لبنان: قانون الانتخاب أمام تسوية تلغي تمثيل المغتربين واقتراعهم من الخارج

«ما بعد غزة» يشغل بال «حزب الله»

البرلمان اللبناني منعقداً في جلسة عامة الأسبوع الماضي (إعلام مجلس النواب)
البرلمان اللبناني منعقداً في جلسة عامة الأسبوع الماضي (إعلام مجلس النواب)
TT

لبنان: قانون الانتخاب أمام تسوية تلغي تمثيل المغتربين واقتراعهم من الخارج

البرلمان اللبناني منعقداً في جلسة عامة الأسبوع الماضي (إعلام مجلس النواب)
البرلمان اللبناني منعقداً في جلسة عامة الأسبوع الماضي (إعلام مجلس النواب)

لا يزال الحراك الانتخابي في لبنان خجولاً في ظل تصاعد وتيرة الاشتباك السياسي بين «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) و«التيار الوطني الحر»، وبين الأكثرية النيابية حول اقتراع اللبنانيين المقيمين في دول الانتشار.

وهذا ما يؤخر التوافق على قانون الانتخاب الذي ستُجرى على أساسه الانتخابات النيابية في ربيع 2026، بينما يشغل بال «حزب الله» ويقلقه أي لبنان يريد بعد انتهاء الحرب في غزة. فعدم موافقة الحزب على «الحل الغزاوي» لجنوب لبنان، ينذر بأن توسع إسرائيل حربها بمواصلة استهدافها لما تبقى من منشآته العسكرية، وعلى رأسها الأنفاق التي أقامها لتخزين ما لديه من صواريخ دقيقة، حسبما تقول إسرائيل، وللضغط على لبنان بالنار بغطاء أميركي للإسراع بتطبيق حصرية السلاح.

تصاعد الاشتباك

فالخلاف على قانون الانتخاب كان وراء تعليق اجتماعات اللجنة النيابية الفرعية المكلفة درس مشاريع اقتراحات القوانين الخاصة به، إضافة إلى المقترحات لتعديل القانون النافذ حالياً وسط تصاعد الاشتباك حول اقتراع المغتربين الذي يشكّل مادة خلافية لا يمكن حلها ما لم يتم التوافق على تسوية من شأنها أن تعيد الروح إلى اللجنة وتعبّد الطريق أمام إقرارها في جلسة نيابية، وإلا فإن التشريع سيبقى معلقاً حتى إشعار آخر.

ممر إلزامي

ومع أن جميع الكتل النيابية تتسابق بدعوتها لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها، فإن عدم التوافق على القانون من شأنه أن يهدد إنجازها بصفتها الممر الإلزامي لإعادة تكوين السلطة.

هذا في حال بقاء التصعيد الإسرائيلي تحت السيطرة بما يسمح بإتمام الاستحقاق الدستوري في موعده بلا أي تأخير. وهذا ما يصرّ عليه رئيس الجمهورية جوزيف عون، كما نقل عنه زواره، بدعوته القوى السياسية إلى عدم إضاعة الوقت والاستعداد لخوض الانتخابات، خصوصاً أن الأبواب ليست مقفلة أمام التوصل إلى تسوية تقضي باستبعاد تمثيل المغتربين وعدم السماح لهم بالاقتراع من مقر إقامتهم.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

وفي هذا السياق، أكد مصدر بارز في «الثنائي الشيعي» أنه باقٍ على موقفه بعدم الموافقة على اقتراع المغتربين لـ128 نائباً.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «نحن على استعداد للتوصل إلى تسوية شرط عدم شطب المادة 112 من القانون التي تسمح لهم بالاقتراع؛ لأن مجرد شطبها يعني، من وجهة نظرنا، أن تكافؤ الفرص يكاد يكون معدوماً ويصبّ لمصلحة منافسينا ويمنحهم حرية التحرك في دول الانتشار للترويج لمرشحيهم، بخلاف قدرتنا على التحرك في ظل إدراج (حزب الله) على لائحة الإرهاب وفرض عقوبات أميركية على عدد من قيادييه؛ ما يدعونا إلى الحفاظ على مصالح جمهورنا في الاغتراب وعدم تعريضهم إلى أي شكل من أشكال الملاحقة».

قرار نهائي

ولفت المصدر إلى أن قرار الثنائي بعدم السماح للمغتربين بالاقتراع من مقر إقامتهم على أساس الاستغناء عن مادة المقاعد الستة للمغتربين، «نهائي ولا عودة عنه»، ومن يود الاقتراع يجب عليه الحضور إلى لبنان لممارسة حقه الديمقراطي في اختيار ممثليه في البرلمان العتيد.

