لبنان: مفاوضات وقف الحرب بين المصلحة الوطنية والتسوية الإقليمية

خشية من ربطها بالملف الإيراني والعين على «حزب الله»

صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

لبنان: مفاوضات وقف الحرب بين المصلحة الوطنية والتسوية الإقليمية

صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

يتقدم في الأيام الأخيرة الحديث عن احتمال فتح مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل لوقف الحرب، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة أي اتفاق على النجاح أو الصمود إذا بقي محصوراً بالساحة اللبنانية، في ظل مواقف معلنة لقيادات في «حزب الله» ومسؤولين إيرانيين تؤكد ترابط جبهات الصراع في المنطقة.

ورغم مواصلة الرئيس اللبناني جوزيف عون، جهوده لإنجاح المبادرة التي أطلقها حول مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، التي نفى وزير خارجيتها جدعون ساعر الأحد، «وجود أي توجه لإجراء مفاوضات مباشرة مع لبنان لإنهاء الحرب»، عبّرت مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية عن خشيتها من أن يربط «حزب الله» وإيران مسار التفاوض بالجبهتين، واصفة أي توجّه في هذا الإطار بـ«الغباء».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مجتمعاً الجمعة بأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في قصر بعبدا الرئاسي بمناسبة زيارته السريعة إلى لبنان (أ.ب)

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس عون أطلق مبادرته بمعزل عن الملف الإيراني ولأنه رأى البلد يحترق، ومن مسؤوليته بوصفه رئيساً للجمهورية أن يتحرك «لا سيما أننا ندرك أننا ليست لدينا قدرة على مواجهة إسرائيل، ولا فعل أي شيء يقارن بهمجيتها ووحشيتها، كما أن الانتظار حتى يقرر الآخرون مصير البلد ليس خياراً».

وترى المصادر أن الأيام المقبلة «ستكشف نوايا (حزب الله) كما إيران وإسرائيل على حد سواء». وتضيف: «إذا جرى ربط مسار المفاوضات بالجبهتين، فستتكشف عندها النوايا الحقيقية، ولن يكون بإمكان (حزب الله) القول إنه يحافظ على لبنان أو على وحدته، وكل الشعارات ستسقط حينها»، محذرة في الوقت عينه من أي «تشويش» عسكري سياسي محتمل من الجانب الإيراني إذا سلكت المبادرة طريقاً إيجابياً «وعندها ستتكشف كل الأدوار والالتزامات».

مسار محدود بلا تسوية إقليمية

في ظل غياب مؤشرات حول أي مفاوضات محتملة، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن فعلاً التوصل إلى اتفاق حول الجبهة اللبنانية وحدها؟ أم أن أي تسوية محتملة ستظل مرتبطة بتفاهمات إقليمية أوسع تشمل إيران وحلفاءها في المنطقة؟

يقول رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية - الأميركية الدكتور عماد سلامة: «من غير المرجح أن تنطلق مفاوضات فعلية ومنتجة بين لبنان وإسرائيل قبل الوصول إلى تسوية أوسع على مستوى الإقليم، تحديداً فيما يتعلق بالصراع المرتبط بإيران». ويوضح سلامة في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «طالما أن (حزب الله) يواصل الانخراط في دعم المجهود الحربي الإيراني، فإن أي مسار تفاوضي سيبقى محدود النتائج، لأن القرار الاستراتيجي المرتبط بالحرب والسلم لا يزال متداخلاً مع الحسابات الإقليمية. لذلك، فإن أي تقدم حقيقي في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، يبقى مرهوناً إلى حد كبير بتبلور تسوية إقليمية أشمل تعيد ترتيب موازين القوى، وتفتح المجال لتفاهمات أكثر استقراراً».

