلي، من دون بروز موجة من التشكيك من قبل عدد غير قليل من المراقبين والمتابعين للقضية، الذين باتوا يعتقدون، أن عمليات الضبط هذه «قد تعني ضمناً الاكتفاء بمحاسبة الجميلي، وجعله كبش الفداء الوحيد في ملف الفساد شديد التعقيد والخطورة، بخاصة وأنه يتعلق بالقطاع النفطي شديد الثراء وفيه معظم ثروة البلاد المالية».

السجن المشدد لنائب

والى ذلك، أصدر القضاء، حكماً مشدداً بالحبس بحق النائب السابق حسنين الخفاجي بعد إدانته بجريمة الابتزاز وفقاً لأحكام المادة (452) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل.

وأعلنت «هيئة النزاهة»، في معرض حديثها عن القضية التي حققت فيها وأحالتها إلى القضاء، أن محكمة «جنايات مكافحة الفساد المركزية» أصدرت قرار حكم بحق النائب حسنين الخفاجي لإقدامه على ابتزاز المشتكي (مصطفى فعل مشتت)، مطالباً إياه بمبلغ قدره (500 ألف) دولار، فضلاً عن تسجيل نسبة (40 في المائة) من مشروع حوراء بغداد السكني، لمصلحته باسم أحد العاملين في مكتبه».

إحدى جلسات البرلمان العراقي (واع)

وذكرت الهيئة، أن الأمر تعلق بأن يضمن الخفاجي «التدخل في إجراءات تتعلق بعمل مجلس القضاء الأعلى، وهيئة النزاهة الاتحاديَّة لغلق قضية تضخم الأموال ورفع الحجز عن أموال المشتكي، إضافة إلى التدخل لدى هيئة استثمار بغداد، لاستئناف العمل في مشروع جوهرة بغداد السكني، من دون صفة أو صلاحية قانونية».

وأضافت، أن «المحكمة استندت في إدانة المدان، إلى جملة من الأدلة، تمثلت باعتراف المتهم الآخر أنور صباح عبد صادق، ومحاضر تفريغ التسجيلات، وإفادات الشهود، ونسخة العقد المبرم، التي عززت الوقائع الثابتة في القضية».

كانت السلطات، اعتقلت حسنين الخفاجي ونحو 25 مسؤولاً ونائباً في البرلمان نهاية يونيو (حزيران) الماضي، بتهم فساد وإثراء على حساب المال العام.


مقالات ذات صلة

سلاح الفصائل العراقية... «الإطار التنسيقي» يلتزم الصمت قبل موعد 30 سبتمبر

المشرق العربي آليات لقوات الأمن العراقية في بغداد يوم الاثنين (أ.ف.ب)

سلاح الفصائل العراقية... «الإطار التنسيقي» يلتزم الصمت قبل موعد 30 سبتمبر

اجتماعات «الإطار التنسيقي» الأسبوعية في العراق باتت تخلو في بياناتها من الإشارة إلى موعد تسليم سلاح الفصائل.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي مبنى المحكمة الاتحادية العراقية (أرشيفية)

«المحكمة الاتحادية» ترجئ النظر في حل البرلمان والحكومة بكردستان

أرجأت المحكمة الاتحادية في بغداد، الأحد، النظر في قضيتين مرفوعتين أمامها للطعن في شرعية بقاء برلمان الإقليم وعمل حكومته والمطالبة بحلهما.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض في يوليو 2026 (أ.ب)

مسار «حصر السلاح بيد الدولة» في العراق ينتظر نيويورك: هل يلتقي الزيدي وترمب؟

أصدر رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قراراً بمنع جميع المستشارين والمسؤولين الحكوميين من الإدلاء بتصريحات صحافية أو الظهور في وسائل الإعلام من دون إذن مسبق منه.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي سوق الشورجة للبيع بالجملة في وسط بغداد بالعراق (رويترز)

مخاوف تسود بغداد من تداعيات الانسحاب الأميركي

تسود في بغداد مخاوف من تداعيات محتملة للانسحاب الأميركي من البلاد المقرر في 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، فيما تشهد حركة السوق اضطراباً وركوداً.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عربية منتخب العراق شارك في المونديال ويستعد للمنافسة على لقب الخليج (رويترز)

«خليجي 27»: العراق لتعويض إخفاق النسخة الماضية

يسعى العراق، الحائز كأس الخليج لكرة القدم 4 مرات، إلى تدارك خروجه من دور المجموعات في «خليجي 26»، عندما يخوض غمار النسخة السابعة والعشرين.

