أي مستقبل يتوقعه مؤيدو «حماس» بعد خطة ترمب؟

مقاتلون من «حماس» خلال تشييع قيادي بالحركة في غزة (أرشيفية - رويترز)
مقاتلون من «حماس» خلال تشييع قيادي بالحركة في غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

أي مستقبل يتوقعه مؤيدو «حماس» بعد خطة ترمب؟

مقاتلون من «حماس» خلال تشييع قيادي بالحركة في غزة (أرشيفية - رويترز)
مقاتلون من «حماس» خلال تشييع قيادي بالحركة في غزة (أرشيفية - رويترز)

تضع خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بشأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإنهاء الحرب المستمرة منذ عامين، عناصر حركة «حماس» والمؤيدين لها، والعاملين في أطرها الحكومية المختلفة، أمام الكثير من التساؤلات حول الخطة ومآلات مستقبلهم وحركتهم التي أيدوا لسنوات سياساتها المختلفة.

لعقود ظل كثيرون ممن يعتبرون أنفسهم خبراء في شؤون الفصائل الفلسطينية، يرون في «حماس» أنها الفصيل الأكثر تنظيماً على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي والاجتماعي والديني الدعوي، الأمر الذي زاد من شعبيتها لدى الفلسطينيين لفترات طويلة، لكن في إطار حكمها للقطاع أظهرت في الكثير من المرات سوء قدرتها على العمل كجهة تمثل كل الفلسطينيين، وكانت في الكثير من القضايا تسيطر الفكرة الحزبية على إدارة حكمها، في المقابل يبدو أن الحرب الأخيرة، وعدم حسبان الحركة نتائجها العكسية، فرضت واقعاً جديداً على السكان ومؤيدي الحركة، للنفور أكثر من قرارها الذي أودى بها إلى نهاية غير متوقعة، كما يرى البعض.

نازحون فلسطينيون يحاولون الاحتماء بعدما أطلقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة دخانية في مدينة غزة الأربعاء الماضي (إ.ب.أ)

 

القيادة في الحرب

 

خلال هذه الحرب المتواصلة نجحت «حماس» كتنظيم سياسي وعسكري وحتى اجتماعي، وكذلك حكومي، في الحفاظ على عمل هيكليتها بسلاسة، ولكن بعد 18 مارس (آذار) الماضي في أعقاب استئناف إسرائيل للحرب، ومع زيادة الاغتيالات المركزة وضرب أهداف أكثر تركيزاً، باتت الحركة تفقد هذه الميزة بسبب تصعيد عمليات الملاحقة للقيادات والنشطاء الذين توكل إليهم مهام مختلفة.

تكشف مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض المسؤولين الذين كان من المفترض أن يديروا بعض المهام، لأول مرة تخلوا عن مسؤولياتهم بسبب أمنهم الشخصي، لكنهم عدد محدود مقارنةً بالعدد الذي استمر في مهامه، ولكن صعوبات الملاحقة الأمنية فرضت على من استمروا في هذه المهام أن يختفوا عن الأنظار، الأمر الذي ترك الأمور أكثر صعوبة في إدارة العمل الحكومي والتنظيمي والعسكري في بعض مفاصله.

ويبدو أن ذلك يعود بشكل أساسي للفراغ الذي تركته القيادة العليا المعروفة، التي اغتيلت على فترات وفي ظروف مختلفة، وشعور أولئك بعدم الإحساس بالأمن مع إصرار إسرائيل على المضي قدماً في الحرب.

دخان جراء قصف إسرائيلي على مدينة غزة الخميس (إ.ب.أ)

 

كيف يفكرون؟

 

ومنذ استئناف إسرائيل للحرب في مارس الماضي، بات نشطاء «حماس» والمؤيدون لها، والعاملون في حكومتها، يشعرون بالضعف أكثر من شهر إلى آخر، وذلك من خلال فهمهم لآلية صرف رواتبهم وتراجع نسب صرفها، والتي لوحظ أنها أصبحت أقل من السابق، ووصلت لأقل من 40 في المائة، وبصرف أموال نقدية قديمة وتالفة.

