قادة سوريا وخطوات مثيرة للجدل لكسب ولاء العلويين

الحكومة تعرض العفو وتقدم مساعدات لإصلاح العلاقات

شاب يركض أمام جدار بشعار «سوريا حرة» في القرداحة محافظة اللاذقية سبتمبر الماضي (رويترز)
شاب يركض أمام جدار بشعار «سوريا حرة» في القرداحة محافظة اللاذقية سبتمبر الماضي (رويترز)
TT

قادة سوريا وخطوات مثيرة للجدل لكسب ولاء العلويين

شاب يركض أمام جدار بشعار «سوريا حرة» في القرداحة محافظة اللاذقية سبتمبر الماضي (رويترز)
شاب يركض أمام جدار بشعار «سوريا حرة» في القرداحة محافظة اللاذقية سبتمبر الماضي (رويترز)

كان خير الله ديب يريد وعداً بالعفو حتى يخرج من مخبئه. ديب العلوي، اختفى عن الأنظار لأسابيع بعد أن شنّ مسلحون علويون انتفاضة في مارس (آذار) ضد الحكومة السورية الجديدة. لم يحمل سلاحاً وساعد في حماية قوات الأمن الحكومية.

وتسببت انتفاضة الموالين للرئيس المخلوع بشار الأسد في مقتل ما يربو على 200 من قوات الأمن، وأشعلت فتيل أعمال انتقامية استمرت أياماً، وهو ما جعل ديب يعيش في خوف.

وأدّت عمليات نفّذتها قوات تابعة للحكومة إلى مقتل ما يقرب من 1500 علوي، ودفعت عشرات الآلاف إلى الفرار خوفاً على حياتهم. وانهارت مع هذه الأحداث العلاقة الهشّة بين العلويين، الطائفة التي ينتمي إليها الأسد، والحكومة الجديدة.

ومنذ ​ذلك الحين، تحاول الحكومة الجديدة تدارك الضرر من خلال منح العفو لأشخاص، مثل ديب وغيره ممن انجرفوا إلى أعمال العنف في مارس، وتقديم مساعدات اقتصادية محدودة للطائفة العلوية بشكل عام.

رجال يدخنون الشيشة خارج محل لبيع تبغ في ريف اللاذقية 25 سبتمبر (رويترز)

رافقت «رويترز» فريقاً من أعضاء اللجنة الحكومية المُشكلة للإشراف على هذه العملية في محافظتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين، وتحدثت إلى عشرات العلويين الذين تلقوا دعمها، وإلى 15 مسؤولاً أمنياً سابقاً من العلويين يعملون حالياً مع الحكومة السورية. وتُعرف هذه الهيئة رسمياً باسم «اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي».

تحدثت اللجنة والمستفيدون منها عن محاولة ناشئة ومثيرة للجدل لكسب ولاء العلويين في سوريا، الذين عانى كثيرون منهم من الفقر تحت حكم الأسد، رغم تمتعهم بامتيازات في الوظائف الحكومية نظراً لانتمائهم الطائفي. ويمكن أن يُسهم كسب ولائهم في تمكين الحكومة الجديدة من بسط سيطرتها على المنطقة، وإظهار تقدم صوب تحقيق تعهد الرئيس أحمد الشرع بخدمة جميع السوريين.

يدير هذه المبادرة قادة سابقون في طرفي الحرب السورية التي استمرت 14 عاماً، وتقدم المبادرة مساعدات مالية وفرص عمل وخدمات طبية لمئات العلويين، بمن فيهم عشرات حاصلون على عفو مقابل تعهدهم بعدم القتال مجدداً، أو بالمساعدة في ثني آخرين عن حمل السلاح.

حسن صوفان عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي في سوريا (مواقع تواصل)

وردّاً على أسئلة من أجل هذا التقرير، قال عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي حسن صوفان لـ«رويترز»، إن الحكومة تسعى لتحقيق التوازن في جهودها تجاه العلويين والاحتياجات الواسعة للشعب السوري عموماً، بمن فيهم السنة المتضررون من نظام الأسد. وأضاف في مقابلة: «هناك توازن يجب أن نحققه» للتأكد من أن يشعر الجميع بالمعاملة العادلة.

