لبنان: قانون الانتخاب أمام تسوية تلغي تمثيل المغتربين واقتراعهم من الخارج

«ما بعد غزة» يشغل بال «حزب الله»

البرلمان اللبناني منعقداً في جلسة عامة الأسبوع الماضي (إعلام مجلس النواب)
البرلمان اللبناني منعقداً في جلسة عامة الأسبوع الماضي (إعلام مجلس النواب)
TT

لبنان: قانون الانتخاب أمام تسوية تلغي تمثيل المغتربين واقتراعهم من الخارج

البرلمان اللبناني منعقداً في جلسة عامة الأسبوع الماضي (إعلام مجلس النواب)
البرلمان اللبناني منعقداً في جلسة عامة الأسبوع الماضي (إعلام مجلس النواب)

لا يزال الحراك الانتخابي في لبنان خجولاً في ظل تصاعد وتيرة الاشتباك السياسي بين «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) و«التيار الوطني الحر»، وبين الأكثرية النيابية حول اقتراع اللبنانيين المقيمين في دول الانتشار.

وهذا ما يؤخر التوافق على قانون الانتخاب الذي ستُجرى على أساسه الانتخابات النيابية في ربيع 2026، بينما يشغل بال «حزب الله» ويقلقه أي لبنان يريد بعد انتهاء الحرب في غزة. فعدم موافقة الحزب على «الحل الغزاوي» لجنوب لبنان، ينذر بأن توسع إسرائيل حربها بمواصلة استهدافها لما تبقى من منشآته العسكرية، وعلى رأسها الأنفاق التي أقامها لتخزين ما لديه من صواريخ دقيقة، حسبما تقول إسرائيل، وللضغط على لبنان بالنار بغطاء أميركي للإسراع بتطبيق حصرية السلاح.

تصاعد الاشتباك

فالخلاف على قانون الانتخاب كان وراء تعليق اجتماعات اللجنة النيابية الفرعية المكلفة درس مشاريع اقتراحات القوانين الخاصة به، إضافة إلى المقترحات لتعديل القانون النافذ حالياً وسط تصاعد الاشتباك حول اقتراع المغتربين الذي يشكّل مادة خلافية لا يمكن حلها ما لم يتم التوافق على تسوية من شأنها أن تعيد الروح إلى اللجنة وتعبّد الطريق أمام إقرارها في جلسة نيابية، وإلا فإن التشريع سيبقى معلقاً حتى إشعار آخر.

ممر إلزامي

ومع أن جميع الكتل النيابية تتسابق بدعوتها لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها، فإن عدم التوافق على القانون من شأنه أن يهدد إنجازها بصفتها الممر الإلزامي لإعادة تكوين السلطة.

هذا في حال بقاء التصعيد الإسرائيلي تحت السيطرة بما يسمح بإتمام الاستحقاق الدستوري في موعده بلا أي تأخير. وهذا ما يصرّ عليه رئيس الجمهورية جوزيف عون، كما نقل عنه زواره، بدعوته القوى السياسية إلى عدم إضاعة الوقت والاستعداد لخوض الانتخابات، خصوصاً أن الأبواب ليست مقفلة أمام التوصل إلى تسوية تقضي باستبعاد تمثيل المغتربين وعدم السماح لهم بالاقتراع من مقر إقامتهم.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

وفي هذا السياق، أكد مصدر بارز في «الثنائي الشيعي» أنه باقٍ على موقفه بعدم الموافقة على اقتراع المغتربين لـ128 نائباً.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «نحن على استعداد للتوصل إلى تسوية شرط عدم شطب المادة 112 من القانون التي تسمح لهم بالاقتراع؛ لأن مجرد شطبها يعني، من وجهة نظرنا، أن تكافؤ الفرص يكاد يكون معدوماً ويصبّ لمصلحة منافسينا ويمنحهم حرية التحرك في دول الانتشار للترويج لمرشحيهم، بخلاف قدرتنا على التحرك في ظل إدراج (حزب الله) على لائحة الإرهاب وفرض عقوبات أميركية على عدد من قيادييه؛ ما يدعونا إلى الحفاظ على مصالح جمهورنا في الاغتراب وعدم تعريضهم إلى أي شكل من أشكال الملاحقة».

