لبنان يختبر «حصرية السلاح» في الضاحية الجنوبية عبر ملاحقة مطلقي النار

خبير: بداية مسار جديد نحو تكريس سلطة الدولة

طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
TT

لبنان يختبر «حصرية السلاح» في الضاحية الجنوبية عبر ملاحقة مطلقي النار

طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)

تُكثّف الأجهزة الأمنية اللبنانية إجراءاتها لملاحقة مطلقي النار خلال تشييع «حزب الله» لعناصره، في خطوة تعكس توجهاً رسمياً لضبط التفلت الأمني، ووضع حد لمشاهد باتت تتكرر على نحو مقلق.

وأعلنت قيادة الجيش اللبناني، في بيان صادر عن «مديرية التوجيه»، أن وحدات عسكرية داهمت منازل متورطين في إطلاق النار خلال مراسم تشييع في الضاحية الجنوبية وبعلبك، وأوقفت اثنين من المشاركين في الضاحية، إضافة إلى مطلوب آخر بمذكرات توقيف عدة.

ولم تقتصر هذه الإجراءات على الضاحية؛ إذ أوضح بيان صادر عن مديرية التوجيه أن الجيش أوقف أيضاً في حي الشراونة - بعلبك المواطن (ح.ن.)، وفي بلدة بريتال المواطن (س. أ.)، لتورطهما في إطلاق النار خلال مراسم تشييع، مشيراً إلى ضبط كمية من الأسلحة والذخائر الحربية. وأكد أن المضبوطات سُلّمت، وبوشر التحقيق مع الموقوفين بإشراف القضاء المختص، فيما تستمر الجهود لتوقيف بقية المتورطين.

جرحى في الضاحية

وتأتي هذه التحركات في وقت تتسع فيه رقعة القلق من تداعيات هذه الظاهرة؛ إذ تزامنت مع تصاعد حوادث إطلاق النار في عدد من المناطق. فقد سُجّل سقوط جرحى في منطقة الكفاءات في الضاحية الجنوبية لبيروت نتيجة إطلاق الرصاص والقذائف في الهواء خلال إحدى الجنازات، الأحد، ما أعاد تسليط الضوء على المخاطر المباشرة لهذه الممارسات.

وبالتوازي، دفعت هذه الحوادث فرق الإسعاف إلى التدخل لنقل المصابين، في مشهد يعكس تحوّل التشييعات من لحظات وداع إلى بؤر خطر مفتوحة، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا السلوك إلى تداعيات أمنية واجتماعية أوسع، خصوصاً في مناطق تعاني أساساً من توترات متكررة.

جانب من الدمار الذي لحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

ولا يبدو أن الظاهرة محصورة جغرافياً؛ إذ تمتد إلى البقاع حيث سبق أن نفّذ الجيش اللبناني عمليات دهم واسعة في بلدة بريتال شرقي بعلبك، على خلفية إطلاق نار واستخدام قذائف من نوع B7 خلال تشييع عنصرين من «حزب الله»، في خطوة هدفت إلى ملاحقة المتورطين والحد من استخدام السلاح في المناسبات العامة، في سياق محاولة احتواء التفلت قبل تحوله إلى واقع يصعب ضبطه.

مسار تدريجي لتكريس سلطة الدولة

ويحاول «حزب الله» التبرؤ من إطلاق النار؛ إذ أوضح الكاتب السياسي علي الأمين، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المؤشرات الميدانية، من سقوط الرصاص في مناطق مأهولة وبين مدارس تضم طلاباً، تؤكد خطورة ما يجري، وتُظهر أن هذا السلوك لا يمكن تبريره تحت أي عنوان».

وانطلاقاً من هذه الوقائع، أشار الأمين إلى أن «الحزب يسعى، بشكل غير مباشر، إلى التبرؤ من عمليات إطلاق النار، بل وإدانتها، في محاولة لاحتواء تداعياتها»، لافتاً إلى أن «الجيش اللبناني يتعامل مع هذه الوقائع في توقيت حساس، يتزامن مع مسار تفاوضي واجتماعات رسمية تهدف إلى تعزيز حضور الدولة وفرض هيبتها».