«الشرق الأوسط» (جدة)

سجناء لبنان مستمرون في إضرابهم اعتراضاً على الطعن بـ«العفو العام»

لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)
لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)
TT

سجناء لبنان مستمرون في إضرابهم اعتراضاً على الطعن بـ«العفو العام»

لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)
لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)

دخل إضراب نزلاء المبنى «ب» في سجن رومية المركزي، أكبر سجون لبنان، الاثنين، يومه التاسع، متخذاً منحى تصاعدياً ينذر بتحويل أزمة السجون انفجاراً إنسانياً واجتماعياً، في حين تتسارع التحركات داخل السجون وخارجها بانتظار حسم المجلس الدستوري الطعن المقدّم بقانون العفو العام.

وبين تطمينات أمنية بأن الوضع لا يزال تحت السيطرة، وتحذيرات من تدهور صحة المضربين واحداً تلو الآخر، تتجه الأنظار إلى مصير القانون الذي يعوّل عليه مئات السجناء للخروج من خلف القضبان.

إضراب متواصل

يواصل السجناء إضرابهم المفتوح عن الطعام والشراب وتناول الأدوية، بالتزامن مع تحركات احتجاجية في الشارع، كان أبرزها المظاهرة الحاشدة التي شارك فيها المئات، الأحد، في ساحة النور بمدينة طرابلس، شمال لبنان، بدعوة من لجنة أهالي السجناء.

يحظى الإضراب باهتمام ومتابعة لدى المسؤولين عن أمن السجن والمراجع القضائية أيضاً. وأكد مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن المسؤولين عن أمن سجن رومية «يولون الموضوع اهتماماً كبيراً، ويتابعون أوضاع المشاركين فيه بصورة متواصلة».

سجن رومية المركزي (أرشيفية - الوكالة الوطنية)

وقال إن «السجناء ملتزمون بالإضراب، لكن الوضع لا يزال تحت السيطرة، ولم يصل حتى الآن إلى مرحلة الخطر الشديد». وأوضح أن القلق الأساسي «يتركز على السجناء الذين يعانون أمراضاً مزمنة، ولا سيما الذين امتنعوا عن تناول أدويتهم»، مشيراً إلى أن طبيب السجن «يعاين المضربين يومياً، مع إعطاء الأولوية للمرضى، ويوجّه إدارة السجن إلى كيفية التعامل مع كل حالة».

وتحسباً لأي طارئ صحي، أعلن المصدر الأمني عن «جهوزية لنقل أي سجين إلى المستشفى فور تدهور وضعه الصحي».

وعلى الرغم من هذه التطمينات، أعرب المصدر عن خشيته من «تطور الأوضاع نحو الأسوأ إذا قرر المجلس الدستوري قبول الطعن وإبطال قانون العفو، بما قد يرفع مستوى الاحتقان ويدفع السجناء إلى خطوات أشد تصعيداً».

مخاطر توسع الإضراب

الهدوء الحذر الذي يواكب الإضراب عن الطعام، لا يلغي القلق من امتداد الإضراب إلى أبنية أخرى في رومية أو إلى سجون كبرى؛ لممارسة مزيد من الضغط على المجلس الدستوري للبت بالقانون بسرعة. أكد الناطق باسم سجناء لبنان، الشيخ عمر الأطرش، أن الإضراب «يتخذ منحى تصاعدياً، في حين تتدهور الأوضاع الصحية للسجناء واحداً تلو الآخر»، كاشفاً عن تدهور حالة سجينين، الأحد، ونقلهما إلى المستشفى».

وحذّر الأطرش في تصريح لـ«الشرق الأوسط » من أن التصعيد «قد يصل خلال الأيام المقبلة إلى إضراب عام يشمل جميع السجناء»، محمّلاً رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل وفريقه السياسي «المسؤولية الأخلاقية والإنسانية عن التداعيات»، على خلفية تقديم الطعن بقانون العفو العام.

وقال الأطرش إن مقدّمي الطعن «طعنوا بخاصرة الوطن قبل أن يطعنوا بقانون العفو»، عادَّاً أنهم «يتحملون المسؤولية عن حياة كل سجين قد يفارق الحياة نتيجة الإضراب». كما دعا الدولة ومؤسساتها إلى «الإسراع في بتّ الطعن وإعادة تفعيل القانون»، محذراً من أن استمرار المماطلة «سيقود إلى كارثة إنسانية وانفجار داخل السجون، سرعان ما سيتحول أزمة وطنية واجتماعية».

