لبنان: تأجيل جلسة «العفو العام» تحت ضغط الشارع

بري يدعو لـ «التوافق» بعد احتجاجات اعتبرت مشروع القانون «تكريساً للظلم»

متظاهرون يحملون صورة الشيخ أحمد الأسير خلال تحرك رفضاً لمشروع قانون العفو عند مدخل صيدا بعد ظهر يوم الثلاثاء (أ.ب)
متظاهرون يحملون صورة الشيخ أحمد الأسير خلال تحرك رفضاً لمشروع قانون العفو عند مدخل صيدا بعد ظهر يوم الثلاثاء (أ.ب)
TT

لبنان: تأجيل جلسة «العفو العام» تحت ضغط الشارع

متظاهرون يحملون صورة الشيخ أحمد الأسير خلال تحرك رفضاً لمشروع قانون العفو عند مدخل صيدا بعد ظهر يوم الثلاثاء (أ.ب)
متظاهرون يحملون صورة الشيخ أحمد الأسير خلال تحرك رفضاً لمشروع قانون العفو عند مدخل صيدا بعد ظهر يوم الثلاثاء (أ.ب)

شكّل قرار رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري تأجيل الجلسة النيابية المخصصة لإقرار «قانون العفو العام» مؤشراً على حجم الانقسام السياسي والطائفي الذي أحاط بالملف.

وأعلن بري تأجيل الجلسة في بيان قال فيه: «لما كان القصد لاقتراح قانون العفو، وتخفيض بعض العقوبات بشكل استثنائي يرمي لإعادة الاعتبار لمبدأ العدالة بوصفه ركناً من أركان الدولة القانونية، وضمانة حرية الأفراد، لا سيما أن الوضع في السجون اتسم بتأخير مزمن في إصدار الأحكام الجزائية، ورغم الجهود التي قامت بها دوائر المجلس النيابي واللجان المشتركة للتوصل إلى توافق وطني يكون علامة جمع في وطن أحوج ما يكون به للتضامن، والتوافق، غير أن الذي جرى وشوهد في أكثر من منطقة مترافق مع تحريض ويا للأسف طائفي، ومذهبي، تقرر تأجيل جلسة الغد (الخميس) إلى موعد آخر شعاره التوافق».

ورغم أنّ الصيغة التي أقرتها اللجان النيابية المشتركة الثلاثاء تضمّنت تخفيضات للعقوبات، وتخفيف مدة الأحكام، فإنّ الاعتراض تمحور حول البنود المرتبطة بالموقوفين الإسلاميين الذين اعتبروا أنّ القانون لا يمنحهم عفواً فعلياً، بل يضعهم ضمن إطار «التخفيضات» فقط، مع إبقاء عدد كبير منهم خارج الاستفادة، بسبب استثناءات تتعلق بالقتل العمد، أو الدعاوى الشخصية، أو الملفات المصنفة إرهابية.

الفئات المستفيدة وفق الصيغة الأخيرة

وتشمل الفئات المستفيدة من قانون العفو العام بصيغته الأخيرة الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة من دون محاكمة، أو من دون صدور حكم نهائي بحقهم، وخصوصاً من تجاوزت مدة توقيفهم 14 عاماً، على أن تبقى هذه النقطة رهن الإقرار النهائي في الهيئة العامة. كما يستفيد المحكومون بعقوبة الإعدام بعدما جرى تحويل العقوبة إلى 28 سنة سجنية، أي ما يعادل نحو 21 سنة فعلية، إضافة إلى المحكومين بالمؤبد، مع طرح تخفيض العقوبة إلى 17 سنة سجنية، أي نحو 13 سنة فعلية.

وتنص الصيغة أيضاً على تخفيض سائر العقوبات إلى الثلث، باستثناء الجرائم التي اتخذ فيها المتضرر صفة الادعاء الشخصي، إذ لا يتم تخفيض العقوبة إلا بعد إسقاط الحق الشخصي. وتشمل الاستفادة عدداً من الموقوفين الإسلاميين المرتبطين بملفات أمنية، أو أحداث قديمة، باستثناء من تثبت إدانتهم بجرائم إرهابية كبرى، أو بعمليات قتل مباشرة. كذلك يستفيد بعض المتورطين بملفات المخدرات، وخصوصاً في قضايا التعاطي، أو الترويج الفردي، فيما تُستثنى شبكات التهريب، والتجارة المنظمة، والتصنيع الكبير.