وفي هذا الإطار، رأى أن «هناك جهداً واضحاً تبذله السلطات لإظهار قدرتها على اتخاذ إجراءات تنفيذية، ولو تدريجياً، في اتجاه فرض حصرية السلاح»، موضحاً أن «هذه الخطوات لا تأتي في سياق مواجهة مباشرة مع الحزب، بل في إطار ضبط الفوضى». وأضاف: «لا يمكن لأي جهة أن تبرر إطلاق النار؛ لأن ما يجري هو استخدام استعراضي أو فوضوي للسلاح».

نازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت تعود إليها بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيز التنفيذ (الشرق الأوسط)

مواجهة مكلفة مع الدولة

وعلى مستوى أوسع، اعتبر الأمين أن «(حزب الله) يدرك في العمق أن أي مواجهة مع الدولة أو الجيش ستكون مكلفة له، ولن يحقق فيها مكاسب، لذلك يلجأ في كثير من الأحيان إلى التهويل والتصعيد الإعلامي أكثر من الذهاب إلى مواجهة فعلية». وقال: «كلما أظهرت الدولة جدية في خطواتها، تراجعت حدة ردود الفعل عمّا يُروّج له مسبقاً».

وأكد أن «جوهر المرحلة يرتبط بقرار الدولة، وليس بحجم المخاطر التي يجري تضخيمها»، مشدداً على أن «هذه المخاطر ليست بالحجم الذي يُصوَّر، بل تُستخدم أحياناً كذريعة لتعطيل أي مسار إصلاحي». وأضاف: «إذا لم تُظهر الدولة، بكل مؤسساتها الأمنية والعسكرية، قدرتها على التنفيذ، فإنها تخاطر فعلياً بوجودها ودورها».

وأكد أن «ما يجري ليس إجراءً ظرفياً أو خطوة معزولة، بل بداية مسار جديد يتجه نحو تكريس سلطة الدولة»، مشيراً إلى أن «العوامل الإقليمية والدولية، إلى جانب جزء من الداخل اللبناني، تدفع في هذا الاتجاه». وقال: «الحكومة تسعى من خلال هذه الإجراءات إلى تثبيت موقعها كصاحبة القرار السيادي، وإلى إظهار أن زمن السلاح المتفلت يتراجع تدريجياً لمصلحة سلطة القانون».

الظاهرة باتت عبئاً والبيئة ترفضها

وتعكس المعطيات الميدانية تبدلاً في المزاج داخل البيئة المحلية. وتناقل سكان الضاحية مقطع فيديو لأحد الجرحى في «حادثة البيجر» يدين فيه إطلاق النار خلال التشييعات. وقال برسالة مصورة تعكس اتساع دائرة الرفض: «هذه الممارسات تتناقض مع كل القيم، ولو كان لديكم حدّ أدنى من المسؤولية، لوجّهتم سلاحكم إلى حيث يجب، في مواجهة العدو، لا في القرى الآمنة وبين الناس».

ويؤكد مصدر محلي في الضاحية الجنوبية لـ«الشرق الأوسط»، حالة الغضب الشعبي، وقال إن ظاهرة إطلاق النار في التشييعات «تحوّلت إلى عبء على (حزب الله) نفسه، كما على بيئته الحاضنة التي باتت ترفضها بشكل واضح».

وأضاف المصدر أن «البيئة الاجتماعية للحزب تُفضّل بسط سلطة القانون لمعالجة هذه الظاهرة، عبر القنوات الرسمية والأجهزة المختصة، بما يضمن وضع حدّ لها من دون حصول أي احتكاك بين الحزب وأبناء بيئته».

وأشار إلى أن «هناك توجّهاً متزايداً داخل المجتمع المحلي لوقف هذه الممارسات نهائياً، لما تسببه من مخاطر أمنية وتشويه لصورة السكان».


