عائدون إلى غزة... من غربة صعبة إلى رحلة شاقة للقطاع

TT

عائدون إلى غزة... من غربة صعبة إلى رحلة شاقة للقطاع

عائدون من مصر دخلوا من معبر رفح أمام مستشفى ناصر في خان يونس الأربعاء (أ.ف.ب)
عائدون من مصر دخلوا من معبر رفح أمام مستشفى ناصر في خان يونس الأربعاء (أ.ف.ب)

لم تكن رحلة عودة العائدين إلى قطاع غزة، مفروشةً بالورود، بعد فتح معبر رفح البري جزئياً، عقب إغلاق دام أكثر من عام ونصف العام، فعاشوا رحلةً طويلةً شاقةً لم يتوقعها أي منهم، في ظلِّ التغيُّرات التي أحدثتها الحرب الإسرائيلية التي استمرَّت عامين على القطاع، وخلقت واقعاً جديداً لم يكن أي فلسطيني يتخيله.

سيارة إسعاف مصرية قرب معبر رفح الأربعاء (رويترز)

وما بين أماني العودة وواقع الغربة الصعبة التي دفعتهم للعودة إلى قطاع غزة، وبين ما واجهوه من خراب طال كل شيء، كانت رحلة العودة بالنسبة للغزيين صعبةً في ظلِّ ما واجهوه من إجراءات قاسية وشاقة أطالت رحلتهم التي كان من المفترض في أي وضع طبيعي ألا تستغرق سوى 3 ساعات، لتصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 16 ساعة، كانت الإهانة عنوانها، كما تشير شهادات أدلى بها مسافرون إلى «الشرق الأوسط».

سيارة إسعاف تنقل مريضاً إلى خارج قطاع غزة من معبر رفح لتلقي العلاج الخميس (رويترز)

هدى أبو عابد (57 عاماً) من سكان خان يونس، جنوب قطاع غزة، التي اضطرت للسفر إلى مصر لتلقي العلاج، في بداية شهر مارس (آذار) 2025، لعدم وجود إمكانات طبية يمكن أن تُقدِّم لها حلاً في ظلِّ معاناتها مع مرض القلب، تقول إن اشتياقها لعائلتها من أبنائها وأحفادها وأحبابها، وقلقها الكبير عليهم طوال غربتها، دفعاها لأن تكون في طلائع أفواج العائدين في أول يوم سُمح فيه بعودة المسافرين، يوم الاثنين الماضي.

سيارات إسعاف مصرية تستعد للدخول إلى قطاع غزة من معبر رفح الأربعاء (رويترز)

تضيف هدى لـ«الشرق الأوسط»، بكلمات غلب عليها وجع الغربة، إنها كانت تشعر بوجود شيء ناقص في حياتها خلال وجودها خارج القطاع، مبينةً أنها كانت تراقب باستمرار أخبار إمكانية فتح المعبر، وحين تم ذلك وضعت اسمها واسم مرافقتها، ابنتها، في أوائل الأسماء.

صورة بالقمر الاصطناعي تظهر سيارات إسعاف مركونة قرب مدخل معبر رفح لدخول قطاع غزة الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

وعن رحلة العودة، التي بدأت مع الساعة الثالثة فجراً بتوقيت مصر من يوم الاثنين الماضي، لم تغادر الفرحة العارمة جوارحها، خصوصاً بعد أن انطلقت الحافلة التي ستقلهم إلى معبر رفح البري، عند الساعة السادسة من صباح ذاك اليوم من أمام السفارة المصرية بالقاهرة، وبعد أن وصلوا عند نحو الساعة التاسعة، وبعد تفتيش الأوراق والتدقيق، وفي أعقاب سماح إسرائيل ببدء تحركهم للجانب الفلسطيني من المعبر بعد ساعات طويلة من الانتظار، استمرَّت نحو 8 ساعات، تحركت الحافلة التي كانت تقلهم وكان على متنها 12 شخصاً هم من السيدات والأطفال، وقد سُمِح لكل شخص بأن تكون بحوزته حقيبة سفر واحدة فقط.

