بغداد تستعين بقوانين «البعث» لمعالجة التضخم الوظيفي في القطاع العام

ضمنها منح الموظفين «الفائضين» إجازة طويلة

صورة جوية لجانب من بغداد (متداولة)
صورة جوية لجانب من بغداد (متداولة)
TT

بغداد تستعين بقوانين «البعث» لمعالجة التضخم الوظيفي في القطاع العام

صورة جوية لجانب من بغداد (متداولة)
صورة جوية لجانب من بغداد (متداولة)

تسعى حكومة رئيس الوزراء، المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، إلى تدارك أزمتها المالية عبر اتخاذ سلسلة إجراءات من شأنها التقليل من الإنفاق الضخم على رواتب موظفي القطاع العام التي تستهلك نحو 90 في المائة من إجمالي الموازنة المالية للبلاد، إذ تزيد أعدادهم على 4 ملايين ونصف المليون موظف، فضلاً عن جيوش المتقاعدين والمستفيدين من نظام الحماية الاجتماعية.

ويُحذّر خبراء في المال والاقتصاد منذ سنوات من أن الحكومة «ستكون عاجزة عن سداد تلك الرواتب مع التضخم المتواصل في أعداد الموظفين وإمكانية انخفاض أسعار النفط»، الذي يُموّل موازنة البلاد الاقتصادية بأكثر من 90 في المائة من مواردها المالية.

رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني (د.ب.أ)

ووسط مخاوف شديدة من عجز الحكومة عن تغطية نفقاتها، خصوصاً المتعلقة بتمويل رواتب الموظفين، وقد تأخر تسليمها الشهر الماضي، ويتوقع أن يتعثر وصولها إلى مستحقيها بانتظام خلال الأشهر المقبلة، اتخذت الحكومة مجموعة من الإجراءات التي من شأنها خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات، من خلال فرض استقطاعات مالية على قطاع الموظفين وزيادة التعريفة الجمركية على البضائع.

عودة لقوانين «البعث»

واضطرت الحكومة أخيراً، تحت وطأة الضغوط المالية، إلى الاستعانة بقانون سابق كانت تعمل به حكومة حزب «البعث» المنحل، ويحمل الرقم «770» لسنة 1987، ويتيح هذا القانون للدوائر تحديد فئة من الموظفين بوصفهم «فائضين»، ومن ثم منحهم وضعاً أقرب إلى التقاعد المؤقت، بما يقلّل عدد الموجودين فعلياً، ويخفّف جزءاً من الأعباء المالية المباشرة، من دون المسّ، ظاهرياً، بجوهر قوانين الخدمة المدنية والتقاعد النافذة.

ويُثير تطبيق القانون الجديد مخاوف شعبية عميقة على مستوى الشارع ناجمة عن هواجس تتصل بضياع الضمان الوظيفي، وتحويل الموظف إلى «متقاعد مؤقت» قد يجد نفسه خارج الوظيفة بصورة نهائية عملياً، خصوصاً في ظل إمكانية التلاعب الحزبي والسياسي في ملف استبعاد بعض الموظفين وإعادتهم اللاحقة إلى الخدمة.

أخطاء سياسية متراكمة

ومنذ سنوات، يُحذّر مختصون في الشأن الاقتصادي من مخاطر التوظيف الضخم في القطاع العام، ومنهم السياسي الراحل أحمد الجلبي، الذي حذّر منذ أكثر من 10 سنوات من أن «الحكومة ستكون عاجزة عن سداد رواتب موظفيها».

قادة أحزاب «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتهم الدورية في بغداد (واع)

وتوجّه قطاعات شعبية واسعة انتقادات شديدة للإجراءات الحكومية، وغالباً ما ترتبط تلك الانتقادات بإصرار الجماعات السياسية على المحافظة على امتيازاتها المالية، وتحميل المواطنين والموظفين العاديين عبء الأزمة المالية.

ويقر أستاذ الاقتصاد في «جامعة البصرة»، نبيل المرسومي، بأهمية الإصلاحات الاقتصادية، لأن «تأخرها يزيد من التكلفة الاقتصادية والاجتماعية»، لكنه يرى أن «الطبقة السياسية لا ترغب في الإصلاحات التي تؤذي مصالحها، إنما في الإصلاحات التي تؤذي الناس، كما فعلت في الاستقطاعات وزيادة التعريفة الجمركية».