لا تراجع

بدوره، قال أحد نزلاء رومية لـ«الشرق الأوسط» إن الحالة الصحية للمضربين تشهد تدهوراً سريعاً، وإن حياة المصابين بأمراض مزمنة باتت مهددة، مؤكداً أن السجناء «لن يتراجعوا قبل تثبيت قانون العفو ونشره في الجريدة الرسمية».

عائلات السجناء الإسلاميين يرفعون صور الشيخ المتشدد أحمد الأسير ويطالبون بالعفو العام في مظاهرة أمام سجن رومية (أرشيفية - إ.ب.أ)

وتواكب المراجع القضائية تطورات هذا الإضراب؛ كون أن العدالة أول المعنيين بملفات السجناء. وأوضح مصدر قضائي مطلع أن النيابات العامة تتابع، بالتنسيق مع إدارة سجن رومية، الأوضاع الصحية للمضربين، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدوائر والمحاكم المختصة «كانت بدأت تحضير الملفات تمهيداً لتطبيق قانون العفو في حال لم يقرر المجلس الدستوري إبطاله؛ وذلك كسباً للوقت وتجنباً لتأخير الإجراءات بحق المستفيدين منه». وأضاف: «المحاكم باشرت خطوات استباقية لتسريع الإفراج عن المستفيدين فوراً بعد صدور قرار المجلس الدستوري في حال أثبت نفاذ القانون وليس رده؛ وذلك لتجنب إطالة أمد توقيفهم».

ويأتي التصعيد غداة التحرك الذي شهدته مدينة طرابلس، الأحد، حيث أكد المحتجون أن ملف العفو «لم يعد يحتمل التأخير»، محذّرين من أن الشارع «لن ينتظر طويلاً، وأن وتيرة التحركات قد تتقدم على الحلول السياسية والقضائية إذا لم يُحسم مصير القانون سريعاً».


ماذا بقي من «حزب الله» بعد عامين على الحرب؟

«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
TT

ماذا بقي من «حزب الله» بعد عامين على الحرب؟

«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)

فرضت الحرب الموسعة في العام 2024 التي اندلعت بقصف إسرائيلي واسع في 23 سبتمبر (أيلول)، وما أعقبها من مواجهات، وتحولات ميدانية، واقعاً جديداً على «حزب الله»، بعدما أصابت الخسائر مستويات قيادية متقدمة في بنيته، وتراجعت قدراته العسكرية، وخطوط إمداده، ونفوذه السياسي، فيما تغيّرت أيضاً جغرافيا انتشاره، ومساحات عمله مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.

ويواجه الحزب، بعد عامين، معادلة عسكرية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها خسارة جزء كبير من بنيته القيادية، مع تراجع قدراته الصاروخية، والمسيّرة، وانحسار خطوط الإمداد عبر سوريا، مقابل احتفاظه بإمكانات عسكرية تسمح له بمواصلة العمل، ومحاولة إعادة تنظيم صفوفه، وبناء جاهزية تتلاءم مع واقع ميداني مختلف، يمتد من شمال الليطاني إلى مناطق أوسع في الجنوب، والبقاع الغربي.

ألسنة اللهب تتصاعد من جراء تفجير إسرائيلي لمنشآت «حزب الله» في مرتفعات «علي الطاهر» مساء الخميس (أ.ف.ب)

تراجع تجاوز النصف

وقال الخبير في شؤون الأمن والدفاع الدكتور رياض قهوجي لـ«الشرق الأوسط» إن قدرات «حزب الله» شهدت تراجعاً كبيراً بين عام 2024 واليوم، سواء على مستوى القيادة، والبنية العسكرية، أو النفوذ السياسي، وخطوط الإمداد، مقدّراً أن حجم هذا التراجع «تجاوز النصف تقريباً».

وأوضح أن الحزب خسر الجزء الأكبر من قيادات الصفين الأول، والثاني، فيما أن معظم القيادات الموجودة اليوم كانت تُصنّف ضمن الصف الثالث في عام 2024، لافتاً إلى أن طبيعة الإدارة داخل الحزب تبدلت أيضاً، إذ «كانت الإدارة في عام 2024 محلية بتوجيه إيراني، أما اليوم فأصبحت الإدارة والتوجيه إيرانيين بصورة مباشرة».

وعلى المستوى العسكري، قال قهوجي إن «قوات الحزب أصبحت متمركزة إلى شمال الليطاني، بعدما كانت موجودة سابقاً على الحدود المباشرة»، مضيفاً أن «النبطية أصبحت عملياً خط التماس الفاصل بين وجود الحزب والقوات الإسرائيلية».

وفيما يتعلق بالترسانة العسكرية، أكد أن «القدرات الصاروخية وقدرات المسيّرات لا تزال موجودة، لكنها أصبحت أقل بأكثر من النصف مقارنة بما كانت عليه سابقاً».