وأقرّ صوفان بوجود بعض الغضب الشعبي إزاء تعاون السلطات الجديدة مع أعضاء من المؤسسة الأمنية للدكتاتور المخلوع. لكنه قال، إن القيادة السورية ترى الأمور من منظور أوسع. وأضاف: «يجب على الشعب السوري أن يمضي قدماً. هذا لا يعني قبول الجرائم الكبرى التي وقعت. تجب محاسبة من ارتكبوا جرائم خطيرة. ‌لكن الغالبية العظمى من السوريين أبرياء».

خير الله ديب داخل مقهاه في القرداحة بريف اللاذقية (رويترز)

وكان ‌ديب أحد المستفيدين من هذا النهج المتسامح. ونفى مشاركته في أي أعمال عنف خلال انتفاضة مارس. وقال إن دوره اقتصر على التواصل، وإنه ساعد أيضاً في إنقاذ ‌حياة ⁠العشرات من قوات ​الأمن الذين احتجزهم المسلحون ‌رهائن، وتوسط في عودتهم. وأكد مسؤول حكومي مطلع على جهود وساطته الرواية.

وقال ديب، من مقهى افتتحه في القرداحة، مسقط رأس الأسد، بأموال من اللجنة: «قررت أن أفعل شيئاً من أجل المستقبل».

ووجدت «رويترز»، خلال زيارة رتبتها اللجنة، أن المقهى يرتاده الطلاب والباحثون عن فرص عمل وكبار السن. وساعد المقهى ديب على جمع ما يكفي من المال للتقدم لخطبة فتاة، وهو أمر لم يكن بمقدوره تحقيقه في ظل حكم الأسد. كما يخطط لإنجاب أطفال. وقال: «بس بدي بنات. ألطف وأجمل... الأولاد دائماً يريدون حمل السلاح».

صناع سلم غير متوقعين

القائمون على اللجنة لديهم تاريخ في ميادين القتال. فصوفان، وهو سني من اللاذقية، قائد سابق في صفوف المعارضة المسلحة. وخالد الأحمد، ساعد الأسد على استعادة أراضٍ خلال الحرب عبر اتفاقيات استسلام «مصالحة» مع فصائل المعارضة، قبل أن يدب الخلاف مع الرئيس المخلوع، وفي النهاية قرر دعم الشرع، صديق طفولته.

القيادي في الدفاع الوطني في النظام المخلوع فادي صقر (متداولة)

أما رجل الأحمد على الأرض فهو فادي صقر، العلوي الذي قاد مجموعة مسلحة موالية للأسد سيئة السمعة تُعرف باسم «قوات الدفاع الوطني»، التي اتهمتها منظمات حقوق الإنسان بارتكاب مجازر وجرائم نهب وانتهاكات. وأدرجت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي صقر في قائمة للعقوبات لدوره في مذابح وقعت خلال الحرب. ونفى صقر أي دور له في تلك الجرائم في تصريحات لـ«رويترز»، لكنه أحجم عن الإجابة على مزيد من الأسئلة.

وأقرّ صوفان بأن الحكومة السورية تتعاون مع صقر، قائلاً إنه ساعد في منع إراقة الدماء عند سقوط الأسد. وأثار التعاون مع صقر انتقادات للجنة، بوصفها محاولة سطحية من الحكومة الجديدة لترسيخ حكمها، بينما تسمح لشخصيات النظام السابق سيئة السمعة بالإفلات من العقاب.

أسامة عثمان ساعد في تسريب صور ضحايا سجن صيدنايا (الشرق الأوسط) cut out

وقال أسامة عثمان، الذي ⁠ساعد قبل أكثر من عقد مضى في تسريب آلاف الصور، المعروفة باسم ملفات قيصر، لمعتقلين قضوا نحبهم في سجون الأسد: «من أنتم لتسامحوا من قتل أبناءنا بأبشع الطرق. وبالعكس، تجعلونهم رموزاً للسلم الأهلي».

وتقول الحكومة إن المرشحين لنيل العفو «يخضعون للتدقيق، لضمان عدم العفو عن أي شخص ارتكب جرائم خطيرة خلال الحرب». إلا أن العملية نفسها تتسم بالغموض. وتقول «الشبكة السورية ‌لحقوق الإنسان»، إن سلطة اللجنة في منح العفو والإفراج عن المعتقلين تقوض الشفافية والمساءلة واستقلال القضاء.