خيمة لنازحين في وسط بيروت حيث تساقطت الأمطار بكثافة يوم الأحد (رويترز)

ضغط سياسي على «حزب الله»

مع ضخ المعلومات المتناقضة حول المفاوضات، يرى سلامة «أنه قد يكون هناك دافع لدى إسرائيل وبعض القوى اللبنانية المعارضة لـ(حزب الله)، إضافة إلى الحكومة اللبنانية، لاستئناف الحديث عن المفاوضات حتى في غياب تسوية إقليمية نهائية، بهدف ممارسة ضغط سياسي على (حزب الله)، وإظهار التزام لبنان بالمسار الدبلوماسي بما يعزز علاقاته مع الغرب، ويضمن استمرار الدعم للمؤسسات اللبنانية، هذا في وقت ترى فيه إسرائيل أن فتح باب التفاوض أداة لزيادة الانقسامات الداخلية في لبنان، وربما تعميق التباينات السياسية حول دور (حزب الله) وسلاحه».

شروط جديدة

بعد تجارب سابقة باءت كلّها بالفشل، وعما يفترض أن تتضمنه أي مفاوضات أو اتفاقات جديدة محتملة، يقول سلامة: «إذا استؤنفت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، فمن المرجح أن تختلف طبيعتها وشروطها عمّا كان مطروحاً في السابق»، موضحاً أن «إسرائيل ستسعى إلى ربط أي تقدم تفاوضي بتعاون وثيق مع الجيش اللبناني فيما يتعلق بعملية نزع سلاح (حزب الله)، بما في ذلك آليات مراقبة مباشرة وشفافة لانتشار الجيش. وقد يشمل ذلك إعادة تموضع الجيش اللبناني داخل معاقل تقليدية لـ(حزب الله)، ليس فقط في الجنوب الحدودي بل أيضاً في مناطق نفوذه مثل الضاحية الجنوبية وبعض مدن الجنوب الرئيسية كمدينة النبطية، بما يهدف إلى إثبات قدرة الدولة على بسط سلطتها الأمنية».

الدخان يتصاعد من شقة في مبنى في صيدا تعرض لغارة إسرائيلية (إ ب أ)

ويضيف سلامة: «في المقابل، من المتوقع أن يحظى الجيش اللبناني بدعم سياسي ومالي وعسكري أكبر من الولايات المتحدة وفرنسا وعدد من الدول العربية، بما في ذلك دعم لعملية إعادة هيكلة القيادة العسكرية وتعزيز قدراته. وعلى هذا الأساس، قد تربط إسرائيل انسحابها التدريجي من الجنوب اللبناني بمدى التقدم المحقق في انتشار الجيش وتنفيذ هذه الترتيبات، مع تقديم الولايات المتحدة ضمانات أمنية وسياسية للطرفين لضمان تنفيذ الالتزامات المتبادل».

مع العلم أنه بات معلناً أن قرار الحزب مرتبط بالكامل بطهران؛ فمنذ اتخاذ قرار «إسناد إيران» وإطلاق الصواريخ ثأراً للمرشد الإيراني علي خامنئي، أكد المسؤولون الحزبيون مراراً أنه جزء من محور إقليمي في مواجهة إسرائيل، وأن العلاقة مع إيران تقوم على تحالف استراتيجي.

وفي سياق الحديث عن المواجهة الحالية، وصف أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، المعركة مع إسرائيل بأنها «معركة وجودية»، مؤكداً أن الحزب مستعد لمواجهة طويلة إذا استمر التصعيد، وأن قدراته العسكرية تتيح له مواصلة القتال مهما طال أمد الحرب.

طفلة على متن حافلة تحوّلت إلى خيمة لعائلة نازحة هرباً من القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

ولا يقتصر هذا الربط بين الجبهات على خطاب «حزب الله» فقط؛ بل يظهر أيضاً في مواقف القيادة الإيرانية بشكل دائم، وهو ما كان واضحاً أيضاً في بيان «الحرس الثوري» مساء الأربعاء الماضي، بشأن مشاركة «حزب الله» في عملية «العصف المأكول».