ولدى وصولها إلى أول نقطة داخل الجانب الفلسطيني، كانت توجد البعثة الأوروبية، وعناصر من الأمن الفلسطيني، حيث تم تفتيش حقائب المسافرين، كما توضح هدى أبو عابد، من قبل عناصر الاتحاد الأوروبي، وصادروا منها ومن المسافرين كثيراً من المقتنيات، ومن بينها ألعاب أطفال وهواتف نقالة وغيرها، مشيرةً إلى أن جميع ألعاب الأطفال التي أتت بها لأحفادها تمَّت مصادرتها، إلى جانب أدوية خاصة لعلاجها تمَّت مصادرتها منها.

من تلك النقطة، تحرَّكت حافلة بهم، وكانت ترافقها مركبتان عسكريتان إسرائيليتان، لمسافة 20 دقيقة وسط ركام، ودمار هائل أصابها بغصة كبيرة، كما وصفت تلك اللحظات، مشيرةً إلى أنه لم تكن رفح كذلك حين سُمِح لها بالسفر. وبعد ذلك وصلت الحافلة إلى مكان يشبه الصحراء، وكان هناك أفراد مسلحون عرَّفوا أنفسهم بأنهم مما وصفتها بـ«ميليشيات أبو شباب»، وطلبوا تفتيش ما لديهم من مقتنيات، قبل أن يقوم أحد العناصر المسلحة بإمساك يدها ونقلها إلى ضابط إسرائيلي طلبها للتحقيق في ثكنة عسكرية مجاورة لمكان تلك العناصر، في حين أجبرها الضابط على خلع جزء من ملابسها، قبل أن يسمح لها بارتدائه مجدداً بعد دقائق، حيث كانوا قد أتوا بابنتها التي ترافقها قربها، قبل أن يقدم الجنود الإسرائيليون على تعصيب أعينهما وربط أيديهما، ونقلهما لغرفة التحقيق. كما تؤكد في شهادتها لما جرى معها.

وأشارت إلى أن أسئلة المحققين معها ركزت على «حماس» وأهداف عودتها إلى القطاع، وطُلب منها أن تبلغ النازحين في مواصي خان يونس بأن يجهِّزوا أنفسهم للتهجير، قبل أن يُسمَح لها بالخروج والعودة للحافلة انطلاقاً باتجاه عمق القطاع (مناطق سيطرة «حماس»).

ووجَّهت أبو عابد، رسالةً للغزيين خصوصاً الشباب، بألا يهاجروا، وألا يسمحوا بذلك، مشيرةً إلى أن الغربة صعبة خارج قطاع غزة، الذي وصفته بأنه من «أحلى البلاد»، حتى ولو كان مُدمَّراً، ويعيش سكانه في خيام، داعيةً الجميع للتأقلم مع ظروف الحياة، وأن يبقوا في القطاع ويعيدوا بناءه.

اليوم الثاني للعودة

في رحلة العائدين باليوم الثاني، لم تكن الحال أفضل رغم أنه سُمِح لعدد أكبر بالعودة مقارنةً باليوم الأول، حيث عاد نحو 40 مسافراً بينهم مسنون من الرجال، بعد أن كانت إسرائيل رفضت السماح لهم بالعودة في أول يوم، ما اضطرهم للنوم قرب معبر رفح.

عادل عمران (65 عاماً) الذي غادر قطاع غزة في الـ27 من أبريل (نيسان) 2024؛ بسبب ظروفه الصحية وكانت ترافقه زوجته وابنته، عاش هو الآخر لحظات صعبة وشاقة، رغم أنه وجد معاملة وصفها بـ«الممتازة» من قبل الجانب المصري، خصوصاً من قبل طواقم الهلال الأحمر المصري.

فلسطينيون يحملون أغراضاً لأقربائهم الذين عادوا إلى خان يونس عقب فتح معبر رفح الخميس (أ.ب)

وبعد طول انتظار في الجانب المصري من معبر رفح، سُمِح للحافلات الصغيرة التي أقلت المسافرين العائدين، بالدخول إلى الجانب الفلسطيني على بُعد نحو 100 متر فقط، بينما كانت المسافة من قبل تُقدَّر بنحو 400 متر، كما يقول عمران، مشيراً إلى أنه فوجئ بوجود بوابات أو ما تُسمى فلسطينياً «حلابات» يتم دخول الأفراد منها فرداً فرداً، بينما سُمِح له بسبب مرضه بالدخول عبر عربة كهربائية، حتى وصل إلى وجود البعثة الأوروبية، التي وصف تصرفات أفرادها بأنها «سيئة بامتياز»، بعد أن صادروا كثيراً من المقتنيات التي كانت بحوزته وزوجته وابنته، ومن بين ذلك أموال، لأنه لم يُسمَح سوى بأن يكون مع كل شخص ما يعادل 600 دولار فقط، إلى جانب ملابس لابنته التي كانت اشترتها استعداداً لحفل زواجها، وماكياج وغيره.

