الهدنة تعيد سكان الضاحية الجنوبية تدريجياً إلى منازلهم

ضرورات العمل حفّزت العودة... والمدارس لا تزال مقفلة

أحد مباني «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
أحد مباني «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

الهدنة تعيد سكان الضاحية الجنوبية تدريجياً إلى منازلهم

أحد مباني «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
أحد مباني «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

تشهد الضاحية الجنوبية لبيروت عودة تدريجية للسكان، بعد تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 6 أسابيع، وبعد 3 أشهر على نزوحهم من المنطقة، وإثر تحييدها إلى حد كبير في الهدنة عن القصف الإسرائيلي، في وقت يقول السكان إنه لا خيار أمامهم سوى العودة بعد اختبار النزوح وقسوته، وشعورهم بالبطالة.

وبدأت العودة إلى الضاحية منذ مطلع الأسبوع، رغم أن الطمأنينة المطلقة غير موجودة، حسبما يقول السكان لـ«الشرق الأوسط»، ويؤكد هؤلاء أن العودة إلى مصدر الرزق، والعودة إلى المنازل ضرورة، انطلاقاً من الحاجة إلى استعادة دورة الحياة المعيشية.

الرزق يفتح الأبواب

في منطقة يعتمد جزء كبير من سكانها على الأعمال الحرة، والمتاجر الصغيرة، باتت إعادة تشغيل مصدر الرزق شرطاً أساسياً لإعادة تشغيل الحياة نفسها. يقول علي زين الدين، الأب لولدين وصاحب محل ألبسة في الضاحية الجنوبية، إن «الناس تعود لأن لديها عملاً، أو مصلحة، أو مصدراً تعيش منه. فالعودة اليوم مرتبطة بلقمة العيش أكثر مما ترتبط بالشعور بالاطمئنان».

مبانٍ مدمرة نتيجة القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» (إ.ب.أ)

ويشير إلى أن امتلاكه للمحل ساعده على إعادة فتح أبوابه في وقت يجد فيه كثيرون صعوبة في العودة وسط أعباء الإيجارات، والخسائر. لكن إعادة فتح الأبواب لم تعنِ استعادة الحياة السابقة بصورة كاملة.

ويشير إلى أنّ «الحركة موجودة لكنها خجولة، وهناك بيع وشراء بشكل محدود، لكنها تساعد في تأمين جزء من مصاريف العائلة». ويضيف أن نمط الحياة نفسه تبدّل بعد الحرب، موضحاً: «قبل الحرب كنا نعمل حتى وقت متأخر من الليل، أما اليوم فأفتح صباحاً، وأغلق في وقت أبكر قبل المغيب، لأن حركة الناس نفسها تغيّرت. كثيرون ينزلون نهاراً، ثم يغادرون مساءً، وبالتالي لم يعد الليل يشبه ما كان عليه سابقاً».

ويرى أن المشهد العام لا يزال يعكس عودة تدريجية أكثر منه استقراراً كاملاً، مضيفاً: «الناس تحاول أن تستعيد حياتها بما هو متاح، لكن لا أحد يتصرف وكأن كل شيء عاد طبيعياً».

انتظار طويل

لم يكن وسام شهاب، صاحب محل خضراوات وأب يعيل عائلة من خمسة أشخاص، ينوي العودة سريعاً في البداية، لكنه وجد نفسه أمام واقع مختلف مع مرور الوقت.

يقول: «عدنا لأن مصدر رزقي موجود هنا. محلي في الضاحية، ومنه أعيش، وأعيل عائلتي. في البداية كنا نعتقد أن مرحلة النزوح ستكون قصيرة، وأن الأمر يحتاج فقط إلى بعض الوقت، لكن عندما بدأت الفترة تطول لم يعد ممكناً أن تبقى الحياة معلّقة».

