المبعوث الأميركي يفتح ملف الأموال المهرَّبة في العراق

مفاجأة السوداني تطيح بالتوافق الهش داخل الإطار الشيعي بشأن منصب رئيس الوزراء

عراقيون يحرقون صوراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارج القنصلية الإيرانية بالبصرة 13 يناير 2026 (رويترز)
عراقيون يحرقون صوراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارج القنصلية الإيرانية بالبصرة 13 يناير 2026 (رويترز)
TT

المبعوث الأميركي يفتح ملف الأموال المهرَّبة في العراق

عراقيون يحرقون صوراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارج القنصلية الإيرانية بالبصرة 13 يناير 2026 (رويترز)
عراقيون يحرقون صوراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارج القنصلية الإيرانية بالبصرة 13 يناير 2026 (رويترز)

في الوقت الذي حذر فيه سياسيون ومراقبون من مغبّة ما يمكن أن تسفر عنه المراجعة الشاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في العراق، التي وعد بها المبعوث الأميركي إلى العراق مارك سافايا، فإن المفاجأة التي أقدم عليها رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، الفائز الأول في الانتخابات، بالتنازل عن حقه في تشكيل الحكومة للفائز الثاني نوري المالكي، لا تزال تُلقي بظلالها على قيادة «الإطار التنسيقي» (المظلة الشيعية الجامعة للقيادات والأحزاب السياسية).

سافايا، الذي كالَ له الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، المديح، أمس الأربعاء؛ لأنه قام «بعمل رائع في العراق»، أعلن، اليوم الخميس، إجراء مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في العراق، مع وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، إلى جانب مناقشة عقوبات مرتقبة تستهدف شبكات تُقوض النزاهة المالية وتُمول الأنشطة الإرهابية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع مبعوثه الخاص إلى العراق مارك سافايا (أرشيفية-إكس)

يُذكر أن سافايا لم يقم، منذ تولّيه منصبه مبعوثاً رئاسياً إلى العراق، بزيارة رسمية إلى بغداد حتى الآن، مع أنه سبق أن زار العراق قبل تكليفه لكن بصفة شخصية؛ كونه من أصل مسيحي غادرت عائلته العراق في تسعينات القرن الماضي.

وقال سافايا، في بيان: «ألتقي وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، لبحث التحديات الرئيسية وفرص الإصلاح في المصارف الحكومية والمصارف الخاصة في العراق، مع تركيز واضح على تعزيز الحوكمة المالية والامتثال والمساءلة المؤسسية».

وأوضح سافايا طبقا للبيان أن «الجانبين اتفقا على إجراء مراجعة شاملة لسِجلات المدفوعات المشبوهة والمعاملات المالية التي تشمل مؤسسات وشركات وأفراداً في العراق، والمرتبطة بعمليات التهريب وغسل الأموال والعقود والمشاريع المالية الاحتيالية التي تُمول وتُمكّن الأنشطة الإرهابية». وقال: «المباحثات تضمنت أيضاً مناقشة الخطوات المقبلة المتعلقة بالعقوبات المرتقبة التي تستهدف الجهات والشبكات الخبيثة التي تُقوض النزاهة المالية وسلطة الدولة».

وأكد سافايا أن «العلاقة بين العراق والولايات المتحدة لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم في ظل قيادة الرئيس دونالد جي ترمب».

في هذا السياق، يقول السياسي العراقي، وزير الكهرباء الأسبق، لؤي الخطيب، لـ«الشرق الأوسط»، إن «رسالة سافايا تتوافق مع تصريحات القائم بالأعمال الأميركي، خلال لقاءاته المكوكية مع قيادات الكُتل السياسية، حول موقف الولايات المتحدة الرسمي تجاه العراق، في حال صوّتت الأكثرية النيابية لصالح جهات غير مرغوب بها».