مقالات ذات صلة

700 كيلومتر من الاحتلال الإسرائيلي في لبنان... ماذا يعني «الحزام الأمني»؟

المشرق العربي الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر غارة إسرائيلية استهدفت البلدة في جنوب لبنان (رويترز)

700 كيلومتر من الاحتلال الإسرائيلي في لبنان... ماذا يعني «الحزام الأمني»؟

تطرح العمليات الإسرائيلية المتواصلة في جنوب لبنان واتساع نطاقها في بعض المناطق إلى مسافات أبعد من الشريط الحدودي.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مترئساً جلسة الحكومة (رئاسة الجمهورية)

الاتصالات السياسية تنزع فتيل التوتر حول شحنة متفجرات «حزب الله»

نجحت الاتصالات السياسية التي تكثفت في الساعات التي سبقت جلسة مجلس الوزراء، الخميس، في تخفيف حدة التوتر المحيط بملف شحنة المتفجرات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري برّي ونصر الله خلال جلسة الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

تحليل إخباري تباينات متراكمة بين برّي و«حزب الله»... بداية افتراق أم توزيع أدوار؟

أتت تصريحات رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأخيرة عن علاقته بـ«حزب الله» لتخرج إلى العلن التباينات المتراكمة بين «الحليفين» في السنوات الأخيرة.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي مواطنون يؤدون الصلاة في جامع ببلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان (أ.ب)

هاجس تجدد الحرب يؤرق اللبنانيين

في ظل تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة بالمنطقة، يعود لبنان ليجد نفسه أمام السؤال الأصعب: هل تتجه المنطقة نحو حرب جديدة لن يكون بمنأى عن تداعياتها.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي وزير العدل اللبناني عادل نصار (الوكالة الوطنية للإعلام)

وزير العدل اللبناني: التحقيقات بشحنة متفجرات «حزب الله» تتوسّع ولا سقف لها

تعهّد وزير العدل اللبناني عادل نصار بالمضيّ بالتحقيقات الجارية في ملف شحنة متفجرات «حزب الله» حتى النهاية، مؤكداً أنه «لا سقف لها وهي مستمرة وتتوسع».

نذير رضا (بيروت)

7 قتلى بهجوم مسلّح على كنيسة في قرية حمود الأردنية

عناصر أمن أردنيين في العاصمة عمّان (رويترز - أرشيفية)
عناصر أمن أردنيين في العاصمة عمّان (رويترز - أرشيفية)
TT

7 قتلى بهجوم مسلّح على كنيسة في قرية حمود الأردنية

عناصر أمن أردنيين في العاصمة عمّان (رويترز - أرشيفية)
عناصر أمن أردنيين في العاصمة عمّان (رويترز - أرشيفية)

أكد شهود عيان لـ"صحيفة الشرق الأوسط" تعرّض كنيسة في قرية حمود التي تقطنها عشائر مسيحية في محافظة الكرك (120كم) جنوب عن العاصمة الأردنية عمّان، لهجوم بالأسلحة الأتوماتيكية على أيدي مجهولين، فيما أفاد التلفزيزن الرسمي بوقوع سبعة قتلى.

وأكد شهود عيان سقوط قتلى وعشرات الجرحى. وفيما ذكر الشهود أن الهجوم شنه إرهابيون فروا بعد إنهاء العملية. لكن لم تتضح بعض الصورة.

في حين ذكر بيان الأمن العام عن مباشرة التحقيقات.


700 كيلومتر من الاحتلال الإسرائيلي في لبنان... ماذا يعني «الحزام الأمني»؟

الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر غارة إسرائيلية استهدفت البلدة في جنوب لبنان (رويترز)
الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر غارة إسرائيلية استهدفت البلدة في جنوب لبنان (رويترز)
TT

700 كيلومتر من الاحتلال الإسرائيلي في لبنان... ماذا يعني «الحزام الأمني»؟

الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر غارة إسرائيلية استهدفت البلدة في جنوب لبنان (رويترز)
الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري إثر غارة إسرائيلية استهدفت البلدة في جنوب لبنان (رويترز)

