تقدم احتمالات تكليف السوداني رئاسة الحكومة العراقية مجدداً

بعد تلاشي حظوظ المالكي غداة انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية

من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)
من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)
TT

تقدم احتمالات تكليف السوداني رئاسة الحكومة العراقية مجدداً

من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)
من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

لم يعد أمام قوى «الإطار التنسيقي»، التي تمثل البيت الشيعي (عدا «التيار الصدري»)، سوى أسبوعين لحسم مرشحها لمنصب رئيس الوزراء، رغم استمرار الخلافات بينها بعد انتخاب ممثل حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» نزار آميدي لمنصب رئيس الجمهورية، مع العلم بأن تلك الخلافات بدأت بعد تغريدة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، التي رفض فيها قرار ترشيح نوري المالكي، زعيم «ائتلاف دولة القانون»، لمنصب رئيس الوزراء.

وفي حين لم تتمكن القوى الشيعية من المضي في ترشيح المالكي تحدياً للفيتو الأميركي، فإن المالكي نفسه لم ينسحب من سباق الترشح، عادّاً أنه «غير معني برغبة الرئيس الأميركي من عدمها»، ملقياً الكرة في ملعب «الإطار التنسيقي» الذي يملك وحده حق سحب ترشيحه لو أراد... وأدى هذا الموقف إلى بقاء الخيار مفتوحاً لجهة قدرة «الإطار» على حسم مرشحه من عدمه... مع ملاحظة مراقبين سياسيين تقدماً كبيراً لاحتمال تكليف محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة الجديدة.

في موازاة ذلك، ومع تجاوز المدد الدستورية اللازمة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتكليف رئيس وزراء بعد مرور أكثر من 4 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، فإن رئيس «مجلس القضاء الأعلى»، فائق زيدان، حذر من مغبة الاستمرار في تجاوز المدد الدستورية، عادّاً، في بيان له الأسبوع الماضي، أن عدم وجود شرط جزائي لتجاوز المدد الدستورية اللازمة، «لا يعني الاستمرار في هذه المعادلة؛ لأن من شأن ذلك أن يدخل البلاد مرحلة الخرق الدستوري، وهو ما لم يعد ينسجم مع الأوضاع الدولية الراهنة في المنطقة، لا سيما بعد الحرب بين إيران من جهة؛ والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى».

مقر البرلمان العراقي (أ.ف.ب)

كسر التوافقية

والواضح أن حسم منصب رئاسة الجمهورية سوف يترك تأثيره، مثلما يرى المراقبون السياسيون، على طبيعة العلاقات المستقبلية الشيعية - الكردية التي كانت، قبل انتخاب رئيس جديد مختلف عليه بين الحزبين الرئيسيين «الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني»، تصنف على أنها علاقات «تاريخية استراتيجية»، خصوصاً بعد ذهاب نصف الكرد ونصف الشيعة مع مرشح «الاتحاد الوطني»، بدلاً من مبدأ «التوافقية» الذي سارت عليه العملية السياسية غداة سقوط النظام العراقي السابق عام 2003.

الرئيس العراقي الجديد نزار آميدي (واع)

وفي هذا السياق، فإن رئيس البرلمان العراقي، هيبت الحلبوسي، وعقب أداء الرئيس الجديد اليمين الدستورية، دعا «الكتلة النيابية الأكثر عدداً» إلى تسمية مرشحها لرئاسة الحكومة خلال مدة أقصاها 15 يوماً، مؤكداً أن الدستور «يلزم رئيس الجمهورية والكتلة الكبرى استكمال هذا الاستحقاق ضمن المدة المحددة».

تفسير يدفع الجميع ثمنه

وفي سياق مفهوم «الكتلة النيابية الأكثر عدداً»، فإن القوى السياسية العراقية تقف أمام تفسير سابق صدر عام 2010 من قبل رئيس المحكمة الاتحادية الأسبق مدحت المحمود، يشير إلى أن «الكتلة النيابية الأكثر عدداً هي إما الكتلة الفائزة بالانتخابات، وإما الكتلة التي تتشكل داخل البرلمان بعد إعلان نتائج الانتخابات»... والسبب الرئيسي لهذا التفسير، الذي يدفع الجميع ثمنه، كان عدم تمكين «القائمة العراقية» بزعامة إياد علاوي من تشكيل الحكومة بعد فوزها بـ91 مقعداً، مقابل كتلة «دولة القانون» التي يتزعمها نوري المالكي التي جاءت في المرتبة الثانية وفازت بـ89 مقعداً... ومنع العرب السنة من أن يكون الموقع التنفيذي الأول، وهو رئاسة الوزراء، من حصتهم بعدّهم الجسم الرئيسي لقائمة علاوي آنذاك.