ويضيف أن «استمرار العائلة في حالة انتظار مفتوحة سيجعل الأمور أكثر تعقيداً من الناحية المعيشية، والنفسية»، لذلك قرر العودة والاستقرار مجدداً في منزله.

لكن هذه العودة لم تدفعه إلى إلغاء كل الاحتمالات الأخرى. ويقول: «أبقينا مكان نزوحنا في جبل لبنان كما هو تحسباً لأي تطورات جديدة. صحيح أننا عدنا واستقر أمرنا في الضاحية، لكن أحداً لا يشعر بأن الظروف أصبحت محسومة بالكامل».

ويرى شهاب أن الشعور بعدم الأمان لم يعد مرتبطاً بمنطقة بعينها، قائلاً: «الضاحية تبدو اليوم محيّدة نسبياً، لكن عدم الأمان أصبح حالة عامة يشعر بها الناس أينما كانوا».

أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (أ.ف.ب)

العودة لا تُنهي النزوح

في المقابل، لم تتخذ أم حسن حرقوص وعائلتها قرار العودة الكاملة حتى الآن، إذ لا تزال العائلة تتنقل بين الضاحية الجنوبية وبشامون حيث مكان نزوحها الحالي.

وتقول إنها تنزل نهاراً إلى الضاحية، ثم تغادر قبل مغيب الشمس، لأن العودة بالنسبة إليها لا تعني مجرد فتح باب المنزل لساعات محددة.

وتوضح أن أسباب تأجيل العودة لا ترتبط فقط بالهواجس الأمنية، بل أيضاً بخسارة مصدر الرزق الذي كانت تعتمد عليه العائلة. فمحل السمانة الذي كان يؤمن موردها الأساسي تحوّل خلال الحرب إلى وسيلة للبقاء، بعدما اعتمدت العائلة على المواد الغذائية الموجودة داخله خلال فترة النزوح.

وتقول: «كنا نعيش مما هو موجود في المحل، واستهلكنا محتوياته تدريجياً خلال الحرب حتى استطعنا الاستمرار».

وتضيف: «كيف يمكن للإنسان أن يعود ليستقر إذا كان مصدر عيشه نفسه قد توقف؟ العودة ليست مجرد منزل، فالناس تحتاج إلى عمل، وإلى حياة تستطيع أن تستمر بها».

وتشير إلى أن «أفراد عائلتها تعرضوا بدورهم لخسائر مهنية ومعيشية، ما زاد صعوبة اتخاذ قرار العودة الكاملة».

مؤسسات تنتظر... وأفراد عادوا

وتقول سوسن عمار، وهي مدرسة في إحدى مدارس الضاحية الجنوبية، إن «مدارس تقع في عمق الضاحية، ومنها المدرسة التي تعمل فيها، لم تفتح أبوابها حتى الآن، خوفاً على سلامة الطلاب، وأفراد الهيئة التعليمية»، مؤكدة أنه: «لا حاجة للمخاطرة في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار».

وتشير إلى أن المؤسسات التعليمية تختلف بطبيعتها عن المصالح الفردية، موضحة أن «الأمر لا يتعلق بشخص واحد يتخذ قراراً لنفسه، بل بمئات الطلاب والعاملين».

المنزل أقل قسوة من النزوح

في الجهة المقابلة، يختصر حسن معتوق جانباً آخر من المشهد. فالرجل الذي كان يعيش مع عائلته داخل مدرسة خُصصت للنازحين قرر العودة إلى منزله رغم إدراكه أن المخاوف لا تزال قائمة.

ويقول: «العودة إلى البيت، حتى مع وجود خطر نسبي، تبقى أفضل من البقاء في حالة تهجير مستمرّة».

ويضيف أن فترة النزوح الطويلة تركت آثاراً نفسية كبيرة، قائلاً: «عندما يعيش الإنسان لفترة طويلة خارج بيته يشعر كأنه يعيش حياة مؤقتة، وكأنه ضيف في مكان ليس مكانه».