قوى «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتها بحضور رئيس الحكومة محمد شياع السوداني (أرشيفية-واع)

ويضيف الخطيب: «على قيادة (الإطار التنسيقي) التعامل بذكاء وجدية وواقعية في اختيار شخصيات مرموقة تفاجئ توقعات الإدارة الأميركية، وتفرض مقبوليتها واحترامها على المجتمع الدولي ككل، بمعنى شخصيات تتمتع بخلفية مهنية بالمعايير العالمية تعي حجم الأزمة العراقية (سياسياً واقتصادياً) لهذه المرحلة، وتتمتع بحضور حقيقي في شتى المجالات، لتمثل وزارات الدولة ومناصبها العليا، وتعمل على انتشال العراق من أزماته ومنع أي محاولة للوبيات المناهضة للنظام الحاكم من التأثير على إدارة ترمب في فرض أي عقوبات ومعوقات في لحظة حرجة من عمر الدولة الاتحادية الفتية، والشرق الأوسط غير المستقر».

ويرى الخطيب أن «المشهد السياسي العراقي مرتبك ولا نُحسَد عليه، والوضع الاقتصادي في أسوأ حالاته ومتجه نحو الهاوية، في حال استمرت القيادات الشيعية بالتمسك بسياسات موروثة أثبتت فشلها، واختيار أدوات تنفيذية غير مرغوب فيها وغير مُعرّفة ومحدودة الكفاءة على المستويين الإقليمي والدولي قبل المحلي»، مبيناً أن «خيارات (الإطار التنسيقي) ستكون الرد الرسمي والرسالة التي يبعث بها للمجتمع الدولي وللإدارة الأميركية تحديداً. الخيار الذي نجني ثماره أو ندفع فاتورة تبِعاته».

عقدة رئيس الوزراء

وفي وقتٍ كان من المقرر أن يكون «الإطار التنسيقي » الشيعي قد اتفق على طرح مرشحه لمنصب رئيس الوزراء، وهو رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، بناءً على اقتراح من الفائز الأول بالانتخابات ورئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، فإنه لم يتمكن، حتى الآن، من إعلان اسمه رسمياً على أثر خلافات داخل مكونات الإطار الشيعي.

أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (أرشيفية-وكالة الأنباء العراقية)

ففي الوقت الذي تنازل السوداني فيه عن حقه في تشكيل الحكومة لصالح المالكي، فإن قوى «الإطار التنسيقي» فوجئت بخطوة السوداني غير المتوقعة بالنسبة لها، التي أدت إلى حصول خلافات داخلية قد تعوق استكمال ترشيح المالكي والعودة إلى السوداني بوصفه الفائز الأول في الانتخابات التشريعية التي أجراها العراق، أواخر العام الماضي.

وبينما تبدو عقدة رئيس الوزراء ظاهراً تكمن في شخص رئيس الوزراء، فإنه، وطبقاً للرسائل الأميركية المتوالية مؤخراً، سواء على صعيد سافايا أم القائم بالأعمال الأميركي في العراق جوشوا هاريس، الذي التقى عدة قيادات عراقية بارزة آخرهم المالكي نفسه، فإن ملف تشكيل الحكومة المقبلة لا ينحصر أميركياً على اسم رئيس الوزراء بقدر ما يتعلق بعدم موافقة واشنطن على أي مشاركة للقوى المسلّحة في تلك الحكومة، مع أن تلك القوى حازت أكثر من 80 مقعداً في البرلمان العراقي، بالإضافة إلى ملف حصر السلاح بيد الدولة.

ويرى أستاذ الإعلام الدولي بجامعة الكوفة، الدكتور غالب الدعمي، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «رسالة سافايا ولقاءات القائم بالأعمال الأميركي في بغداد هي أول رسالة أميركية واضحة وصريحة لإصدار عقوبات على شخصيات عراقية كثيرة يكون مِن بينها مسؤولون في الخط الأول من العملية السياسية». ويضيف: «هذا يعني أن العراق بات، الآن، أمام مسارين؛ الأول هو تحديد العلاقة بشكل واضح مع الولايات المتحدة، وإعلان موقف صريح إما علاقة استراتيجية، أو سيكون العراق من الدول المارقة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يعني إنهاء العلاقة مع إيران تماماً على مختلف المستويات، وهذا ما لا تستطيع أن تعمل عليه القيادات العراقية أو تنقسم بشأنه الفعاليات السياسية، وربما ينعكس على تشكيل الحكومة».