كما تشمل الصيغة المبعدين، والفارين الموجودين خارج لبنان (إسرائيل)، والسماح بتسوية أوضاع فئات منهم، إضافة إلى محكومين بجرائم وجنح عادية، مع إمكان تخفيض العقوبات إلى الثلث في بعض الحالات.

في المقابل، تستثني الصيغة الجرائم الإرهابية، والقتل العمد، والجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، وجرائم اختلاس المال العام، وشبكات المخدرات المنظمة، والاعتداء على الجيش، والقوى الأمنية، إضافة إلى بعض الجرائم المرتبطة بالتعامل مع العدو، أو التفجيرات الكبرى.

المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)

النائب ريفي: نرفض وضع الطائفة السنية بوجه الجيش

وفي هذا الإطار أكد النائب عن طرابلس أشرف ريفي أن «دعم العفو العام يأتي من المسؤولية الوطنية لا من منطلق طائفي»، مشيراً إلى أن أوضاع «السجون باتت مأساوية، ولم تعد تحتمل، والمطلوب تحقيق العدالة، ورفع المظلومية عن الجميع».

ولفت ريفي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المحكمة العسكرية في المرحلة السابقة كانت تعمل في ظل الهيمنة الإيرانية على لبنان»، مضيفا: «معارضو (حزب الله) كانوا يُتهمون بالإرهاب لحملهم صورة، أو سلاحاً، فيما كان آخرون ينقلون المدافع في المدن من دون محاسبة»، مؤكداً أن «الوضع اللبناني تغيّر اليوم، وعلى الجميع قراءة هذه التحولات».

وشدد على رفض «وضع الطائفة السنية في مواجهة الجيش اللبناني»، مؤكداً أن «شهداء الجيش شهداؤنا، وأغلبهم من أبناء الطائفة السنية». كما سأل عن ملف النقيب الطيار سامر حنا الذي قتل باستهداف مروحيته العسكرية جنوب لبنان عام 2008، وكلنا نعلم من قتله (في إشارة إلى «حزب الله»)، بينما طوي ملفه».

وطالب ريفي بإسقاط البند المتعلق بالقضايا التي اتخذ فيها المتضرر صفة الادعاء الشخصي «للوصول إلى العدالة، ومنع الاستنسابية، ورفع المظلومية».

التطور الأبرز تمثّل في دخول دار الفتوى بشكل مباشر على خط الأزمة، عبر بيان لرئيس الشؤون الإعلامية في هيئة رعاية السجناء وأسرهم، نديم بيضون، الذي اعتبر أنّ «العدالة ليست استنسابية»، متسائلاً عن كيفية طرح الإفراج عن متورطين في ملفات مخدرات، أو تعامل مع العدو، مقابل إبقاء عشرات الموقوفين الإسلاميين داخل السجون رغم مرور سنوات طويلة على توقيفهم.

وأشار بيضون إلى أنّ جزءاً من هؤلاء الموقوفين لم يحصل أساساً على محاكمات عادلة، فيما لا يزال بعضهم موقوفاً على خلفية منشورات، أو تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، محذراً «من أي مقاربة تؤدي إلى شعور الطائفة السنية بأنها مستهدفة، أو مستثناة من التسويات المطروحة».

نساء مشاركات في تحرك رفضاً لمشروع قانون العفو في مدينة صيدا في جنوب لبنان (أ.ب)

الشارع يتحرك... وقطع طرقات

وهذا الاعتراض ترافق مع تحركات شعبية في مناطق عدة، خصوصاً في الشمال، وصيدا، وإقليم الخروب، وعكار، حيث قطعت طرقات رئيسة، فيما شهد جسر الأولي عند مدخل صيدا اعتصاماً لمناصري الشيخ أحمد الأسير المحكوم بالإعدام على خلفية «أحداث عبرا» التي وقعت عام 2013 في صيدا جنوب لبنان بين مناصري الأسير والجيش اللبناني، مع دعوات إلى اعتصام مفتوح، ونصب خيم احتجاجية.

