نزوح الغزيين يتواصل... مأساة لا تعرف نهاية

خيام على الطرقات وأراضٍ للإيجار وانتشار للحشرات ونقص في المياه...

TT

نزوح الغزيين يتواصل... مأساة لا تعرف نهاية

أم وطفلها في خيمة للنازحين قرب مدينة غزة (الشرق الأوسط)
أم وطفلها في خيمة للنازحين قرب مدينة غزة (الشرق الأوسط)

يكابد سكان مدينة غزة ظروفاً هي الأقسى في مراحل النزوح التي عاشوها من قبل، بعدما بدأت القوات الإسرائيلية عملية جديدة في المدينة يتخللها تدمير لبعض أحيائها المدمَّرة جزئياً وتفجير لما تبقى من أبراجها، بعدما دمّرت هذه القوات في أوقات سابقة أحياء أخرى بالكامل، مثل الشجاعية والزيتون والتفاح.

ومنذ أكثر من أسبوعين، تشهد الأحياء الجنوبية للمدينة، وتحديداً الزيتون والصبرة، عملية نزوح كبيرة، رافقتها في الأيام الأخيرة عملية نزوح مماثلة من الأجزاء الشمالية للمدينة، وتحديداً في بلدتي جباليا البلد، والنزلة، وأضيفت إليهما أجزاء من حي الشيخ رضوان بعد سلسلة من الغارات الإسرائيلية.

المسنّة وطفة أبو عرمانة، من سكان حي الزيتون، عانت مرات عدة من النزوح المتكرر داخل قطاع غزة، سواء في بدايات الحرب عام 2023 أو في الأيام الأخيرة التي وصفتها بأنها «الأصعب»، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط».

تشير أبو عرمانة إلى بيتها الذي قُصف بداية الحرب، الأمر الذي اضطرها للنزوح إلى مخيم النصيرات وسط القطاع، قبل أن تصاب في قصف أصاب صفّاً مدرسياً كانت تنزح به داخل إحدى المدارس التي تحوّلت خلال الحرب إلى مراكز إيواء للنازحين، الأمر الذي اضطرها وعائلتها للنزوح نحو رفح التي احتلتها إسرائيل في جنوب القطاع، مما دفعها إلى النزوح مجدداً إلى بلدة الزوايدة الواقعة ضمن محافظة دير البلح، وسط القطاع، في ظروف وصفتها بأنها كانت قاسية خصوصاً بسبب الأمراض التي ألمّت بها وتضاعفت خلال الحرب.

المسنّة وطفة أبو عرمانة (الشرق الأوسط)

وأشارت إلى أنه بعد وقف إطلاق النار الذي تم في يناير (كانون الثاني) الماضي، عادت إلى حي الزيتون جنوب مدينة غزة، حيث كانت تقطن، وتم توفير خيام لها وللمواطنين الذين عادوا ووجدوا الحي مدمراً بشكل شبه كامل، قبل أن يُجبروا على النزوح منه مجدداً قبل أسابيع مع تجدد العمليات الإسرائيلية فيه.

كانت إسرائيل، وضمن اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة «حماس»، قد سمحت بعودة أكثر من مليون فلسطيني من سكان مدينة غزة وشمالها، إلى مناطقهم بعدما أجبرتهم على النزوح لأكثر من عام حينها، وكانت الحركة تشترط عودتهم شرطاً أساسياً للمضي بتلك الصفقة التي تضمنت إطلاق أسرى إسرائيليين.

وعن ليلة نزوحها الجديدة من حي الزيتون، تقول أبو عرمانة إنها وأبناءها نزحوا تحت القصف المدفعي والجوي، وتوجهوا إلى منزل شقيقها. كانت تبيت لياليها هناك وفي النهار تقضي يومها بالخيمة قرب منزلها المدمر، قبل أن يشتد القصف مجدداً ويطلب الجيش الإسرائيلي منهم النزوح، الأمر الذي اضطرها للنزوح مع أبنائها إلى منطقة عسقولة ما بين حيي الزيتون والصبرة، على أمل أن تعود لخيمتها بعد فترة قصيرة. إلا أن الاحتلال وسّع من هجماته التي طالت المنطقة التي نزحت إليها ومناطق أخرى من حي الصبرة، حيث تم قصف عدة منازل بالمنطقة، مما اضطرهم إلى النزوح مجدداً.

معاناة النازحين لا تعرف نهاية (الشرق الأوسط)

وتابعت وطفة أبو عرمانة أنها نزحت مع أفراد عائلتها إلى دير البلح وسط قطاع غزة، وبعد بحث طويل عن مكان للبقاء فيه، فوجئت وابنها الأكبر بتأجير الأراضي للنازحين من قبل أصحابها، الأمر الذي فرض عليهم العودة إلى مدينة غزة مجدداً رغم التهديدات الإسرائيلية باحتلالها. وقالت: «عزّت على ابني نفسه، ومن شدة ذلك بكى، وقرر العودة لغزة، وبقينا في الشارع، وحاولنا أن نبحث عن أي مكان حتى لو حاصل (محل تجاري صغير فارغ) ولم يجد... حتى وجدنا هذا المكان (منطقة مفتوحة تطل على شارع عام مقابل مركز رشاد الشوا الثقافي بحي الرمال غرب مدينة غزة)، ونصب فيه ابني الخيمة وقعدنا فيها».

وأشارت أبو عرمانة التي فقدت أحد أبنائها في قصف إسرائيلي بداية الحرب، إلى الظروف النفسية الصعبة التي تمر بها وعائلتها نتيجة النزوح القاسي الذي تكرر على مدار نحو عامين، إلى جانب أنها تعاني ظروفاً اقتصادية صعبة، وأن أبناءها أيتام بعدما توفي والدهم وهم صغار، وهي من قامت بتربيتهم وعملت في بيع الملابس من أجل رعايتهم لسنوات.

