استهدافات إسرائيل ترعب طلاب جنوب لبنان

أفقدتهم الأمان وجعلتهم يخشون مخاطر الطريق إلى المدرسة

عناصر من «الصليب الأحمر» يجمعون بقايا أشلاء بعد استهداف إسرائيلي لسيارة بمحيط مدينة النبطية بجنوب لبنان الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
عناصر من «الصليب الأحمر» يجمعون بقايا أشلاء بعد استهداف إسرائيلي لسيارة بمحيط مدينة النبطية بجنوب لبنان الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
TT

استهدافات إسرائيل ترعب طلاب جنوب لبنان

عناصر من «الصليب الأحمر» يجمعون بقايا أشلاء بعد استهداف إسرائيلي لسيارة بمحيط مدينة النبطية بجنوب لبنان الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
عناصر من «الصليب الأحمر» يجمعون بقايا أشلاء بعد استهداف إسرائيلي لسيارة بمحيط مدينة النبطية بجنوب لبنان الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

«أشعر بالخوف كثيراً، في كل مرة يحصل فيها اعتداء إسرائيلي، وأكون فيها على مسافة بعيدة عن أمي وأبي وشقيقي، كل منا في مكان»، تقول نيرمين (15 سنة) الطالبة في إحدى مدارس بلدة كفرا الحدودية بجنوب لبنان.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أفكر أنني قد أموت وأنا وحيدة، أو أن مكروهاً قد يصيبهم... بات الخوف يلازمني كخيالي».

فمنذ بدء العام الدراسي منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، يعيش أهالي غالبية القرى الجنوبية قلقاً إضافياً على أطفالهم الذين يخرجون يومياً إلى مدارسهم لتحصيل علمهم، رغم كل الظروف الأمنية الصعبة للغاية في البلاد، خصوصاً أن إسرائيل لا تزال تنفذ استهدافات شبه يومية في العمق اللبناني، رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منذ فترة طويلة. يفتقد هؤلاء لـ«أمان» كانوا يشعرون به قبل عامين، وحولت الحرب المتواصلة المناطق الجنوبية، إلى مساحة قلق تمتد من الأطفال إلى جميع السكان.

نساء يحملن صور أطفال ووالدهم قتلوا بضربة إسرائيلية في بنت جبيل بجنوب لبنان الأسبوع الماضي (رويترز)

تقول نيرمين: «زاد شعوري بالخوف أكثر بعد الاستهداف الذي طال قريتي كفرا قبل أيام قليلة، بتّ أفكر أنني قد أكون الضحية في المرة المقبلة، إذ إن إسرائيل لن تتوانى عن ضرب من تريده حتى لو كان موجوداً في مكان مكتظ، وهذا ما حصل بالفعل».

ففي اليوم الأول من شهر أكتوبر (تشرين الأول)، استهدفت مسيّرة إسرائيلية، سيارة في بلدة كفرا (قضاء بنت جبيل)، في الشارع العام للبلدة حيث المحال التجارية منتشرة على جانبي الطريق، ما تسبب بإصابة 5 أشخاص وسقوط قتيل، وفق وزارة الصحة اللبنانية.

تعلق نيرمين: «تثبت إسرائيل أنها لا تكترث لحياة المدنيين؛ كان يمكنها تفادي كل هذه الإصابات، لو أرادت ذلك حقاً»، مشيرة إلى أنها تعيش هاجس «أن أتشوه بشظايا استهداف قريب، أو أن أفقد بصري أو أطرافي، أو أن أصبح غير قادرة على المشي؛ هذا أكثر ما يشغل بالي».

مخاوف الأهالي

ومثل نيرمين أطفال كثر، يعيشون الخوف بكل تفاصيله وأشكاله وتأثيراته، ويمارسون طقوسه بصمت، لا سيما في أوقات تنقلهم إلى المدرسة ومنها، حيث يتلقون دروسهم. أمّا الأهالي فإنهم ليسوا في حال أفضل بكثير. فالقلق والخوف على أبنائهم من خطر القصف الإسرائيلي يزدادان مع الوقت.

«هو خوف مضاعف ولا يمكن وصفه بكلمات»، تقول لِيا فواز لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «نقف عاجزين أمام كل ما يجري لنا. لا يمكنني ترك أطفالي بلا مدرسة، وفي الوقت نفسه، لا يمكن لي أن أحميهم من مخاطر القصف الإسرائيلي الذي يطول المنطقة يومياً هنا». ورغم ذلك ترسل لِيا أطفالها يومياً إلى «المدرسة والمجهول معاً».

نعيش حرباً مفتوحة

لِيا، هي أم لطفلين ماريا (8 سنوات) وحيدر (5 سنوات)، تمتهن التمريض منذ سنوات طويلة، عاشت تجربة استهداف مستشفى تبنين الحكومي الذي تعمل فيه، مرات كثيرة، وكان آخرها قبل أيام قليلة على مدخل المستشفى.