وتزامن هذا مع فشل التوصل إلى اتفاق كاد ينهي الحرب، أو تتواصل من خلاله التهدئة السابقة، الأمر الذي أشار إلى تعقد المشهد السياسي والأمني والاقتصادي، وكذلك قدرة الحركة على الحكم بشكل كامل داخل القطاع، مع انتشار الفلتان وظهور عصابات مسلحة تخدم إسرائيل، وكذلك عمليات السرقة والنهب للمساعدات من عصابات منظمة وأخرى غير منظمة.

ومع الخطة الأميركية الجديدة، بات مؤيدو «حماس» وعناصرها، وكذلك العاملون في حكومتها، يفهمون أن مستقبل الحركة للبقاء في الحكم، أو حتى البقاء كجهة قادرة على أن تكون قوة كبيرة، يتراجع، لكن هذه الآراء مختلطة عليهم.

يقول «ج.ع»، وهو موظف حكومي في وزارة الاقتصاد التابعة لـ«حماس»، ويعتبر من العاملين في المجال الاجتماعي للحركة في أحد أحياء مدينة غزة، إن الخطة الأميركية خطيرة، وهناك مخاوف حقيقية لدى الكثير من نشطاء الحركة وموظفيها من أن تقوم القوات التي ستدير أمن القطاع مستقبلاً باعتقالهم والتحقيق معهم لانتمائهم للحركة.

مقاتلون من «حماس» قبيل تبادل الأسرى في 1 فبراير 2025 (إ.ب.أ)

يضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن هذه المخاوف لا ترتبط به وحده، بل إن هذه المخاوف يشاركه فيها الكثير من عناصر ونشطاء الحركة الذين يرغبون في وقف الحرب، ولكنهم لا يريدون أن يكونوا لاحقاً لقمة سائغة لأي قوات سواء كانت عربية أو دولية تعمل على ملاحقتهم.

ووفقاً له (رفض الإفصاح عن اسمه لظروف أمنية)، فإن هذا الأمر يدفع الكثيرين للتفكير في مستقبلهم، بما في ذلك إمكانية إتاحة الفرصة أمامهم للسفر إلى الخارج، مشيراً إلى أن بعض الناشطين في العمل العسكري الميداني يرفضون مثل هذا المبدأ، ويبدون آراء تتعلق بالتمسك بسلاحهم خشيةً على حياتهم لاحقاً.

في حين يشير أحد قادة الجهاز الدعوي في «حماس» بمنطقة غرب غزة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الوضع الجديد بالنسبة للكثير من عناصر الحركة ومؤيديها يذكّرهم بما جرى من اتفاقيات أمنية تهدف لحماية إسرائيل بشكل أساسي في فترة التسعينيات، مبيناً أن هناك خشية حقيقية لديه ولدى الكثيرين من المسؤولين في جهاز الدعوة وغيره، من أن يتعرضوا لحملة اعتقالات شرسة كتلك التي تعرضت لها الحركة بين عامَي 1996 - 1997، من قبل أجهزة أمن السلطة الفلسطينية.

ويعد جهاز الدعوة في «حماس» من أهم الأجهزة داخل الحركة، وتعتبره الأنظمة الداخلية من أهم هيكلياتها التي تنظم عمل الأفراد ودورهم في تولي المناصب المختلفة، حتى إنه في فترة من الفترات تدخل في تولي المناصب الحكومية العليا، وكذلك العناصر العادية وتوظيفها في الحكومة التي كانت تقودها الحركة بالقطاع.

فتى فلسطيني في مخيم للنازحين قرب الشاطئ بخان يونس الخميس (أ.ف.ب)

ويقول القيادي في الجهاز، إن خطة ترمب لم تُعرض حتى الآن على المستوى القيادي المنخفض، على عكس العديد من المرات التي كان يتم فيها وضع القيادات من مختلف المستويات في صورة أي مقترح يقدم، مرجحاً أن ذلك يعود إلى أن القيادة العليا بغزة سمحت لقيادة الخارج باتخاذ القرارات المناسبة من أجل التوصل لأي اتفاق يسمح بوقف الحرب بشكل نهائي.