وقال: «نحن نخوض معركة وجود ولن نتراجع عن قرارنا؛ لأن منافسينا يخوضون معاركهم الانتخابية بالاستقواء بالخارج ومعظمهم يراهنون على تقليص نفوذنا في البرلمان ويعدّ العدّة لخرق لوائحنا بمرشحين من الطائفة الشيعية، مع أن الانتخابات ستحمل نتائج تؤدي للتجديد لشرعيتنا الشعبية».

تعليق أعمال اللجنة الفرعية

ويعترف بأن اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة اضطرت إلى تعليق اجتماعاتها ريثما تنضج الظروف السياسية التي تسمح لها باستئناف المهمة الموكلة إليها، وتتعلق بدراسة مشاريع القوانين الانتخابية، بدلاً من التركيز على مناقشة المقترحات لتعديل القانون النافذ.

ويؤكد أنها لم تتوصل إلى حد أدنى من التوافق، وهي تنتظر تدخل الكبار ومعظمهم من خارج البرلمان للتوصل إلى قواسم مشتركة يوكل إقرارها إلى الهيئة العامة في البرلمان.

ويضيف أن التوافق يؤدي حتماً إلى إخراج اجتماعات اللجنة الفرعية من المراوحة، ويعزّز الرهان بتصاعد الدخان الأبيض من قاعة الجلسات، وإلا فلا مبرر لعقد جلسة تشريعية لتكريس الانقسام حول قانون الانتخاب.

وهذا ما يتطلع إليه رئيس المجلس النيابي نبيه بري رغم تأكيده في أكثر من مناسبة بأن الانتخابات ستُجرى على أساس القانون النافذ، بما يسمح بالتلازم بين الإبقاء على المادة 112 وصرف النظر عن تمثيل الاغتراب بـ6 مقاعد.

رد بري على الأكثرية

ويؤكد المصدر أن تمسك بري بالقانون النافذ ما هو إلا رد على الأكثرية النيابية التي تطالب بشطب المادة 112 بما يسمح للمغتربين بالاقتراع من مقر إقامتهم، ويوحي بطريقة غير مباشرة بأن القانون الذي نطمح إليه يقوم على مبدأ إلغاء تمثيل المغتربين في المقاعد الستة، في مقابل صرف النظر عن اقتراعهم من مقر إقامتهم.

مراسيم تطبيقية

بدوره، يكشف مصدر سياسي أن توزيع المقاعد النيابية الخاصة بالمغتربين على القارات الست يتطلب إصدار مراسيم تطبيقية من قِبل البرلمان لتوزيعها مناصفة بين المسلمين والمسيحيين بدلاً من أن يُترك للحكومة توزيعها كونها ملحقة بالقانون، وهي في حاجة إلى تشريع تقرّه الهيئة العامة في المجلس النيابي، خصوصاً وأن آلية انتخابهم يكتنفها الغموض ولم يُعرف ما إذا كانت ستُجرى على أساس القانون النسبي بلوائح مغلقة، أو الأكثرية بفوز المرشح الذي ينال أعلى رقم من أصوات الناخبين مع الحفاظ على توزيعها الطائفي.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري مترئساً اجتماع هيئة مكتب مجلس النواب الأسبوع الماضي (رئاسة البرلمان)

ويلفت المصدر إلى أن إصدار المراسيم التطبيقية لتوزيع المقاعد يستدعي عقد جلسة تشريعية؛ ما يفتح الباب أمام الأكثرية النيابية لإسقاط تمثيل الاغتراب لمصلحة شطب المادة 112 بما يسمح للمغتربين بالاقتراع من مقر إقامتهم، وهذا يكمن، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، وراء مطالبة بري الحكومة بإصدارها لتوزيع المقاعد الـ6 مناصفة؛ لتفادي فتح الباب أمام إصرار الأكثرية النيابية على شطبها من القانون.

تشريع معلق

ويجزم المصدر بأن الحكومة ليست في وارد إصدارها بالنيابة عن البرلمان، لئلا تُكرَّس سابقة تسمح للحكومات التالية بأن تعيد النظر بتوزيعها، ما دام أن التباين لا يزال قائماً حول أي قانون ستُجرى على أساسه الانتخابات.

لذلك؛ فإن التشريع النيابي سيبقى معلقاً ولن يرى النور ما لم يتم التوافق على القانون الذي ستُجرى على أساسه الانتخابات بدلاً من إغراق اللجنة الفرعية في مناقشة اقتراحات قوانين جديدة لم يحن أوانها، وأقل ما يقال فيها بأنها تهدف إلى تمرير الوقت إفساحاً في المجال أمام اتفاق الكبار على القانون، ويُترك للبرلمان إقراره بنسخة منقحة عن القانون النافذ.