وقال جريجوري ووترز، الباحث البارز في برنامج سوريا التابع للمجلس الأطلسي: «أسهمت جهود ‍فادي صقر بشكل كبير في الحفاظ على السلام الظاهري، لكنها لم تُسهم بالقدر الكافي في تهدئة المخاوف وبناء الثقة وسط السكان ‍المحليين، مقارنة بمبادرات شعبية أخرى تعمل مع المسؤولين المحليين».

إطلاق سراح عدد من الموقوفين في مدينة طرطوس 29 ديسمبر (متداولة مواقع تواصل)

ويعارض عمل اللجنة كثيرون من أفراد الطائفة العلوية، ومنهم أصحاب مواقف متشددة يرون التعاون مع السلطات السورية ذات التوجه الإسلامي خيانة عظمى.

وأفاد أفراد على صلة باللجنة، لـ«رويترز»، أنهم يدركون احتمال أن يستهدفهم ‍مسلحون علويون، وقد اغتيل مرشح علوي «من طرطوس» في انتخابات برلمانية نظمتها الدولة في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وفيما كانت «رويترز» تُغطي عمل اللجنة في الدالية، وهي قرية جبلية نائية وخلابة انطلقت منها انتفاضة مارس، قالت صفحة علوية مناهضة للحكومة على «فيسبوك»، إن صقر جلب الصحافيين إلى هناك ضمن مخططات «قذرة»، وتعقبت سيارة ذات نوافذ معتمة الصحافيين إلى خارج القرية قبل أن تُحذرها دورية أمنية حكومية في نهاية المطاف.

ولم يكن صقر موجوداً في مهمة التغطية الصحافية، لكن أعضاء فريقه المعني بالسلم الأهلي، كانوا على مقربة من المقابلات التي أجريت مع السكان. وتواصلت «رويترز» لاحقاً مع هؤلاء السكان عبر الهاتف.

تسرعت وتهورت!

رأى بعض العلويين في البداية، أن الإطاحة بالأسد العام الماضي فرصة لأبناء طائفتهم الذين يعاني كثيرون منهم من الفقر المدقع. ووقّع عشرات الآلاف من الجنود السابقين اتفاقيات تسوية مؤقتة مع الحكومة الجديدة وسلّموا أسلحتهم.

لكن شعورهم بالتهميش والخوف زاد عقب عمليات التسريح الجماعي ومقتل علويين في الأشهر اللاحقة. ثم زادت أحداث الساحل التي وقعت في مارس من انعدام الثقة.

وقال محافظ طرطوس أحمد الشامي، لـ«رويترز»، إن اللجنة منحت عفواً عاماً لما لا يقل عن 50 علوياً على صلة بأحداث الساحل، في بادرة حسن نية.

وقال الشامي: «قلنا لكل واحد منهم: أنت رجل تسرعت وتهورت. نحن سنكون رحيمين بك وسنعطيك فرصة ثانية لكي ⁠تثبت أنك ستمشي بالاتجاه الصحيح».

وأفاد مسؤول في اللجنة بأنها أطلقت سراح مئات الجنود من عهد الأسد، الذين قُبض عليهم بعد الإطاحة به، ورتب أكثر من 90 زيارة عائلية لبضعة آلاف من المحتجزين الآخرين.

وقالت أم لـ3 جنود سابقين مسجونين، إنها تمكنت من زيارة أحدهم في سبتمبر، وإن اللجنة تكفلت بتكاليف السفر التي كانت قليلة لكن الأم لم تتمكن من تحملها.

وأضافت الأم، التي طلبت عدم كشف اسمها، إن رؤية ابنها من وراء الزجاج آلمتها. مشيرة إلى أنه لم يُسمح لها إلا بإعطائه ملابس داخلية. وقالت باكية: «بعد ما شافوا سوريا الجديدة. ما بيعرفوا شي. بس بيعرفوا أنهم بالسجن».

جانب من أولى جلسات المحاكمة العلنية للمتهمين بأحداث الساحل في مدينة حلب (سانا)

ووفقاً للشامي، وبيان صادر عن قادة الأمن في اللاذقية وطرطوس، يقدم المقاتلون الحاصلون على العفو معلومات عن أشخاص ربما يخططون لهجمات، ويساعدون السلطات في العثور على مخابئ سرية للأسلحة الخفيفة والذخيرة. كما أنهم يقنعون آخرين بعدم القتال.