تطرح العمليات الإسرائيلية المتواصلة في جنوب لبنان، واتساع نطاقها في بعض المناطق إلى مسافات أبعد من الشريط الحدودي، أسئلة حول حدود الانتشار العسكري الفعلي وطبيعة المناطق التي باتت خاضعة للمراقبة أو الاستهداف من مواقع إسرائيلية متقدمة. ويكتسب هذا النقاش بعداً إضافياً مع حديث وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أكثر من مرّة عن مساحة تقارب 700 كيلومتر مربع، فيما تظهر المعطيات الميدانية أن السيطرة على الأرض ليست بمستوى واحد، بل تتراوح بين انتشار مباشر في نقاط محددة، وتوغلات متحركة، وسيطرة بالنار على مناطق أوسع.

ولا تبدو هذه المساحة، وفق قراءات عسكرية، حزاماً متساوي العمق يمتد بخط ثابت من الساحل إلى جبل الشيخ، إذ تفرض طبيعة الأرض والمرتفعات ومحاور الحركة تفاوتاً واضحاً بين القطاعات. ففي مناطق توجد قوات إسرائيلية وآليات بصورة مباشرة، بينما تبقى مناطق أخرى خارج الانتشار الثابت، لكنها تقع تحت المراقبة الجوية أو في مدى النيران، بما يسمح بتنفيذ عمليات فيها من دون الحاجة إلى إبقاء قوات دائمة داخلها.

جبهة واحدة

وقال الخبير في شؤون الأمن والدفاع الدكتور رياض قهوجي لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل تنظر، من الزاويتين الجغرافية والعسكرية، إلى الجولان ولبنان باعتبارهما «جبهة واحدة»، تمتد من جبل الشيخ وصولاً إلى ساحل البحر المتوسط عند الناقورة والبياضة، رغم أنها تمر في أراضي دولتين.

وأوضح قهوجي أن «إسرائيل تنشئ، من وجهة نظرها، حزاماً أمنياً على طول حدودها الشمالية»، لافتاً إلى أن التطورات الميدانية تعني أن هذا الحزام «لم يعد محصوراً بجنوب نهر الليطاني، بل امتد في بعض المناطق إلى شماله».

وقال: «عملياً، اتسعت الخريطة الجغرافية ولم تعد محصورة بجنوب الليطاني، وامتدت باتجاه شماله، وتحديداً انطلاقاً من جهة المطلة، لأن المسافة بين المطلة ونهر الليطاني قصيرة، وتبلغ نحو 7 كيلومترات، بينما تصل المسافة بين الناقورة والليطاني إلى نحو 30 كيلومتراً». وأضاف أن هذا الاختلاف في المسافات يفسر، من الناحية الجغرافية، وصول نطاق الحزام في بعض النقاط إلى شمال الليطاني.

وبذلك، لا يشكل الليطاني، وفق هذه القراءة، خطاً واحداً يفصل بصورة متطابقة بين نطاقي العمليات شمالاً وجنوباً، إذ تختلف المسافة إليه من منطقة إلى أخرى، وتفرض الجغرافيا عمقاً مختلفاً للانتشار أو القدرة النارية.

جرافات إسرائيلية تشق طرقاً في منطقة «الشقيف» الجبلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

سيطرة بالنار

ويفصل قهوجي بين الانتشار العسكري المباشر والسيطرة على مساحات أوسع من خلال المراقبة والنيران. وفي تفسيره لمفهوم «السيطرة بالنار»، قال قهوجي إن إسرائيل تعتمد على نحو 20 نقطة تنتشر فيها تجمعات عسكرية صغيرة، موضحاً: «يمكن أن توضع في كل نقطة قوة بحجم سرية، فيما توجد في العمق طائرات مسيّرة تعمل بصورة دائمة على رصد التحركات».

وأضاف: «كلما ترصد المسيّرات أي تحرك، يجري استهدافه، إما بالمدفعية وإما بغارة جوية، أو يمكن أن تنطلق دورية من إحدى هذه النقاط باتجاه المكان الذي رُصدت فيه الحركة داخل نطاق ما يسمى الحزام الأصفر».