مقالات ذات صلة

محاولات لإقناع فصائل العراق بعدم الانخراط في التصعيد الجديد

المشرق العربي تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» في مارس الماضي (رويترز)

محاولات لإقناع فصائل العراق بعدم الانخراط في التصعيد الجديد

مع بدء جولة التصعيد العسكري الجديدة بين إسرائيل وإيران، تتجدد المخاوف العراقية من الانعكاسات السلبية لهذه الجولة على البلاد.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي جانب من مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

العراق يعيد فتح أجوائه بعد إغلاقها جراء الضربات الإيرانية - الإسرائيلية المتبادلة

أعاد العراق بعد ظهر الاثنين فتح مجاله الجوي، غداة إعلانه إغلاقه لمدة 72 ساعة مع بدء الضربات الإيرانية - الإسرائيلية المتبادلة...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين (الوزارة)

وزير الخارجية العراقي يحذّر من «كارثة مالية» في حال استمرت الحرب لنهاية العام

نظر كثيرون لتصريحات وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، بشأن طباعة الحكومة تريليونات الدنانير لتغطية نفقاتها المالية الملحة، بوصفها «مفاجأة من العيار الثقيل»...

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي أعضاء من ميليشيا «سرايا السلام» الشيعية يهتفون خلال حفل بمناسبة بدء عملية تسليم أسلحتهم إلى القوات العراقية في سامراء شمال بغداد (أ.ب)

الزيدي يفتح نافذة على الاستثمارات الأميركية بعد طي صفحة السلاح المنفلت

بالتوازي مع الإجراءات التي تقوم بها حالياً الحكومة العراقية على صعيد ملف سلاح الفصائل المسلحة، تجري الاستعدادات لقيام رئيس الحكومة علي الزيدي.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة سعودية منتخب العراق سيخوض ثاني مشاركة له في كأس العالم بعد نسخة 1986 (أ.ب)

«مونديال 2026»: العراق عائد بعد تصفيات مرهقة... وتاريخ أليم

يخوض العراق منافسات المجموعة التاسعة من مونديال 2026 إلى جانب فرنسا والنرويج والسنغال، وستكون ثاني مشاركة له في كأس العالم لكرة القدم بعد نسخة 1986.

«الشرق الأوسط» (باريس)

عون ﻟ«سي إن إن»: لن ألتقي نتنياهو قبل «إنهاء الحرب»

الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)
TT

عون ﻟ«سي إن إن»: لن ألتقي نتنياهو قبل «إنهاء الحرب»

الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)

صرّح الرئيس اللبناني جوزيف عون لشبكة «سي إن إن» الأميركية، بأنه لن يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في لبنان، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأوضح الرئيس اللبناني أنّ التفاوض يتم في الوقت الحالي للتوصل إلى اتفاق عدم اعتداء مع إسرائيل أو اتفاق أمني، وليس اتفاق سلام شاملاً. وتوجّه عون بالكلام إلى الحكومة الإسرائيلية: «أقول للحكومة الإسرائيلية إن الحل العسكري لن يوفر أبداً الأمن لسكان شمال إسرائيل».

وأضاف «نحن جاهزون وملتزمون وراغبون، فهل أنتم كذلك؟ إذا كنتم كذلك، ⁠فلنجلس ونتحدث. وإذا ‌لم ‌تكونوا ​راغبين، ‌فلن نعيش في ‌أمن وأمان».

كما أشار إلى أنّ لبنان يسعى لإقامة علاقة جيدة مع إيران تقوم على عدم التدخل بالشأن اللبناني.


انعقاد البرلمان السوري قريباً... والكشف عن ممثلي الرئيس مقيد بالإعلان الدستوري

انعقاد البرلمان السوري قريباً... والكشف عن ممثلي الرئيس مقيد بالإعلان الدستوري
TT

انعقاد البرلمان السوري قريباً... والكشف عن ممثلي الرئيس مقيد بالإعلان الدستوري

انعقاد البرلمان السوري قريباً... والكشف عن ممثلي الرئيس مقيد بالإعلان الدستوري

يعود الحديث عن موعد انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب السوري، بعد انتهاء العملية الانتخابية في المناطق التي كانت تخضع لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وانقضاء المدة (مطلع الشهر الحالي) التي أعلن عنها سابقاً عبر تصريحات رسمية لانطلاق أعمال البرلمان وإعلان قائمة أعضاء الثلث المتبقي.