مقالات ذات صلة

المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)

المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً، والدول الأوروبية المنددة تتضامن مع لبنان، ولكن من غير إجراءات عملية تردع تل أبيب.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)

استباحة إسرائيل لبيروت تُسقط الطمأنة الإيرانية إلى شمول لبنان بالاتفاق

سرعان ما استباحت إسرائيل دماء اللبنانيين، في يوم دموي غير مسبوق شهده لبنان لإسقاط تعهد إيران بشموله بالاتفاق الذي توصلت إليه مع الولايات المتحدة الأميركية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

نتنياهو يعطي «الضوء الأخضر» لمفاوضات مع لبنان

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أنه أعطى توجيهاته للبدء بمفاوضات مباشرة مع لبنان «في أقرب وقت ممكن»، ورحّب بدعوة من رئيس الوزراء اللبناني…

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو داخل قصر الإليزيه عقب اجتماع مجلس الوزراء بباريس 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ) p-circle

فرنسا تلمّح لإمكان تعليق الاتفاق الأوروبي مع إسرائيل بسبب ضرباتها «غير المتناسبة» في لبنان

لمّحت فرنسا، الخميس، إلى أن إعادة طرح مسألة تعليق الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل ممكنة بعد الضربات «غير المتناسبة» التي تنفذها في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتوغل في بنت جبيل... ويوسع نطاق المجازر بلبنان

توغّل الجيش الإسرائيلي، للمرة الأولى، في وسط مدينة بنت جبيل حيث اندلعت اشتباكات «من مسافة صفر» بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي «حزب الله».

نذير رضا (بيروت)

المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
TT

المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)

جاء الردّ على المساعي التي تبذلها فرنسا لحماية لبنان من الضربات الإسرائيلية القاتلة سريعاً، وذلك على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أعلن الخميس أن إسرائيل تستهدف «(حزب الله) في كل مكان يكون ذلك ضرورياً». وجاء في تغريدة له على منصة «إكس»، الخميس، ما حرفيته: «رسالتنا واضحة: كل من يستهدف المدنيين الإسرائيليين سيتعرض للضرب. سنواصل ضرب (حزب الله) في كل مكان يكون ذلك ضرورياً، حتى نتمكن من استعادة الأمن بشكل كامل لسكان شمال إسرائيل». مضيفاً: «سنواصل ضرب (حزب الله) بقوة ودقة وعزم».

وجاء كلام نتنياهو بعد الاتصال الذي جرى الأربعاء بين الرئيس إيمانويل ماكرون، ونظيره اللبناني جوزيف عون، الذي كشف أن الأول أبلغه باستعداد باريس لتشغيل أدواتها الدبلوماسية حتى يكون لبنان مشمولاً باتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية بالدرجة الأولى.

مساعي ماكرون

ولتنفيذ وعده، اتصل ماكرون الأربعاء بالرئيسين الأميركي دونالد ترمب، والإيراني مسعود بزشكيان، للدفع باتجاه ضم لبنان إلى الاتفاق المذكور، بعد النهار الأسود الذي شهد مقتل ما يزيد عن 200 شخص، وجرح عدة مئات. ولم يكشف قصر الإليزيه أي تفاصيل عن الاتصالين. إلا أنه فُهم من مصادر متابعة في باريس أن الغرض كان مزدوجاً: الأول، التعرف على المضمون «الحقيقي» لاتفاق وقف النار لأسبوعين، والثاني حضّ ترمب على الضغط على إسرائيل لوضع حدّ لهجماتها الأعنف على لبنان، وخصوصاً على العاصمة بيروت.

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس متحدثاً للصحافة قبل مغادرته بودابست العاصمة المجرية وأكد أن لبنان ليس مشمولاً باتفاق وقف القتال مع إيران (أ.ب)

أما اتصال ماكرون ببزشكيان، وهو الوحيد بين القادة الغربيين، الذي لم يقطع التواصل معه، فلاستكناه المقاربة الإيرانية للمرحلة الراهنة، وطلب منه العمل لدى «حزب الله» لتهدئة الوضع. وشدّد بزشكيان، في سياق موازٍ، على أن لبنان جاء مشمولاً بوقف النار، ما يعدّ أحد «الشروط الأساسية لخطة النقاط العشر» التي قدّمتها إيران، وتتمسك بها وبقراءتها لها.