من أحد اجتماعات «قوى الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

وطبقاً لدعوة رئيس البرلمان الحلبوسي للكتل الشيعية، فإن إشارته إلى «الكتلة النيابية الأكثر عدداً»، وليس «الإطار التنسيقي»، تشير ضمناً إلى تكليف مرشح من «كتلة الإعمار والتنمية»، التي يتزعمها رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، الفائز الأول في الانتخابات.

الحلبوسي عدّ في بيانه أن «البلد يمر بحالة اقتصادية صعبة، كما أن حكومة تصريف الأعمال لا يجوز لها، وفق الدستور، المضي في أي إجراءات مالية أو اقتصادية أو إصلاحات»، مؤكداً ضرورة «الإسراع في تشكيل الحكومة؛ لأن أرزاق الناس تتعلق بها». وخاطب رئيس الجمهورية، بعد أدائه اليمين الدستورية، قائلاً إن «الكتلة النيابية الأكثر عدداً قدمت طلباً رسمياً بتواقيع أعضاء مجلس النواب، وهي كتلة (الإطار التنسيقي)»، مؤكداً أن «(المادة 76) من الدستور تنصّ على تقديم مرشح الكتلة الأكثر عدداً خلال فترة أقصاها 15 يوماً لتكليف رئيس الوزراء». ودعا «رؤساء الكتل السياسية وكتلة (الإطار التنسيقي) إلى تقديم طلب التكليف إلى رئيس الجمهورية من أجل الشروع في تشكيل الكابينة الوزارية»، مشدداً على أن «البلد في أمسّ الحاجة إلى تشكيل حكومة في ظل تداعيات اقتصادية وأمنية، مع وجود حكومة تصريف أعمال يومية».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

ويرى مراقبون سياسيون في بغداد أن «الخيارات داخل البيت الشيعي بدأت تضيق، والخلافات تتسع، لا سيما بعد رفض المالكي وكتلته المشاركة في انتخابات رئيس الجمهورية، وخروجه عن إجماع أكثر من نصف قوى (الإطار) في انتخاب الرئيس الكردي، وبالتالي تأكيد تلاشي حظوظه في العودة إلى رئاسة الحكومة تماماً... ولذا؛ فإن المرشحين لتولي منصب رئيس الوزراء هم: محمد شياع السوداني، وباسم البدري رئيس (هيئة المساءلة والعدالة)، وحميد الشطري رئيس جهاز المخابرات».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

شح الكهرباء والمياه ينذر بأزمة في جنوب العراق

المشرق العربي محتجون يشعلون النار في أحد شوارع الكوت جنوب بغداد احتجاجاً على نقص الكهرباء (مواقع تواصل)

شح الكهرباء والمياه ينذر بأزمة في جنوب العراق

تُلقي أزمة الكهرباء المتفاقمة في العراق بظلالها على معظم السكان، في ظل ارتفاع الحرارة التي تجاوزت نصف درجة الغليان...

فاضل النشمي (بغداد)
خاص صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014

خاص «الشرق الأوسط» تكشف ملامح خطة «حصر السلاح» في العراق

كشفت مصادر عراقية عن ملامح خطة حكومية بعد انتهاء مهلة حصر السلاح في 30 سبتمبر (أيلول) 2026، تتضمن «تفكيكاً تدريجياً لمواقع» فصائل يديرها «الحرس الثوري»

علي السراي (لندن)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

الزيدي لتشريع «قانون ملزم» لحصر السلاح بيد الدولة

قرر رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إعداد مشروع قانون لحصر السلاح بيد الدولة، في إطار ما تقول مصادر إنه استعداد لمواجهة متوقعة مع فصائل ترفض تسليم أسلحتها...

