تتواصل في العراق التحقيقات مع شخصيات برلمانية وسياسية أُلقي القبض عليهم خلال الأيام الماضية، ضمن حملة أُطلق عليها اسم «صولة الفجر»، في وقت أكدت فيه «هيئة النزاهة» استمرار الإجراءات بحق المتهمين في قضايا فساد، بينما أثارت أحاديث عن إمكان إجراء تسويات مالية مع متهمين نقاشاً سياسياً وقانونياً بشأن حدود تلك الإجراءات.
يأتي ذلك بالتزامن مع توسع الحملة من العاصمة بغداد إلى عدد من محافظات الوسط والجنوب، في إطار ما تصفه السلطات بأنه تصعيد لجهود مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة.
وقالت «هيئة النزاهة»، الأربعاء، إن الحملة «ستستمر لملاحقة كبار الفاسدين»، في حين تشير مواقف صدرت عن قوى سياسية متهمة بالفساد، إضافة إلى ما أكدته قوى «الإطار التنسيقي» خلال اجتماعها الأخير بحضور رئيس الوزراء، علي الزيدي، بشأن مواصلة ملاحقة الفساد، إلى إمكانية اللجوء إلى تسويات قانونية مع بعض المتهمين شريطة إعادة الأموال المختلسة؛ مما أثار تساؤلات في الشارع العراقي بشأن مدى اتساع الحملة وحدودها.
في هذا السياق، أعلن رئيس «هيئة النزاهة» الاتحادية، محمد علي اللامي، خلال لقائه رئيس «جهاز الأمن الوطني»، باسم البدري، أن «إطاحة كبار المتهمين واسترداد مليارات الدنانير إلى خزينة الدولة جاء نتيجة التكامل الرقابي والقضائي».
وذكرت «الهيئة»، في بيان، أن هناك «تنسيقاً بين (الهيئة) و(الجهاز)، لا سيما في تنفيذ الأوامر القضائية»، مضيفة أن «عمليات الضبط تسهم في الحد من حالات المساومة والابتزاز التي قد يتعرض لها المواطنون مقابل الحصول على الخدمات أو إنجاز معاملاتهم».
وأضاف البيان أن رئيس «جهاز الأمن الوطني»، باسم البدري، «أكد استعداد (الجهاز) لتكثيف مستوى التعاون والتنسيق مع (الهيئة) بما يعزز حماية المواطنين من جرائم الفساد»، مشيداً بعمليات الضبط الأخيرة ودورها في «تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة».
وتقول مصادر حكومية وقضائية إن الحملة لا تزال مستمرة، وإن التحقيقات تشمل عدداً من الشخصيات البرلمانية والسياسية، بالتوازي مع تنفيذ إجراءات في محافظات عدة، بينها محافظات في وسط وجنوب البلاد، حيث تتواصل عمليات التفتيش والتحقيق، بما في ذلك الكشف عن مبالغ مالية كبيرة عُثر عليها في منزل أحد المسؤولين المحليين، فضلاً عن إجراءات مماثلة في محافظتي ميسان وذي قار.

جدل الاختصاص الدستوري
ويرى النائب السابق حيدر الملا أن النقاش الدائر بشأن مكافحة الفساد يشوبه خلط بين صلاحيات السلطات المختلفة. وقال الملا، في حديث مع «الشرق الأوسط»: «إذا أردنا أن نرسم إطاراً لملف مكافحة الفساد، فعلينا أن نفك الاشتباك والتداخل في المفاهيم بشأن الجهة المسؤولة عن مكافحة الفساد، ومحاولات إقحام جهات عدة في هذا الملف».
وأضاف: «وفقاً للدستور العراقي والقوانين النافذة، فإن الجهة الوحيدة التي تملك صلاحية مكافحة الفساد هي السلطة القضائية حصراً، ولا دور للسلطة التنفيذية بشقيها؛ رئاسة مجلس الوزراء، ورئاسة الجمهورية؛ لأن ملفات التحقيق تُفتح أمام قضاة التحقيق في المحاكم المختصة، وأوامر القبض تصدر ضمن مظلة السلطة القضائية، كما أن طلبات رفع الحصانة تصدر عنها وتُحال إلى السلطة التشريعية، فيما يقتصر دور الحكومة على تنفيذ الأوامر القضائية».
وأكد الملا أن «الحملة يجب ألا تستثني أحداً؛ لأن أي استثناء يعني إفراغ الملف من مضمونه».
ورداً على ما يُتداول بشأن احتمال وجود تسوية مالية أو سياسية، قال: «هذه مفاهيم لا وجود لها بهذا الوصف، وإنما قد تلجأ السلطة القضائية، وفي إطار الإجراءات القانونية خلال التحقيق، إلى تسويات مالية مع من يثبت تورطه بالاعتداء على المال العام، من خلال إعادة نسبة من الأموال المختلسة، بوصفها جزءاً من تسوية قانونية وقضائية، وليست صفقة سياسية كما يُشاع».
من جانبه، قال الخبير القانوني الدكتور سيف السعدي إن الأشخاص الذين أُلقي القبض عليهم، سواء أكانوا نواباً أم مسؤولين، «لا تنطبق عليهم أحكام قانون العفو العام رقم (27 لسنة 2016) - التعديل الثاني، فيما يتعلق بإجراء تسوية سياسية أو مالية لاسترداد الأموال، كما أشارت المادة (1/ ثالثاً) والمادة (2/ عاشراً) إلى أن قانون العفو يسري على الجرائم التي وقعت قبل نفاذه».
وبشأن إمكان استرداد الأموال ضمن تسوية، قال السعدي: «قد يُفرج عن المتهم بكفالة، لكن ذلك لا يعفيه من المساءلة القانونية أو من تنفيذ الإجراءات الجزائية بحقه؛ لأن من يرتكب جناية أو جنحة لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية أو إجراء تسوية بشأنها إلا بنص قانوني صريح».

استرداد عشرات المليارات
وفي بيان منفصل، أعلن رئيس «هيئة النزاهة» الاتحادية، محمد علي اللامي، الأربعاء، أن «التنسيق المشترك والتكامل بين الأجهزة الرقابية و(جهاز الأمن الوطني) أسهما في الإطاحة بكبار المتهمين بالفساد واسترداد عشرات المليارات من الدنانير إلى خزينة الدولة».
وقالت «الهيئة» إن عمليات الضبط الأخيرة «أسهمت في الحد من الابتزاز والمساومة التي يتعرض لها المواطنون لإنجاز معاملاتهم»، فيما أكد رئيس «جهاز الأمن الوطني» استعداد جهازه لتكثيف التعاون مع «الهيئة» لحماية المال العام وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
وفي تطور منفصل، أعلن «المركز الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى» أن وثيقة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم صدور «نشرة حمراء» من «منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)» بحق وزير الداخلية السابق عبد الأمير الشمري، «مزورة وغير صحيحة».
وقال المجلس، في بيان، إن «(المركز الإعلامي) رصد منشوراً يتضمن (نشرة حمراء) نُسب صدورها إلى رئاسة الادعاء العام، ويؤكد أن الوثيقة مزورة وغير صحيحة»، محذراً من «ممارسة مثل هذه السلوكيات المخالفة للقانون»، ومؤكداً أن الجهات المختصة ستتخذ الإجراءات القانونية بحق المسؤولين عنها.