ولفت إلى أنه لاحقاً سُمِح لهم بالصعود لحافلة فلسطينية كبيرة، وبقوا فيها أكثر من ساعة، حتى وصلت مركبات عسكرية إسرائيلية وأخرجتهم من المنطقة التي أُغلق فيها على الحافلة لمنع خروجهم منها، ونُقلوا حينها إلى منطقة موراج، التي تعرَّضوا فيها للإهانة، خصوصاً النساء، من قبل العناصر المسلحة وكذلك الجيش الإسرائيلي، قبل أن تتم مصادرة ما تبقَّى من مقتنيات بحوزتهم.

وتقول أماني عمران (55 عاماً) زوجة عادل، إنها خرجت من قطاع غزة، وكان بيتها في خان يونس لا يزال كما هو ولم يتعرَّض لأي ضرر، ولكنها عادت للقطاع، ووجدته قد دُمِّر، وتعيش حالياً في خيمة بمنطقة المواصي، مشيرةً إلى أنه رغم معرفتها بتدمير منزلها مسبقاً فإنها وزوجها فضَّلا العودة للقطاع مع أوائل العائدين، مؤكدةً أنها عاشت لحظات صعبة في الغربة؛ بسبب مقتل كثير من أقاربها، رغم أنها كانت تعيش ظروفاً جيدة في ملحق خاص بالسفارة الفلسطينية.

وعن رحلة عودتها، التي ظهر عليها الخشية من الحديث المفصَّل حول ما جرى معها، قالت في شهادتها لـ«الشرق الأوسط»، إن كثيراً من المقتنيات التي كانت بحوزتها وزوجها وابنتها قد تمَّت مصادرته من قبل البعثة الأوروبية، قبل أن ينتقلوا إلى نقطة أخرى ينتشر بها أفراد مسلحون يتبعون لـ«عصابة أبو شباب»، الذين قاموا بتفتيشها واقتيادها للجيش الإسرائيلي بعد أن استدعاها الضابط في النقطة، مشيرةً إلى أنه تمَّ تصويرهم، والتحقيق معهم حول أسباب سفرهم، وغيرها من الأسئلة التي لم تفصح عنها.

فلسطينيون يستقبلون أقرباءهم الذين عادوا إلى خان يونس عقب فتح معبر رفح الخميس (أ.ب)

وما يلفت في إصرار أماني عمران، على العودة إلى قطاع غزة، هو «النذر» الذي قطعته على نفسها بالمشي سيراً على الأقدام دون ارتداء حذاء في حال عادت لأسرتها بخير، وهو ما فعلته بعد أن سارت أكثر من 500 متر، واضطرت في مرحلة ما لارتداء «الجراب»؛ بسبب الأرضية المُدمَّرة، حتى وصلت للحافلة التي أقلتها في غزة، لتتفاجأ مع الركاب بأن غالبية مقتنياتهم قد صودرت من الأوروبيين، وكذلك عناصر «أبو شباب».

ولفتت إلى أن عناصر «أبو شباب» طلبوا منها ومن المسافرين كافة ألا يتحدثوا عنهم بسوء كما فعلت مسافرة عائدة للقطاع في اليوم الأول، مشيرةً إلى أنها شاهدت مناطق كثيرة مُدمَّرة بفعل الحرب، ولم تكن بها سوى الكرفانات التي يوجد فيها أفراد العصابات المسلحة والجيش الإسرائيلي.


مقالات ذات صلة

تصعيد ميداني إسرائيلي بمشاركة العصابات المسلحة في غزة

المشرق العربي فتيان فلسطينيون يشاركون في تشييع قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (رويترز)

تصعيد ميداني إسرائيلي بمشاركة العصابات المسلحة في غزة

كشفت تحقيقات حصلت على نتائجها «الشرق الأوسط» أن عناصر من العصابات المسلحة التابعة لإسرائيل باتوا يتلقون تدريبات على أسلحة متطورة بينها الطائرات المسيرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي لاجئون فلسطينيون يحتمون في مخيم بمدينة غزة في يوم ممطر... 26 مارس 2026 (رويترز)