مقالات ذات صلة

تعاون أمني سعودي لبناني يُحبط تهريب نحو 4 ملايين قرص مخدّر

الخليج التعاون الأمني بين المملكة ولبنان أسهم في متابعة وضبط المواد المخدرة («الداخلية» السعودية)

تعاون أمني سعودي لبناني يُحبط تهريب نحو 4 ملايين قرص مخدّر

أسهمت معلومات قدمتها وزارة الداخلية السعودية ممثلة بـ«مديرية مكافحة المخدرات» في إحباط السّلطات اللبنانية محاولة تهريب نحو 3 ملايين و900 ألف قرص إمفيتامين مخدر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي من جلسة المفاوضات الثنائية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في مقر «الخارجية الأميركية» (أ.ف.ب)

حراك عربي لترتيبات توقف إطلاق النار في لبنان

يواكب حراك عربي مباحثات باكستان، لتعزيز فرص فرض اتفاق وقف إطلاق نار في لبنان، بعد دخول لبنان منطقة التجاذب بين إسرائيل و«حزب الله».

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (سانا)

الشرع: نسعى لوقف الحرب في لبنان لا الانخراط فيها

مصادر سورية: «دمشق تعد نفسها ذات مواقف واضحة وصريحة وجادة، تتمثل في ضبط الحدود، وقطع طرق التهريب، والتنسيق عالي المستوى مع الحكومة اللبنانية».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي آليات تابعة لقوات «اليونيفيل» تتجه نحو منطقة كفرشوبا في جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

البلدات السنية والدرزية في جنوب لبنان... صمود على حافة الإنهاك

يشبه واقع سكان البلدات السنية والدرزية في جنوب لبنان، إلى حد كبير، واقع القرى والبلدات المسيحية.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (د.ب.أ) p-circle

مصادر: الشرع يؤكد أن لا نية لسوريا للدخول إلى لبنان

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، أمام زوّاره، أنّ لا نية لدمشق للدخول إلى لبنان، معتبراً أن ما يُتداول بهذا الشأن لا يعدو كونه شائعات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حراك عربي يساند لبنان لوقف النار

ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
TT

حراك عربي يساند لبنان لوقف النار

ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)

انطلق حراك عربي لمساندة لبنان في اتصالاته الداخلية والخارجية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع المباحثات الأميركية - الإيرانية، الساعية للتوصل إليه، في وقت يمضي لبنان باستعداداته للمشاركة في الجولة الجديدة من المفاوضات مع إسرائيل في واشنطن، ويُصرّ فيها على وقف إطلاق النار.

وقالت مصادر لبنانية إن هناك حراكاً عربياً صديقاً للبنان نشط خلال اليومين الماضيين، ويعمل على ترتيب موقف يُساعد في المفاوضات، لافتةً إلى أن التوصل إلى هذا الموقف «سيُمهّد للقاء ثلاثي، يجمع رؤساء؛ الجمهورية جوزيف عون، والبرلمان نبيه بري، والحكومة نواف سلام، لإجراء تقييم للوضع والمضي في خطة تبدأ من تطبيق وقف إطلاق النار، وتنفيذ مرحلة ما بعده». وقالت المصادر إن الحراك «يعمل على محاورعدة، تبدأ من تنفيذ وقف لإطلاق النار، تليها خطوات أخرى مثل انسحابات من الجهتين، ودخول الجيش اللبناني، وتسليم سلاح (حزب الله)»، وتضمن عودة السكان والاستقرار في الجنوب.

وبدا أن تعنّت إسرائيل وإصرار «حزب الله» على شروطه يعرقلان وقف النار. وقالت المصادر إن الجانب الإسرائيلي «متعنّت، ولم يقدم ما يدفع التفاوض إلى الأمام»، في إشارة إلى إصراره على ربط أي خطوة بنزع سلاح «حزب الله» بشكل مسبق. أما من جهة «حزب الله»، فإنه أبلغ الوسطاء بأنه لن يقدم أي أجوبة قبل وقف إطلاق نار شامل وكامل على الأراضي اللبنانية.


اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
TT

اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)

منذ «إعلان نيويورك»، الذي صدر قبل عام وحظي بتبنّي 142 دولة وطرح خطة طريق متكاملة لتنفيذ «حل الدولتين»، شهدت جهود تأسيس دولة فلسطينية جموداً جرّاء التطورات الإقليمية والممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية.

وجمعت باريس، أمس، عشرات جمعيات المجتمع المدني من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، من أجل إعادة الملف إلى دائرة التداول، والاستفادة من انعقاد قمة «مجموعة السبع» التي تترأسها فرنسا للعام الحالي في مدينة إيفيان - لي - بان.