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

وسبق للرئيس السوري أحمد الشرع، خلال مشاركته في مؤتمر أنطاليا، أبريل (نيسان) الماضي، أن أعلن أن أولى جلسات البرلمان ستكون مطلع شهر مايو (أيار)، قبل أن تؤكد مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» صعوبة انعقاده في التاريخ المحدد، مرجحة أن يكون يوم الثامن من شهر يونيو (حزيران) الحالي.

وكان المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات نوار نجمة، قد أشار خلال مؤتمر صحافي بعد نهاية انتخابات المنطقة الشرقية إلى توجه الرئيس الشرع لإعلان أسماء أعضاء حصته البرلمانية، بعد عطلة عيد الأضحى، وهو ما تأخر أيضاً، لينقضي الأسبوع الأول من يونيو دون بوادر أو مؤشرات على انعقاده.

انتخابات عين العرب/ كوباني بمحافظة حلب لممثليها في مجلس الشعب 24 مايو المنصرم (مجلس الشعب السوري الصفحة الرسمية)

غير أن عضو مجلس الشعب السوري المنتخب، بشر حاوي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن عملية انطلاق المجلس واجهت خلال الأيام القليلة الماضية تعقيدات ومشكلات لوجستية وتقنية أسهمت في إرجائه، منها ما يخص مبنى البرلمان نفسه الذي تجري فيه عملية صيانة وتجديد يفترض أنها وصلت مراحلها النهائية.

ويرجح بشر حاوي قرب موعد الإعلان عن انعقاد المجلس، خصوصاً بعد تجاوز المرحلة الأصعب، وهي انتخاب ممثلين عن المحافظات الشرقية التي كانت تسيطر عليها «قسد». ويتابع أن «المشكلة التي كانت تواجه المجلس في السابق هي أزمة التفاوض واندماج قوات (قسد)، وبالتالي صعوبة عقد برلمان سوري جامع دون وجود شخصيات ممثلة عن المحافظات، وهي الرقة والحسكة وأجزاء من دير الزور ومدينة عين العرب، شمال حلب، وهذه العملية لا تقتصر على الدمج العسكري، إنما تضم أيضاً دمجاً مؤسساتياً وسياسياً، الأمر الذي أحدث تأخيراً في هذا الملف».

بائع سوري شاب يقف أمام المباني التي دمرتها الحرب في دير الزور وفيضان نهر الفرات (د.ب.أ)

وفيما يخص حصة الرئيس السوري داخل البرلمان، أشار حاوي إلى أن الكشف عن ممثلي ثلث الرئيس بموجب نص الإعلان الدستوري يعني انعقاد المجلس بعد ثلاثة أيام من تقديم الأسماء، بالتالي فإن تأخير الإعلان مرتبط بالأمور اللوجستية والسياسية الداخلية.

بينما يعتبر مدير «مركز الحوار السوري»، أحمد قربي، أن اختيار أسماء الثلث الأخير للمجلس ممثلاً بحصة الرئيس الشرع، «أحد أهم أسباب تعطيل انعقاد البرلمان، لجهة محاولته إيجاد توازن للتمثيل العادل بين المكونات والمناطق والحضور النسائي»، وهي معادلة صعبة جداً، خاصة وأن الانتخابات التي جرت عبر الهيئات الناخبة قد «أفرزت بعض الثغرات».

إلى جانب ذلك، يشير قربي إلى ازدياد مطالب بعض المكونات السورية «باعتماد نظام كوتا أو محاصصة، وطلب تمثيل أكبر، ما يعقد من عملية الاختيار، ويجعلها تواجه تحديات مركبة على المستوى السياسي والاجتماعي».

عضوات مجلس الشعب المنتخبات في ورشة متخصّصة حول «تمكين المشرّعات السوريّات» في العاصمة الأردنيّة عمّان 8 مايو الماضي (مجلس الشعب السوري الصفحة الرسمية)

ويتفق الباحث السياسي، عبد الوهاب عاصي، مع هذا الرأي، مرجحاً أنّ «التأخير هو نتيجة استمرار المشاورات حول طبيعة الشخصيات التي ستدخل ضمن حصة الرئيس، خاصة أن هذه الحصة تُستخدم لمعالجة بعض الاختلالات الناتجة عن الانتخابات، سواء على مستوى التمثيل السياسي أو الاجتماعي أو المناطقي».