وخلص قهوجي إلى أن «هذا هو معنى السيطرة بالنار: ليس ضرورياً أن يكون هناك انتشار عسكري فعلي وكثيف في كل مساحة الحزام، بل نقاط عسكرية محددة، مع مراقبة دائمة بالنيران والمسيّرات، وقدرة على استهداف أي حركة أو إرسال دورية إليها».

وهذا التمييز يفسر كيف يمكن أن تكون مساحة الحركة أو التحكم العسكري أوسع من مساحة الانتشار الفعلي. فالقوة الموجودة في موقع مرتفع أو نقطة محصنة تستطيع مراقبة طرق وبلدات مجاورة واستهدافها أو إرسال دورية إليها عند الحاجة من دون إقامة موقع دائم في كل منطقة.

من الساحل إلى الشقيف

يتضح هذا النمط في عدد من قطاعات الجنوب. ففي الغرب، يبدأ نطاق العمليات من الناقورة والقطاع الساحلي، ويمتد إلى مناطق تعرضت أخيراً لتوغلات وتفجيرات وقصف متكرر، بينها المنصوري ومحيطها.

وفي القطاع الأوسط، شهدت بلدات مثل بيت ياحون وحداثا وحاريص وعيتا الجبل تحركات أو استهدافات إسرائيلية متفاوتة، من دون أن يكون مستوى الوجود العسكري فيها واحداً.

ويزداد عمق العمليات باتجاه الشقيف ومرتفعات علي الطاهر، حيث تمنح طبيعة الأرض والارتفاعات قدرة على الإشراف على مناطق أوسع تمتد باتجاه النبطية وإقليم التفاح ومحاور الحركة المحيطة. وهنا يصبح شكل نطاق السيطرة أكثر تعقيداً من مجرد شريط يمتد بمحاذاة الحدود.

احتمال الامتداد نحو الأولي

ويطرح العميد المتقاعد فادي داوود قراءة أوسع لمسار محتمل للتمدد، ترتكز على السيطرة على المرتفعات وقدرتها على التحكم بالنار في المناطق الواقعة أسفلها. ويقول داوود لـ«الشرق الأوسط» إن «الواضح في جنوب لبنان أن حدود التمدد قد تصل إلى نهر الأولي، وإذا لم تصل إلى الأولي فسيبقى التمركز في المرتفعات التي تحكم نهر الأولي»، مشيراً إلى أن هذا الانتشار يشمل أيضاً «الريحان ومحيط جزين، وتحديداً كفرحونة».

وأوضح داوود أن «الحدود ستكون، من جهة الغرب، عند نهر الأولي»، عادّاً أن العامل الأساسي في رسم مسار التحركات هو «السيطرة الجغرافية»، ولا سيما السيطرة على المرتفعات التي تتيح التحكم بالمناطق الواقعة أسفلها من دون الحاجة إلى انتشار مباشر فيها.

وقال: «السيطرة الجغرافية ستمكنه من السيطرة على البقاع الغربي من جهة اليمين، لأنه موجود أساساً في جبل الشيخ، والبقاع الغربي أصبح بمثابة جيب بين جبل الشيخ والريحان»، مضيفاً: «سيتمركز هناك للسيطرة على البقاع».

تغطي سحب كثيفة من الغبار تلال أرنون والشقيف المحيطة بقلعة الشقيف (بوفور) كما تبدو من مرجعيون جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الريحان وإقليم التفاح

وأشار داوود إلى أن هذا المسار يمكن أن يمتد من جبل الريحان باتجاه مرتفعات إقليم التفاح، قائلاً: «سينتقل من جبل الريحان إلى مرتفعات إقليم التفاح، ومن ضمنها جبل صافي، حيث يفرض سيطرته على معقل الحزب في إقليم التفاح، ويسيطر على صيدا وشرق صيدا ونهر الأولي».