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الخارجية الإيرانية)

عراقجي وطالباني يبحثان «التعاون الأمني» على الحدود

بحث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني تعزيز التعاون الأمني على الحدود بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي مدير العلاقات والإعلام في الداخلية مقداد ميري خلال المؤتمر الصحافي (وكالة الأنباء العراقية)

الداخلية العراقية تغلق 71 مقراً وهمياً لـ«الحشد الشعبي»

أعلنت وزارة الداخلية العراقية، الاثنين، أنها تمكنت من إغلاق 71 مقراً وهمياً تدعي صلتها بـ«الحشد الشعبي»، إلى جانب ضبط 49 طائرة مسيرة.

فاضل النشمي (بغداد)

رحلة زوجة ممداني إلى سوريا ولبنان تفجر جدلاً في نيويورك

المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)
المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)
TT

رحلة زوجة ممداني إلى سوريا ولبنان تفجر جدلاً في نيويورك

المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)
المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)

تحولت رحلة عائلية تعتزم راما دواجي، زوجة عمدة نيويورك زهران ممداني، القيام بها إلى سوريا ولبنان، الشهر المقبل، إلى أزمة سياسية وأمنية داخل أكبر مدينة أميركية، بعد أن دخل مكتب العمدة وشرطة نيويورك في سجال علني حول توفير حماية أمنية لها من شرطة نيويورك من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، إضافة إلى تساؤلات عن تكلفة إرسال ضباط أميركيين إلى بلدين تصنفهما وزارة الخارجية ضمن أعلى مستويات التحذير من السفر، وقد رفضت شرطة نيويورك الطلب بعد جدل واسع.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست»، تخطط دواجي، وهي فنانة أميركية من أصول سورية تبلغ من العمر 29 عاماً، للسفر في 20 سبتمبر (أيلول) لزيارة أفراد عائلتها في سوريا ولبنان. ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع، أن الرحلة «ليست مهمة رسمية»، ولا ترتبط بأي أعمال لحكومة مدينة نيويورك.

رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني خلال احتفال بتخريج رجال شرطة في ماديسون سكوير الاثنين (أ.ب)

لكن الجدل انفجر عندما أعلنت المتحدثة باسم العمدة، دورا بيكيتش، أن فريق الحماية التابع لشرطة نيويورك سيرافق دواجي بناء على توصية قوية من الشرطة نفسها. ولم يستمر هذا الإعلان طويلاً؛ إذ سارعت شرطة نيويورك إلى نفيه بصورة قاطعة، مؤكدة أنها لا ترسل ضباطاً إلى دول خاضعة لتحذير سفر من المستوى الرابع في رحلات اختيارية لا ترتبط بمهام تحقيقية. وبالتالي لن يسافر أفراد من شرطة نيويورك إليها.

وفي تطور زاد من مستوى الإحراج السياسي، أقر ممداني لاحقاً بوجود «سوء تواصل» بين موظفي مكتبه وشرطة نيويورك، بعدما تبين أن ما أعلنته المتحدثة باسمه لا يتطابق مع موقف الشرطة. ما يعني اعترافاً أن دواجي لن تحصل على مرافقة من عناصر شرطة نيويورك خلال الرحلة، خلافاً للانطباع الذي قدمه مكتب العمدة في البداية.

«لا تسافر»

تكمن حساسية القضية في وجهتي الرحلة، فوزارة الخارجية الأميركية تصنف كلاً من سوريا ولبنان عند المستوى الرابع بتحذير واضح «لا تسافر»، وتحذر الأميركيين من السفر إلى سوريا ولبنان بسبب مخاطر الإرهاب والخطف واحتجاز الرهائن والاضطرابات والنزاع المسلح، كما أن الولايات المتحدة لا تزال تعلق عمليات سفارتها في دمشق منذ عام 2012. وكانت واشنطن قد أمرت في فبراير (شباط) الماضي بمغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم.

وقال مفوض شرطة نيويورك السابق بيل براتون، إن إرسال عناصر من شرطة المدينة في مثل هذه المهمة سيكون أمراً «غير حكيم»، محذراً من أنه سيعرض الضباط للخطر، وسيتطلب ترتيبات أمنية معقدة وتعاوناً واسعاً مع الحكومة الفيدرالية، فضلاً عن كلفته المرتفعة.