وبموجب المادة 24 من الإعلان الدستوري، يحتفظ الرئيس بحق تسمية ثلث أعضاء مجلس الشعب يشغلون 70 مقعداً من أصل 210، وتشير المادة إلى أن هذا الثلث يهدف إلى ضمان التمثيل العادل، الذي يمكن قراءته بضمان التمثيل الإثني والطائفي والجندري داخل البرلمان.

قوات الأمن السورية بالقرب من لافتة طريق مدينة السويداء يوم 15 يوليو 2025 (رويترز)

ويوضح عاصي أن حصة الرئاسة تستهدف «إدخال شخصيات تساهم في تخفيف التوتر مع بعض المكونات أو المناطق، خصوصاً في ما يتعلق بالاتفاق مع (قسد) وتمثيل الأكراد، إضافة إلى محاولة مراعاة التوازنات المرتبطة بمحافظة السويداء والدروز بما يمنع ظهور المجلس بصورة منحازة أو ضيقة التمثيل».

وأسهم تأخر استكمال تشكيل حصة الرئيس في إبقاء صناعة القرار مركزة في السلطة التنفيذية، حسب الباحث عبد الوهاب عاصي، وكانت أقل تعرّضاً للنقاشات والضغوط السياسية والمؤسساتية، وقد لا يكون ذلك سبباً بالضرورة لتأخير انعقاد المجلس لكنه كان أحد أبرز نتائجه. كما أنّ تأخر تشكيل المجلس خفّض من سقف التوقعات الشعبية تجاه قدرة مجلس الشعب على ممارسة دور الرقابة والمساءلة للسلطة التنفيذية.

ورغم تفهم أسباب التعطيل وإرجاء انطلاق أعمال البرلمان، فقد أبدى عدد من أعضاء ممن تواصلت معهم «الشرق الأوسط»، ومنهم بشر حاوي، عن استيائهم من استمرار تأخر انعقاد البرلمان، ومرور أكثر من ثمانية أشهر على انتخابهم، بالتالي ضياع أو تأجيل الكثير من المشاريع التي تفيد البلاد، إلى جانب تأخر عملية تطوير وتعديل القوانين والتشريعات الناظمة لعمل المؤسسات السورية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


بيروت تواجه معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال الإسرائيلي

جندي من الجيش اللبناني يقف قرب موقع غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
جندي من الجيش اللبناني يقف قرب موقع غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
TT

بيروت تواجه معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال الإسرائيلي

جندي من الجيش اللبناني يقف قرب موقع غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
جندي من الجيش اللبناني يقف قرب موقع غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

أعاد التصعيد المتبادل بين إسرائيل و«حزب الله»، من الغارات على الضاحية الجنوبية لبيروت إلى التهديدات الإسرائيلية باستهدافها مجدداً، ليطرح تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تكريس معادلة «الضاحية مقابل المستوطنات». وزاد من أهمية هذا التساؤل دخول إيران المباشر على خط المواجهة عبر قصفها إسرائيل رداً على استهداف الضاحية، في خطوة حملت دلالات تتجاوز البعد العسكري إلى إعادة تأكيد ارتباط الساحة اللبنانية بحسابات الصراع الإقليمي. وبينما أعلن الجيش الإسرائيلي، الاثنين، اعتراض 3 مقذوفات أُطلقت من لبنان باتجاه قواته العاملة في الجنوب، يرى خبراء عسكريون أن ما يجري لا يزال أقرب إلى مرحلة اختبار المعادلات، ومحاولات فرضها من قبل مختلف الأطراف، أكثر منه انتقالاً إلى قواعد اشتباك ثابتة ومستقرة يمكن عدُّها إطاراً نهائياً للمواجهة في المرحلة المقبلة.

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت أحد أحياء مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

المعادلات لا تُقاس برد واحد

رأى العميد المتقاعد فادي داود في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تكريس معادلة «الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل مستوطنات شمال إسرائيل لا يزال سابقاً لأوانه»، معتبراً أن تثبيت مثل هذه المعادلات يحتاج إلى تكرار الوقائع الميدانية التي تؤسس لها».

وقال: «لا يمكن الجزم حتى الآن بأن هذه المعادلة ترسخت بصورة نهائية؛ لأن الأمر يحتاج إلى أكثر من تجربة ومؤشر ميداني قبل الحديث عن قواعد اشتباك ثابتة».