تقول: «هذه التجربة جعلتني أشعر بالخوف أكثر، وأجد أن خطر الاستهدافات قريب مني ومن أطفالي للغاية، وكذلك من أي شخص نعرفه؛ قد يطولنا الضرر جميعاً، نحن نعيش حرباً مفتوحة على كل الاحتمالات».

عناصر من «الصليب الأحمر» يجمعون بقايا أشلاء بعد استهداف إسرائيلي لسيارة بمحيط مدينة النبطية بجنوب لبنان الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

ولا يختلف حال منى التي تسكن بلدة كفررمان في النبطية كثيراً، تروي لـ«الشرق الأوسط» كيف تودع أطفالها يومياً قبل الخروج إلى المدرسة، وتقول: «لا نعلم إن كانوا سيتمكنون من العودة إلينا أم أن مكروهاً قد يصيبهم، وإن عادوا، ربما سنكون نحن مَن أصابنا الضرر... حالتنا صعبة للغاية». وتضيف: «لا يمكننا وصف حجم القلق الذي نعيشه نحن وأطفالنا؛ الخوف بات يأكلنا».

ومنى أمّ لثلاثة أطفال، تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عاماً. تذكر كيف استفاق ابنها الصغير عند ساعات الفجر الأولى ليقول لها إنه يشعر بالخوف، بعدما دوّت سلسلة غارات جوية استهدفت منطقة النبطية فجراً، وكانت قريبة من منزله.

«كائنات متجمدة»

تنزح منى منذ نحو عامين بعدما دمر الجيش الإسرائيلي منزلها في حولا، ويمنعها راهناً من العودة إلى أرضها، وتقول: «هذا الرعب شبه اليومي حوّلنا إلى كائنات متجمدة بلا ابتسامة ولا فرح، والأسوأ أننا متروكون لمصيرنا ومهمشون. حُرمنا من منازلنا وأرضنا وخسرنا أحباباً لنا».

وتعلق: «لم نعد نقوى على تحمل أي أمر سيئ. نحن في حالة انتظار دائم» وتختم: «كنا أمام خيارين؛ إما ترك أطفالي في المنزل خوفاً من أن يصيبهم مكروه وإما إرسالهم إلى المدرسة كي لا يخسروا عامهم الدراسي».

حالة قلق عامة

ومثلها، تعيش هلا من بلدة ميفدون (النبطية) وعائلتها حالة القلق على طفلين خلال فترة تنقلهما في حافلة المدرسة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «عادة ما تكون الاستهدافات في منطقة النبطية من الأعنف على الإطلاق، ورغم ذلك نغامر بإرسال الطفلين إلى المدرسة، لأن هناك برنامجاً مدرسياً وعلينا الالتزام به»، ولكن تبقى هناك استثناءات، إذ «لم نرسلهما قبل أيام إلى المدرسة خوفاً من تصعيد محتمل بعد تنفيذ سلسلة ضربات».

ولا تبعد مدرسة أشقاء هلا كثيراً عن المنزل، مسافة 10 دقائق فقط، حسبما تقول، وتعلق: «رغم ذلك، فهما يخافان. لا يريدان الابتعاد عنا، أو البقاء وحدهما في غرفة». هذا الخوف تراكمي، بدأ يظهر بشكل واضح عليهما بسبب أصوات القصف والطائرات الحربية، لا سيما عندما تحدث الاستهدافات ليلاً.


مقالات ذات صلة

التوغل الإسرائيلي بجنوب لبنان يلامس الليطاني... ومحاصرة بنت جبيل

المشرق العربي متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

التوغل الإسرائيلي بجنوب لبنان يلامس الليطاني... ومحاصرة بنت جبيل

دخلت المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» الأربعاء، مرحلة أكثر اتساعاً وتعقيداً، مع تكثيف غير مسبوق للغارات الجوية التي تواكب توغلاً برياً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

«الثنائي الشيعي» مستنفَر للتصدي لقرار طرد السفير الإيراني

تقول مصادر «الثنائي الشيعي» إن لديه مجموعة خيارات بشأن قرار طرد السفير الإيراني، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الرئيس بري أوكل مهمة إيجاد الحل لرئيس الجمهورية».