وصدر عن اجتماع باريس، الذي شارك فيه 15 وزير خارجية وعشرات الدبلوماسيين وبحضور مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ولكن بمقاطعة إسرائيلية وأميركية، «دعوة عمل» موجهة بالدرجة الأولى لقمة «مجموعة السبع»، فضلاً عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل. ورغم صعوبة الوضع الإقليمي، فإن اجتماع باريس الذي ضم العشرات من الناشطين يبقى مفيداً أقله من خلال إعادة وضع الملف الفلسطيني على جدول التداولات الدولية.


اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
TT

اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)

تتصاعد منذ ثلاثة أيام عمليات استهداف حواجز قوى الأمن الداخلي الحكومية في محيط مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب شمال سوريا، وتوجه الاتهامات لما تعرف بـ«الشبيبة الثورية» التابعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).

وبينما عدّ أحد شيوخ القبائل العربية في الحسكة هذه الممارسات أنها تهدف إلى «الضغط على الحكومة السورية لتقديم مزيد من التنازلات» في عملية تنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الماضي، رأى مسؤول في «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، أن تلك الاعتداءات تندرج في إطار التصرفات «الفردية».

وشهد محيط مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب في اليومين الماضيين توتراً أمنياً، على أثر سلسلة هجمات ضد حواجز قوى الأمن الداخلي الحكومية.

تعزيزات قوى الأمن الداخلي في محيط عين العرب (سانا)

وأفاد «تلفزيون سوريا»، بأن مجهولين استهدفوا، مساء الخميس، حاجزاً تابعاً لقوى الأمن الداخلي بقذائف «آر بي جي» قرب دوار جب الفرج في ناحية الشيوخ بمحيط مدينة عين العرب، دفعت على أثره قوى الأمن الداخلي بتعزيزات إلى المنطقة، وبدأت عمليات تمشيط وانتشار واسع بحثاً عن منفذي الهجوم، في حين لم ترد معلومات فورية عن وقوع إصابات أو حجم الأضرار الناجمة عن الاستهداف.

وسبق أن شهدت قريتا العونية وأشمة بريف عين العرب الغربي، الأربعاء الماضي، توتراً أمنياً، على أثر استهداف مجموعة مسلحة عدداً من المدنيين، تبعه مهاجمة أحد الحواجز الأمنية... وقد تعاملت قوى الأمن الداخلي مع الاعتداء، ونجحت في إحباط الهجوم والسيطرة التامة على الموقف، ونفذت حملة أمنية لتعقب المتورطين.

وأوضحت وزارة الداخلية السورية، في بيان، أن «قوى الأمن الداخلي ألقت القبض على 20 متورطاً في هذه الأعمال الخارجة عن القانون، وأعادت الهدوء والأمان إلى المنطقة، مع استمرار ملاحقة بقية الفارين لتقديمهم إلى العدالة».

قوى الأمن الداخلي قرب عين العرب (سانا)

وأكدت أن «أي اعتداء يطول أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، أو أي تصرف يخرج عن إطار القانون، يُعدّ اعتداءً على الدولة السورية. وستتعامل بأقصى درجات الحزم مع كل متجاوز، ولن تتهاون في اتخاذ الإجراءات الصارمة اللازمة لحماية مؤسسات الدولة وأمن المواطنين».

تلك التطورات تتزامن مع مواصلة الحكومة السورية و«قسد» تنفيذ اتفاق 29 يناير الماضي، الذي ينص على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» الكردية بالحكومة السورية.

مضر حماد الأسعد أحد شيوخ القبائل العربية في محافظة الحسكة، رأى أن تنفيذ الاتفاق «يسير بشكل بطيء جداً بالنسبة للملفات التي تهم الحكومة السورية، في حين يسير بشكل سريع جداً بالنسبة للقضايا التي تهم الإدارة الذاتية الكردية». وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن عودة المهجرين الكرد والعرب التابعين لـ«قسد» إلى مدنهم مثال، على ذلك.

وفي إطار تنفيذ بنود اتفاق الدمج، عادت الأربعاء الدفعة الثامنة الأخيرة من مهجري عفرين (نحو 1300 عائلة)، إلى مناطقهم الأصلية. وذكر الأسعد، أن «دفعات الأهالي العائدين دخل ضمنها عناصر متطرفة من قسد و حزب العمال الكردستاني والشبيبة الثورية التابعة لقسد».