ورأى أن إيران «لا تزال تنظر إلى (حزب الله) بوصفه إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية في المنطقة؛ ولذلك لا تبدو مستعدة للتخلي عنه، أو فصله عن مسار المواجهة الإقليمية». وأوضح أن «طهران تسعى إلى إبقاء الساحة اللبنانية مرتبطة بمفاوضاتها وصراعها مع إسرائيل عبر رفع تكلفة الضربات الإسرائيلية والرد عليها أو التهديد بالرد».

ورأى أن «جوهر التحرك الإيراني لا يقتصر على الرد العسكري المباشر، بل يتصل بمحاولة منع فصل الساحة اللبنانية عن المواجهة الإقليمية الأوسع، وإبقاء «حزب الله» ضمن معادلة الردع الإقليمية، وقال: «إيران نجحت إلى حد ما في رفع التكلفة التي تتحملها إسرائيل، لكنها في المقابل ربطت لبنان بشكل أكبر بالمواجهة الإيرانية - الإسرائيلية؛ ما يجعل الساحة اللبنانية أكثر عرضة لتداعيات هذا الصراع».

وأضاف: «السؤال الأساسي يبقى ما إذا كان رفع التكلفة على إسرائيل يحقق فعلاً حماية للبنان، أم أنه يزيد من احتمالات تحويله إلى ساحة مواجهة مفتوحة».

ورأى أن «أي محاولة لرفع مستوى الردع قد تقابلها محاولات إسرائيلية مقابلة لرفع مستوى الضغط العسكري؛ ما يفتح الباب أمام دوامة تصعيد يصعب التحكم في مساراتها»، مشيراً إلى أن «استمرار استهداف (حزب الله) يعكس تمسك إسرائيل بهدف إضعاف الحزب، بينما يؤكد استمرار الدعم الإيراني له أن طهران لا تزال تعده ورقة استراتيجية أساسية في حساباتها الإقليمية».

صاروخ اعتراضي من منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية يشقّ سماء الجليل الأعلى لاعتراض مقذوفات (أ.ف.ب)

مرحلة اختبار المعادلات

من جهته، رأى العميد المتقاعد بسام ياسين أن ما يجري حالياً لا يرقى إلى مستوى تكريس معادلة مستقرة، بل يندرج ضمن محاولات متبادلة لإرساء قواعد جديدة للصراع.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن القول إن معادلة الضاحية مقابل شمال إسرائيل قد تكرست فعلاً. ما نشهده اليوم هو عملية إرساء معادلات ومحاولة تثبيتها، وإذا نجحت هذه المحاولات فقد تتحول لاحقاً إلى قواعد اشتباك ثابتة».

ولفت إلى «أن المعادلات العسكرية لا تُقاس بواقعة واحدة أو برد فعل منفرد، بل بمدى تحولها إلى سلوك متكرر يلتزم به طرفا الصراع»؛ فالمعادلة تصبح ثابتة عندما يدرك كل طرف مسبقاً طبيعة الرد الذي سيواجهه إذا أقدم على خطوة معينة، وهو أمر لا يزال، بحسب رأيه، غير متوافر في الحالة الراهنة.

ورأى أن ما حدث أخيراً لا يعني نجاح أي طرف في فرض معادلة نهائية، قائلاً: «الإسرائيلي يحاول فرض قواعد جديدة، لكنه لم ينجح بعد في تثبيتها بصورة نهائية. نحن ما زلنا في مرحلة اختبار وردود فعل متبادلة».

ورأى أن «ما يجري اليوم يشبه مرحلة اختبار الإرادات أكثر مما يشبه مرحلة استقرار الردع؛ إذ يحاول كل طرف استكشاف حدود الطرف الآخر وسقف ردوده؛ ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة».

مشيعون يحملون نعش النقيب إيلي خوري من الجيش اللبناني الذي قتل جراء قصف إسرائيلي خلال جنازته في مسقط رأسه بقرية كفر جراح قرب جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأضاف: «عندما يجري استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن إيران تتعامل مع الأمر بوصفه جزءاً من مسؤولياتها الإقليمية؛ ولهذا جاء الرد باتجاه شمال إسرائيل. من هنا يمكن فهم محاولة طهران تعديل المعادلات التي تسعى إسرائيل إلى فرضها».