 

مستقبل مجهول

 

ويجمع العديد من موظفي حكومة «حماس» والناشطين في صفوفها بالجناح السياسي والعسكري والدعوي وغيرها، أن المستقبل سيكون مجهولاً ولا يمكن التنبؤ به، في حين أن البعض يرون أن أخطر ما في الخطة وفق ما يُنشر، هو ما يتعلق بمصيرهم وإمكانية منحهم «العفو» مقابل تسليم سلاحهم، وهناك آخرون يرون أن ما هو أخطر قضية القوة العربية والدولية ومهامها المجهولة حتى اللحظة، وكذلك القوة الشرطية التابعة للسلطة الفلسطينية، والتي يتم تجهيزها لتولي مهامها الحكومية.

ويقول أحد نشطاء جهاز العمل الجماهيري في «حماس» (الجهاز المسؤول عن المهرجانات والاحتفالات والمؤتمرات)، إنه يمكن وصف الوضع بأنه غير مستقر، مشيراً إلى أن هناك الكثير من التساؤلات تفرض نفسها حول مستقبلهم كنشطاء، مؤكداً في الوقت ذاته أنه بالرغم من هذه الحرب الطاحنة، فإن الحركة ما زالت متماسكة إدارياً وهيكلياً وتنظيمياً على مختلف المستويات.

ورأى أنه بالرغم من كل هذا الدمار في قطاع غزة، والظروف التي يعيشها السكان، ونقمتهم على ما يعيشونه، فإن هناك من لا يزال يتمسك بسلاح المقاومة حتى من أولئك السكان، ولا يمكن أن يوصف ما يجري بأنه بمثابة هزيمة أو تفكيك للحركة سواء داخل الحركة أو خارجها، وفق قوله.

ويقول الناشط: «حركة (حماس) ما زالت متماسكة وقوية، وتستطيع مواجهة ما يجري حالياً، ونحن كنشطاء منذ سنوات طويلة في هذه الحركة ما زال لدينا انتماء إليها، ولا يمكن أن نفرط في ما قدمناه من تضحيات، وهذا واقع أثبتته مدة عامين من الحرب، وأظهر الحركة متماسكة، ولم تنجح إسرائيل في تفكيكها كما تدّعي».

ويبدو أن ذلك لا يعكس آراء الكثيرين من عناصر ومؤيدي الحركة تقريباً. وقال محمد حمدان أحد المؤيدين للحركة من سكان مدينة غزة، ونزح مؤخراً إلى وسط قطاع غزة، إنه يتوقع من قيادة «حماس» أن تشعر بوضع السكان المنهكين نتيجة هذه الحرب التي يدفعون ثمنها من أجل حياة 20 مختطفاً إسرائيلياً في المقابل.

ورأى حمدان أن هذا هو الوقت المناسب لتغادر الحركة مشهد الحكم في غزة، وأن تسلمه لجهة فلسطينية أخرى، مشيراً إلى أنه كما العديد من مؤيدي الحركة، وربما عناصرها الناشطون فيها، يمكن أن يتم تسليمهم للسلطة الفلسطينية، مع ضمان حماية أمنهم وألا يتم التعرض إليهم بالاعتقال أو غيره، وأن يتم فتح صفحة فلسطينية جديدة.


مقالات ذات صلة

نتانياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

شؤون إقليمية نتانياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

نتانياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

هاجم نتنياهو منتقدي إسرائيل أمام الأمم المتحدة، بعد انسحاب عشرات المندوبين من كلمته، ودافع عن سياسات بلاده تجاه إيران وغزة والضفة وسوريا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص (من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب) p-circle

خاص «طعن وأوراق بيضاء»... ماذا يجري في انتخابات رئاسة «حماس» في غزة؟

كشفت 4 مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» أن جولة الإعادة لانتخاب رئيس المكتب السياسي للحركة بالقطاع أُوقفت بعد فشل الحسم في الجولة الأولى التي أُجريت قبل أسابيع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أم فلسطينية تبكي ابنها خلال جنازته الأربعاء بعد مقتله بغارة إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب) p-circle