خطة «مجلس السلام» تنص على نزع سلاح «حماس» وتدمير أنفاق غزة خلال 8 أشهر

أظهرت وثيقة أن «مجلس السلام» قدّم خطة لحركة «حماس» تتطلب الموافقة على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع غزة والتخلي عن السلاح على مراحل خلال ثمانية أشهر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

«حماس» سترد على خطة نزع السلاح بطلب تعديلات

تسيطر حالة من التشاؤم على موقف الفصائل الفلسطينية، التي تنشط داخل القطاع، من الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولا ميلادينوف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

خاص «الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«الأونروا» تطالب بالتحقيق في مقتل 390 من موظفيها خلال حرب غزة

مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز)
مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز)
TT

«الأونروا» تطالب بالتحقيق في مقتل 390 من موظفيها خلال حرب غزة

مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز)
مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز)

أكد فيليب لازاريني، مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، اليوم (الثلاثاء)، أن مناقشات تدور حالياً لإجراء تحقيق أممي في مقتل أكثر من 390 من موظفيها خلال حرب غزة التي استمرت عامين، والذي جعل منها أكثر المواجهات دمويةً في تاريخ الوكالة، حسبما نقلت وكالة «رويترز».

وذكر لازاريني، في مؤتمر صحافي عُقد في جنيف في اليوم الأخير من فترة شغله ‌المنصب: «أعتقد أننا ‌بحاجة إلى تشكيل لجنة، لجنة خبراء رفيعة ​المستوى، ‌للتحقيق ⁠في ​مقتل موظفينا».

وأضاف ⁠أنه تم طرح الموضوع مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومع الدول الأعضاء في نيويورك.

وأوضح: «جزء من السبب في عدم تفعيل ذلك بعد هو أن الصراع لا يزال متواصلاً»، في إشارة إلى استمرار الضربات الجوية الإسرائيلية على القطاع على الرغم من وقف إطلاق النار الذي دخل ⁠حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) وأنهى الحرب ‌بين إسرائيل وحركة (حماس)».

ولم ‌ترد البعثة الدبلوماسية لإسرائيل في جنيف ​على الفور على طلب للتعليق.

ووفقاً ‌لمسؤولي قطاع الصحة في غزة فقد قُتل أكثر من ‌72 ألف فلسطيني منذ بدء الحرب في غزة في أكتوبر 2023. واندلعت شرارة الحرب بهجوم قادته «حماس» على إسرائيل، وذكرت السلطات فيها أنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز ‌251 رهينة.

وقال لازاريني إن التأخير في تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الأميركية لإنهاء حرب غزة، التي تركز ⁠على نزع سلاح «حماس» وتشكيل قوة أمنية دولية، يفاقم من معاناة الفلسطينيين.

وأضاف: «لا يزال الناس يعيشون بين الأنقاض في غزة، ولا يزالون يصطفون لساعات يومياً للحصول على مياه نظيفة».

وتابع: «الوضع لا يزال قاتماً للغاية، وكلما تأخر تنفيذ المرحلة التالية تفاقم يأس سكان غزة».

وعبَّر كذلك عن مخاوفه من أن يستمر ما يسمى «الخط الأصفر» المؤقت الذي يفصل بين المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل و«حماس».

وسبق أن حذَّر لازاريني، الذي سيحلّ محله مؤقتاً البريطاني كريستيان ساوندرز، في وقت سابق من ​هذا الشهر، من أن ​مقومات قدرة الوكالة على البقاء أصبحت على المحكّ، وأن أي انهيار سيعني تولي إسرائيل المهام الإنسانية للوكالة.


إسرائيل تجدد غاراتها على ضاحية بيروت... وكاتس يتمسك بالبقاء في جنوب لبنان

جنود وآليات من الجيش الإسرائيلي قرب الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب)
جنود وآليات من الجيش الإسرائيلي قرب الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تجدد غاراتها على ضاحية بيروت... وكاتس يتمسك بالبقاء في جنوب لبنان

جنود وآليات من الجيش الإسرائيلي قرب الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب)
جنود وآليات من الجيش الإسرائيلي قرب الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب)

جدّدت إسرائيل، اليوم الثلاثاء، قصفها على ضاحية بيروت الجنوبية، بعد إنذار لسكان المنطقة التي تُعد معقلاً رئيسياً لـ«حزب الله»، في وقتٍ قال وزير دفاعها يسرائيل كاتس إن قواته ستُبقي سيطرتها على مساحة واسعة من جنوب لبنان، حتى بعد انتهاء الحرب الحالية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وطالت الحرب في الشرق الأوسط لبنان، في الثاني من مارس (آذار) الحالي، بعدما أطلق «الحزب» المدعوم من طهران صواريخ على الدولة العبرية رداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في أول أيام الهجوم الأميركي الإسرائيلي. وتردّ إسرائيل بشنّ غارات واسعة النطاق على لبنان وتوغل قواتها في جنوب البلاد.