وأضاف أن «نفوذ (حزب الله) السياسي داخل لبنان تراجع كثيراً، ولم يعد بالمستوى الذي كان عليه سابقاً»، مشيراً إلى أن أحد أبرز التحولات التي طرأت على وضع الحزب يتمثل في «تراجع خطوط إمداده عبر سوريا، وانقطاعها إلى حد كبير».

أرشيفية لمناصرين لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال مراسم تزامناً مع تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي (إ.ب.أ)

تراجع في الإمكانات

وفي قراءة تركز على مسار الحزب منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 وصولاً إلى المرحلة الحالية، قال العميد المتقاعد الدكتور خليل الحلو لـ«الشرق الأوسط» إن قراءة وضع «حزب الله» عسكرياً، بعد عامين على حرب 2024، تظهر أن الحزب «تراجع في إمكاناته مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، لكنه لم يفقد قدرته العسكرية، ولا يزال يمتلك إمكانات تسمح له بالاستمرار».

واعتبر أن محدودية ردوده على إسرائيل خلال المرحلة الحالية قد تكون مؤشراً إلى دخوله مجدداً في «مرحلة إعادة تنظيم، وإعادة بناء للجاهزية القتالية على ضوء المعطيات الجديدة».

وأوضح الحلو أن المرحلة التي أعقبت وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024 اتسمت بـ«استمرار الاغتيالات الإسرائيلية التي استهدفت كوادر في (حزب الله)، في مقابل امتناع الحزب إلى حد كبير عن الرد»، وهي تدلّ، من جهة، على تراجع إمكاناته مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2024، ومن جهة ثانية، على أنه كان يمر بمرحلة إعادة تنظيم، وإعادة تسليح، واستعادة للجاهزية القتالية».

وأضاف: «خلال تلك الفترة كان الحزب يحافظ على الهدوء، ولا يرد على إسرائيل، ما سمح له بالعمل على إعادة تنظيم بنيته. وحتى المعلومات التي كانت تتداول من داخل بيئته كانت تشير إلى أن بعض الكوادر المعروفة سابقاً جرى استبدال بكوادر جديدة بها، في محاولة لعدم كشف شكل التنظيم الجديد من خلال أي عمليات عسكرية».

تبدل المشهد

ولفت الحلو إلى أن المشهد تبدل مع اندلاع الحرب الأميركية على إيران في نهاية فبراير (شباط)، ودخول «حزب الله» في المواجهة ابتداءً من مطلع مارس (آذار)، قائلاً: «منذ ذلك الوقت وحتى وقف إطلاق النار الثاني في 17 يونيو (حزيران)، دخل الحزب في المعركة، وكان يرد في بعض المناطق بفعالية، وينفذ عمليات، ويطلق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي، والمناطق التي كانت إسرائيل قد احتلتها».

وأشار إلى أن إسرائيل، خلال تلك المرحلة، «تقدمت، وتوغلت، وفرضت وجودها على الأرض»، في وقت استمر الحزب في تنفيذ ردود عسكرية، إلا أن الوضع عاد بعد وقف إطلاق النار الأخير إلى نمط قريب من المرحلة التي أعقبت نوفمبر 2024.

وقال: «اليوم عدنا تقريباً إلى المرحلة السابقة، إذ إن ردود (حزب الله) على الاعتداءات الإسرائيلية أصبحت شبه معدومة. وإذا أجرينا جردة للعمليات خلال الشهرين الأخيرين ونصف الشهر، منذ وقف إطلاق النار، نجد أن العمليات العسكرية التي نفذها الحزب ضد إسرائيل قليلة جداً، ويمكن عدّها على أصابع اليدين، في مقابل عشرات العمليات الإسرائيلية اليومية بين غارات جوية، وقصف، واغتيالات».

علم «حزب الله» معلق على مدخل بلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي الثلاثاء (رويترز)

جغرافيا مختلفة وخطط جديدة

ورأى الحلو أن «الحزب أصبح أضعف، خصوصاً بعد الخسائر التي تعرض لها، لكنه لا يزال يتمتع بإمكانات تسمح له بالاستمرار»، مضيفاً: «عدم رد الحزب في هذه المرحلة يعيدنا إلى استنتاج مشابه لما حصل في الفترة السابقة، أي إنه قد يكون في مرحلة إعادة تنظيم، وبناء جاهزية قتالية جديدة، استناداً إلى المعطيات الميدانية التي تغيرت».