إسرائيل تستأنف الاغتيالات بعد «فترة مراقبة» لاختيار الأهداف

استأنف الجيش الإسرائيلي وتيرة الاغتيالات في غزة بعد توقف دام ثلاثة أيام، لأسباب رجحت مصادر ميدانية أنها «فترة مراقبة» لتحديد شخصيات للاستهداف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج دعا الأمير فيصل بن فرحان إلى التنفيذ الكامل والفوري لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشاملة لإنهاء الصراع في غزة («الخارجية السعودية») p-circle 01:03

فيصل بن فرحان: الدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال ركيزتان لأمن المنطقة واستقرارها

دعا الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، إلى التنفيذ الكامل والفوري لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، وضمان وصول المساعدات…

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي 
الفلسطيني بسام نصير النازح في مدينة غزة يقف بين أنقاض مبنى متهدم يؤويه وعائلته (الشرق الأوسط)

الغزيون تحت أسقف مهددة بلا بديل

يقدِّر مسؤولون في غزة عدد المباني المهدَّدة بالانهيار والمأهولة بالسكان في القطاع بنحو ألفي مبنى، ومع ذلك فإن الأهالي والمسؤولين يقرون بعدم وجود بديل يحميهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)

واشنطن ستسلّم العراق المركز الدبلوماسي واللوجستي في مطار بغداد

مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)
مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)
TT

واشنطن ستسلّم العراق المركز الدبلوماسي واللوجستي في مطار بغداد

مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)
مسافرون يصلون إلى مطار بغداد الدولي (رويترز - أرشيفية)

ستقوم الولايات المتحدة بتسليم العراق المركز الدبلوماسي واللوجستي في مطار بغداد، الذي تعرّض للاستهداف مراراً من قبل مجموعات مسلحة موالية لإيران خلال الحرب في الشرق الأوسط، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية العراقية الخميس.

وأفادت الوزارة بأن وكيلها للعلاقات الثنائية والقائم بالأعمال الأميركي وقّعا الخميس «اتفاق تسليم الحكومة العراقية موقع الدعم الدبلوماسي التابع للسفارة الأميركية في مطار بغداد الدولي»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت أن الخطوة «تأتي... في إطار جهود الحكومة العراقية لاستكمال الإجراءات المتعلقة بإنهاء مهمة التحالف الدولي والوجود العسكري الأجنبي في العراق، وفق الجدول الزمني المحدد في 30 سبتمبر (أيلول) 2026».

ودعت الجماعات الحليفة لإيران على مدى أعوام إلى خروج القوات الأجنبية المنتشرة في العراق ضمن «التحالف الدولي» بقيادة واشنطن لمحاربة تنظيم «داعش». وهي لطالما استهدفت المنشآت والمصالح الأميركية في البلاد.

وخلال حرب الشرق الأوسط، استهدفت تلك الجماعات مواقع أميركية أكثر من 600 مرة، بما في ذلك منشأة مطار بغداد.

وأفاد مسؤول أمني عراقي ومصدر دبلوماسي «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق من هذا الشهر بأن القوات الأميركية أخلت المنشأة.

واتفقت بغداد وواشنطن في عام 2024 على إنهاء مهمة التحالف التي بدأت قبل ذلك بعشرة أعوام عقب سيطرة التنظيم المتطرف على مساحات واسعة في شمال العراق وغربه.

ولا تزال قوات التحالف منتشرة حالياً حصراً في مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان.

ولطالما شكّل وجود التحالف، خصوصاً بعد هزيمة تنظيم «داعش» في أواخر عام 2017، مصدر توتر بين السلطات العراقية والفصائل.

منذ توليه منصبه هذا العام، تعهّد رئيس الوزراء علي الزيدي باحتكار الدولة للسلاح وتسليم الفصائل لترسانتها.

وتقول السلطات إن إنهاء مهمة التحالف يزيل مبرراً رئيسياً تستند إليه تلك الفصائل للاحتفاظ بأسلحتها.