بيد أن التجاوب مع مساعي ماكرون جاء سلبياً، ولم يحمل من الجانب الأميركي أي تشجيع. وجاء الردّ من خلال تصريحات لترمب شخصياً، وأيضاً لنائبه جيه دي فانس، وكلاهما أكد أن الاتفاق مع إيران لا يشمل لبنان، وهو ما شدّدت عليه الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، الأربعاء، في مؤتمرها الصحافي.

ونبّه فانس، من بودابست، التي كان في زيارة لها، أنه «إذا أرادت إيران أن تدع هذه المفاوضات تنهار بسبب لبنان الذي لا علاقة له بها، والذي لم تقل الولايات المتحدة يوماً إنه جزء من وقف إطلاق النار، فهذا في النهاية خيارها». مضيفاً أنه «لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل قالتا إن هذا سيكون جزءاً من وقف إطلاق النار... ما قلناه هو أن وقف إطلاق النار سيركز على إيران وعلى حلفاء أميركا، سواء إسرائيل أو دول الخليج العربية». ومن المرجح أن يترأس فانس الوفد الأميركي إلى المفاوضات في إسلام آباد نهاية الأسبوع الحالي.

خيبة فرنسية من واشنطن

ما سبق يفسر الخيبة الفرنسية من الطرف الأميركي. فباريس تشكو من أن كافة الجهود المضاعفة التي بذلتها لدفع واشنطن حتى تلجم اليد الإسرائيلية في لبنان لم تجدِ نفعاً. وما فهمه دبلوماسيّوها أن ضوءاً أخضر أعطي لإسرائيل لتتابع هجماتها على «حزب الله»، وأنها غير مستعدة للضغط عليها في الوقت الحاضر.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجينا ميلوني متحدثة إلى النواب في البرلمان في جلسته ليوم الخميس (أ.ب)

لكن مصادر سياسية غير حكومية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل تريد الاستفادة من «الوقت الضائع» لإنزال أكبر الخسائر بـ«حزب الله»، قبل أن تشتد الضغوط عليها، وإن نتنياهو الذي واجه انتقادات عنيفة في إسرائيل بسبب الاتفاق بين واشنطن وطهران يريد «التعويض» عن خيبته الأميركية بمضاعفة استهداف «حزب الله» غير عابئ بمن يسقط من الضحايا. ومن جانب آخر، لا يأمل الجانب الفرنسي، رغم الجهود التي يبذلها لـ«ترطيب» علاقاته بإسرائيل، أن تستجيب تل أبيب لما يطلبه منها. فالاتصالات بين ماكرون ونتنياهو مقطوعة، والزيارة التي قام بها وزير الخارجية جان نويل بارو إلى إسرائيل يوم 20 مارس (آذار) الماضي، عقب حلوله في بيروت، لم تفضِ لأي نتيجة إيجابية بخصوص الترويج لخطة فرنسية مفصلة تفضي إلى إطلاق محادثات سياسية مباشرة ورفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، هدفها المعلن إنهاء حال الحرب بين البلدين.

ثمة حجة منطقية ورئيسية ترفعها باريس لإقناع الرافضين بضمّ لبنان إلى اتفاق وقف النار، وكتب ماكرون في تغريدة على منصة «إكس»: «أعربت عن أملي في أن تحترم جميع الأطراف المتحاربة وقف إطلاق النار بشكل كامل، على كل جبهات الحرب، بما في ذلك لبنان. وهذا شرط أساسي لكي يكون وقف إطلاق النار مستداماً». وبنظره، فإن هذا الاتفاق «يجب أن يمهد الطريق لمفاوضات شاملة لضمان سلامة الجميع في الشرق الأوسط».

ومن جانب آخر، عاد ماكرون للمطالبة بتفعيل آلية الرقابة على اتفاق وقف النار (الميكانيزم) لخريف عام 2024. داعياً، في كلمة له بمناسبة اجتماع لمجلس الدفاع والأمن في قصر الإليزيه، إلى «تعزيز دعم القوات المسلحة اللبنانية» لتصبح قادرة على «استعادة السيطرة على أراضيها والتصدي لـ(حزب الله) بشكل فاعل».

رئيس الأركان الفرنسي الجنرال فنسنت جيرو سال إلى اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ف.ب)

إجماع أوروبي ولكن...