قرار نهائي

ولفت المصدر إلى أن قرار الثنائي بعدم السماح للمغتربين بالاقتراع من مقر إقامتهم على أساس الاستغناء عن مادة المقاعد الستة للمغتربين، «نهائي ولا عودة عنه»، ومن يود الاقتراع يجب عليه الحضور إلى لبنان لممارسة حقه الديمقراطي في اختيار ممثليه في البرلمان العتيد.

وقال: «نحن نخوض معركة وجود ولن نتراجع عن قرارنا؛ لأن منافسينا يخوضون معاركهم الانتخابية بالاستقواء بالخارج ومعظمهم يراهنون على تقليص نفوذنا في البرلمان ويعدّ العدّة لخرق لوائحنا بمرشحين من الطائفة الشيعية، مع أن الانتخابات ستحمل نتائج تؤدي للتجديد لشرعيتنا الشعبية».

تعليق أعمال اللجنة الفرعية

ويعترف بأن اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة اضطرت إلى تعليق اجتماعاتها ريثما تنضج الظروف السياسية التي تسمح لها باستئناف المهمة الموكلة إليها، وتتعلق بدراسة مشاريع القوانين الانتخابية، بدلاً من التركيز على مناقشة المقترحات لتعديل القانون النافذ.

ويؤكد أنها لم تتوصل إلى حد أدنى من التوافق، وهي تنتظر تدخل الكبار ومعظمهم من خارج البرلمان للتوصل إلى قواسم مشتركة يوكل إقرارها إلى الهيئة العامة في البرلمان.

ويضيف أن التوافق يؤدي حتماً إلى إخراج اجتماعات اللجنة الفرعية من المراوحة، ويعزّز الرهان بتصاعد الدخان الأبيض من قاعة الجلسات، وإلا فلا مبرر لعقد جلسة تشريعية لتكريس الانقسام حول قانون الانتخاب.

وهذا ما يتطلع إليه رئيس المجلس النيابي نبيه بري رغم تأكيده في أكثر من مناسبة بأن الانتخابات ستُجرى على أساس القانون النافذ، بما يسمح بالتلازم بين الإبقاء على المادة 112 وصرف النظر عن تمثيل الاغتراب بـ6 مقاعد.

رد بري على الأكثرية

ويؤكد المصدر أن تمسك بري بالقانون النافذ ما هو إلا رد على الأكثرية النيابية التي تطالب بشطب المادة 112 بما يسمح للمغتربين بالاقتراع من مقر إقامتهم، ويوحي بطريقة غير مباشرة بأن القانون الذي نطمح إليه يقوم على مبدأ إلغاء تمثيل المغتربين في المقاعد الستة، في مقابل صرف النظر عن اقتراعهم من مقر إقامتهم.

مراسيم تطبيقية

بدوره، يكشف مصدر سياسي أن توزيع المقاعد النيابية الخاصة بالمغتربين على القارات الست يتطلب إصدار مراسيم تطبيقية من قِبل البرلمان لتوزيعها مناصفة بين المسلمين والمسيحيين بدلاً من أن يُترك للحكومة توزيعها كونها ملحقة بالقانون، وهي في حاجة إلى تشريع تقرّه الهيئة العامة في المجلس النيابي، خصوصاً وأن آلية انتخابهم يكتنفها الغموض ولم يُعرف ما إذا كانت ستُجرى على أساس القانون النسبي بلوائح مغلقة، أو الأكثرية بفوز المرشح الذي ينال أعلى رقم من أصوات الناخبين مع الحفاظ على توزيعها الطائفي.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري مترئساً اجتماع هيئة مكتب مجلس النواب الأسبوع الماضي (رئاسة البرلمان)

ويلفت المصدر إلى أن إصدار المراسيم التطبيقية لتوزيع المقاعد يستدعي عقد جلسة تشريعية؛ ما يفتح الباب أمام الأكثرية النيابية لإسقاط تمثيل الاغتراب لمصلحة شطب المادة 112 بما يسمح للمغتربين بالاقتراع من مقر إقامتهم، وهذا يكمن، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، وراء مطالبة بري الحكومة بإصدارها لتوزيع المقاعد الـ6 مناصفة؛ لتفادي فتح الباب أمام إصرار الأكثرية النيابية على شطبها من القانون.

