مع بدء مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يبرز التساؤل حول مستقبل لجنة مراقبة وقف النار المعروفة بالـ«ميكانيزم» التي شُكّلت إثر التوصل إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 الذي أوقف الحرب آنذاك، وعن دورها المستقبلي، وهي التي طرح عملها كثيراً من التساؤلات لا سيما في ظل الخروقات الإسرائيلية التي لم تتوقف طوال نحو سنة ونصف السنة إلى حين إطلاق «حزب الله» حرب إسناد إيران.
اجتماعات معدودة ونتائج محدودة
كانت الـ«ميكانيزم» قد تشكّلت كإطار تنسيقي غير مباشر برعاية دولية، خصوصاً من الولايات المتحدة الأميركية بهدف احتواء التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وقد جاءت في سياق الحاجة إلى قناة عملية وسريعة لمعالجة الخروقات الميدانية بعيداً عن التعقيدات السياسية، وتضمّ في بنيتها الأساسية ممثلين عسكريين من الجانبين، برئاسة ضابط أميركي.
ويرتكز عملها على التنسيق مع قوات الـ«يونيفيل» والجيش اللبناني لتوثيق الخروقات، كما التدخل ميدانياً لإخلاء مناطق أو تفتيش مواقع في إطار تنفيذ قرارات الحكومة لحصرية السلاح بيد الدولة.

وفي نهاية العام الماضي، أي بعد أكثر من عام على تشكيلها، أُدخل ممثلون مدنيون إلى اللجنة، وعمد الرئيس جوزيف عون إلى تعيين السفير السابق سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني، في خطوة عكست الحاجة إلى ربط المسار الأمني بالمسار ،السياسي وهو ما لاقى رفضاً حينها من «حزب الله» ورأى فيه البعض آنذاك تحضيراً لمسار تفاوضي أوسع، لكن لم يتم التوصل في الجلسات المحدودة التي عُقدت بحضور كرم إلى أي نتائج تُذكر، لا سيما أنه نُقل عنه أن الجانب الإسرائيلي طرح إقامة منطقة آمنة في جنوب لبنان، وهو ما لاقى رفضاً لبنانياً جامعاً، كما ترافق مع خلافات بين الدول المشاركة في اللجنة، لا سيما إسرائيل وفرنسا، مما أضعف دور «الميكانيزم» ومهامها إلى أن اندلعت الحرب الواسعة وتحوّل دورها إلى «لجنة لوجيستية إنسانية».

ترجيح بتراجع دورها لصالح مهام تقنية - ميدانية
أما اليوم ومع بدء مساء المفاوضات المباشرة، يبدو أن صفحة الـ«ميكانيزم» ستطوى أو أنه سيتم تغيير وظيفتها، على أن يبقى السفير كرم ليترأس الوفد اللبناني الذي سيتولى المفاوضات المباشرة وفق ما سبق أن أعلن المسؤولون اللبنانيون، بعد التوافق على تشكيل وفد كامل يمثل كل الطوائف.
وفي هذا الإطار، ترى مصادر وزارية أنّه لا يمكن بعد الجزم بانتهاء دور لجنة الـ«ميكانيزم»، إلا أنّ المسار السياسي يشير إلى أنّ انطلاق مفاوضات مباشرة فعلية بين لبنان وإسرائيل سيؤدي حكماً إلى إعادة تحديد وظيفتها، على أن تنتقل مهمة التفاوض السياسي إلى الوفد اللبناني المرتقب تشكيله برئاسة السفير سيمون كرم.
وتوضح المصادر لـ«الشرق الأوسط» أنّ اللجنة تؤدي حالياً دوراً عملياً على الأرض، لا سيما في متابعة القضايا الميدانية والطارئة، وفي مقدّمها تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحاصرين في الجنوب والمساعدة في تنظيم انتقالهم عند الضرورة.
وتضيف أنّ دور «الميكانيزم» مرشّح، مع بدء التفاوض السياسي، لأن يقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية، بعدما كانت تضطلع بهامش أوسع. كما تشير إلى أنّ إدارة عمل اللجنة تتم حالياً عبر نائب رئيسها الفرنسي، في ظل انشغال رئيسها الأميركي.
وتخلص المصادر إلى أنّ تطوّر مسار المفاوضات سيحسم مستقبل اللجنة، مع الترجيح بأن يتراجع دورها السياسي لصالح دور تقني - ميداني محدود.

مع العلم أنه رغم الانتقادات التي لطالما حملها المسؤولون في «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) ضد الـ«ميكانيزم» منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار، معبّرين عن عدم ثقتهم بها وأنها لم تقم بعملها كما يجب مع تواصل الخروقات الإسرائيلية ضد لبنان... رغم ذلك تبرز اليوم مواقف معاكسة منهم تؤكد تمسكهم بها وباتفاق نوفمبر 2024، مع رفضهم التفاوض المباشر مع إسرائيل. وهذا الأمر كان قد عبّر عنه قبل أسابيع قليلة رئيس البرلمان نبيه بري، خلال لقائه السفير الفرنسي لدى لبنان، مشدداً «على أهمية التمسك والالتزام باتفاق نوفمبر 2024 وبلجنة الميكانيزم كإطار عملي وتفاوضي لتطبيق الاتفاق».