وأشار إلى أن الصراع الحالي لا يدور فقط حول تبادل الضربات العسكرية، بل حول تحديد من يمتلك القدرة على رسم قواعد اللعبة في المرحلة المقبلة؛ فكل طرف يحاول فرض تصوره للردع وحدود الحركة المسموح بها للطرف الآخر، وهو ما يفسر كثافة الرسائل العسكرية والسياسية المتبادلة خلال المدة الأخيرة.

إعلان إسرائيلي عن منشأة في الشقيف

وبينما ربط الخبيران جزءاً من التصعيد الحالي بالدور الإيراني وعلاقة طهران بـ«حزب الله»، أعلن الجيش الإسرائيلي كشف ما وصفه بمنشأة تابعة للحزب في جنوب لبنان قال إن إيران موّلت إنشاءها.

وأعلن الجيش الإسرائيلي عن شبكة أنفاق تابعة لـ«حزب الله» في منطقة الشقيف جنوب لبنان، قال إن إيران خططت لها ومولتها. وأضاف أنها تقع على مسافة أقل من 6 كيلومترات من المطلة، وكانت تُستخدم مركزاً عملياتياً للحزب باتجاه منطقة إصبع الجليل، وتضم أنفاقاً تستوعب مئات المقاتلين ومجهزة ببنى تحتية ومنظومات مضادة للدروع والدفاع الجوي. وعرض المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي صوراً قال إنها في قلعة الشقيف التي «حولها (حزب الله) إلى مركز عسكري».

جبهة مفتوحة

في غضون ذلك، بقيت الجبهة الجنوبية مفتوحة على تصعيد واسع، مع سقوط صاروخين في القليعة اقتصرت أضرارهما على الممتلكات، وصاروخ في عين إبل أدى إلى إصابة سيدة وتضرر منزلين، كما استهدفت غارات إسرائيلية المروانية والنميرية وياطر وصفد البطيخ وتبنين ومجدل سلم وكفرتبنيت والشرقية وحبوش، إضافة إلى برج الشمالي والخرايب والحوش والزرارية وخربة الدوير والمعشوق في قضاء صور، بينما استهدفت مسيّرة إسرائيلية بلدة عربصاليم. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي طال النبطية والنبطية الفوقا وشوكين وتمشيط باتجاه وادي السلوقي والحجير.

وسجلت زفتا الحصيلة الأكثر دموية مع مقتل آدم وهبي ووالدته خديجة حمزة، ومحمد النعنوع، وحسين عقيل في غارات استهدفت مركز إيواء ومحيط حسينية النساء ومفرق المدرسة الرسمية ووسط البلدة، كما طالت الغارات عين قانا وجبل صافي وأطراف سجد وسهل المنصوري والحلوسية، بينما استهدف القصف المدفعي منطقة القطراني في قضاء جزين.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمع لجنود وآليات إسرائيلية على أطراف بيت ياحون برشقة صاروخية، وآلية اتصالات قرب قلعة الشقيف بمسيّرة من طراز «أبابيل»، في مؤشر إلى استمرار المواجهات على طول الجبهة رغم اتساع الضربات الإسرائيلية داخل العمق اللبناني.

تداعيات تتجاوز الميدان

ترافقت المواجهات مع تداعيات متزايدة على الداخل اللبناني؛ فقد حذّر رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام من أن بيروت وصيدا ومناطق أخرى بلغت «طاقتها الاستيعابية القصوى» مع تزايد أعداد النازحين، بينما لا تزال هناك قدرة محدودة على الاستيعاب في الشمال والضنية.

كما عرض وزير الدفاع ميشال منسّى حصيلة الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار بين 17 أبريل (نيسان) و7 يونيو (حزيران)، والتي بلغت 3491 غارة جوية و407 عمليات تفجير و6 عمليات جرف و6 توغلات برية. وأظهرت الأرقام الرسمية أن حصيلة القتلى جراء الحرب والاعتداءات الإسرائيلية بلغت 3526 قتيلاً، بينما تجاوز عدد الجرحى 10733 مصاباً، بينما شهد يوم واحد فقط تنفيذ 70 غارة إسرائيلية مقابل إطلاق 33 صاروخاً.