في اليومين الأخيرين، كان لبنان الشغل الشاغل للمسؤولين الفرنسيين الذين يرون أن الوضع في لبنان «خطير للغاية». ونقطة الانطلاق في القراءة الفرنسية أن «حزب الله»، كما قال ماكرون ووزيرا الخارجية والدفاع «ارتكب خطأ استراتيجياً عندما هاجم إسرائيل (في 2 مارس الماضي) وجرّ لبنان إلى أزمة إقليمية».

وقال جان نويل بارو، وزير الخارجية صباحاً في حديث لإذاعة «فرانس أنتير» إنه «ليس من مصلحة إسرائيل قصف لبنان»، معتبراً أن الضربات الإسرائيلية «لا يمكن قبولها»، وأن باريس «تدينها بشدة». ورمى الوزير الفرنسي المسؤولية على «حزب الله» الذي «أشعل فتيل النزاع» في بداية مارس، داعياً إيران لأن «تتوقّف عن ترهيب إسرائيل بواسطة (حزب الله) الذي ينبغي له بصورة ملحّة أن يلقي السلاح ويسلّمه إلى الدولة اللبنانية». وبنظره، فإن لبنان «تحول إلى كبش فداء» في نزاع لم يختره.

ومن جانبها، وصفت كاترن فوتران، وزيرة الدفاع، يوم الأربعاء بـ«المأساوي»، وأن هدف باريس من توفير الدعم العسكري للبنان «مساعدة جيشه للتخلص من (حزب الله)». وقالت أليس روفو، الوزيرة المنتدبة لدى وزارة الدفاع، التي زارت لبنان نهاية مارس، إن باريس «تقوم بما يتوجب القيام به في هذه المرحلة» لجهة الوقوف إلى جانب لبنان، مشيرة إلى أن ما حصل في لبنان مؤخراً «أمر لا يمكن القبول به». ورأى بارو أن «(حزب الله) يتحمل مسؤولية إدخال لبنان إلى النزاع».

ما تدعو إليه باريس تتشارك به مع الدول الأوروبية الأخرى، مع تنويعات بسيطة. فالأوروبيون مجمعون على ضرورة أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان. وكايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، حثّت إسرائيل على وقف غاراتها على لبنان، محذرة من أنها تهدد الاتفاق الأخير. وهو حال جيورجينا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، التي دعت إسرائيل إلى وضع حدّ لعملياتها العسكرية في لبنان. وطالبت إيفيتكوبر، وزيرة الخارجية البريطانية، الخميس، في حديث تلفزيوني، بأن «يمدد وقف إطلاق النار» ليشمل لبنان، معبرة عن «قلق بالغ» إزاء الهجمات الإسرائيلية. وانفردت ألمانيا عن بقية الأوروبيين بدعوتها إسرائيل إلى حصر عملياتها العسكرية «في إطار الدفاع عن النفس... وعدم تجاوز هذا الحدّ».

يقول مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إنه طالما بقي الحراك الأوروبي محصوراً ببيانات المؤاساة والتنديد، ولم يصل أبداً إلى اتخاذ قرارات تنفيذية وجريئة بحقّ إسرائيل، مثل وقف العمل باتفاقية الشراكة التي تربط الطرفين، فإن كلمة أوروبا تبقى بلا وزن وعديمة التأثير، وهو حالها منذ عشرات السنوات.


مسعفون: مقتل تلميذة بنيران إسرائيلية في غزة

أطفال فلسطينيون من عائلات نازحة يتجمعون في ساحة مدرسة دير البلح المشتركة التابعة لوكالة «الأونروا» غرب دير البلح وسط قطاع غزة لتلقي بعض الدروس (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون من عائلات نازحة يتجمعون في ساحة مدرسة دير البلح المشتركة التابعة لوكالة «الأونروا» غرب دير البلح وسط قطاع غزة لتلقي بعض الدروس (أ.ف.ب)
TT

مسعفون: مقتل تلميذة بنيران إسرائيلية في غزة

أطفال فلسطينيون من عائلات نازحة يتجمعون في ساحة مدرسة دير البلح المشتركة التابعة لوكالة «الأونروا» غرب دير البلح وسط قطاع غزة لتلقي بعض الدروس (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون من عائلات نازحة يتجمعون في ساحة مدرسة دير البلح المشتركة التابعة لوكالة «الأونروا» غرب دير البلح وسط قطاع غزة لتلقي بعض الدروس (أ.ف.ب)

قال مسؤولون في مجالي الصحة والتعليم في قطاع غزة اليوم الخميس إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على تلميذة، وقتلتها أثناء حضورها فصلاً دراسياً في خيمة ببيت لاهيا في شمال القطاع.