يضاف إلى ذلك عامل التوقيت؛ إذ تتزامن الرحلة مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وهي واحدة من أكثر فترات السنة ضغطاً على شرطة المدينة؛ بسبب وصول عشرات رؤساء الدول والحكومات والوفود الأجنبية، وما يتطلبه ذلك من انتشار أمني استثنائي.

راما دواجـي خلال موكب الاحتفال بفوز فريق «نيويورك نيكس» بلقب الدوري الأميركي للمحترفين لعام 2026 في 18 يونيو 2026 (غيتي)

وأثار الخلاف سؤالاً أوسع حول وضع زوجة العمدة نفسها. فقد حرص ممداني سابقاً على وصف دواجي بأنها شخصية مستقلة وخاصة، وليست مسؤولة منتخبة أو موظفة في حكومة المدينة. لكن منتقديه يقولون إن طلب توفير حماية ممولة من دافعي الضرائب لرحلة شخصية إلى منطقة عالية الخطورة يجعل الفصل بين المجالين الخاص والعام أكثر تعقيداً.

وتقول صحيفة «نيويورك بوست»، نقلاً عن مصدر مطلع، إن دواجي طلبت الحماية بعد رحلة خارجية سابقة قامت بها الشهر الماضي من دون مرافقة أمنية. غير أن شرطة نيويورك رسمت خطاً واضحاً بين الحماية التي قد تقدم داخل الولايات المتحدة وإرسال ضباط إلى دول تحذر الحكومة الفيدرالية مواطنيها من السفر إليها.

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني خلال مؤتمر صحافي في الرابع من أغسطس (رويترز)

واستغل دوف هيكيند، العضو السابق في جمعية ولاية نيويورك ومؤسس منظمة «أميركيون ضد معاداة السامية» (وهو من أبرز منتقدي ممداني وزوجته بسبب مواقفهما تجاه إسرائيل )، القضية لمهاجمة دواجي، معتبراً أن المخاطر الأكبر ستقع على عناصر الشرطة إذا أُرسلوا إلى المنطقة.

ارتباطات عائلية

لا تمثل الرحلة بالنسبة لدواجي زيارة إلى منطقة غريبة عنها، فهي فنانة سورية - أميركية لها ارتباطات عائلية وثقافية بالمنطقة، وسبق أن أمضت إقامة فنية لمدة شهرين في بيروت مع مؤسسة «Haven for Artists»، وأقامت هناك معرضاً فردياً بعنوان «Face to Face»، بحسب مقابلة منشورة عام 2019 عن عودتها إلى دمشق بعد سنوات الحرب.

لكن هويتها الفنية والسياسية جعلت الرحلة عرضة لتفسيرات تتجاوز بعدها العائلي؛ فأعمال دواجي ومواقفها العلنية تناولت القضية الفلسطينية وانتقدت السياسات الإسرائيلية، كما تعرض نشاطها السابق على وسائل التواصل الاجتماعي لتدقيق واسع منذ وصول زوجها إلى منصب العمدة.

ولهذا، تداخل في الجدل الحالي ملفان مختلفان: سؤال مشروع حول من يتحمل مسؤولية حماية زوجة عمدة نيويورك عندما تسافر بصورة شخصية إلى منطقة عالية الخطورة، وصراع سياسي أوسع حول مواقف ممداني وزوجته من إسرائيل والشرق الأوسط. والأكثر إحراجاً للعمدة ربما ليس سفر زوجته بحد ذاته، بل التناقض العلني بين مكتبه وشرطة المدينة. فالقضية التي بدأت كسؤال عن حجم الحماية الأمنية تحولت سريعاً إلى اختبار للانضباط داخل الإدارة الجديدة وحدود سلطة المدينة على القرارات المهنية للشرطة.