وشنّ الطيران الإسرائيلي غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، وفق ما أوردت الوكالة الوطنية للإعلام. وأظهر البث المباشر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، تصاعد سحابة دخان من المكان المستهدَف، تزامناً مع تحليق للطيران المُسيّر على علو منخفض في بيروت.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه «بدأ قصف بنى تحتية إرهابية لـ(حزب الله)» قرب بيروت.

وطالت سلسلة من الغارات الإسرائيلية، الثلاثاء، بلدات وقرى عدة في جنوب البلاد، في وقتٍ تُواصل قواتها التوغل في المنطقة الحدودية.

وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي، في بيان مصوَّر نشرته وزارته: «مع انتهاء العملية، سيُقيم الجيش الإسرائيلي منطقة أمنية داخل لبنان، على خط دفاعي ضد الصواريخ المضادة للدبابات، وسيُحكِم سيطرته الأمنية على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني»، في عمقٍ يمتد لمسافة تُناهز 30 كيلومتراً عن الحدود.

وأضاف كاتس أن مئات الآلاف من النازحين اللبنانيين «سيُمنَعون منعاً باتاً» من العودة إلى بيوتهم إلى حين ضمان أمن شمال إسرائيل، قائلاً: «ستُهدم جميع المنازل في القرى المتاخمة للحدود في لبنان، على غرار نموذج رفح وبيت حانون في غزة».

وعلى وقْع الغارات والإنذارات الإسرائيلية، نزح أكثر من مليون شخص من منازلهم، وفق السلطات، خصوصاً من معاقل «حزب الله» في جنوب البلاد وضاحية بيروت الجنوبية.

ويعلن «حزب الله»، في بيانات يومية، استهداف مواقع وقوات إسرائيلية، أو خوضه اشتباكات مباشرة مع قوات إسرائيلية في بلدات حدودية.

وأعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان «يونيفيل»، الاثنين، مقتل اثنين من عناصرها من الجنسية الإندونيسية بانفجار في جنوب لبنان، في حادث كان الثاني في غضون 24 ساعة بعد مقتل عنصر ثالث في القوة، في خضمّ الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».

وندّد الاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، بالهجمات، وعدَّها «غير مقبولة إطلاقاً».

وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أنور العنوني: «نطالب بإجراء تحقيق معمّق لكشف ملابسات هذه الهجمات الخطيرة».


إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب)
وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب)
TT

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب)
وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب)

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين، معتبرين هذه الخطوة تصعيداً خطيراً وانتهاكاً للقانون الدولي، وسط تحذيرات من تداعياتها على الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة.

وقال محمود العالول، نائب رئيس حركة «فتح»، إن «القانون يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وكل المواثيق ذات الصلة بحقوق الإنسان»، معتبراً أنه «يأتي في إطار سياسات التطرف والعنصرية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضاف العالول أن التشريع الجديد «يشكل تصعيداً خطيراً يستهدف حياة الأسرى الفلسطينيين، ويمس بقواعد العدالة والمحاكمة العادلة التي نصت عليها اتفاقيات جنيف»، محذراً من أن هذه الخطوة من شأنها تقويض الاستقرار ودفع الأوضاع نحو مزيد من التوتر.

حضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جلسة في الكنيست (رويترز)

يأتي ذلك بعد أن صادق الكنيست مساء أمس (الاثنين)، على القانون بالقراءتين الثانية والثالثة في المرحلة التشريعية النهائية ما يجعله نافذاً، بعد أن كان قد أقر في قراءات سابقة وأحيل إلى اللجان المختصة قبل التصويت النهائي.

بدوره، قال حازم قاسم، الناطق باسم حركة «حماس»، إن إقرار القانون «يعكس مستوى غير مسبوق من الإجرام»، متهماً إسرائيل بالسعي إلى إضفاء غطاء قانوني على ما وصفه بـ«ممارسات قائمة بحق الأسرى داخل السجون».