كما شهدت ساحة النور في طرابلس تحركات احتجاجية رُفعت خلالها شعارات تندد بما وصفه المحتجون بـ«العفو الجائر»، معتبرين أنّ القانون يمنح تسهيلات لمرتكبي جرائم أخرى، فيما يبقي الموقوفين الإسلاميين داخل السجون.

ودعت لجنة أهالي السجناء في لبنان الأهالي في بيان إلى التحرك في الشارع في مختلف المناطق مطالبة النواب السنّة بالعمل على تعديل البنود التي «ترفع الظلم عن الموقوفين الإسلاميين لا أن تكرّسه».

وفي سجن رومية، سادت أجواء غضب بعد تسريب تفاصيل الصيغة النهائية للقانون، حيث اعتبر الموقوفون أنّ بعض البنود «فُرضت عن سابق إصرار»، بهدف استثناء أكبر عدد ممكن منهم من الاستفادة، فيما شهدت المناطق التي قُطعت فيها الطرقات انتشاراً كثيفاً للجيش اللبناني لمنع توسّع الاحتجاجات.


مقالات ذات صلة

تسلل مسلح من جنوب لبنان يهزّ «الحزام الأمني» الإسرائيلي

المشرق العربي جندي إسرائيلي يغلق بوابة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)

تسلل مسلح من جنوب لبنان يهزّ «الحزام الأمني» الإسرائيلي

أعاد حادث التسلل وإطلاق النار عند الحدود اللبنانية الإسرائيلية، الثلاثاء، تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني على الجبهة الشمالية لإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي كرة نار ودخان يتصاعدان من مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إنذار إسرائيلي غير مسبوق لصور... وتحذيرات من انتقال الحرب إلى مرحلة «إجلاء المدن»

رفع الإنذار الإسرائيلي الذي شمل مدينة صور بكل أحيائها، بما فيها الحارة المسيحية والمخيمات الفلسطينية، مستوى التصعيد في جنوب لبنان.

صبحي أمهز (بيروت)
الخليج وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد (تصوير: تركي العقيلي) p-circle 00:47

وزيرة الخارجية السويدية لـ«الشرق الأوسط»: نعلن تضامننا الكامل مع السعودية في الظروف الصعبة

أعلنت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد، تضامن بلادها الكامل مع السعودية في الظروف التي تخيّم على المنطقة، والتي وصفتها بالصعبة.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
المشرق العربي جندي من الجيش اللبناني يقف قرب موقع غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

بيروت تواجه معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال الإسرائيلي

أعاد التصعيد المتبادل بين إسرائيل و«حزب الله»، طرح تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تكريس معادلة «الضاحية مقابل المستوطنات».

صبحي أمهز (بيروت)
خاص الناس يمارسون الصيد والركض على كورنيش بيروت الساحلي (رويترز)

خاص مصير الودائع في بنوك لبنان معلّق بـ«الانتظام المالي»

حسم مصرف لبنان المركزي مبكراً قراره بتجديد ضخ السيولة الدولارية لصالح المودعين في البنوك اللبنانية لمدة سنة كاملة تنقضي منتصف العام المقبل

علي زين الدين (بيروت)

الجيش البريطاني: حرس سفينة شحن بخليج عدن تبادلوا إطلاق النار مع مسلّحين

أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
TT

الجيش البريطاني: حرس سفينة شحن بخليج عدن تبادلوا إطلاق النار مع مسلّحين

أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)

أعلن مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة أن حرس سفينة قبالة خليج اليمن في خليج عدن تبادلوا إطلاق النار مع مسلّحين على متن قارب صغير، وتمكنوا من صد هجومهم.

ولم تعلن، على الفور، أي جهة مسؤوليتها.

كان الحوثيون قد قالوا إنهم سيستأنفون هجماتهم ضد السفن ذات الصلة بإسرائيل التي تتحرك عبر البحر الأحمر، في حين ازداد أيضاً نشاط القراصنة الصوماليين بالمنطقة.