إسرائيل تواصل التصعيد بالضفة... اقتحامات واعتقالات وهدم

فلسطيني يتفقد الأضرار بعد أن هدمت آليات إسرائيلية مبنى فلسطينياً قرب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)
فلسطيني يتفقد الأضرار بعد أن هدمت آليات إسرائيلية مبنى فلسطينياً قرب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)
TT

إسرائيل تواصل التصعيد بالضفة... اقتحامات واعتقالات وهدم

فلسطيني يتفقد الأضرار بعد أن هدمت آليات إسرائيلية مبنى فلسطينياً قرب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)
فلسطيني يتفقد الأضرار بعد أن هدمت آليات إسرائيلية مبنى فلسطينياً قرب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

واصلت إسرائيل التصعيد في الضفة الغربية للأسبوع الرابع على التوالي، واقتحم جيشها عدة مناطق، الأربعاء، ونفَّذ مداهمات، وتحقيقات ميدانية، واعتقالات، وهدم الكثير من المنازل، والمنشآت، فيما واصل المستوطنون شن هجمات متفرقة.

واقتحم الجيش نابلس المحاصرة منذ أواخر الشهر الماضي، وداهم المنطقة الشرقية، ومخيم بلاطة، ما تسبب في مواجهات، واعتقالات. كما داهم جنين، واعتقل عدداً من الفلسطينيين في بلدة اليامون، والسيلة الحارثية، وعرابة، وطالت الاقتحامات قرى أخرى في المنطقة.

وإضافة إلى جنين ونابلس، اقتحم الجيش مدينة رام الله والبيرة، واعتقل ثلاثة فلسطينيين، أحدهم صحافي. كما طالت الاقتحامات بيت لحم، والخليل، وطولكرم.

ويقتحم الجيش الإسرائيلي مدن الضفة بشكل شبه يومي، لكنه كثَّف من ذلك منذ أطلق عمليته في الضفة في 24 من الشهر الماضي، بعد اشتباكات في بلدة تل القريبة من نابلس بسبب هجوم مستوطنين، وقُتل خلالها أربعة فلسطينيين، وجنديان إسرائيليان.

الدخان يتصاعد بعد هدم منزل في بلدة تل غربي نابلس بالضفة الغربية يوم الثلاثاء (د.ب.أ)

وأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتنفيذ العملية الواسعة؛ ونفَّذ الجيش سلسلة مداهمات، واعتقل عشرات الفلسطينيين، وهدم الكثير من المنازل بعد أن قطَّع أوصال الضفة، وحاصر مدناً وبلدات وقرى بالحواجز، والبوابات، والإجراءات المقيدة.

هدم 27 منشأة في جنين

ومع مواصلة اقتحام المدن، والمخيمات، والقرى، واعتقال فلسطينيين، كثف الجيش، الأربعاء، من عمليات هدم المنازل، والمنشآت، وأزال 27 منشأة تجارية وصناعية وزراعية شرق جنين، بعد اقتحامها، وإغلاق الطرق المؤدية إلى المنطقة.

وقال رئيس مجلس قروي عابا، برهان عزموطي، لوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية إن القوات الإسرائيلية شرعت في هدم المنشآت بحجة البناء دون ترخيص، رغم أن الأراضي المقامة عليها مملوكة لأصحابها بموجب سندات تسجيل «طابو».

فلسطيني ينظر الثلاثاء إلى منزل هدمته القوات الإسرائيلية في بلدة تل قرب نابلس (رويترز)

وكان الجيش قد أخطر، قبل نحو عشرة أيام، قرابة 40 منشأة في المنطقة بالهدم، ما يثير المخاوف من تنفيذ عمليات هدم إضافية.

وهدم المنازل والمنشآت جزء من سياسة إسرائيلية عقابية قديمة في الضفة الغربية، وتثير الكثير من الجدل حول جدواها حتى داخل إسرائيل، وتتم عادة انتقاماً من منفذي عمليات، أو عائلاتهم، وبحجة البناء غير المرخص، وغير القانوني، أو لأسباب متعلقة بطبيعة الأراضي، وتصنيفها.

سموتريتش: خطوة ضرورية

وقال وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الأربعاء، إن عملية الهدم في شمال الضفة الغربية تهدف لاستئناف الاستيطان في المنطقة. وكتب على «إكس»: «إن هدم البناء غير القانوني الذي هدد مستوطنات شمال الضفة الغربية هو خطوة ضرورية لتعزيز الاستيطان، والأمن، الذي يشكل سور الحماية لدولة إسرائيل».

وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش يستعرض خريطة للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وشملت عمليات الهدم، الأربعاء، منزلاً مأهولاً في مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية.

وقال صاحب المنزل، حكم الزرو، إنه فوجئ بهدم المنزل المكون من طابقين على مساحة 300 متر مربع، والمقام منذ أكثر من 70 عاماً، دون إبداء للأسباب، أو إنذار مسبق.

كما هدم الجيش منزلاً مكوناً من ثلاثة طوابق في قرية المعصرة جنوب بيت لحم.

وتكثفت عمليات الهدم في الأسابيع القليلة الماضية.

وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، وهي هيئة رسمية، نفذت القوات الإسرائيلية خلال يوليو (تموز) 80 عملية هدم طالت 165 منشأة، كان من بينها 80 منزلاً مأهولاً، و8 منازل غير مأهولة، و63 منشأة زراعية، و11 مصدراً للرزق.

ويقول سموتريتش، المسؤول عن الإدارة المدنية التي تتولى عملية الهدم، إن الضفة الغربية جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل؛ وتقول السلطة الفلسطينية إن إسرائيل تسعى إلى تقويضها، وضم الضفة الغربية.

تحذير أممي

وحذر مسؤولون أمميون، الثلاثاء، من أن الوضع في الضفة الغربية المحتلة بلغ «منعطفاً خطيراً».

وقال رامز الأكبروف، نائب منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، في إحاطة لمجلس الأمن إن تعميق الاحتلال الإسرائيلي «يدفع السلطة الفلسطينية إلى حافة الانهيار، وتقويض آفاق إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وقابلة للحياة، وذات سيادة».

فلسطينيون ينظرون الأربعاء إلى الدمار الناجم عن هدم مبنى قرب بيت لحم بالضفة الغربية (رويترز)

وكانت منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية قد اتهمت حكومة نتنياهو بالعمل الممنهج في الضفة من أجل إسقاط السلطة الفلسطينية، والتخلص من اتفاق أوسلو الذي وُقع قبل 33 عاماً، قائلة إن الحكومة الإسرائيلية تلعب بالنار، وتشرع عملياً في تفكيك السلطة، وضم الضفة دون إعلان رسمي.

ورد سموتريتش على التقرير الذي نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية تفاصيله، الثلاثاء، قائلاً إن هذه «شهادة على إنجازات الحكومة الإسرائيلية. أنا فخور بثورة الاستيطان التي قُدتها لمنع قيام دولة فلسطينية في قلب البلاد. هذه مجرد البداية».


جولات مكوكية عسكرية أميركية بين لبنان وإسرائيل لدفع تنفيذ «الإطار»

جنود وآليات إسرائيلية في بلدة زوطر الشرقية على بُعد أمتار من أول منطقة تجريبية في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود وآليات إسرائيلية في بلدة زوطر الشرقية على بُعد أمتار من أول منطقة تجريبية في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

جولات مكوكية عسكرية أميركية بين لبنان وإسرائيل لدفع تنفيذ «الإطار»

جنود وآليات إسرائيلية في بلدة زوطر الشرقية على بُعد أمتار من أول منطقة تجريبية في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود وآليات إسرائيلية في بلدة زوطر الشرقية على بُعد أمتار من أول منطقة تجريبية في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تسارعت وتيرة الاتصالات اللبنانية مع الجانب الأميركي لتثبيت وقف إطلاق النار، والمضي قدماً في تنفيذ اتفاق الإطار مع إسرائيل وتوسعة المناطق التجريبية، بموازاة مناقشات أمنية وعملاتية خاضها رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L الجنرال جوزف كليرفيلد، مع المسؤولين اللبنانيين، ضمن جولات مكوكية بين بيروت وتل أبيب في حراك ينظر إليه لبنان على أنه «ترجمة لضغط أميركية وجدية في العمل في مسعى لتحقيق مطالب لبنان».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L الجنرال جوزيف كليرفيلد بحضور السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

وتكثفت الاتصالات عقب تلويح لبنان بتعليق المفاوضات مع إسرائيل، إثر مراوحة إسرائيلية وتخلف تل أبيب عن الوفاء بالتزاماتها لجهة تثبيت وقف إطلاق النار وتحقيق انسحابات ووقف التفجيرات والتجريف.