وقال مسؤول في قوى «الإطار التنسيقي» لـ«الشرق الأوسط»، إن قوى الإطار «اعترضت قبل نحو عامين على سياسة التوظيف عند رئيس الوزراء محمد السوداني، لكنه قال لهم بصريح العبارة: إما أن نقوم بالتعيين في القطاع العام، وإما أن نواجه احتجاجات شعبية كبيرة نتيجة البطالة وانعدام فرص العمل».

لقطة من فيديو لتجار يتظاهرون في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية الجديدة (الشرق الأوسط)

ويؤكد المسؤول، الذي فضّل عدم الإشارة إلى اسمه، أن «الأحزاب والقوى السياسية كانت العامل الأهم والمؤثر فيما وصلت إليه أوضاعنا الاقتصادية، سواء عبر تعيين ملايين الناس في القطاع العام لشراء الولاء السياسي، أو عبر هيئاتهم الاقتصادية التي تستنزف المال العام، إلى جانب عدم قبولها بوضع حد للفساد المستشري في كل مفاصل الدولة».

وتُفيد إحصاءات شبه رسمية بأن حكومة السوداني قامت بتعيين نحو مليون موظف في القطاع العام خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

ولا يقتصر الحديث عن سوء الإدارة المالية والاقتصادية على مجموعة الاقتصاديين الناقمين على الحكومة والمنتقدين لسياساتها، بل يشمل كثيراً من المراقبين والمسؤولين والسياسيين، وجاءت تصريحات محافظ البنك المركزي، علي العلاق مؤخراً، حول حجم الإنفاق على إنتاج الطاقة الكهربائية في مقابل ما تجبيه الدولة من أموال نتيجة تلك النفقات، ليُمثل اعترافاً حكومياً رسمياً بمقدار سوء الإدارة والهدر المالي، الذي يسير في البلاد إلى أزمة مالية من الصعب مواجهتها، حسب معظم الخبراء.

محافظ «البنك المركزي» العراقي علي العلاق (رويترز)

وكشف العلاق في تصريحات صحافية قبل بضعة أيام عن أرقام صادمة تتعلق بالإنفاق على قطاع الكهرباء في العراق والفجوة الكبيرة بين التكاليف والإيرادات.

وذكر أن «الدولة تنفق ما بين 23 و25 تريليون دينار عراقي (نحو 15 مليار دولار) سنوياً على قطاع الكهرباء، فيما لا تتجاوز الإيرادات المتحققة من المواطنين لقاء هذه الخدمة تريليون دينار واحد فقط سنوياً».


مقالات ذات صلة

«ليلة المسيّرات والصواريخ» تنذر بحرب مفتوحة في العراق

خاص رجل برفقة أطفاله على طريق يمر بجانب شاحنات في ضواحي أربيل شمال العراق (أ.ب)

«ليلة المسيّرات والصواريخ» تنذر بحرب مفتوحة في العراق

في الوقت الذي تصاعدت فيه ألسنة اللهب من مبنى السفارة الأميركية وسط بغداد، توالت الضربات «المجهولة الهوية» حسب الوصف الرسمي على عدة أحياء سكنية.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي مشيعون حول جنازة عنصر من «الحشد الشعبي» قُتل بغارة في القائم قرب الحدود السورية (رويترز)

تواصل الغارات في العراق يكشف انقسامات سياسية وأمنية

تتواصل الضربات التي تستهدف مواقع لفصائل مسلحة في العراق على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء العراقي محمد السوداني (الخارجية السعودية)

العراق يؤكد للسعودية رفض استخدام أراضيه منطلقاً لاستهداف الدول

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال اتصال هاتفي بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، رفض بلاده «أن تكون منطلقاً لاستهداف أي دولة».

«الشرق الأوسط» (جدة - بغداد)
تحليل إخباري السوداني يحيط به المالكي وقيس الخزعلي زعيم «عصائب أهل الحق» (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري توازن عراقي هش في الحرب الأميركية - الإيرانية

بينما كان رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، فائق زيدان، يعقد اجتماعاً في منزله مع رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، سقط صاروخ بالقرب منهما من دون أضرار.