وبعد التوصل إلى اتفاق تسوية في أبريل (نيسان)، نال أحد المقاتلين السابقين التابعين لصقر فرصة عمل في النجارة. ورغم قوله إنه لا يزال يرغب في الثأر لدماء العلويين التي أُريقت، قال المقاتل، الذي طلب عدم كشف اسمه خشية الانتقام، إنه «لا أحد يرغب في القتال بعد الآن». وأضاف لـ«رويترز»: «الناس تعبوا. بس بدهم أمن ويطعمون أولادهم».

جهود رمزية وقيود مالية

قال سكان علويون في منطقة الساحل، إن الجهود المبذولة ضئيلة للغاية لمعالجة الأضرار الجسيمة التي خلفتها أحداث الساحل، فضلاً عن الفقر المستشري وانعدام الأمن المستمر في المناطق الساحلية. وأقرّ صوفان بوجود قيود مالية. وقال لـ«رويترز»: «فيه شريحة واسعة ما عم بيتم الوصول إليها بسبب الوضع الاقتصادي. فهي عم بتكون أقرب إلى الحل الرمزي ينقي الأجواء ويصححه».

وبعد مرور أكثر من 9 أشهر على أعمال العنف، تقول اللجنة إنها لم تُرمّم سوى أقل من 10 في المائة من نحو ألف منزل متضرر.

وائل حسن مع أفراد عائلته في حديقة منزله المحترق في جبلة بسوريا (رويترز)

وقال أسامة طوير، وهو علوي عمره 32 عاماً من ريف جبلة، إن 13 من منازل عائلته أضرمت فيها النيران، وسُرقت ماشيتها في مارس الماضي. وأضاف أن اللجنة لم تتمكن من العثور على اثنين من أقاربه مفقودين منذ ذلك الحين.

وبدأت اللجنة إجراء إصلاحات أساسية في بعض منازل أقاربه، لكن بعد زيارة «رويترز» في سبتمبر، قال طوير إن أعمال الإصلاح توقفت تماماً. وأضاف أن المخاوف من تجدد العنف تجعل السكان يتجنبون التردد على ورشته، ما أدى إلى انخفاض دخله بشكل كبير. وقال: «بعد الساعة السادسة... إذا بييجي أخوي ويدق على الباب ما بفتح».

وسلّطت مظاهرات العلويين في الأيام الماضية، والشهر الماضي، الضوء على التحديات التي تواجهها اللجنة. ففي 28 ديسمبر (كانون الأول)، هتف آلاف ‌العلويين مطالبين بحكم لامركزي والإفراج عن المعتقلين.

لم يدم احتجاجهم سوى ساعة قبل خروج مظاهرة مؤيدة للحكومة. وفضّت قوات الأمن ذلك الحشد بإطلاق أعيرة نارية، كما حدث في احتجاج آخر الشهر الماضي رفع مطالب مماثلة.

وبدأت السلطات محاكمات علنية، مؤخراً، بشأن أعمال العنف في مارس، وتعدّ نتائجها اختباراً حقيقياً للمساءلة في سوريا الجديدة.

وقال وائل حسن، وهو مزارع عمره 59 عاماً، تعهدت اللجنة بترميم منزله المحترق، لـ«رويترز»: إن الطريق لا يزال طويلاً قبل أن تتمكن جميع الطوائف السورية من العيش معاً دون خوف.

وأضاف: «هلق بعيدين (عن السلم الأهلي). داخلياً وباطنياً جاهزين... بس يكون فيه عدالة وقانون بينتهي كل ‌شيء».


مقالات ذات صلة

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

المشرق العربي تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة موزعة من المخابرات التركية للجاسوس الذي عمل لمصلحة نظام بشار الأسد أوندر سيغرجيك أوغلو بعد القبض عليه بالتعاون مع المخابرات السورية وإعادته إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

نجحت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية في القبض على مواطن تركي اختطف اثنين من قادة «الجيش السوري الحر» في عام 2011.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي لقاء الرئيس أحمد الشرع والمستشار الاتحادي الألماني فريدريش ميرتس في مقر المستشارية الاتحادية الألمانية (سانا)

ميرتس يعلن في مؤتمر صحافي مع الشرع سعيه لإعادة 80% من اللاجئين السوريين

أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع أنه يسعى إلى إعادة 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (برلين) «الشرق الأوسط» (برلين - لندن)
خاص صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

خاص ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي قوات من الجيش السوري (رويترز)

الجيش السوري: هجوم بمسيَّرات استهدف عدة قواعد قرب الحدود العراقية

أفادت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري بوقوع هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية فجر اليوم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
TT

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت جاء عقب دفع تعزيزات عسكرية جديدة إلى الشريط الحدودي مع العراق خلال الساعات الماضية.