وقالت مصادر وزارية لبنانية مطلعة على موقف الرئيس اللبناني جوزيف عون، إن بيروت «تطالب بحل مشكلة وقف إطلاق النار وتوسعة المناطق التجريبية».

وشددت المصادر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على أن لبنان يرى أنه «من الأفضل أن يتم حل هذه المعضلة قبل جولة المفاوضات الثامنة؛ لأن هذه المطالب أخذت وقتاً طويلاً ولم يجر حلها بعد».

جندي في الجيش اللبناني يقف قرب آلية عسكرية في منطقة فاصلة بين الجيش الإسرائيلي والمواطنين اللبنانيين في بلدة زوطر الغربية (أ.ف.ب)

وتُعقد الجولة الثامنة في موعد مبدئي في الأول من سبتمبر (أيلول) المقبل في روما، وتكثفت الاتصالات مع الجانب الأميركي «كونه الوحيد القادر على ممارسة ضغط على تل أبيب لدفعها إلى الالتزام بالاتفاقات»، خصوصاً أن سياق المحادثات السابقة لم يفضِ إلى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه «لجهة وقف الاعتداءات والتجريف والتفجيرات ونسف القرى، ولا الانسحابات من الأراضي اللبنانية».

التعهد الأميركي

وكان الجانب الأميركي تعهد في الجولة الأخيرة من المفاوضات بالضغط على إسرائيل لوقف التفجيرات ونسف المنشآت المدنية في المنطقة المحتلة بالجنوب، وبالفعل تراجعت وتيرة التفجيرات أيام الجمعة والسبت والأحد، قبل أن تتجدد بوتيرة مضاعفة منذ يوم الاثنين.

كليرفيلد في زيارات مكوكية

في هذا الوقت، وصل الجنرال كليرفيلد إلى بيروت، قادماً من تل أبيب، حيث أجرى محادثات مع الجانب الإسرائيلي، واستكمل النقاشات مع الرئيس اللبناني جوزيف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، قبل أن يغادر بعد الظهر إلى تل أبيب مرة أخرى، على أن يعود إلى بيروت يوم الجمعة المقبل.

ومع أن الزيارة كانت مقررة منذ وقت سابق، ولا ترتبط بالتلويح اللبناني بوقف مسار التفاوض في حال لم تنفذ إسرائيل المطالب اللبنانية، قالت المصادر اللبنانية إن طابع الزيارة «عسكري تقني».

وأشارت إلى أن كليرفيلد «حمل معطيات من تل أبيب، ونقلها إلى بيروت حيث استمع إلى معطيات أخرى، ونقلها إلى تل أبيب مرة ثانية، على أن يعود بأجوبة يوم الجمعة المقبل». وأشارت إلى أن هذه الجولة المكوكية «هي جزء من حراك أميركي مكثف وضغط باتجاه تحقيق إنجازات في مسعى جدّي وسريع، لكنه في النهاية يتوقف على الاستجابة الإسرائيلية».

وعن حراك كليرفيلد، قالت المصادر إنه «يحاول تقريب وجهات النظر في ملفات عسكرية، ويعود إلى بيروت حيث يبقى لأيام، يطلع خلالها على الإجراءات، ويتفق مع الجيش اللبناني على الصيغ والمهمات لتنفيذ اتفاق الإطار».

دمار وأراض زراعية التهمتها النيران الإسرائيلية في بلدة ميس الجبل المحتلة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأفادت الرئاسة اللبنانية بأن الرئيس عون استقبل كليرفيلد في حضور السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، وعدد من معاوني الجنرال كليرفيلد، وأضافت أنه «تم البحث في الإجراءات الآيلة إلى تطبيق اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه في حصيلة المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية في واشنطن، وذلك في ضوء المحادثات التي أجراها الجنرال كليرفيلد في إسرائيل الأسبوع الماضي».