حمزة مصطفى (بغداد)
العالم العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي أثناء حراسته لجنازة أحد عناصر الحشد الشعبي العراقي في بغداد (أ.ف.ب)

العراق: غارة جوية تستهدف معسكراً لـ«الحشد الشعبي» في قضاء الصويرة

أفادت مصادر أمنية اليوم (الأربعاء) بوقوع غارة جوية كانت تستهدف معسكراً لقوات الحشد الشعبي العراقية في قضاء الصويرة على بعد 60 كيلومتراً جنوب بغداد.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

«ليلة المسيّرات» تنذر بتصعيد في العراق

لقطة فيديو تظهر تصاعد الدخان من السفارة الأميركية في بغداد بعد استهدافها بمسيّرة أمس (أ.ف.ب)
لقطة فيديو تظهر تصاعد الدخان من السفارة الأميركية في بغداد بعد استهدافها بمسيّرة أمس (أ.ف.ب)
TT

«ليلة المسيّرات» تنذر بتصعيد في العراق

لقطة فيديو تظهر تصاعد الدخان من السفارة الأميركية في بغداد بعد استهدافها بمسيّرة أمس (أ.ف.ب)
لقطة فيديو تظهر تصاعد الدخان من السفارة الأميركية في بغداد بعد استهدافها بمسيّرة أمس (أ.ف.ب)

تنذر «ليلة المسيّرات» التي شهدتها بغداد فجر أمس بتصعيد جديد في المواجهة بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بعد سلسلة هجمات وضربات متبادلة هزت العاصمة العراقية. ووفق مصدر في الشرطة، بدأ التصعيد باستهداف منزل في حي الكرادة كان يُستخدم مقراً بديلاً لعناصر من «كتائب حزب الله»، ما أدى إلى تدميره ومقتل ثلاثة من عناصر الفصيل وجرح آخر. وبعد نحو ساعتين، استُهدفت سيارة تقل مسلحين في منطقة البلديات شرق بغداد، أدى إلى مقتل ركابها الثلاثة. ولم تمضِ ساعة حتى تعرضت السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء لهجوم بصواريخ وطائرات مسيّرة، أصابت إحداها منظومة اتصالات داخل المجمع. وقال مصدر أمني إن منظومة الدفاع الجوي الأميركية «C-RAM» داخل المجمع لم تتمكن من اعتراض الطائرة المسيّرة التي أصابت هدفها بدقة، في تطور عده مسؤولون أمنيون لافتاً. وأفادت تقارير إعلامية بأن حريقاً اندلع داخل المجمع الدبلوماسي عقب الهجوم، بينما أصاب أحد الصواريخ مهبط المروحيات داخل السفارة مسبباً أضراراً مادية. وقال سكان في محيط المنطقة الخضراء إن دوي عدة انفجارات قوية هز الأبنية السكنية القريبة، في واحدة من أعنف الهجمات التي تتعرض لها السفارة منذ سنوات. ويرى مراقبون أن تسلسل الهجمات يشير إلى بداية مرحلة أكثر خطورة من التصعيد الأمني في العراق.


لبنان وإسرائيل يقتربان من التفاوض المباشر

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال مؤتمر صحافي في بيروت (إ.ب.أ)
أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال مؤتمر صحافي في بيروت (إ.ب.أ)
TT

لبنان وإسرائيل يقتربان من التفاوض المباشر

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال مؤتمر صحافي في بيروت (إ.ب.أ)
أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال مؤتمر صحافي في بيروت (إ.ب.أ)

اقترب لبنان وإسرائيل، أمس، من عقد أول جولة مفاوضات مباشرة في مسعى لوقف إطلاق النار، لكن لم يجرِ الاتفاق على الترتيبات بعد، إذ قالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، إن الاتفاق على عقد اجتماع تم، لكن لم يتم تحديد موعد اللقاء ولا مكانه، وذلك بوجود دعوتين من قبرص وفرنسا لاستضافة الاجتماع. وقالت المصادر إنه لم يُحسم بعد ما إذا كان رئيس البرلمان نبيه بري سيوافق على إرسال مندوب شيعي إلى الاجتماع، بالنظر إلى أن وفد المفاوضات لا يتضمن أي ممثل شيعي.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ربط الرئيس بري أي إيجابية من قبله في موضوع التفاوض ومبادرة رئيس الجمهورية جوزيف عون بتحقيق شرطين أساسيين: «أولهما وقف إطلاق النار، وثانيهما عودة النازحين»، رافضاً الخوض في أي تفاصيل «قبل أوانها».

