مع ازدياد عمليات استهداف عناصر من الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي وحواجز أمنية في العديد من المناطق السورية، ومحاولات اغتيال شخصيات حكومية، بعضها ينسبها تنظيم «داعش» لنفسه، وبعضها يبقى دون اعتراف من الجهة المسؤولة عنه، رجح خبير عسكري وأمني مقرب من وزارة الدفاع أن يكون «داعش» هو «المسؤول الرئيسي عن الغالبية العظمى من هذه الهجمات، إن لم يكن جميعها».
وأرجع المصدر ذلك إلى مزيج من عوامل هي: وجود فراغ أمني مؤقت بسبب عملية دمج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بالجيش والتحول السياسي، والضربات الأمنية المكثفة التي تكبدتها خلايا التنظيم مؤخراً، واستغلاله الظروف الجغرافية والسياسية المعقدة في الشمال الشرقي.

وأعلنت وزارة الدفاع السورية، السبت، أن جنديَين قتلا في هجوم شنه مسلحون مجهولون بالقرب من مدينة منبج شمال شرقي حلب، دون تقديم مزيد من التفاصيل، وذلك بعد هجوم مشابه قبل يومين استهدف حافلة لوزارة الدفاع نفذه مجهولون على طريق تل تمر - رأس العين بريف الحسكة.
كما أعلن تنظيم «داعش»، الأربعاء الماضي، تبنيه عملية تفجير عبوة لاصقة استهدفت سيارة رئيس قسم القصر العدلي في بلدة ببيلا صلاح أحمد الصالح أثناء مروره صباح الثلاثاء في حي دف الشوك جنوب دمشق ما أدى إلى إصابته إصابة بالغة نتج عنها بتر إحدى ساقيه، فيما أعلنت وزارة الداخلية الأسبوع الماضي مقتل عنصر من قوى الأمن الداخلي وإصابة ثلاثة آخرين بهجوم انتحاري لتنظيم «داعش» في مدينة الرقة شمال شرقي البلاد.
وسبق ذلك في 19 مايو (أيار) الماضي مقتل جندي وإصابة 23 شخصاً بجروح متفاوتة من جراء استهداف «مركز إدارة التسليح» التابع لوزارة الدفاع في العاصمة دمشق، بينما أعلن «داعش» في 12 الشهر ذاته مسؤوليته عن هجوم وقع في محافظة الحسكة أسفر عن مقتل جنديين من الجيش السوري، في أول عملية ينفذها التنظيم ضد الحكومة السورية وتسفر عن قتلى منذ فبراير (شباط) الماضي.

الخبير العسكري والأمني الاستراتيجي المقرب من وزارة الدفاع عصمت العبسي، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن من بين العوامل المسببة لتلك الهجمات، أن سوريا تمر بمرحلة انتقالية حساسة جداً، حيث تجري عملية دمج قوات «قسد» والقوى المحلية الأخرى في الجيش ووزارة الداخلية، وهذه العملية تستغرق وقتاً وتخلق فجوات في السيطرة الميدانية، خصوصاً في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية، حيث كانت هذه القوات هي الضامن الأمني الرئيسي، وأي تأخير أو تعثر في الدمج يترك مناطق واسعة أقل حماية.
وتشير التقارير إلى تغيرات في دور الولايات المتحدة و«التحالف الدولي» في المنطقة، مما قد يخلق، وفق العبسي، «شعوراً لدى التنظيمات بأن (المظلة الأمنية) الدولية تضعف أو تتراجع، مما يشجعها على إعادة النشاط».