ناحية عين العرب (كوباني) بريف حلب (سانا)

واتهم الأسعد، تلك العناصر «بتنفيذ الاعتداءات على المواقع والحواجز الأمنية الحكومية في عين العرب وعفرين وبقية المناطق التي عادوا إليها، وقد حصل ذلك عشرات المرات، بهدف الضغط على الحكومة السورية للحصول على تنازلات إضافية منها في عملية الدمج».

وبحسب التصريحات الرسمية، تقدم نحو 9 آلاف من عناصر «قسد» بطلبات للانضمام إلى قوى الأمن الداخلي، وذلك في إطار تنفيذ اتفاق 29 يناير. وقال الأسعد: «نحن أبناء العرب نرفض انضمام هذا العدد الكبير من قسد إلى قوى الأمن الداخلي »، محذراً من أن «المنطقة مقبلة على بركان سينفجر في اللحظة المناسبة وستتم محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق الشعب السوري».

وشهدت عدة مناطق في شمال سوريا في الأيام الماضية، مظاهرات ضد «قسد» و«الشبيبة الثورية». وأوضح الأسعد، أن «العشائر العربية تريد من الحكومة الوقوف بوجه قسد، ومنع السيطرة تحت اسمها على محافظة الحسكة».

واتهم الأسعد «قسد» و«الشبيبة الثورية» بعرقلة تنفيذ اتفاق الدمج. وقال:«80 في المائة من الدوائر الرسمية لم يتم افتتاحها ولم تسلم للحكومة لأن قسد ترفض ذلك... بينما عندما أرادت الاندماج مع قوى الأمن الداخلي، قدمت الآلاف من عناصرها وبخاصة من عناصر (الشبيبة الثورية) لإعطائهم الشرعية الحكومية».

عناصر من «قسد» يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)

وأكد الأسعد أن أبناء القبائل والعشائر العربية «ضد الحرب ونريد الأمن والأمان والاستقرار والازدهار وأن يعيش الجميع تحت كنف الحكومة والعمل يداً بيد، ولكن يبدو أن (الشبيبة الثورية) وقيادة (قسد) القنديلية لا يريدون ذلك، ويريدون الحصول على مكاسب شخصية وهذا ما يحصل على أرض الواقع».

في المقابل، عدّ «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، وهو بمثابة الواجهة السياسية لـ«الإدارة الذاتية» الكردية، ما يحدث من اعتداءات على مواقع وحواجز قوى الأمن الداخلي في مناطق تنتشر فيها «قسد» و«الشبيبة الثورية» في شمال سوريا، يندرج في إطار تصرفات «فردية».

وقال عضو علاقات «مسد» باقي حمزة لـ«الشرق الأوسط»:«ما يحصل هو تصرفات فردية وليست ضمن المخطط العام. (مسد) مع اتفاق 29 يناير الذي يجب أن يستمر».

وأشار إلى أن «عملية تنفيذ الاتفاق التي تسير ببطء تمر بتحديات وعوائق وتدخلات خارجية لإبطال هذا الاتفاق، ولكن هناك إرادة بأن يٌنفذ الاتفاق رغم الصعوبات والتجاوزات».

من أحد الاجتماعات السابقة في دمشق مع قيادة «قسد» (سانا)

وشدد حمزة على أنه «لا يمكن الرجوع عن تنفيذ اتفاق الدمج لأن البديل عن ذلك الحرب»، لافتاً إلى أنه «يجب أن تكون هناك عملية بناء ثقة تبدأ أولاً من خلال تقديم الخدمات والعمل على السلم الأهلي، من أجل أن تبدأ الخطوة التالية المتمثلة بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية بالحكومة».

وسألت «الشرق الأوسط»: «ألا يمكن لـ(قسد) وضع حد لهذه الاعتداءات؟». فأجاب حمزة: «قسد تقوم حالياً بعملية الاندماج والأسايش (قوى الأمن الداخلي الكردية) تريد الاندماج ولكن العملية لم تكتمل وهناك تنافس... الإرادة لدى شمال سوريا أن يتم الاندماج وعدم حصول هذه التصرفات».