السعودية تقود اجتماعاً دولياً موسعاً حفاظاً على «حل الدولتين»

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
TT

السعودية تقود اجتماعاً دولياً موسعاً حفاظاً على «حل الدولتين»

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)

حضّ وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان المجتمع الدولي على الحفاظ على «حل الدولتين» لضمان تحقيق السلام في الشرق الأوسط. في حين رأى نظيره النرويجي أسبن بارث إيدي، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن المشترك كايا كالاس، أن قيام دولة فلسطينية «ليس هدفاً بعيد المنال»، محذرين مع عشرات المسؤولين الكبار في العالم من أخطار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، واستمرار القتال في غزة.

وترأس الأمير فيصل بن فرحان اجتماعاً موسعاً مع إيدي وكالاس على هامش الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الخميس، وأكد أن «قيام الدولة الفلسطينية المستقلة حق أصيل وأساس للسلام، وليس نتيجة نهائية يتم التفاوض عليها ضمن عملية سياسية بعيدة المنال»، واصفاً تنفيذ حل الدولتين بأنه «الحل الأمثل لكسر حلقة الصراع والمعاناة».

وكانت المملكة العربية السعودية وفرنسا قد قادتا المؤتمر الدولي الأول حول التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وحل الدولتين عام 2025، مما أدى إلى تنامي الاعترافات الدولية بفلسطين كدولة. واتسع هذا الزخم هذا العام بانضمام كل من بريطانيا وكندا إلى قيادة هذا الجهد لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة.

التوسع الاستيطاني يغيّر الضفة

وقال وزير الخارجية السعودي إن التوسع الاستيطاني في الضفة يغيّر الواقع على الأرض، مؤكداً أن المملكة ستظل داعمة لتسوية عادلة للقضية الفلسطينية. ولفت إلى أن الحفاظ على حل الدولتين «لا يتعلق بالحفاظ على شعار دبلوماسي، بل بالحفاظ على إمكانية بناء مستقبل مختلف، وهو فلسطين دولة واحدة تنعم بالسلام، ذات سيادة، تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في أمن واستقرار على خطوط 1967، وعاصمتها القدس الشرقية».

وعبّر فيصل بن فرحان عن تطلع المملكة إلى «مستقبل مشرق يُرى فيه أطفال المنطقة العربية يكبرون دون أن يرثوا مخاوف آبائهم، وعائلات من مختلف الأديان والأصول لا تشارك الأرض فحسب، بل تشارك مستقبلاً واحداً».

وكان وزير الخارجية النرويجي يتحدث خلال اجتماع وزاري للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين على هامش اجتماعات الدورة السنوية الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وأكد أن التحالف يعرف وجهته بالفعل، قائلاً إن «الهدف الأساسي لهذا التحالف العالمي هو تنفيذ حل الدولتين. نحن نعرف تماماً ما هو الهدف. لسنا بحاجة لمناقشة الهدف، بل نحتاج لمناقشة التنفيذ».

وأكد أن إعلان نيويورك، وخطة السلام الشاملة لغزة، وقرار مجلس الأمن رقم «2803»، تشكل الآن «نقطة مرجعية مشتركة وإطاراً لتحقيق حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة». لكنه حذر من أن شروط إقامة هذه الدولة تتلاشى؛ ولذلك «علينا أيضاً التأكد من منع اختفاء الشروط المسبقة تماماً، بحيث يصبح من المستحيل بناء حل الدولتين، وبناء فلسطين موحدة. وهذا يتطلب تحركاً فورياً». وأوضح أن أكثر من 90 دولة تعمل «على أساس دولتين: إسرائيل وفلسطين، قادرتين على العيش بسلام مع بعضهما».

وفي حديثه بصفته الوطنية، حدد إيدي أربع أولويات نرويجية: أولاً، كان اعتراف «أوسلو» بفلسطين يهدف إلى إنهاء ما وصفه بـ«حق النقض الفعلي» الذي نشأ عن انتظار المفاوضات بين الأطراف فقط، كما كان الحال خلال عملية «أوسلو». وأضاف: «أُلغي هذا الحق الآن». كما تحظر النرويج التجارة مع المستوطنات، وتُميز بين إسرائيل وفلسطين «وفقاً للقانون الدولي، والأحكام الأخيرة لمحكمة العدل الدولية، والسياسات المتبعة منذ زمن طويل».