ورجح العبسي أن يكون «داعش» هو المسؤول الرئيسي عن الغالبية العظمى من الهجمات الانتحارية، وعمليات استهداف حافلات عسكرية، ونقاط التفتيش، إن لم يكن جميعها.
وأرجع ذلك لعدة أسباب، منها أن طبيعة الهجمات الانتحارية، والاستهدافات التي تطول المركبات العسكرية الحكومية ونقاط تفتيش قوات الأمن الداخلي، هي «توقيع» تكتيكي معروف لـ«داعش»، الذي يعتمد على هجمات منخفضة التكلفة وعالية الأثر النفسي لتقويض شرعية الدولة الناشئة، مشيراً إلى أن التنظيم يعلن عادةً مسؤوليته عن مثل هذه الهجمات عبر وكالته الإخبارية «أفاق»، كما أن وزارة الداخلية السورية أعلنت أن هجوم الرقة كان لتنظيم «داعش».

ومن بين الأسباب أيضاً «القدرة التكتيكية» لتنظيم «داعش»، إذ يحتفظ بشبكة من الخلايا النائمة والمتفرقة في المناطق الصحراوية والمدن التي كان يحكمها سابقاً (مثل الرقة ودير الزور ومنبج)، وهذه الخلايا لديها خبرة في تنفيذ هجمات انتحارية واستخدام المتفجرات.
وذكر العبسي أنه لا توجد مؤشرات قوية على أن جهات أخرى (مثل جماعات مرتبطة بدول إقليمية) تقوم بهجمات انتحارية عشوائية ضد الجيش السوري الجديد بهذه الطريقة، لأن ذلك قد يعقد المشهد السياسي الذي قد تستفيد منه، ولذلك الرجحان القوي هو أن «داعش» هو الفاعل الرئيسي، خصوصاً مع إعلان وزارة الداخلية ذلك في هجوم الرقة.
وتواصل وزارة الداخلية تكثيف جهودها في مجال مكافحة الإرهاب عبر عمليات أمنية مشتركة مع جهاز الاستخبارات العامة وإدارة مكافحة الإرهاب، وأعلنت في 9 يونيو (حزيران) الحالي عن تفكيك 7 خلايا لتنظيم «داعش»، وتوقيف 235 شخصاً من عناصره، خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
ورأى العبسي أن العمليات المكثفة ضد خلايا «داعش» قد تدفعه إلى الرد بهجمات سريعة وعشوائية لتشتيت الانتباه، أو للانتقام، أو لإظهار قدرته على الاختراق رغم الضربات الأمنية، إضافة إلى أن المناطق الصحراوية الشاسعة بين محافظة الرقة ومدينة الشدادي جنوب الحسكة، والحدود العراقية، يصعب مراقبتها بالكامل، خصوصاً مع ضعف البنية التحتية الأمنية في بعض النقاط الحدودية.

وأوضح أن نشاط الوزارة المكثف ضد التنظيم جزء مهم من المعادلة، لكنه ليس السبب الوحيد، لأن العلاقة هنا علاقة «سبب ونتيجة» معقدة.
وذكر أن تفكيك خلايا «داعش» وتوقيف 235 عنصراً منه هو رقم كبير ومؤثر، يمثل ضربة مباشرة لقدرة التنظيم على التخطيط والتنفيذ، مشيراً إلى أن رد فعل أي تنظيم إرهابي منهك هو محاولة «إثبات الوجود» من خلال هجمات سريعة، حتى لو كانت بسيطة نسبياً، لردع الدولة، ورفع الروح المعنوية لمقاتليه، وإظهار أن الدولة لا تزال قابلة للاختراق، وهذا ما يسمى بـ«الهجوم كرد فعل».
ولفت إلى أن الهجمات المتعددة تجبر الجيش ووزارة الداخلية على نشر قواتهم في نقاط متعددة (منبج، تل تمر، الرقة)، مما يشتت انتباههم ويستهلك مواردهم، وقد يبطئ عملية تفكيك خلايا أخرى.

وخلص العبسي إلى أن «هذا لا يعني أن الدولة عاجزة، بل يعني أن المرحلة الانتقالية حساسة، وأن (داعش)، رغم انهيار دولته، لا يزال يشكل تهديداً إرهابياً نشطاً يستغل أي ضعف أو فراغ، وعملية الدمج الناجحة والسريعة للقوى الأمنية المحلية مع الجيش والداخلية هي الحل الجذري لسد هذا الفراغ».