وانتقل كليرفيلد إلى وزارة الدفاع، حيث عقد لقاء مع قائد الجيش اللنباني. وفي أثناء اللقاء، «جرى بحث التطورات في الجنوب والترتيبات الأمنية المتعلقة باتفاق الإطار، والصعوبات التي يواجهها الجيش خلال تنفيذ مهماته، وفي مقدمها استمرار الاعتداءات وأعمال التجريف والتدمير من قبل الاحتلال الإسرائيلي»، حسبما أفادت قيادة الجيش اللبناني في بيان. وقالت: «أكد الطرفان أهمية دعم الجيش في ظل ما ينفذه من مهمات في الجنوب ومختلف المناطق اللبنانية».

آلية التحقق

وإلى جانب تثبيت وقف إطلاق النار ووقف التجريف والتفجيرات، تتصدر قضية توسعة المناطق التجريبية وآلية التحقق من إجراءات الجيش اللبناني، الأولويات للدفع قدماً بتنفيذ اتفاق الإطار.

وكشف مصدر لبناني لـ«الشرق الأوسط» عن أن دولة عربية أبدت رغبتها في المشاركة في آلية التحقق من انتشار الجيش اللبناني في المناطق النموذجية التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، والتأكد من حصرية السلاح فيها بالمؤسسات الرسمية اللبنانية، في وقت عرضت فيه دول أخرى المشاركة أو الاضطلاع بالمهمة، ومن بينها إيطاليا.

وقال المصدر إن الأمر «لم يُحسم بعد»، مشيراً إلى أن «الأولوية الآن هي لتحديد طبيعة الآلية ودور الدول القائمة فيها وصلاحياتها، فضلاً عن حدود هذا الدور والأسس المتعلقة بالعمل».

تنديد الجيش وسلام

في غضون ذلك، واصلت إسرائيل انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، حيث استهدفت ثلاث غارات عنيفة، بلدة المنصوري في جنوب لبنان، ونفذت القوات الإسرائيلية تفجيرات في وادي بلدة تولين - طريق وادي السلوقي وفي كفرتبنيت وفي زوطر الشرقية ودير سريان وحداثا وبيت ياحون، فضلاً عن استهداف مسيّرة إسرائيلية بقذيفة مباشرة، لمضيف عاشورائي على طريق كفرا - العاصي، وأوقعت الغارة عدداً من الإصابات. كما قصف الجيش الإسرائيلي مرتفعات علي الطاهر بقذائف فوسفورية.

وقالت قيادة الجيش اللبناني، في بيان: «تستمر اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي وخروقاتها للتفاهمات القائمة والقوانين الدولية، وآخرها تفجير مبنى بلدية زوطر الشرقية – النبطية ، إضافة إلى المدرسة الرسمية والمستوصف وحضانة أطفال وعدة منازل في البلدة، ما يؤكد مُضي الاحتلال في نهجه التدميري لإلحاق أكبر ضرر ممكن بالقرى والبلدات الجنوبية، ومنع إرساء الاستقرار». في الوقت نفسه، «يواصل الجيش تنفيذ مهماته في الجنوب، حيث يواجه صعوبات كبيرة نتيجة هذه الاعتداءات التي تعيق استكمال انتشاره وعودة الأهالي».

وفي السياق نفسه، قال رئيس الحكومة نواف سلام إن «ما تقوم به إسرائيل في المنصوري وزوطر الشرقية وكفرتبنيت وغيرها من القرى والبلدات الجنوبية، من اعتداءات وتوغلات وعمليات جرف وتدمير ممنهج للمنازل والأحياء السكنية والبنى التحتية والمقار الحكومية ودور العبادة، يشكّل انتهاكاً خطيراً لمبادئ وقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني».

وأكد أن «تبرير عمليات الجرف والتدمير بذريعة وجود منشآت عسكرية، تدحضه طبيعة ما يجري استهدافه على الأرض»، مضيفاً: «القول إن قرى وبلدات، بمنازلها وأحيائها ومقارها الحكومية ومرافقها العامة ودور عبادتها وبناها التحتية، هي بكاملها منشآت عسكرية، ادعاء لا يستقيم مع أي منطق، ولا يمكن أن يشكّل غطاءً لتدميرها وتهجير أهلها ومنعهم من العودة إليها».

وأكد أن «سيادة لبنان وأمن أهله وحق الجنوبيين في العودة إلى أرضهم وإعادة بناء قراهم ليست مسائل قابلة للمساومة».