وشدد على أن طبيعة الأرض هي التي ترسم مسار التحركات العسكرية، قائلاً: «الجغرافيا ثابتة، وسيتبع الجغرافيا»، عادّاً أن السيطرة على المرتفعات تمنح القدرة على التحكم بالنار في المناطق الواقعة تحتها من دون ضرورة الانتشار العسكري فيها بصورة كاملة.

وأضاف: «سيطرته على جبل الشيخ تجعل منطقة البقاع الغربي ساقطاً (عسكرياً) وصولاً إلى القرعون»، لافتاً إلى أن جبل الشيخ يشرف على منطقتين أساسيتين، إذ «من جهة جبل الشيخ الغربية يوجد البقاع الغربي، ومن الجهة الشرقية توجد درعا في سوريا»، عادّاً أن المنطقتين «ستشكلان جيبين» على جانبي جبل الشيخ.

وتُظهر القراءتان أن النقاش حول مساحة الـ700 كيلومتر مربع لا ينحصر في عدد البلدات التي توجد فيها قوات على الأرض، بل يرتبط أيضاً بالمرتفعات ونقاط المراقبة ومجال النيران وقدرة القوات على التحرك منها إلى مناطق مجاورة، فيما يبقى حجم الانتشار الفعلي مختلفاً من قطاع إلى آخر.

غارات وتفجيرات جنوباً

ميدانياً، شنّت مسيّرة إسرائيلية صباح الجمعة غارة استهدفت دوار بلدة كفرتبنيت في قضاء النبطية، وسط معلومات أولية عن وقوع إصابات، بالتزامن مع تنفيذ الجيش الإسرائيلي تفجيرين عند أطراف البلدة وفي المنصوري بقضاء صور.

وأحرق الجيش الإسرائيلي أحراجاً في بلدة القنطرة، ونفّذ تمشيطاً بالأسلحة الرشاشة باتجاه وادي الحجير، فيما ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة صوتية قرب كفرشوبا، وسُجّل تحليق منخفض للمسيّرات فوق الضاحية الجنوبية لبيروت ومدينة صور ومحيطها.


هاجس عودة الحرب يؤرق اللبنانيين

عناصر من الجيش اللبناني في مركبة عسكرية خلال زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى زوطر الغربية الثلاثاء (أ.ب)
عناصر من الجيش اللبناني في مركبة عسكرية خلال زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى زوطر الغربية الثلاثاء (أ.ب)
TT

هاجس عودة الحرب يؤرق اللبنانيين

عناصر من الجيش اللبناني في مركبة عسكرية خلال زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى زوطر الغربية الثلاثاء (أ.ب)
عناصر من الجيش اللبناني في مركبة عسكرية خلال زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى زوطر الغربية الثلاثاء (أ.ب)

عاد هاجس الحرب ليؤرق اللبنانيين في ظل تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة بالمنطقة. ورأى نائب رئيس الحكومة طارق متري أن هناك «مخاوف جدية من حرب شاملة في المنطقة يكون لبنان إحدى ساحاتها»، إلا أنه شدد على أن «الأمور لا تزال في إطار التحليل والاحتمالات... بحيث إن المعنيين مباشرة بالوساطة بين واشنطن وطهران لا يملكون أجوبة حاسمة في هذا المجال».

في موازاة ذلك، نجحت الاتصالات السياسية التي سبقت جلسة مجلس الوزراء، أمس (الخميس)، في تخفيف حدة التوتر المحيط بملف شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر، وسط خلاف بشأن طلب إحالة القضية إلى المجلس العدلي، يتمحور حول تمسّك وزير العدل عادل نصار بالطلب، في مقابل رفض من قبل رئيس البرلمان نبيه بري و«حزب الله».

واعتراضاً على عدم إحالة القضية، انسحب وزراء «القوات» من الجلسة، معتبرين أنه لا يمكن انتظار التحقيقات خاصة أن الجهة المتورطة أعلنت عن نفسها، في إشارة إلى «حزب الله».