وبينما تحدث خبراء عسكريون عن خيارات الرد العسكري المتاحة، رأى سياسيون في دمشق أن هجوم المسيّرات على القواعد الأميركية التي قد تم إخلاؤها يحمل رسائل ذات دلالات مهمة؛ إذ يأتي بعد تنفيذ إسرائيل عملية توغل من جهة جبل الشيخ باتجاه الأراضي اللبنانية.

وأفادت «هيئة العمليات في الجيش العربي السوري» بوقوع هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية فجر الاثنين.

ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) عن الهيئة قولها إن وحدات الجيش تمكنت من التصدي لأغلب المسيَّرات وأسقطتها. وأضافت: «ندرس خياراتنا، وسنقوم بالرد المناسب لتحييد أي خطر، ومنع أي اعتداء على الأراضي السورية».

وبحسب تصريحات الخبير العسكري السوري، العقيد عماد شحود، لـ«الشرق الأوسط»، هناك خياران للرد على مصدر إطلاق المسيّرات في الأراضي العراقية؛ الأول القصف المدفعي بالمدى البعيد «عيار 130»، أو بالراجمات «بي إم 21»، موضحاً أن هذا الخيار لا يحتاج إلى توغل بري.

أما الخيار الثاني، وهو الأفضل، فاستخدام مسيّرات «شاهين»؛ إذ يكون الرد بالمستوى نفسه؛ أي رد بالمسيّرات على هجوم مسيّرات، والأهم أن إصابة الهدف تكون أدق، وفق قوله.

جندي سوري (الجيش العربي السوري - إكس)

وحول الأهداف التي تضربها المسيّرات القادمة من العراق، وهي قواعد عسكرية سورية كانت سابقاً أميركية وتم إخلاؤها قبيل بدء الحرب الإقليمية، رأى شحود أن الغاية من الهجمات توجيه رسائل للحكومة السورية بـ«عدم دخول معركة برية مع (حزب الله) في لبنان، أو تقديم تسهيلات، أو غض النظر عن التوغلات الإسرائيلية من جهة جبل الشيخ باتجاه البقاع الأوسط والبقاع الشمالي»، مشيراً إلى أن إيران ليس لها أهداف في سوريا، وإنما هي رسائل تحذيرية، في حين يضغط الجانبان الأميركي والإسرائيلي على دمشق لتتدخل سوريا برياً ضد «حزب الله»، وهو ما ترفضه دمشق.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، تنفيذ عملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ، وصولاً إلى منطقة جبل روس داخل الأراضي اللبنانية (مزارع شبعا). وبحسب البيان، تهدف العملية إلى تمشيط المنطقة، وجمع معلومات استخبارية، إلى جانب كشف بنى تحتية ميدانية.

ولا تزال دمشق تظهر حذراً حيال الحرب المندلعة في المنطقة «إدراكاً منها لحساسية الموقف»، بحسب تعبير الباحث في الشؤون السياسية عباس شريفة. وبحسب رأيه، فإن الدولة السورية «تأخذ بالحسبان أن تكون هذه الاعتداءات والاستفزازات هي خطة مدروسة من بعض الأذرع الإيرانية في العراق لجر سوريا نحو المواجهة، وتحويل سوريا من عقدة استقرار إلى بيئة متوترة».

وتوقع أن تتأنى دمشق في أخذ أي إجراء حيال هجوم المسيّرات، يوم الاثنين، قبل «التواصل مع الدولة العراقية والجهات الرسمية ومعرفة تقدير الموقف لديها والتعاون». وأضاف شريفة لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة السورية ليست في عجلة من أمرها، خصوصاً أن الموقف الرسمي العراقي رافض لهذه الاستفزازات»، مشيراً إلى أن ما تحتاجه سوريا من الحكومة العراقية «إجراءات ملموسة وذات مصداقية».

معبر اليعربية بين سوريا والعراق (أ.ف.ب)

وكان الجيش السوري أعلن السبت أنه صدَّ هجوماً بطائرة مسيَّرة انطلق من العراق على قاعدة التنف في جنوب شرقي البلاد، التي كانت تضمُّ في السابق قوات أميركية. كما أشار الجيش الأسبوع الماضي إلى استهداف قاعدة أخرى تابعة له في شمال شرقي البلاد بهجوم صاروخي من العراق. واتهم مسؤول عراقي فصيلاً مسلحاً محلياً (تابعاً لـ«الحشد الشعبي»)، بالوقوف وراء الهجوم، وأوقفت بغداد 4 أشخاص على صلة بالحادث.