واعتبر قاسم أن هذه الخطوة تأتي في سياق محاولة تصفية قضية الأسرى، مشيراً إلى أن إسرائيل لم تتردد سابقاً في تنفيذ إعدامات ميدانية، بحسب تعبيره.

ويحذر مراقبون من أن إقرار قانون إعدام الأسرى قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، ويعقد الجهود الدولية الرامية إلى تهدئة الأوضاع وإحياء العملية السياسية، في ظل حالة الجمود التي تشهدها منذ سنوات.

ووصف نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ، إقرار القانون بأنه «تصعيد خطير»، داعياً إلى تحرك دولي عاجل لوقف تنفيذه، فيما دعت وزارة الخارجية الفلسطينية، المجتمع الدولي، إلى التدخل لمنع تطبيق ما وصفته بـ«التشريع العقابي المخالف للقانون الدولي».

وبحسب ما أوردته تقارير إعلامية، يتيح القانون فرض عقوبة الإعدام على أسرى فلسطينيين مدانين بتنفيذ هجمات مع تقليص فرص الاستئناف أو طلب العفو، الأمر الذي أثار مخاوف حقوقية من تداعياته القانونية والإنسانية.

صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

كما أدان روحي فتوح، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، إقرار القانون، معتبراً أنه «تصعيد خطير وانزلاق غير مسبوق نحو تشريع القتل بحق الأسرى»، وأنه «يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقيات جنيف».

وأضاف فتوح أن هذا التشريع يضرب بعرض الحائط مبادئ العدالة الدولية ويؤسس لمرحلة خطيرة من الإفلات من العقاب، مشدداً على أن الأسرى الفلسطينيين «أسرى حرية» يتمتعون بوضع قانوني تكفله المواثيق الدولية، وأن أي محاولة لإعدامهم تمثل جريمة حرب تستوجب المساءلة.

ويأتي إقرار هذا القانون في ظل تصاعد التوتر في الأراضي الفلسطينية، حيث تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية وسط تحذيرات من اتساع دائرة العنف.

صورة لمركبة متضررة إثر هجوم شنه مستوطنون يهود كتبوا أيضاً شعارات عبرية على جدران منازل في قرية دير الحطب شرق نابلس بالضفة الغربية - 23 مارس 2026 (د.ب.أ)

وحذّر فتوح من أن هذه السياسات تأتي في سياق منظومة تحريض وكراهية تدفع نحو مزيد من العنف، داعياً المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، إلى التحرك العاجل لوقف هذا التشريع.

كما حذرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين من أن القانون يهدد حياة آلاف الأسرى الفلسطينيين، ويشكل سابقة خطيرة في التعامل مع المعتقلين، مطالبة المؤسسات الحقوقية الدولية باتخاذ خطوات فورية لوقف تنفيذه.

من جهته، أدان رئيس البرلمان العربي محمد بن أحمد اليماحي، بأشد العبارات إقرار الكنيست للقانون.

وأكد اليماحي في بيان أمس، أن هذا التشريع العنصري يمثل جريمة جسيمة وانتهاكًا صارخًا لجميع القوانين والمواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف التي تحظر المساس بحياة الأسرى وتكفل لهم الحماية الكاملة، مشددًا على أن هذا القانون يعد تصعيدًا خطيرًا في سياسة القتل الممنهج التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، ويمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، وجريمة ضد الإنسانية.

وطالب المجتمع الدولي ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات والمؤسسات الحقوقية والصليب الأحمر بتحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية والتحرك الفوري لوقف هذا الانتهاك الخطير، واتخاذ إجراءات رادعة لمحاسبة قادة كيان الاحتلال على جرائمهم، والعمل على توفير الحماية الدولية العاجلة للأسرى الفلسطينيين.

وجدد رئيس البرلمان العربي الدعوة إلى البرلمانات الإقليمية والدولية إلى تحرك دولي عاجل لتجميد عضوية كنيست الاحتلال في المحافل البرلمانية الدولية، وعلى رأسها الاتحاد البرلماني الدولي، باعتبار أن هذا التشريع يمثل خرقًا فاضحًا للقيم البرلمانية والإنسانية كافة.

بالإضافة إلى ذلك، أدانت مصر بأشد العبارات مصادقة الكنيست الإسرائيلي على القانون.