ويتابع: «لا أحد يستطيع أن يقول إنه عاد، لأنه لم يعد خائفاً، لكن الناس تتعب من حياة الانتظار نفسها».


مقالات ذات صلة

ولي العهد السعودي يُوجّه باستئناف صادرات لبنان إلى البلاد

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

ولي العهد السعودي يُوجّه باستئناف صادرات لبنان إلى البلاد

وجَّه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان باستئناف الصادرات اللبنانية إلى البلاد، وذلك بناءً على طلب الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء الإسرائيلي في القدس، 14 أبريل 2019 (أ.ف.ب)

نتنياهو مخاطباً اللبنانيين: «انضموا إلى إسرائيل» في مواجهة «حزب الله»

دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، اللبنانيين للانضمام إلى إسرائيل في حربها ضد «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي قال رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الشيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى وممثلي رؤساء الطوائف: «لبنان لا يعيش إلا بجناحيه المسيحي والمسلم... ويجب أن نقف سداً منيعاً في وجه المروّجين للطائفية والمذهبية» (الرئاسة اللبنانية)

عون يرفض أي سلطة أو وصاية على لبنان و«الثنائي» ينخرط بالمفاوضات عبر بري

جدَّد الرئيس اللبناني جوزيف عون تمسكه بقرار المفاوضات المباشرة لإنهاء الحرب، التي بدأ بها لبنان لإنهاء الحرب.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الجندي فلوريان جيليه (إكس)

الجيش الفرنسي: مقتل جندي خلال إطلاق نار «عرضي» في لبنان

أعلن رئيس أركان الجيش الفرنسي، الأربعاء، وفاة جندي فرنسي كان متمركزاً في لبنان إثر إصابته بطلقة «عرضية» أثناء التدريبات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي سكان محليون في موقع استهداف إسرائيلي لسيارة في مدينة صيدا بجنوب لبنان (أ.ب)

إسرائيل تحاول التوغل شمال الخط الأصفر عبر محورين بجنوب لبنان

يسعى الجيش الإسرائيلي للتقدم على محورين على الأقل خارج «الخط الأصفر» الذي سبق أن أعلنه في جنوب لبنان، عبر توغلات محدودة تعرضت لضربات بمسيرات «حزب الله»

نذير رضا (بيروت)

إسرائيل تجدد محاولات التمدد جنوب لبنان

سكان يفرون أمام سيارات محترقة بعد هجوم إسرائيلي على مدينة صيدا في جنوب لبنان أمس (أ.ب)
سكان يفرون أمام سيارات محترقة بعد هجوم إسرائيلي على مدينة صيدا في جنوب لبنان أمس (أ.ب)
TT

إسرائيل تجدد محاولات التمدد جنوب لبنان

سكان يفرون أمام سيارات محترقة بعد هجوم إسرائيلي على مدينة صيدا في جنوب لبنان أمس (أ.ب)
سكان يفرون أمام سيارات محترقة بعد هجوم إسرائيلي على مدينة صيدا في جنوب لبنان أمس (أ.ب)

جدّد الجيش الإسرائيلي، أمس، محاولات التمدد في جنوب لبنان خارج «الخط الأصفر» الذي رسمه في وقت سابق، على محورين. لكن توغلاته المحدودة تعرضت لضربات بمسيّرات وصواريخ موجهة أطلقها «حزب الله»، فاستعاض عن ذلك بقصف جوي عنيف أدى إلى تدمير واسع في القرى المحيطة.

وشن الجيش الإسرائيلي هجمات جديدة أمس في مسعى للتوسع في محيط قلعة الشقيف في النبطية، باتجاه كفرتبنيت وتلة علي الطاهر الاستراتيجية، كما حاول التقدم في القطاع الغربي باتجاه بيوت السياد ومجدول زون. وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن محيط المنطقتين، بات «محتلاً بالنار»، إذ «لا يوجد أثر لسكانهما، بينما ينتشر الدمار فيهما».