وأوضح أن هذه المعطيات تفرض على الحزب إعادة النظر في طبيعة انتشاره، وخططه القتالية، قائلاً: «إذا أراد القتال اليوم، فهو أمام ساحات مختلفة، من النبطية إلى جزين، وربما البقاع الغربي، وهذا يعني أن عليه أن يبني خططه على جغرافيا وواقع ميداني جديدين».

وخلص الحلو إلى أن «الصورة العسكرية الحالية لـ(حزب الله) تختصر في تراجع قدراته مقارنة بما قبل حرب 2024، مع بقائه قادراً على الاستمرار، في مقابل دخوله، على الأرجح، في مرحلة جديدة من إعادة التنظيم، واستعادة الجاهزية القتالية بما يتلاءم مع التحولات الميدانية التي فرضتها الحرب».


ترمب يشيد بقيادة عون للبنان في هذه المرحلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون لدى وصوله إلى البيت الأبيض يوم 21 يوليو 2026 (أرشيفية- أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون لدى وصوله إلى البيت الأبيض يوم 21 يوليو 2026 (أرشيفية- أ.ب)
TT

ترمب يشيد بقيادة عون للبنان في هذه المرحلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون لدى وصوله إلى البيت الأبيض يوم 21 يوليو 2026 (أرشيفية- أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون لدى وصوله إلى البيت الأبيض يوم 21 يوليو 2026 (أرشيفية- أ.ب)

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بقيادة الرئيس اللبناني جوزيف عون للبنان في هذه المرحلة، مقدِّراً «التزامنا المشترك بالسلام والأمن والازدهار حول العالم».

ويخوض لبنان مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، بهدف وقف الحرب، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى، وإعادة السكان، إضافة إلى تنفيذ حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية بيد القوى الأمنية والعسكرية الرسمية.

رسالة لعون

وجاءت إشادة ترمب خلال رسالة أرسلها لعون، عبَّر فيها عن سعادته باستقبال الرئيس عون في البيت الأبيض يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، وعن إعجابه بقيادته لبنان في هذه المرحلة؛ حسبما أفادت الرئاسة اللبنانية.

وجاء في الرسالة: «كان شرفاً لي أن أرحِّب بكم في البيت الأبيض، في زيارة تاريخية بكل معنى الكلمة، هي الأولى لرئيس دولة لبناني منذ ما يقارب عقدين من الزمن. وفي وقت يشهد فيه الشرق الأوسط صراعاً، أُعجب بقيادتكم الحاسمة نيابة عن لبنان وشعبه».

وشكر الرئيس ترمب الرئيس عون، على منحه وسام الأرز الوطني من رتبة القلادة الكبرى، وقال: «إن هذه المبادرة تشكل تكريماً استثنائياً وتجسِّد الروح اللبنانية الأبية، وسأعتز بهذه اللفتة بوصفها رمزاً لالتزامنا المشترك بالسلام والأمن والازدهار حول العالم».

جنبلاط

وخلافاً لـ«حزب الله»، يحظى المسار الذي تتبعه الدولة اللبنانية لجهة التفاوض مع إسرائيل، بتأييد أغلبية القوى السياسية. وقال الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، بعد لقائه عون: «أؤيد المفاوضات واتفاق الهدنة إذا أدَّيا إلى الانسحاب الإسرائيلي التدريجي أو الكامل».

وتابع جنبلاط: «إذا أدَّى اتفاق الإطار إلى الانسحاب وترسيم الحدود، فأين المشكلة؟ هذه وجهة نظري الشخصية، لا أكثر ولا أقل».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط ونجله النائب تيمور جنبلاط (الرئاسة اللبنانية)

ويهاجم «حزب الله» عون والمسار التفاوضي الذي تتبعه الدولة اللبنانية، وانعكس هذا الخلاف قطيعةً بين الحزب ورئيس الجمهورية؛ إذ لم يُسجَّل أي تواصل مباشر بين الطرفين منذ اندلاع الحرب الأخيرة في 2 مارس (آذار) الماضي.

وكان النائب آلان عون قد قال بعد لقائه عون الاثنين: «إنجاح المسار الذي يقوده رئيس الجمهورية لوقف الحرب واستعادة السيادة، يتطلَّب تعاون جميع اللبنانيين والتجاوب مع مسار حصرية السلاح».

ودعا «حزب الله» إلى «الحضور إلى بعبدا، وفتح حوار مع رئيس الجمهورية، للاتفاق على خريطة طريق تفعِّل المفاوضات، وتؤدي إلى انسحاب إسرائيل، وانتشار الجيش على كامل الأراضي اللبنانية».