وذكرت وزارة التربية والتعليم العالي في القطاع في بيان: «جريمة جديدة تضاف إلى سجل أسود طويل من الوحشية، إذ أقدمت قوات الاحتلال اليوم على ارتكاب جريمة دموية بشعة ومروعة أودت بحياة الطفلة ريتاج عبد الرؤوف ريحان الطالبة في الصف الثالث بمدرسة أبو عبيدة بن الجراح وهي جالسة داخل فصلها الدراسي، وأمام زميلاتها اللواتي شهدن مقتلها ما تسبب لهن بصدمة نفسية قوية».

أطفال فلسطينيون في طريقهم لمدرسة في دير البلح بوسط قطاع غزة وسط موجة أمطار (أ.ف.ب)

وفي وقت لاحق من اليوم، قال مسؤولون في قطاع الصحة إن ثلاثة فلسطينيين آخرين قتلوا في غارتين جويتين منفصلتين بشمال قطاع غزة، وجنوبه، ليرتفع بذلك عدد القتلى اليوم إلى ما لا يقل عن أربعة.

وأفاد مسعفون بأن غارة جوية إسرائيلية قرب مستشفى في جباليا بشمال القطاع أدت إلى مقتل شخصين على الأقل، بينما أودت غارة أخرى بحياة شخص واحد في خان يونس بجنوب القطاع.

ورغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار منذ أكتوبر (تشرين الأول)، لا تزال إسرائيل تحتل أكثر من نصف قطاع غزة. وسويت جميع المباني تقريباً في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل بالأرض، مما أجبر السكان على النزوح.

وهذا يعني أن جميع سكان غزة تقريباً، والبالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة، محصورون في نحو ثلث مساحة قطاع غزة، معظمهم في خيام مؤقتة، ومبانٍ متضررة، حيث استؤنفت الحياة تحت سيطرة إدارة تقودها حركة «حماس».

ويحضر أطفال قطاع غزة النازحون فصولاً دراسية يقدمها معلمون متطوعون في خيام مكتظة في بعض المناطق، ويحرصون على مواصلة تعليمهم رغم الدمار واسع النطاق الذي لحق بالمدارس.

لكن هذه الفصول الدراسية المؤقتة تواجه تحديات عصيبة، منها سوء الأحوال الجوية، ونقص الموارد، والمخاطر الأمنية القائمة.

فلسطينيون نزحوا جراء الهجوم العسكري الإسرائيلي إلى مدرسة تابعة لوكالة الأونروا في خان يونس جنوب قطاع غزة 19 أغسطس 2025 (رويترز)

وقتل أكثر من 700 فلسطيني منذ دخول اتفاق أكتوبر حيز التنفيذ، بينما قتل مسلحون ثلاثة جنود إسرائيليين. ويقول الفلسطينيون إن القوات الإسرائيلية تنقل بعض الكتل الأسمنتية الصفراء غرباً متوغلة في المناطق غير المحتلة. وتنفي إسرائيل ذلك.

وتشير الكتل إلى «الخط الأصفر» الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية بموجب الهدنة الحالية.

وتقول وزارة الصحة في قطاع غزة إن الحملة العسكرية الإسرائيلية على القطاع أدت إلى مقتل أكثر من 71 ألفاً. واندلعت الحرب إثر هجوم شنته حركة «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023.

وتشير إحصاءات إسرائيلية إلى أن ذلك الهجوم أدى إلى مقتل نحو 1200.


استباحة إسرائيل لبيروت تُسقط الطمأنة الإيرانية إلى شمول لبنان بالاتفاق

امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)
امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)
TT

استباحة إسرائيل لبيروت تُسقط الطمأنة الإيرانية إلى شمول لبنان بالاتفاق

امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)
امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)

سرعان ما استباحت إسرائيل دماء اللبنانيين في يوم دموي غير مسبوق شهده لبنان لإسقاط تعهد إيران بشموله بالاتفاق الذي توصلت إليه مع الولايات المتحدة الأميركية على وقف النار لمدة 15 يوماً، على أن يتلازم مع إعادة فتحها مضيق هرمز أمام ناقلات النفط من دون أن ترد حتى الساعة على العدوان الإسرائيلي، مما شكَّل إحراجاً لها، بخلاف ما كان قد أبلغه وزير خارجيتها عباس عراقجي لرئيس المجلس النيابي نبيه بري ولقيادة «حزب الله» بأن توصلها لاتفاق سينسحب تلقائياً على الداخل اللبناني، وإلا فلن يلقى تأييداً منها.