وفي الأشهر الأخيرة، انسحبت القوات الأميركية المنتشرة في سوريا، في إطار التحالف لمحاربة تنظيم «داعش»، من قاعدتَي التنف والشدادي، وبدأت بالانسحاب من قاعدة قسرك.

ومع تكرار سلوك الفصائل العراقية التابعة لإيران باستهداف عابر للحدود لقواعد في سوريا تم إخلاؤها، يمكن القول إنها «هجمات غير مؤثرة عسكرياً، لكنها تحمل ثلاث دلالات مهمة».

تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

وقال الباحث السياسي نورس العبدالله لـ«الشرق الأوسط»: «الدلالة الأولى توجيه رسائل تهديد لنقل التوترات الإقليمية إلى سوريا بأساليب متعددة، منها الاستهداف ومنها الخلايا الأمنية. وقد سبق أن تم تفكيك خلية تتبع (الحشد الشعبي) العراقي في دير الزور السورية. أما الثانية، فهي في إطار المشهد الأوسع؛ أي كجزء من استراتيجية إيرانية تستهدف توسيع نطاق الحرب مع عدم نجاح التفاوض وزيادة التوترات الأمنية في الإقليم ككل، بما لها من انعكاسات اقتصادية وسياسية. وهذا يرتبط في أحد جوانبه بفكرة إدخال الحوثيين من اليمن، وترابط (الساحات) كما يتم الترويج له».

أما الدلالة الثالثة، فتدخل في تقديره ضمن الحسابات الداخلية العراقية، حيث «تسعى الفصائل التي تقف وراء الهجوم للتأكيد على أنها فاعل مستقل، وقرارها ليس في بغداد، وأن الحكومة العراقية، وإن اتبعت نهجاً حيادياً وسعت للتواصل مع سوريا، وحتى التنسيق الأمني، لن تكون قادرة على فرض رؤيتها».

أما عن رد الفعل السوري، فعملياً التركيز الأساسي كان وما يزال بطابع وقائي عبر تعزيز الحدود والتركيز الأمني، ومنع عمليات نقل السلاح والتهريب، وتعزيز التنسيق مع الجانب العراقي الرسمي، خاصة مع إظهار الحكومة العراقية الحرص على منع استهداف الأراضي السورية رغم عدم قدرتها على ذلك، ولا يُتوقع أن يتغير هذا النهج الحالي إلا بوجود شروط متعددة، منها وجود استهداف متكرر أو تحرك عربي (خليجي تحديداً)، بالانخراط في الحرب، وهذا ما يصبح عليه أيضاً الوضع في الشريط الحدودي مع لبنان.


إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي عن قتل قادة بارزين في «حزب الله»، مسؤولين عن التنسيق بين الحزب والمنظمات الفلسطينية في غارة جوية استهدفت بيروت في وقت سابق من يوم الاثنين، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال الجيش إن الغارة في العاصمة اللبنانية استهدفت وقتلت حمزة إبراهيم راخين، نائب قائد الوحدة 1800 في «حزب الله»، إلى جانب رئيس عمليات الوحدة وناشط آخر، بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في موقعها الإلكتروني.

وأضاف الجيش الإسرائيلي في بيان أن «الوحدة 1800 هي الوحدة المسؤولة عن التنسيق بين منظمة (حزب الله) الإرهابية والمنظمات الإرهابية الفلسطينية في لبنان وغزة وسوريا ويهودا والسامرة (الضفة الغربية)».

وأوضح الجيش أن نائب رئيس الوحدة 1800 أشرف، ضمن مهامه، على نشر عناصر فلسطينية مسلحة في جنوب لبنان لمواجهة القوات الإسرائيلية.

وفي غارات أخرى في بيروت يوم الاثنين، قال الجيش الإسرائيلي، إنه قصف مقرات «حزب الله» ومراكز القيادة.

يُشار إلى أن إسرائيل تشن غارات جوية تستهدف الضاحية الجنوبية في بيروت وعدداً من المناطق في جنوب وشرق وشمال لبنان، تخللها توغل بري، وذلك رداً على قيام «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) الحالي بهجمات على إسرائيل بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من الشهر الماضي.


فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)

في ردها على الشروط الأميركية الـ15 التي نُقلت إليها عبر الوسيط الباكستاني، لم تتردد السلطات الإيرانية في العودة إلى تفعيل مبدأ «وحدة الجبهات»، وذلك من خلال اشتراطها ربط مصير الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله» بمصير الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ما يعني أن مصير لبنان ككل، وليس فقط مصير الجنوب، أصبح مربوطاً بما يمكن أن ترسو عليه تطورات الحرب الدائرة في إيران والمتمددة إلى لبنان. واللافت أنه منذ أن عادت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، حرص الأول على نفي ارتباطها بما يحصل في إيران، بل إن خطب نعيم قاسم، الأمين العام للحزب، ومسؤوليه دأبت على نفي هذا الربط لكيلا توفر الحجج لمن ينتقدونه بأنه تابع لإيران وينفذ أوامرها. وأكثر من ذلك، فإن ربط طهران بين الجبهتين من شأنه أن «يفرمل» الدولة اللبنانية ومبادرة الرئيس جوزيف عون الذي طرح مبادرة إطلاق مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، والتي يرى فيها الوسيلة الوحيدة لوقف الحرب التي تدمر لبنان.

الورقة الفرنسية

جاءت «الورقة» الفرنسية التي طرحت جدولة زمنية من ثلاث مراحل لتكمل وتدعم مبادرة عون. بيد أن رفض إسرائيل الجذري للمبادرتين، وهو ما تبلغه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في إسرائيل خلال زيارته في 20 مارس (آذار) للقاء نظيره جدعون ساعر، جمّد المبادرة الفرنسية التي كان يراد منها تناول كل جوانب الأزمة اللبنانية. والأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة الأميركية التي أرادتها باريس إلى جانبها، لم تُظهر حماسة. وطيلة الأيام الأخيرة، بدا للجانب الفرنسي أن إدارة الرئيس دونالد ترمب راغبة في إعطاء الوقت الكافي لإسرائيل لإتمام عملياتها العسكرية في لبنان، وهدفها الرئيسي تدمير «حزب الله»، وجعل نزع سلاحه شرطاً أساسياً لا يمكن القفز فوقه لقبولها التفاوض.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

لبنان على طاولة «السبع»

كان لبنان أحد الملفات الرئيسية التي بُحثت بمناسبة اجتماع وزراء خارجية «مجموعة السبع» في دير «فو دو سيرني» التاريخي الذي حُول إلى وجهة سياحية غربي العاصمة الفرنسية. وجعلت باريس من لبنان أحد المحاور في الجلسة المخصصة للحرب في إيران وتبعاتها. غير أن المناقشات لم تصل إلى رؤية موحدة أو أي قرار محدد لسببين: الأول، الموقف الأميركي، والثاني قناعة المؤتمرين بأن دخول «حزب الله» في الحرب صبيحة الثاني من مارس ما كان إلا استجابة لما طلبته طهران، وهو يشبه كثيراً استجابة الحوثيين المتأخرة لمطلب مماثل. وتتخوف باريس من احتمال الربط بين الجبهتين، وهو ما أوضحه بارو في المؤتمر الصحافي الذي أعقب انتهاء أعمال وزراء «مجموعة السبع».

وتقوم المقاربة الفرنسية على الدفع باتجاه «المحافظة على استقرار لبنان ودعم مؤسساته الشرعية، وحماية المدنيين، وضمان الاستعادة الكاملة لسيادته»، وهي الرسالة التي شدد عليها الوزير الفرنسي لدى أقرانه. وليس سراً أن باريس، بلسان وزير خارجيتها، في حديث، الأحد، للقناة «الثالثة» في التلفزة الفرنسية، تحمّل «حزب الله» مسؤولية «جرّ لبنان، مرة أخرى، إلى الحرب».

وقال الوزير الفرنسي، عقب انتهاء أعمال «مجموعة السبع»، ما حرفيته: «لم يكن ينبغي للبنان أن يُجرّ إلى حرب لم يخترها. وتقع مسؤولية جسيمة على (حزب الله) في اتخاذ هذا القرار الذي يضع البلاد مرة أخرى على حافة الهاوية».