وثانياً، أكد أنه لن تقوم دولة فلسطينية دون مؤسسات وطنية فاعلة. وتقدم النرويج دعماً مالياً للحكومة الفلسطينية، وأعلنت عن زيادة في هذا الدعم. ودعا ثالثاً إلى إحراز تقدم في المرحلة التالية من خطة غزة المكونة من 20 بنداً، بما في ذلك مسارها نحو إقامة دولة فلسطينية. وحدد رابعاً أن المنطقة بحاجة إلى إطار أمني أكثر شمولاً.

كالاس: حظر التأشيرات لم يمنع الدعم

وهذا ما قالته أيضاً الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، مشيرة إلى أن 142 دولة أيدت إعلان نيويورك قبل عام باعتباره «مظهراً من مظاهر دعم الأكثرية الساحقة من دول العالم، ليس فقط لإنشاء دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، بل أيضاً لتوفير الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك».

وأشارت إلى عدم تمكن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى من الحضور شخصياً بسبب حظر تأشيرات الدخول الأميركية، فانضم عبر الفيديو. وأكدت أن غيابه لم يُخفِ الثقل السياسي في القاعة، قائلة: «إذا نظرتم حولكم، سترون أن ثقل العالم يقف وراء بناء مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني». وأشادت بالجهود الدبلوماسية الأميركية والإقليمية التي أثمرت خطة غزة الشاملة التي أُقرت لاحقاً في القرار «2803»، وقالت إن السلطة الفلسطينية أحرزت «تقدماً ملموساً في الإصلاح في ظل ظروف بالغة الصعوبة».

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

وأضافت أن الممثل السامي لمجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف أحرز تقدماً في العمل على نزع سلاح «حماس» والانسحاب الإسرائيلي. وحذرت من أن «طموح تحالفنا العالمي، بل إعلان نيويورك، يتعارض بشكل متزايد مع الحقائق الصعبة على أرض الواقع». وأضافت أنه في غزة «لا يزال التقدم على أرض الواقع محدوداً للغاية. فالضربات مستمرة، والحاجات الإنسانية لا تزال ملحّة، والعديد من الالتزامات لم تُترجم بعد إلى تحسينات ملموسة». وأشارت كذلك إلى أنه في الضفة الغربية «يستمر العنف المتواصل، فضلاً عن التوسع الاستيطاني»، في تقويض حل الدولتين. وتابعت أن «مهمتنا اليوم ليست إعادة تأكيد دعمنا لهدف هذه الحركة، بل سد الفجوة بين الالتزامات والإجراءات والواقع على الأرض، والانتقال من مجرد الحفاظ على الوضع الراهن إلى تحقيقه».

وأشارت كالاس إلى أن الاتحاد الأوروبي يعمل على استقرار اقتصاد الضفة الغربية، وإطلاق عملية إنعاش مبكرة في غزة من خلال مبادرة «فريق غزة»، وتنفيذ مشاريع تجريبية في مجالَي النفايات والمياه. وخلصت إلى أن مسؤولية التحالف تكمن في إثبات أن تعايش دولتين جنباً إلى جنب «يظل الخيار الأمثل لبناء سلام شامل وعادل ودائم لفلسطين وإسرائيل، وللمنطقة بأسرها».

وتحدث في الجلسة كل من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ونائب رئيس الوزراء الباكستاني وزير الخارجية محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ونظيره المصري بدر عبد العاطي، ونائب رئيس الوزراء الأردني وزير الخارجية أيمن الصفدي، ووزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريز، ووزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكنتي، ووزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، ورئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، ووزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، ووزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وغيرهم.


لقاء غير مألوف بين الزيدي وترمب يثير تساؤلات في بغداد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
TT

لقاء غير مألوف بين الزيدي وترمب يثير تساؤلات في بغداد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

أثار لقاء جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب برئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في نيويورك تساؤلات بسبب غياب أعضاء الوفد العراقي بالكامل، بعد يوم واحد من الإعلان عن تأجيل إكمال خطة حصر السلاح إلى يونيو (حزيران) 2027.

وأظهرت صورة وزعها المكتب الإعلامي للحكومة العراقية، مساء الأربعاء، الزيدي بمفرده خلال اللقاء الذي حضره ترمب وافقه مسؤولون كبار في الإدارة الأميركية، من بينهم وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، ووزيرة الخزانة سكوت بيسنت.