بولا أسطيح (بيروت)
بروفايل السفير الإيراني في لبنان محمد رضا شيباني (إعلام إيراني)

بروفايل محمد رضا شيباني... دبلوماسي بأدوار استخبارية

لم تمضِ أسابيع على عودة الدبلوماسي الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني إلى بيروت سفيراً لبلاده، حتى تحوّل اسمه إلى عنوان أزمة دبلوماسية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا مصر ترسل مساعدات إغاثية عاجلة لتوفير الاحتياجات الأساسية للشعب اللبناني (مجلس الوزراء المصري)

مساعدات مصرية إلى لبنان لتخفيف أزمة «النزوح الداخلي»

قامت مصر الاثنين بإرسال مساعدات إغاثية عاجلة لتوفير الاحتياجات الأساسية للشعب اللبناني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية تصاعد سحابة من الدخان من موقع غارة جوية على طهران يوم 17 مارس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

هجمات جديدة مع استمرار حرب إيران... وحركة دبلوماسية بالكواليس

تتواصل الهجمات الصاروخية والقصف في الشرق الأوسط مع استمرار حرب إيران فيما تنشط حركة دبلوماسية في الكواليس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«صلاحيات حرب» لحكومة بغداد


فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
TT

«صلاحيات حرب» لحكومة بغداد


فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)

في ظل استمرار القصف الأميركي على مواقع «الحشد الشعبي» في العراق، حصلت الحكومة على صلاحيات واسعة وُصفت بـ«صلاحيات حرب» بغطاء سياسي من التحالف الحاكم، وقضائي من مجلس القضاء.

وأكد رئيس مجلس القضاء العراقي، فائق زيدان، وجود آليات دستورية لإعلان «حالة الحرب»، والإجراءات القضائية «بحق الجهات التي تستهدف مؤسسات الدولة».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، أمس (الأربعاء)، مقتل وإصابة العشرات من جنودها، في غارة استهدفت مستوصف الحبانية العسكري غرب الأنبار. ووصفت الوزارة الهجوم بأنه «انتهاك صارخ وخطير للقوانين الدولية».

ووفق مصادر أمنية، فإن الضربة استهدفت أيضاً مقراً للاستخبارات تابعاً لـ«الحشد» داخل قاعدة الحبانية. وتحدثت المصادر عن وقوع غارتين إضافيتين استهدفتا مقر «اللواء 45» التابع لـ«الحشد الشعبي» في مدينة القائم قرب الحدود السورية.


إسرائيل تحاصر كبرى مدن الحدود اللبنانية

متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحاصر كبرى مدن الحدود اللبنانية

متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تتجه إسرائيل لمحاصرة بنت جبيل، كبرى مدن جنوب الليطاني بجنوب لبنان، عبر توغلات برية من ثلاث جهات، تشمل محور مارون الراس من الشرق، وأطراف عيناثا من الشمال، ودبل وعيتا الشعب من الغرب، في وقت يتوسع فيه توغل الجيش الإسرائيلي باتجاه شمال مدينة الخيام على المحور الشرقي، ويقترب من ضفة نهر الليطاني في وادي الحجير، عبر عمليات من الطيبة باتجاه دير سريان.

وفيما تلقي تداعيات الحرب بظلالها على الداخل اللبناني، تتعمّق أزمة سياسية موازية، على خلفية الدعم القوي الذي قدّمه ممثلا الطائفة الشيعية في البرلمان والحكومة، و«المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» إلى السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، ومطالبتهم لوزارة الخارجية بالتراجع عن قرار إبعاد شيباني، من بيروت.

وتختبر الحكومة، اليوم (الخميس)، تداعيات الأزمة بجلسة وزارية كان لوَّح ممثلو «الثنائي الشيعي» بمقاطعتها.


الشرع إلى برلين الاثنين للقاء ميرتس

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)
TT

الشرع إلى برلين الاثنين للقاء ميرتس

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

كشفت وسائل إعلام ألمانية أن الرئيس السوري أحمد الشرع سيصل إلى العاصمة الألمانية برلين، يوم الاثنين المقبل، في زيارة تأتي بعد إلغاء سابق طرأ في اللحظة الأخيرة على موعد كان مقرراً في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي.

وبحسب ما أفادت صحيفة «بيلد»، فإن الزيارة المرتقبة لم تُعلن تفاصيل جدول أعمالها حتى الآن، وسط ترقب لما سيتضمنه اللقاء مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

ومن المتوقع أن يستند الاجتماع إلى الدعوة التي وجّهها ميرتس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث دعا حينها الرئيس السوري إلى بحث مستقبل اللاجئين السوريين في ألمانيا، في إشارة إلى احتمال تصدّر هذا الملف جدول الأعمال، وفق ما ذكره «تلفزيون سوريا».

وفي تعليق على الاستفسارات بشأن الزيارة، قالت متحدثة باسم الحكومة الألمانية: «يُعلن عادة عن المواعيد العلنية للمستشار الاتحادي يوم الجمعة من الأسبوع السابق»، دون تأكيد رسمي لموعد اللقاء.

ويُظهر التقرير السنوي لوكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي (EUAA)، الصادر مطلع مارس (آذار)، أن نحو 151 ألف سوري تقدموا بطلب لجوء في عام 2024، مقارنة بـ42 ألفاً في عام 2025، ما يعكس تراجعاً ملحوظاً في أعداد الطلبات.