في غضون ذلك، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، السبت، من بيروت، إن «القنوات الدبلوماسية» متاحة لوقف الحرب في لبنان بين «حزب الله» وإسرائيل، داعياً في الوقت نفسه المجتمع الدولي إلى مضاعفة جهوده في دعم الدولة اللبنانية.


مقتل شاب في هجوم للمستوطنين في الضفة الغربية

مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

مقتل شاب في هجوم للمستوطنين في الضفة الغربية

مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب في هجوم للمستوطنين على قرية قُصرة في شمال الضفة الغربية المحتلة؛ ما يرفع عدد قتلى هذه الهجمات إلى 6 منذ مطلع مارس (آذار) الحالي.

من جهته، قال الجيش الإسرائيلي إنه يحقق في الحادثة.

وقالت الوزارة في بيان: «استشهاد الشاب أمير معتصم محمود عودة (28 عاماً) برصاص مستعمرين في قُصرة».

وأكد هاني عودة، رئيس بلدية قُصرة الواقعة جنوب غربي نابلس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» مقتل الشاب بعد «مهاجمة مستوطنين منازل المواطنين في منطقة الكرك في الناحية الغربية للقرية، وإطلاقهم الرصاص تجاه المواطنين الذين حاولوا الدفاع عن منازلهم».

وبحسب عودة، فإن هجمات المستوطنين ضد سكان القرية بدأت تتكثف قبل زهاء شهرين ونصف الشهر تقريباً، بعدما أقيمت بؤرة استيطانية في منطقة مصنفة (ب) وفقاً لاتفاقيات أوسلو، والتي تخضع للسيطرة المدنية الفلسطينية، بينما تسيطر إسرائيل على الجوانب الأمنية.

وكان «الهلال الأحمر» الفلسطيني قد أكد إصابة 4 في هجوم للمستوطنين على قُصرة. وتحدث في بيان مقتضب عن «3 إصابات بالرصاص الحي إحداها خطيرة جداً، وإصابة اعتداء بالضرب».

وبحسب إحصاء استند إلى بيانات وزارة الصحة في رام الله، يرفع مقتل الشاب عودة، إلى ستة عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في هجمات للمستوطنين منذ مطلع مارس.

والسبت أيضاً، أصيب 5 فلسطينيين بجروح في هجوم آخر للمستوطنين على قرية كيسان شرق بيت لحم بجنوب الضفة.

وتحدث الجيش عن «مشادة عنيفة» أصيب خلالها مدني إسرائيلي أيضاً.

تحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967. وتصاعد العنف في المنطقة منذ بداية حرب غزة التي اندلعت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إثر هجوم حركة «حماس» على إسرائيل.

كما تصاعد عنف المستوطنين، خصوصاً بعد أن سرّعت الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهي من الأكثر يمينية في تاريخ الدولة العبرية، وتيرة التوسع الاستيطاني بموافقتها على بناء 54 مستوطنة في عام 2025، وهو رقم قياسي، وفقاً لمنظمة «السلام الآن» الإسرائيلية غير الحكومية المعارضة للاستيطان.

ولم يتراجع منسوب العنف رغم اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة منذ العاشر من أكتوبر.

منذ بدء حرب غزة، قُتل أكثر من 1045 فلسطينياً، بعضهم من المقاتلين، في الضفة الغربية على أيدي جنود أو مستوطنين إسرائيليين، وفقاً لإحصاءات «وكالة الصحافة الفرنسية» المستندة إلى بيانات من السلطة الفلسطينية.

وفي الفترة نفسها، قُتل ما لا يقل عن 45 إسرائيلياً، بينهم مدنيون وجنود، في هجمات فلسطينية أو خلال عمليات عسكرية إسرائيلية، وفقاً للبيانات الإسرائيلية الرسمية.