في المقابل، فإن لبنان الرسمي، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، هو أول من رحب بالاتفاق وطالب بأن تشمل الهدنة لبنان، على أن تتولى الحكومة التفاوض مع إسرائيل، وهذا ما يدعوه للتحرك دولياً وعربياً لأن يكون مشمولاً بها وألا تُعطى الورقة اللبنانية لإيران للإنابة عنه للتفاوض على وقف النار، خصوصاً أنه دفع تكلفة غالية على كل المستويات من جراء فرض سطوتها على القرار اللبناني من خلال «حزب الله».

وعليه فإيران التي تتحضر لبدء التفاوض مع الولايات المتحدة تقف أمام خيارين لا ثالث لهما للدفاع عن تعهدها بشمول لبنان بالهدنة؛ إما أن تضغط عليها لإلزامها به وإما أن تهدد بالانسحاب من المفاوضات مع إعادة إغلاقها مضيق هرمز، وإلا ماذا ستقول لـ«حزب الله»؟ وكيف ستتعاطى مع تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن لبنان ليس مشمولاً بوقف النار، ومع تمادي رئيس وزراء إسرائيل في عدوانه بإغراق بيروت في بحر من الدماء لتمرير رسالة بأنه ليس معنياً بشمول لبنان بوقف النار.

البنود خاضعة للتفاوض

في هذا السياق، قال المصدر إنه يخشى أن يكون ترمب قد استدرج إيران إلى ملعبه لضرب مصداقيتها أمام «حزب الله» الذي أخّر رده على الاجتياح الجوي الإسرائيلي لبيروت التزاماً منه بوقف النار، وكشف عن أن القيادة الإيرانية أخطأت في قراءتها للموقف الأميركي من زاوية أن لبنان مشمول بالهدنة بخلاف ما حمله الميدان من رسائل دموية نفّذها الطيران الإسرائيلي.

من مراسم تشييع صحافية لبنانية قُتلت بغارة إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن إيران توصلت مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، إلى اتفاق إطار هو بمنزلة إعلان نيات لبدء المفاوضات، يقع في بندين متلازمين: وقف النار، وفتح مضيق هرمز. وأكد أنها ذهبت بعيداً في تفسيرها لما تم التفاهم عليه، وربما أخطأت في تقديرها بشموله لبنان.

وأضاف المصدر أن جميع البنود، ما عدا هذين البندين، تبقى خاضعة للتفاوض، ولا أعتقد أن الولايات المتحدة مستعدة لإيداع الورقة اللبنانية في عهدة إيران، بخلاف إصرارها على إنهاء أذرعها في المنطقة وأولها «حزب الله»، وإلا لماذا تدرج نزع سلاحه كأولوية على جدول أعمال اللقاءات بين واشنطن وبيروت؟ وهذا ما يفسر رفضها التفاوض مع طهران بكل ما يمتّ بصلة إلى الشأن اللبناني بالإنابة عن الحكومة.

انكفاء إيران

وأكد أن طمأنة إيران لمحور الممانعة في الإقليم بأن موقعه محفوظ في حال تم التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة ليس في محله، وأن ما أبلغته لبري و«حزب الله» يبقى غير قابل للصرف سياسياً، وهو بمنزلة شيك مصرفي بلا رصيد. وقال إن الإدارة الأميركية ليست في وارد القفز فوق الحكومة وإلغاء دورها بتعاطيها مباشرةً مع إيران كأنها تنوب عن اللبنانيين بتقرير مصيرهم، فيما أخذت تتراجع في الإقليم وباتت مضطرة للانكفاء إلى الداخل للدفاع عن نظامها. وتابع بأن واشنطن وإن كانت لديها ملاحظات على أداء الحكومة لجهة ترددها في تطبيق خطة حصرية السلاح بيد الدولة، فهي في المقابل لم تُدِر ظهرها لها ولم تستعِض عنها بتعويم الدور الإيراني في لبنان. مؤكداً أن الأخيرة أخذت تتصرف بشمولها لبنان بالهدنة كأن الاتفاق حاصل، بدلاً من أن تكفّ عن حرق المراحل والتريث ريثما تنطلق مفاوضاتها مع الولايات المتحدة للتأكد مما إذا كانت ستتعثر في منتصف الطريق أم ستبلغ الأهداف المرجوة منها.