«حزب الله» يستهدف تجمعاً لآليات وجنود إسرائيليين في جنوب لبنان

مركبة عسكرية إسرائيلية تتحرك على الجانب اللبناني من الحدود كما تُرى من الجليل الأعلى شمال إسرائيل (إ.ب.أ)
مركبة عسكرية إسرائيلية تتحرك على الجانب اللبناني من الحدود كما تُرى من الجليل الأعلى شمال إسرائيل (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يستهدف تجمعاً لآليات وجنود إسرائيليين في جنوب لبنان

مركبة عسكرية إسرائيلية تتحرك على الجانب اللبناني من الحدود كما تُرى من الجليل الأعلى شمال إسرائيل (إ.ب.أ)
مركبة عسكرية إسرائيلية تتحرك على الجانب اللبناني من الحدود كما تُرى من الجليل الأعلى شمال إسرائيل (إ.ب.أ)

أعلن «حزب الله»، اليوم الأربعاء، أن عناصره استهدفوا تجمعاً لآليات وجنود إسرائيليين في بلدة البياضة في جنوب لبنان.

وقال «حزب الله»، في بيان، إنه «دفاعاً عن لبنان وشعبه، ورداً على خرق العدو الإسرائيلي وقف إطلاق النار والاعتداءات التي طالت القرى في جنوب لبنان وأسفرت عن ارتقاء شهداء وعدد من الجرحى بين المدنيين، استهدف مجاهدو المقاومة، عند الساعة 00:00، الأربعاء 2026-06-10 تجمعاً لآليات وجنود جيش العدو الإسرائيلي في بلدة البياضة جنوب لبنان، بصلية صاروخية»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

يُذكر أن الغارات الإسرائيلية مستمرة على مناطق واسعة في جنوب لبنان، منذ الإعلان الأول لوقف إطلاق النار في 16 أبريل (نيسان) الماضي، ثم تمديده مرتين. ويقول «حزب الله»، في بياناته، إنه يرد على خرق إسرائيل وقف إطلاق النار.

وعقب انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، والتي عُقدت على مدى يوميْ 2 و3 يونيو (حزيران) الحالي، أعلن بيان صادر عن لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل عن اتفاق «إسرائيل ولبنان على تنفيذ وقف لإطلاق النار. ويعتمد وقف إطلاق النار على الوقف الكامل لنيران (حزب الله) وإخلاء جميع عناصر (الحزب) من منطقة جنوب الليطاني».


صور اللبنانية تحت نار إسرائيل

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)
TT

صور اللبنانية تحت نار إسرائيل

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)

توسّعت رقعة النار الإسرائيلية في جنوب لبنان لتطال مدينة صور، بعدما وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً غير مسبوق بالإخلاء شمل المدينة ومحيطها، في خطوة عكست انتقال التصعيد إلى مستوى يُهدد بتفريغ المدن الجنوبية من سكانها. وتزامن الإنذار مع غارات مكثفة أوقعت ثمانية قتلى و32 جريحاً.

وطلب الجيش الإسرائيلي من سكان صور وعدد من البلدات المحيطة، التوجه شمالاً، فيما استهدفت الغارات أحياء ومناطق عدة في المدينة ومحيطها. وقالت وزيرة الاستيطان الإسرائيلية أوريت ستروك إن إسرائيل لا تواجه قيوداً على عملياتها في الجنوب اللبناني، ملوّحة برد «مؤلم» على أي إطلاق نار من «حزب الله».

في المقابل، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون تمسّكه بخيار بسط سلطة الدولة وحصر السلاح، مشدداً على أن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة من شأنه إنهاء المظاهر المسلحة وسحب أي مبرر لبقاء السلاح خارج إطار الشرعية.

وشدد عون أمام وفد برلماني فرنسي وأوروبي على ثوابت المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية، وضرورة اعتماد مقاربة سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية لمعالجة ملف سلاح «حزب الله»، بما يحفظ الاستقرار ويعزز سلطة الدولة على كامل أراضيها.