بالموازاة، يسعى رئيس البرلمان نبيه بري لفتح مسار تفاوضي موازٍ لذلك الذي يتبعه الرئيس جوزيف عون مع واشنطن وطهران، بعدما كان «معتكفاً»، علماً بأنه يعلب دور الوسيط أيضاً بين الدولة اللبنانية و«حزب الله». وقالت مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» إن الملف اللبناني حاضر في مفاوضات باكستان أيضاً.


العراق: «حصر السلاح» يكتمل في سبتمبر

عضو في «كتائب الإمام علي» يسلم قائمة بأسماء مسلحيه لرئيس لجنة حصر السلاح في العراق الفريق قيس المحمداوي يوم 10 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
عضو في «كتائب الإمام علي» يسلم قائمة بأسماء مسلحيه لرئيس لجنة حصر السلاح في العراق الفريق قيس المحمداوي يوم 10 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
TT

العراق: «حصر السلاح» يكتمل في سبتمبر

عضو في «كتائب الإمام علي» يسلم قائمة بأسماء مسلحيه لرئيس لجنة حصر السلاح في العراق الفريق قيس المحمداوي يوم 10 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
عضو في «كتائب الإمام علي» يسلم قائمة بأسماء مسلحيه لرئيس لجنة حصر السلاح في العراق الفريق قيس المحمداوي يوم 10 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

حددت الحكومة العراقية، أمس (الأربعاء)، سبتمبر (أيلول) المقبل موعداً لإكمال تنفيذ خطتها لحصر السلاح بيد الدولة.

وقال المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، إن الحكومة ملتزمة «حصر السلاح تماماً بيد الدولة وفق الجداول الزمنية المحددة في البرنامج الوزاري، التي تنتهي في سبتمبر المقبل تزامناً مع إنهاء مهام التحالف الدولي».

وشدد رئيس الوزراء، علي الزيدي، على «مواصلة مشروع حصر السلاح بيد الدولة، معرباً عن تقديره القوى السياسية الداعمة لمسار الاستقرار والإصلاح».

في موازاة ذلك، تسلّمت لجنة حكومية مكلّفة ملف «فك الارتباط والاندماج»، البيانات الخاصة بمقاتلي «كتائب الإمام علي»، وهو الفصيل الثاني بعد «سرايا السلام» الذي بادر إلى دمج مقاتليه في الأجهزة الأمنية للدولة.

وأشرف رئيس اللجنة الفريق الركن قيس المحمداوي على تسلّم البيانات الخاصة بالأفراد والأسلحة والمعدات والعجلات التابعة للكتائب، بحضور أعضاء اللجنة وقيادات الفصيل.


الخان الأحمر... معركة بدو فلسطين الأخيرة

مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)
مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)
TT

الخان الأحمر... معركة بدو فلسطين الأخيرة

مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)
مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)

لم يواجه أحد في الضفة الغربية أوامر وتهديدات بالهدم والإخلاء أكثر من سكان الخان الأحمر من بدو فلسطين، الذين يجدون اليوم أنفسهم في معركة أكبر منهم.

التجمع الفقير والمهمّش، عبارة عن عدة خيام ومنازل في قلب الضفة، يقف حجر عثرة أخيراً أمام إقامة مشروع «القدس الكبرى».

فحكومة اليمين المتطرف لم تعد تكتفي بتوسعة مستوطنة «معاليه أدوميم» الفاخرة، واحتلالها مساحةً واسعة فوق الخان، بل خططت لضم كل تلك الهضاب، إلى القدس، ضمن مشروع «E1» المثير للجدل، والذي يهدف لإنهاء حلم الدولة الفلسطينية القابلة للتواصل.

«الشرق الأوسط» جالت على الخان الاحمر وتحدثت إلى سكانه بعد أيام من القرار الإسرائيلي ترحيلهم وهدم مساكنهم.