وعبر بارو عن رفض بلاده الربط بين الجبهتين. كذلك أكد أن لبنان «لا يرغب في أن تعمد قوى خارجية بتحويل لبنان إلى مسرح ثانوي لحرب لم يردها». وأضاف الوزير الفرنسي أنه «على العكس، يجب مضاعفة الجهود من أجل وقف الأعمال العدائية في لبنان، وتسهيل حوار رفيع المستوى - قد يكون تاريخياً - بين السلطات اللبنانية والسلطات الإسرائيلية، بما يتيح لهما الاتفاق على مسار نزع سلاح (حزب الله)، الذي ينبغي أن يسلّم سلاحه، والتقدّم نحو تسوية النزاع القائم بينهما منذ عام 1949».

أنقاض مبنى تعرض لغارة جوية إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية يوم 30 مارس (أ.ف.ب)

مطالب فرنسا

حقيقة الأمر أن باريس تجد نفسها اليوم مفتقدة للقدرة على التأثير في مسار الأحداث بين لبنان وإسرائيل، كما بخصوص تطورات الحرب بين إيران والثنائي الأميركي - الإسرائيلي. بارو عرض مجدداً لائحة المطالب الفرنسية من إسرائيل للمحافظة على لبنان، وقد عدّدها كالتالي: «يجب على إسرائيل أن تمتنع عن أي عملية برية، وأن تمتنع عن أي استهداف للبنية التحتية المدنية، وعن أي اعتداء على المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ولا سيما بيروت، حتى يظلّ الطريق نحو السلام ممكناً».

والحال أن ملاحظة ما هو حاصل في لبنان، هي أن إسرائيل لا تعير أي أهمية للمطالب الفرنسية؛ فمن جهة، يطالب رئيس وزرائها نتنياهو بتوسيع مساحة الأراضي التي تحتلها القوات الإسرائيلية في لبنان، بل إن وزير الدفاع يريد تعديل الحدود بين لبنان وإسرائيل لدفعها حتى نهر الليطاني الذي يبدو بلوغه هدفاً رئيسياً لتل أبيب. كذلك تريد باريس أن تمتنع إسرائيل عن استهداف البنية التحتية المدنية. لكن ما هو حاصل أن الطيران الإسرائيلي لا يفرق بين مدني وعسكري؛ إذ إنه دمر الجسور الخمسة الرئيسية فوق نهر الليطاني لفصل الجنوب عن بقية المحافظات اللبنانية. أما تجنب استهداف المناطق السكانية فمطلب بعيد كل البعد عن الواقع.

ومنذ توقف الحرب والتوصل إلى هدنة بين إسرائيل ولبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024 بفعل وساطة وضغوط أميركية - فرنسية، سعت باريس لتكون طرفاً في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) بين إسرائيل و«حزب الله»، وكان لها ما طلبت؛ إذ عُين ضابط فرنسي نائباً لرئيس ما سُمي «اللجنة الخماسية». وخلال أشهر، سعت باريس لإقناع إسرائيل بوقف هجماتها في لبنان على مواقع وقادة ومسؤولين من «حزب الله»؛ لأنها تضعف الدولة اللبنانية في سعيها لحصر السلاح بيد القوى الشرعية. لكن جهودها باءت بالفشل؛ إذ استمرت الهجمات الإسرائيلية بحجة أن «حزب الله» لم يحترم بنود الاتفاق، ولم يوافق على تسليم سلاحه. وعرفت «ورقتها» التفاوضية المصير نفسه.

تعزيزات عسكرية إسرائيلية إلى الجبهة المفتوحة بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» منذ 2 مارس (رويترز)

واليوم، تقف باريس إلى جانب الرئيس عون والحكومة اللبنانية في سعيهما لتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي اتُّخذت، بهذا الخصوص، في مجلس الوزراء، وهو ما يشدد عليه الرئيس ماكرون ووزير خارجيته في كل مناسبة. لكن باريس تعي أن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق ما دامت الحرب دائرة، كما تعي أن تواصلها سيزيد من إضعاف الدولة اللبنانية، وسيراكم الأعباء التي لن تكون قادرة على تحملها، وعلى رأسها التعامل مع أعباء مئات آلاف النازحين؛ لذا فإنها تدعو إلى وقف الحرب الدائرة على الأراضي اللبنانية لتجنيب لبنان «الهوة» التي تحذر منها. وعلى رغم محدودية أدواتها الدبلوماسية والسياسية، فإن باريس تواظب على «طرح الصوت» الذي لم يجد حتى اليوم من يستمع إليه.