تشريع معلق

ويجزم المصدر بأن الحكومة ليست في وارد إصدارها بالنيابة عن البرلمان، لئلا تُكرَّس سابقة تسمح للحكومات التالية بأن تعيد النظر بتوزيعها، ما دام أن التباين لا يزال قائماً حول أي قانون ستُجرى على أساسه الانتخابات.

لذلك؛ فإن التشريع النيابي سيبقى معلقاً ولن يرى النور ما لم يتم التوافق على القانون الذي ستُجرى على أساسه الانتخابات بدلاً من إغراق اللجنة الفرعية في مناقشة اقتراحات قوانين جديدة لم يحن أوانها، وأقل ما يقال فيها بأنها تهدف إلى تمرير الوقت إفساحاً في المجال أمام اتفاق الكبار على القانون، ويُترك للبرلمان إقراره بنسخة منقحة عن القانون النافذ.


مقالات ذات صلة

الذراع المالية لـ«حزب الله» أمام القضاء اللبناني

خاص أحد مباني «القرض الحسن» بالضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

الذراع المالية لـ«حزب الله» أمام القضاء اللبناني

في خطوة تحمل أبعاداً قضائية ومالية وسياسية، أحال وزير العدل اللبناني عادل مؤسسة «القرض الحسن»، الذراع المالية لـ«حزب الله»، على النيابة العامة التمييزية

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

في مدينة النبطية… لبنانيون يتحسرون على منازلهم وأرزاقهم

بعدما علم بتوصّل طهران وواشنطن إلى اتفاق ينهي الحرب في الشرق الأوسط ويشمل لبنان، عاد كمال كمال إلى مدينته النبطية، ليفاجأ بأن تعب العمر استحال ركاماً.

«الشرق الأوسط» (النبطية)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يبكون أمس زميلاً لهم قُتل بمسيّرة في جنوب لبنان (أ.ب)

أمهات جنود إسرائيليين في رسالة للرئيس اللبناني: نرفض سياسة نتنياهو

توجهت مجموعة كبيرة من الناشطات الإسرائيليات تضم 1250 أمّاً لجنود برسالة مفتوحة للرئيس اللبناني جوزيف عون بقبول دعوته للسلام، ونبذ خيار بنيامين نتنياهو بالحرب.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)

خاص نازحو الجنوب والضاحية... بين حماسة العودة والخوف من المجهول

أعاد الاتفاق الأميركي - الإيراني فتح باب العودة أمام آلاف اللبنانيين الذين أمضوا الأشهر الماضية بين النزوح والترقب.

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

آمال وترّيث في الشرق الأوسط بعد الاتفاق الأميركي الإيراني

قوبل الاتفاق لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران الذي لم تكشف تفاصيله رسمياً بعد، الاثنين، بمزيج من التشكيك والارتياح الشعبي في أنحاء الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

عون وسلام يناقشان التحضيرات لجولة تفاوض جديدة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون وسلام يناقشان التحضيرات لجولة تفاوض جديدة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

بحث الرئيس اللبناني جوزيف عون مع رئيس الحكومة نواف سلام، اليوم الثلاثاء، التحضيرات لجولة تفاوض جديدة مع إسرائيل، مقرّر عقدها، الأسبوع المقبل، في واشنطن، وتأتي بعد الإعلان عن توصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق لإنهاء الحرب بينهما، يشمل لبنان.