وأكدت مصر في بيان، أن "هذا التشريع الباطل يكرس نهجا تمييزيا ممنهجا ويعزز نظام الفصل العنصري من خلال التفرقة في تطبيقه بين الفلسطينيين وغيرهم، بما يخالف أبسط مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون، كما يمثل انتهاكا صارخا للوضع القانوني القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي لا تنطبق بموجبه التشريعات الإسرائيلية على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية".

وقال البيان، إن مصر حذرت مرارا من تجاهل الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة في الضفة الغربية وقطاع غزة على خلفية التصعيد العسكري الراهن في المنطقة، وإنها تؤكد على خطورة هذا الإجراء وتداعياته على استقرار الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفرص احتواء التصعيد، مجددة رفضها القاطع لكافة السياسات والإجراءات الإسرائيلية الأحادية.

وطالبت مصر المجتمع الدولي بالاضطلاع بمسؤولياته القانونية والأخلاقية واتخاذ مواقف حازمة وفورية لوقف هذه الانتهاكات السافرة وضمان حماية الشعب الفلسطيني وصون حقوقه المشروعة وفقا لقرارات الشرعية الدولية.

وعبر متحدث باسم المفوضية الأوروبية ​اليوم عن قلق الاتحاد الأوروبي البالغ إزاء قرار إسرائيل إقرار ‌القانون، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز" للأنباء.

وأضاف في ⁠إفادة صحافية "هذه خطوة ‌واضحة ‌إلى ​الوراء... ‌ندعو إسرائيل إلى ‌الالتزام بموقفها السابق بشأن المبادئ والتزاماتها بموجب القانون ‌الدولي، وتمسكها بالمبادئ الديمقراطية".

وأوضح أنه ⁠ليس ⁠لديه أي تكهنات بشأن أي خطوات قد تتخذها المفوضية الأوروبية ردا على هذه الخطوة الإسرائيلية.

ومن جهته، قال متحدث باسم ​الحكومة الألمانية إن برلين عبرت عن أسفها بشأن القرار، ​خشية أن يطبق ⁠حصرا على الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية.

وأضاف المتحدث ⁠في بيان "من المفهوم ‌أن ‌إسرائيل ​اتخذت ‌موقفا متشددا تجاه ‌الإرهاب منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، لكن الحكومة ‌الألمانية تنظر إلى القانون الذي أقر ⁠أمس بقلق ⁠بالغ".

وذكر أن ألمانيا ترفض عقوبة الإعدام رفضا قاطعا، ولا يمكنها تأييد القرار الإسرائيلي.

وتعد قضية الأسرى من أبرز ملفات الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، إذ تحتجز إسرائيل آلاف الفلسطينيين في سجونها، بينهم محكومون وأسرى إداريون، في وقت تتهم فيه جهات فلسطينية ومنظمات حقوقية، إسرائيل، بارتكاب انتهاكات تتعلق بظروف الاعتقال، بما في ذلك الإهمال الطبي وسوء المعاملة.

وينص الإطار العام للمقترح على أن كل شخص «يتسبب عمداً في وفاة (شخص آخر) بقصد الإضرار بمواطن أو مقيم إسرائيلي، وبنية إنهاء وجود دولة إسرائيل، يُعاقب بالإعدام أو بالسجن المؤبد»، وفق ما جاء في النص، حسبما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

صورة عامة لقاعة الجلسات العامة للكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - د.ب.أ)

غير أن المشروع ينص، بالنسبة إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، على أن تكون عقوبة الإعدام هي العقوبة الافتراضية إذا صنّفت المحاكم العسكرية الإسرائيلية جريمة القتل على أنها «عمل إرهابي».

وبهذه الصيغة، يمكن لإسرائيل تطبيق عقوبة الإعدام على أي مواطن فلسطيني يقتل مواطناً إسرائيلياً، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيقها على إسرائيلي يقتل فلسطينياً.

وتحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967، حيث يخضع الفلسطينيون الذين يرتكبون مخالفات للمحاكم العسكرية الإسرائيلية، بينما يُحاكم المستوطنون الإسرائيليون أمام القضاء المدني. وفي كل الحالات، يُمكن تنفيذ حكم الإعدام خلال مهلة 90 يوماً بعد صدور الحكم النهائي، مع إمكان تأجيل التنفيذ حتى 180 يوماً.