وقال مكتب الزيدي، إنه بحث مع ترمب، الجهود التي يبذلها العراق والولايات المتحدة الأميركية لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

ولم تقدم الحكومة أي تفسير بشأن غياب الوفد العراقي الذي كان يضم وزراء الخارجية والمالية والكهرباء ومسؤولين آخرين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع متعدد الأطراف مع «مجلس التعاون الخليجي» إلى جانب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

عدم ارتياح أميركي

ربط معلقون عراقيون حضور الزيدي الاجتماع بمفرده إلى شكوك أميركية باحتمالات تسريب النقاشات بين الرئيسين من خلال أعضاء في الوفد لديهم تمثيل سياسي في تحالف «الإطار التنسيقي» المقرب من إيران.

وقال سياسي عراقي مقرب من قيادة «ائتلاف إدارة الدولة»، إن طريقة عقد اللقاء «تعبير عن عدم ارتياح أميركي خصوصاً من ترمب بشأن ما تبدو عليه خطوات متعثرة لحصر السلاح بيد الدولة حتى الآن».

وحسب تصريحات رسمية، فإن 30 سبتمبر (أيلول) الحالي لن يكون موعداً لاكتمال حصر السلاح في العراق، بل سيكون منطلقاً لبدء عملية جديدة تمتد إلى يونيو من العام المقبل.

ومن الواضح أن رئيس الحكومة علي الزيدي، الذي يزور نيويورك هذه الأيام، تمكن من إقناع الأميركيين بالحصول على مهلة إضافية لحصر السلاح، لا سيما بعد ما تبنى الموعد الجديد المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك.

وقال صلاح العرباوي، وهو سياسي عراقي مستقل، إن «الوقت لا يزال مبكراً للحكم ما إذا كان الجدول الزمني الذي سيتم الإعلان عنه نهاية الشهر سيرجح كفة أي من أطراف الصراع السياسي على سلاح الفصائل».

ودعا العرباوي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، القوى السياسية العراقية إلى «التعامل مع ملف السلاح بعقلانية وهدوء»، مفترضاً أن «الزيدي تمكن على الأقل حتى الآن من إعادة ضبط خطة حصر السلاح بعدما تعثرت خلال الأسابيع الماضية».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك (إعلام حكومي)

«هندسة العلاقات»

مع ذلك، يرى الخبراء أن النقاشات الأخيرة حول تعديل خطة حصر السلاح يمكن أن تتحول إلى فرصة لتحسين العلاقات العراقية الأميركية. وقال الباحث عباس عبود إن العلاقة العراقية - الأميركية تشهد إعادة هندسة من خلال المهمة التي يقوم بها مبعوث الرئيس الأميركي للعراق توم باراك عبر تبني الملفين العراقي والسوري.

وأوضح عبود في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «العلاقات العراقية مع حلفاء واشنطن في المنطقة أصبحت تمر من خلال البيت الأبيض على أساس فك الارتباط العراقي مع إيران».

وكان وجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تحذيراً مباشراً إلى بغداد، مشدداً على ضرورة «نزع سلاح الميليشيات لتفادي بلقنة العراق»، بالتزامن مع ضغوط متنامية على الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة.

وأكد روبيو دعم الولايات المتحدة لحكومة علي فالح الزيدي في مساعيها من أجل ترسيخ سلطة الدولة، مشدداً على ضرورة تفكيك الفصائل المسلحة.

وحذر روبيو من أن استمرار تعدد مراكز القوة قد يقود إلى تفتيت الدولة العراقية وإضعاف مؤسساتها.

وتتزامن تصريحات الوزير الأميركي مع اقتراب انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، ومع إعادة بغداد ترتيب الجدول الزمني لعملية حصر السلاح.

وكان الزيدي عرض خطة تقضي ببدء مرحلة تمتد 90 يوماً تتوقف خلالها الفصائل عن تنفيذ الهجمات، على أن تستكمل عملية نقل السلاح إلى الدولة بحلول 30 يونيو 2027.