ومنذ أبريل (نيسان) الماضي، انخرط لبنان تحت ضغط أميركي في محادثات مباشرة مع إسرائيل، بهدف وقف الحرب الأخيرة التي اندلعت بين «حزب الله» والدولة العبرية. وأكدت السلطات اللبنانية عزمها فصل ملف لبنان عن مفاوضات إيران، الداعمة الأبرز للحزب. لكن إعلان أن الاتفاق الأخير بين طهران وواشنطن يشمل لبنان أعاد خلط الأوراق على الساحة المحلية.

وأوردت الرئاسة اللبنانية، في بيان، أن عون وسلام بحثا «التحضيرات الجارية لانعقاد الجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية الأميركية الإسرائيلية في واشنطن، الأسبوع المقبل»، التي تنطلق في 22 يونيو (حزيران)، في خامس جولة منذ بدء المحادثات.

وعدَّ عون وسلام أن «التفاهم الأميركي الإيراني يشكل عاملاً إيجابياً على صعيد خفض التوتر في المنطقة ويدفع في اتجاه الحلول السلمية وإنهاء حالة الحرب». وأكدا، في الوقت نفسه، «ثبات الموقف اللبناني في مفاوضات واشنطن لجهة الوقف النهائي لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي تحتلّها وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية وعودة الأسرى اللبنانيين وإطلاق مَسيرة الإعمار».

ويتمسك لبنان، منذ البدء، بالمحادثات المباشرة مع إسرائيل، بجملة مطالب أبرزها الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية التي توغّلت إليها خلال الحرب.

ولم يأتِ التفاهم المعلَن بين واشنطن وطهران على ذكر هذه المسألة، وفق البنود المسرَّبة منه، لكن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال، اليوم، إن إنهاء الحرب لن يكتمل «دون انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في هذه الحرب».

وأضاف، خلال اجتماع مع دبلوماسيين أجانب بثّه التلفزيون الرسمي: «أي هجوم عسكري من قِبل الكيان الصهيوني على لبنان من الآن فصاعداً، واستمرار احتلال الأراضي اللبنانية من الآن فصاعداً، سيُعدّ انتهاكاً لمذكرة التفاهم، من وجهة نظرنا».

وشكر «حزب الله» داعِمته طهران، أمس، لإصرارها على أن يكون لبنان مشمولاً بالاتفاق مع واشنطن، ورأى أنه «من الحكمة مراجعة كل الحسابات والمسارات التي سارت عليها السلطة، والإقرار بأن الموقف اللبناني الموحد والاعتماد على الأصدقاء الحقيقيين هو السبيل المثلى لصون المصالح الوطنية».

وكرر «الحزب»، الذي رفض قرار الحكومة بنزع سلاحه، مطالبة السلطات اللبنانية بالانسحاب من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

واندلعت الحرب في لبنان بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل رداً على مقتل المرشد علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، وردّت إسرائيل بحملة واسعة من الغارات الجوية واجتياح بري.

ورغم إعلان واشنطن التوصل لوقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل منذ 17 أبريل، تبادل الطرفان الاتهامات بخرْقه، وواصلت إسرائيل شنّ غارات واسعة النطاق طالت أيضاً ضاحية بيروت الجنوبية؛ مَعقل «حزب الله».

وبعد الإعلان عن التفاهم بين واشنطن وطهران، تراجعت وتيرة الهجمات والعمليات العسكرية بين «حزب الله» وإسرائيل التي لا تزال تحتل مساحات من الجنوب اللبناني، رغم خروق وقف إطلاق النار بين الحين والآخر.


الذراع المالية لـ«حزب الله» أمام القضاء اللبناني

أحد مباني «القرض الحسن» بالضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
أحد مباني «القرض الحسن» بالضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

الذراع المالية لـ«حزب الله» أمام القضاء اللبناني

أحد مباني «القرض الحسن» بالضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
أحد مباني «القرض الحسن» بالضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

في خطوة تحمل أبعاداً قضائية ومالية وسياسية، أحال وزير العدل اللبناني عادل مؤسسة «القرض الحسن»، الذراع المالية لـ«حزب الله»، على النيابة العامة التمييزية، طالباً فتح تحقيق في أنشطتها المالية، في إجراء يعيد الصراع مجدداً بين الحزب ومؤسسات الدولة حول العمليات المالية الموازية للنظام المصرفي اللبناني ومدى التزامها بالقوانين والأنظمة النافذة.

