مخاوف تجدد الحرب تدفع لبنانيين إلى خطوات استباقية

يبحثون عن مساكن خارج الجنوب والضاحية

مناصِرة لـ«حزب الله» تسير قرب موقع تعرّض لقصف إسرائيلي سابق بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال مظاهرة داعمة لإيران في شهر يونيو الماضي (إ.ب.أ)
مناصِرة لـ«حزب الله» تسير قرب موقع تعرّض لقصف إسرائيلي سابق بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال مظاهرة داعمة لإيران في شهر يونيو الماضي (إ.ب.أ)
TT

مخاوف تجدد الحرب تدفع لبنانيين إلى خطوات استباقية

مناصِرة لـ«حزب الله» تسير قرب موقع تعرّض لقصف إسرائيلي سابق بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال مظاهرة داعمة لإيران في شهر يونيو الماضي (إ.ب.أ)
مناصِرة لـ«حزب الله» تسير قرب موقع تعرّض لقصف إسرائيلي سابق بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال مظاهرة داعمة لإيران في شهر يونيو الماضي (إ.ب.أ)

قررت اللبنانية فرح غزوي مع أسرتها مغادرة الضاحية الجنوبية لبيروت، خوفاً من اندلاع الحرب مجدداً، أو تكثيف الضربات الإسرائيلية.

وهذه الخطوة «الاستباقية» اتخذها كثير من اللبنانيين، لا سيما أهالي الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، كإجراء يبعدهم عن أماكن الخطر، ويقلص خسائرهم المادية و«النفسية» إلى حد ما، وذلك قبل حدوث أيّ طارئ.

وتقول غزوي لـ«الشرق الأوسط» إنها وعائلتها انتقلوا للسكن في بشامون، وهي بلدة جبلية على أطراف بيروت، و«تركنا منزلنا في الضاحية، خوفاً من جولة حرب جديدة في ظل الوضع غير المستقر الذي نعيشه».

وتضيف: «تجربة الهروب على وقع القصف ليست بالأمر السهل... ففي المرة السابقة عشنا 16 شخصاً في منزل واحد، لا نريد أن يتكرر هذا الأمر مرة أخرى».

تعزز المخاوف

تعززت مخاوف اللبنانيين من تجدد الحرب وتوسع الضربات الإسرائيلية مع الانقسام السياسي والشعبي حيال مسألة سلاح «حزب الله»، إذ قررت السلطة، نتيجة الضغوط الدولية والداخلية، حصر السلاح بيد الدولة، بينما يعارض «الثنائي الشيعي»، (حركة أمل وحزب الله)، هذا القرار.

ويضاف إلى ذلك التهديدات الإسرائيلية وخروقاتها؛ إذ منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بين «حزب الله» وإسرائيل، خرق الجيش الإسرائيلي الاتفاق عشرات المرات، من خلال الضربات الجوية المتكررة والاستهدافات شبه اليومية.

لذا لم يعد الجنوبيون يشعرون، وكذلك سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع (شرق لبنان)، بالأمان والاستقرار منذ ذلك الوقت نتيجة هذه التوترات الأمنية، إضافة إلى أن أبناء القرى الحدودية الجنوبية لم يتمكن جزء كبير منهم من العودة إلى منازلهم حتى الآن.

وفي ظل هذا الوضع الأمني غير المستقر، قرر عدد كبير من أهالي الجنوب والضاحية الجنوبية الانتقال والسكن في أماكن آمنة خارج الضاحية، لتأمين عام دراسي مستقر لأولادهم في حال دخلت البلاد في حال من التوترات الأمنية أو اشتدت الاستهدافات.

أكثر أمناً

ومثل عائلة فرح، عائلات كثيرة تركت منازلها في الضاحية، وانتقلت للعيش في مناطق تصنف على أنها أكثر أمناً. ويقول علي، وهو أحد سكان أوتوستراد هادي نصر الله (الضاحية): «المبنى الذي تسكنه عائلتي بات خالياً تماماً من السكان، ما عدا عائلتنا، حتّى المباني المجاورة باتت فارغة». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «انتقلت مؤخراً للعيش في بيروت الإدارية، لأبعد أطفالي عن الخطر، ولكنني لم أتمكن من إرسال ابني إلى مدرسة خارج الضاحية بسبب ارتفاع الأقساط».

لبناني يقف إلى جانب سيارات تضررت جراء قصف إسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت مطلع أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

وفي القرى الجنوبية القريبة من الحافة الأمامية، التي باتت شبه فارغة، ويعيش ممن صمد فيها من الأهالي حذراً شديداً، تقول أم حسن: «نعيش يوماً بيوم خوفاً من نشوب حرب في أيّ وقت».