ورأى المصدر أن شمول لبنان بالهدنة يعني حكماً أن «حزب الله» استعاد قواعد الاشتباك التي انتزعتها منه إسرائيل بعد الضربات التي أصابته بإسناده لغزة وإيران. وسأل: لنفترض أنه مشمول بالهدنة، فهل يعني هذا أن الولايات المتحدة توافق على احتفاظه بسلاحه بخلاف إصرار إسرائيل وبغطاء أميركي على نزعه، ما لم يسلّمه للدولة تطبيقاً لحصريته بيدها، بدلاً من أن يبقى خاضعاً لمفاوضات تتولاها إيران بتفويض منه بالإنابة عن الحكومة التي قال رئيسها نواف سلام كلمته في هذا الخصوص، رافضاً تفويضها؟

كما سأل: إذا كانت إيران والولايات المتحدة قد توصلتا إلى هدنة مؤقتة فهل يمكن أن تصبح دائمة ما لم يتوصلا إلى اتفاق متكامل ينزع فتيل التفجير ويُدخل البلدين في تطبيع للعلاقات على قاعدة إنهاء الحرب، وهذا ما يفتقر إليه شمول لبنان بالهدنة في غياب أي تفاوض مع إسرائيل للتفاهم على آليتها؟ وبالتالي فإن ما تعهدت به طهران ما هو إلا خطوة دعائية لأن سلاح الحزب سيدرَج على جدول أعمال المفاوضات في إسلام آباد.

إيران تقدم لـ«حزب الله» موقفاً دعائياً

وأكد أن إيران تقدم لـ«حزب الله» موقفاً دعائياً، ما دامت إسرائيل ردت عليها بالنار ووسّعت عدوانها باستهداف المدنيين لتأليبهم على الحزب، فيما لم تتردد الإدارة الأميركية على المستويات كافة، بدءاً بترمب، في إعلان أن لبنان ليس مشمولاً بالهدنة، بخلاف ما تبلَّغه بري والحزب من القيادة الإيرانية. وقال لم يعد من خيار أمام الحزب للخروج من حالة الإرباك التي تسود حاضنته الشعبية ولا تعبّر عن المزاج الشيعي العام، سوى انخراطه في مشروع الدولة وتفويضه الحكومة، بالتفاهم مع بري، للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، تأييداً للمبادرة التي كان قد أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، وقوبلت بدعم دولي وعربي باستثناء إسرائيل التي أوكلت إليها الولايات المتحدة اتخاذ ما تراه مناسباً، وهذا يكمن وراء عدم استعدادها للتفاوض، لأن من أولوياتها استئصال جناحه العسكري ونزع سلاحه.

إيرانية تحمل علم «حزب الله» في طهران خلال إحياء ذكرى مرور 40 يوماً على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي (أ.ب)

فخيارات الحزب القتالية أخذت تضيق، ومن حق اللبنانيين، حسب المصدر وبعيداً عن الشعبوية، التوجه بسؤال إلى أمينه العام نعيم قاسم: ألم يحن الأوان ليقرر اليوم قبل الغد إسناده للبنان بعد إسناده لغزة وإيران بموقف منفرد من دون التشاور مع الحكومة التي يعود لها وحدها قرار الحرب والسلم، والذي رتّب على البلد تكاليف مادية وبشرية لا تقدّر بثمن، وكان حريّاً به قبل أن يقرر إسناده لإيران، انتقاماً لاغتيال إسرائيل مرشدها الأعلى علي خامنئي، وربطاً لوحدة المسار والمصير بين الحزب وطهران، أن يراجع حساباته لتفادي سوء التقدير لرد فعل إسرائيل الذي أوقعه في حرب كان في غنى عنها؟

ورأى المصدر أن الفرصة متاحة أمام قاسم للتكيف مع المتغيّرات في الإقليم والتحوّلات التي شهدها لبنان ليبادر إلى لبننة مواقفه على نحو يعبّد الطريق أمام إنقاذ البلد بدلاً من إقحامه، كالعادة، في خيارات غير مدروسة آخرها إسناده لإيران.

لذلك فإن موافقة واشنطن، وعبرها إسرائيل، على طلب إيران شمول لبنان بالهدنة، يعني حكماً أنه ينمّ عن رغبتها، ولا يعكس ميزان القوى في الداخل والمنطقة، ويشكل التفافاً على المفاوضات في إسلام آباد قبل أن تبدأ، والتي لن تؤدي، مهما كانت الاعتبارات، إلى منح إيران «جائزة ترضية» تسمح لها بالتفاوض بالإنابة عن لبنان، فيما المطلوب من العهد والحكومة الخروج من حالة التردد وحسم أمرهما بدءاً بالقيام بحملة عربية دولية تأييداً لموقف لبنان لوقف النار وعدم ربط مصيره بإيران تمهيداً لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، على أن يبادر «الثنائي الشيعي» إلى تنعيم موقفه بدعمه مبادرة عون.