وزير العدل اللبناني عادل نصار (الوكالة الوطنية للإعلام)

وتأتي هذه الإحالة في وقت يشهد فيه لبنان ضغوطاً دولية متزايدة تتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، فضلاً عن مطالبات متكررة بإخضاع جميع الأنشطة المالية والائتمانية للرقابة الرسمية التي يمارسها مصرف لبنان والهيئات الرقابية المختصة.

وأوضح وزير العدل عادل نصّار أن هذا الإجراء «جاء بناءً على دراسة أجرتها الوزارة، وقد تكوّنت لدينا قناعة وأسبابٌ أفضت إلى وضع القضية بعهدة النيابة العامة التي ستقوم بالإجراءات اللازمة». وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «جرى العمل على أكثر من موضوع، ووجدنا أسباباً كافية للإحالة»، مشيراً إلى أن مسألة «وجود جُرم من عدمه يعود للنيابة العامة التمييزية التي ستتحرك وتتخذ ما تراه مناسباً». وقال: «دور الوزارة يقتصر على الإحالة عندما تتوافر المعطيات التي تستدعي التحقيق».

دور داخلي... لا مطالب خارجية

وتخضع مؤسسة «القرض الحسن» منذ سنوات لعقوبات تفرضها وزارة الخزانة الأميركية، وتتهمها بتقديم خدمات مالية داعمة للحزب وأنشطته غير الشرعية، كما أن عمل هذه المؤسسة لا يحظى باعتراف أو ترخيص من السلطات المصرفية اللبنانية، في حين سبق لمصرف لبنان أن أصدر تعاميم تؤكد حظر تعامل المصارف والمؤسسات المالية المرخصة معها.

إسرائيل تستهدف «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت أكتوبر 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

وعما إذا جاء التحرك بناءً على مراسلة من جهة خارجية، شدد وزير العدل اللبناني على أن الأمر «مرتبط بدور محدد قامت به الوزارة وليس نتيجة أي مراجعة أو طلب خارجي». وأضاف: «هذا الإجراء لا يقتصر على مؤسسة (القرض الحسن) فقط، بل يشمل مؤسسات أخرى، من بينها شركة (جود)». ولفت إلى أن الوزارة «أجرت دراسة داخلية للملف وتبيّن لها وجود نقاط وعلامات استفهام حول طبيعة النشاط الذي تمارسه هذه الجهات، وما قد يتفرع عنه من أعمال مالية». وشدّد نصار على أن التحقيق القضائي «سيحدّد ما إذا كانت هذه الأنشطة تشكل مخالفات أو جرائم تستدعي الملاحقة، وهذه مسألة يحدّدها القضاء بكل استقلالية، وليس أي مرجع آخر بما فيه وزارة العدل».

تحقيقات ودراسة الملف

وتتجه الأنظار إلى مسار الإجراءات القضائية وما إذا كانت ستفضي إلى قرارات عملية أو تدابير قانونية بحق المؤسسة أو القائمين عليها. وأوضح مصدر قضائي، أن النائب العام التمييزي القاضي رامي الحاج، «استلم، الاثنين، إحالة وزير العدل ويعكف على دراستها، قبل أن يحدد مواعيد لجلسات التحقيق بشأنها». ورجّح أن يكون التحقيق «متشعباً». وقال المصدر القضائي لـ«الشرق الأوسط»: «هناك جزء منه ربما يدخل ضمن اختصاص الأمن العام، وجزء آخر ضمن اختصاص وزارة الداخلية، للتثبت مما إذا كان ترخيص جمعية (القرض الحسن) لا يزال قائماً أم أنه مجمّد»، مشيراً إلى أنه «في حال ثبوت وجود مخالفات مالية، فإن جزءاً من هذا التحقيق سيعود إلى مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة، لمعرفة مصدر الأموال».

ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها اختبار مهم لمدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الرقابية على مختلف المؤسسات المالية العاملة على أراضيها، خصوصاً في ظل الانهيار المالي الذي أصاب القطاع المصرفي التقليدي منذ عام 2019، وما رافقه من توسع في دور شبكات مالية بديلة، لا سيما مؤسسة «القرض الحسن» الذي تمكن الحزب عبرها من الالتفاف على العقوبات الأميركية، والتي تحولّت نظاماً مصرفياً قائماً، يلبي متطلبات الحزب وبيئته، وحصول الآلاف من أبنائها على قروض مقابل رهن مجوهرات وعقارات.

صورة متداولة في مواقع التواصل الاجتماعي لصراف آلي لـ«القرض الحسن» تم تثبيته في 2018 بالضاحية (أرشيفية)

وقف الصرّاف الآلي والتحويلات

في المقابل، من المتوقع أن يثير الملف جدالاً سياسياً واسعاً، ويستدعي هجوماً معاكساً من الحزب، الذي ينظر إلى الضغوط المتزايدة على هذه المؤسسة، على أنها امتداد لمسار العقوبات والحصار المالي المفروض عليه وعلى بيئته منذ سنوات، خصوصاً في مرحلة الحرب، وتقديم مساعدات لشريحة واسعة من للمهجرين من أبناء الجنوب والضاحية والبقاع.

وتوقع المصدر القضائي أن «يتعاون (حزب الله) مع القضاء في هذه الملفّ، ويقدم ما لديه من أدلة لإثبات أن المؤسسة لا تقوم بأي عمل غير مشروع»، مشيراً إلى أن وفداً من نواب «حزب الله» زار النائب العام التمييزي قبل أسبوعين «وتعهد بوقف العمل بأجهزة الصراف الآلي التابع للمؤسسة، أو إجراء تحويلات وعمليات إيداع تتعارض مع الترخيص الممنوح للمؤسسة».


المحكمة العليا الإسرائيلية ترفض الإفراج عن الطبيب حسام أبو صفية

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
TT

المحكمة العليا الإسرائيلية ترفض الإفراج عن الطبيب حسام أبو صفية

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)

رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية، الثلاثاء، طلباً لإطلاق سراح الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية المحتجز دون تهمة منذ اعتقاله بغزة في أواخر 2024.

أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان وهو من بين 14 طبيباً على الأقل من غزة تحتجزهم إسرائيل دون تهمة منذ أكثر من عام.

وقال ناجي عباس، مدير قسم الأسرى والمعتقلين في منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل» لوكالة «رويترز» للأنباء، الثلاثاء، إن المحكمة استندت في قرارها إلى «مواد سرية» لم يتم إطلاع أبو صفية أو محاميه عليها. وأحجم متحدث باسم المحكمة العليا عن التعليق.

وقال عباس في بيان: «الرسالة التي يبعث بها هذا القرار واضحة لا لبس فيها، وهي أنه يمكن حرمان طبيب من حريته إلى أجل غير مسمى دون توجيه تهمة إليه، ودون أن تقدم السلطات أدلة ضده في جلسة مفتوحة».

ويقول محامي أبو صفية ومنظمات حقوق الإنسان إن الطبيب محروم من الطعام الكافي ويتعرض لاعتداءات في السجن. ونفت مصلحة السجون الإسرائيلية هذه الاتهامات.

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (أ.ب)

وظهر أبو صفية عبر اتصال بالفيديو في جلسة أمام المحكمة العليا في القدس، الأربعاء الماضي، وبدا فاقداً للوزن بشكل ملحوظ.

وقالت منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل» إن أبو صفية محتجز في العزل الانفرادي منذ 13 يوماً.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن أبو صفية ينتمي إلى حركة «حماس»، دون تقديم أدلة على ذلك. ونفت وزارة الصحة في غزة وحركة «حماس» هذه الادعاءات.

وكان أبو صفية من بين الأطباء الذين رفضوا ترك العشرات من الأطفال حديثي الولادة الذين كانوا يعالجونهم بعد أن أمرهم الجيش الإسرائيلي بالمغادرة في 2023.