وأم حسن سيدة في أوائل الستينات، تملك دكاناً (متجراً صغيراً) تبيع فيه أنواع الحلوى المختلفة وعبوات مياه وبعض الحاجيات الأساسية وأدوات التنظيف والخبز. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أضع في دكاني الحاجات الأساسيّة فقط، ولا أنوي أن أضاعف الكمية أو أشتري بضاعة جديدة، كي لا أخسرها في حال اندلعت الحرب، واضطررنا للهروب مجدداً».

وتختم: «يسأل الزبائن من سكان بلدتي عن مشتريات كثيرة، يفتقدونها لديَّ، لكنني لا أريد أن تتكرر معي مأساة العام الماضي والخسارة نفسها، أسعى لتقليص خسائري قدر الإمكان».

تعليق المشروعات

«علقت مشروعي إلى أجل غير معلوم»، يقول حسين أبو أنيس (45 سنة) لـ«الشرق الأوسط». ويضيف: «كنت أود افتتاح متجر لبيع الأدوات الصحية والخردوات في بلدتي كفرا، لكنني لم أفعل، لسببين أساسيين، أن أخسر ما أملكه من أموال، واضطر للهرب في حال نشبت الحرب، وخوفاً من خسارة كل ما أمتلك في حال تمّ استهداف المشروع»، مضيفاً: «تضرر أحد ألواح الطاقة الشمسية لدي خلال الحرب الأخيرة وإلى اليوم أتردد في إصلاحه»، والمشكلة الكبرى هي أننا لا نعلم إلى أين سنذهب إن وقعت الحرب مجدداً.

لبنانيون يتفقدون الدمار الناتج عن قصف إسرائيلي استهدف الضاحية الجنوبية في شهر يونيو الماضي (أ.ب)

هذه المخاوف، حالت دون تنفيذ مشروعات عدة كانت مقررة في الجنوب والضاحية، حيث تضررت مصالح لبنانيين كثر جراء الحرب الأخيرة، لتضاعف هذه الحال من أزماتهم المعيشية التي يعاني منها في الأصل جزء كبير من اللبنانيين منذ عام 2019 بعد الأزمة الاقتصادية والنقدية التي مُني بها لبنان، وتسببت بانهيار العملة الوطنية وارتفاع أسعار السلع والخدمات وخروج غالبيتها عن قدرة الناس بعد تراجع القدرة الشرائية لرواتبهم.

منازل دون ترميم

وهذا الخوف من تجدد الحرب في أي لحظة، جعل أناساً كثراً، يتركون منازلهم المتضررة نتيجة الحرب دون ترميم، خوفاً من تضررها مجدداً، وكذلك محالهم التجارية، بحيث يسيّرون أمورهم بما هو متوفر وممكن. يقول أبو علي (78 سنة) وهو ابن بنت جبيل إنه حتّى الآن لم يرمم منزله: «اكتفيت بتصليح ما هو ضروري فقط، مثل تركيب الأبواب والنوافذ وإصلاح تشققات السقف»، بانتظار أن تهدأ الأمور، لأعيد ترميم منزلي على أكمل وجه، وكذلك شراء مفروشات جديدة.

عطلة قصيرة خوفاً من الحرب

رغم اشتياقها لابنها الذي يتابع دراسته خارج لبنان، لم تسمح منى، السيدة الخمسينية له بقضاء أكثر من 3 أسابيع كي تراه العائلة ومن ثم العودة إلى ألمانيا. وتقول: «لا أريد لابني أن يعيش تجربة الحرب والهروب».

خوف منى هذا سببه تجربة الهروب من بيتها الذي خسرته في النبطية خلال الحرب الماضية، وتقول: «كان لي بيت صغير، سكنته حين تزوجت، استهدفته إسرائيل وحولته إلى خراب، ولكن أعمل اليوم على بناء بيت جديد في مكان آخر على أمل ألا نعيش مجدداً أيام الحرب التي لا تزال تؤرق أيامنا».


مقالات ذات صلة

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

المشرق العربي مسجد مدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

قُتلت الصحافية اللبنانية آمال خليل، الأربعاء، جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة الطيري القريبة من الحدود في جنوب لبنان، كما أعلن الدفاع المدني اللبناني

المشرق العربي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)

ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

تشهد واشنطن الخميس جولة محادثات ثانية رفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، من المقرر أن يشارك فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

أعلن «حزب الله»، في بيان، اليوم (الأربعاء)، أن عناصره استهدفوا مربض مدفعية مستحدثاً تابعاً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة، جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

كشفت مصادر سياسية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جانب من الدمار الذي لحق بالمباني والمنازل في بلدة كفرصير بقضاء بنت جبيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

جنوب الليطاني ساحة المواجهة: معادلة ردع جديدة مقيدة بالسقف الإسرائيلي

بعد فرض إسرائيل واقعاً ميدانياً جديداً إثر التوصل إلى هدنة، تظهر معادلة ردع جديدة عنوانها حصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني

كارولين عاكوم (بيروت)

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».


«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.

فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.

وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.

وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.