وفي ظل تهديدات الاحتلال الإسرائيلي بتدمير ما تبقى من مدينة غزة، قالت أبو عرمانة إنها ستنزح مجدداً مثل باقي المواطنين في حال نزحوا، مشيرةً إلى انعدام الخيارات أمام الغزيين في هذه الفترة القاسية.

وبدأت القوات الإسرائيلية تضغط ميدانياً على سكان بعض الأحياء في مدينة غزة، بهدف إجبارهم على النزوح إلى جنوب القطاع، وتحديداً المواصي التي تصفها بأنها منطقة «إنسانية» رغم أنها باستمرار تُستهدف فيها خيام للنازحين. وتتركز العمليات الحالية على الحدود الجنوبية لمدينة (الزيتون والصبرة)، والشمالية (جباليا النزلة وحي الشيخ رضوان)، بهدف دفع السكان إلى غرب المدينة على الساحل لتسهيل عملية نزوحهم قريباً إلى الجنوب.

نوال الطويل التي تعيش في خيمة مجاورة لأبو عرمانة وتجلسان معاً دوماً (الشرق الأوسط)

نوال الطويل، التي تعيش في خيمة مجاورة لأبو عرمانة وتجلسان معاً دوماً، لم تجد مكاناً يحتضنها وعائلتها سوى هذه المنطقة المفتوحة المطلة على شارع رئيسي عام في مدينة غزة، بالقرب من مجمع الشفاء الطبي، أمام مركز رشاد الشوا الثقافي الذي دمرته القوات الإسرائيلية جزئياً وتحوّل إلى مركز إيواء منذ بداية الحرب.

قالت الطويل لـ«الشرق الأوسط»: «كانت ليلة نزوحنا من حي الزيتون صعبة جداً، وشظايا القصف الجوي والمدفعي تساقطت على خيمتنا، واضطررنا للنزوح إلى أحد منازل أقاربنا، ثم نزحنا مع السكان بشكل جماعي إلى خارج الحي تحت القصف والتهديدات من قوات الاحتلال التي ألقت مناشير وسيّرت طائرات مسيَّرة كانت تطالبنا بالخروج من أماكننا».

وأشارت الطويل إلى أنها وزوجها وأبناءها توجهوا إلى منطقة عسقولة، قبل أن تتعرض هي الأخرى للقصف بعد تدمير عدة منازل فيها، الأمر الذي اضطرها للنزوح إلى بلدة الزوايدة وسط القطاع، وبسبب عدم توافر المال لديهم في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها، وطلب أصحاب الأراضي دفع إيجار منهم لإبقائهم فيها، اضطروا للعودة إلى مدينة غزة، ونصب خيمة في الشارع.

كومة فراش في خيمة نازحين (الشرق الأوسط)

ووصفت النزوح الحالي بأنه الأسوأ في حياتها، خصوصاً أنها تشعر بأنها تعيش في وسط الشارع، وفي أجواء لاهبة تزيد من صعوبة الحياة في الخيام، إلى جانب انتشار الحشرات المختلفة، إلى جانب أزمات أخرى مثل عدم توافر المياه بشكل منتظم سواء للشرب أو الاستخدام الآدمي.

وأكدت الطويل أنها ترفض الهجرة من قطاع غزة، لأنها لن تستطيع التأقلم في أي دولة أخرى مثلما تفعل في غزة، مؤكدةً أن الهجرة قد تؤدي إلى أوضاع أفضل على صعد مختلفة، ولكنّ «بلادنا تظل بلادنا وما بنرتاح إلا فيها»، كما قالت.

وتهدف إسرائيل لإجبار سكان مدينة غزة على النزوح إلى الجنوب مجدداً، في إطار خطة تهدف بشكل أساسي لتهجير سكان قطاع غزة عبر الحدود الجنوبية إلى دول أخرى من العالم، مشيرةً إلى أنها تجري اتصالات مع عدة دول بهدف استقبال فلسطينيين من غزة.

طهي الطعام في موقد بجوار خيمة تؤوي نازحين في غزة (الشرق الأوسط)

ويجد السكان صعوبات بالغة في عملية النزوح من مكان إلى آخر، بفعل عوامل عديدة منها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو مرتبط بعدم توفر أماكن في ظل اكتظاظ مناطق وسط وجنوب القطاع بالنازحين، بينما ما يتوفر حالياً من أراضٍ فارغة يطلب أصحابها دفع إيجار مقابل البقاء فيها، مما يُصعّب من مهمة النزوح على الكثير من السكان.

المواطن حسين كرسوع، هو الآخر عانى كثيراً حين اضطر أن ينزح تحت دوي الأحزمة النارية التي هزت منطقة سكنه ما بين حيي الزيتون والصبرة جنوب مدينة غزة، بالقرب من مدارس الفلاح التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، التي كانت تضم أكثر من 30 ألف نازح بداخلها.

وأشار إلى أن ما دفعه إلى النزوح هم أطفاله ووالدته، موضحاً أنه كان يفضّل الموت في بيته على أن يجرب النزوح مرةً أخرى بسبب قساوته، مضيفاً أنه خرج وعائلته من منزلهم من دون أي ملابس أو أمتعة بسبب القصف الشديد حينها.

وأوضح كرسوع أنه كان قد نزح سابقاً إلى جنوب القطاع، وعاد إلى مدينة غزة في أعقاب وقف إطلاق النار، معتبراً أن النزوح الحالي هو الأصعب خصوصاً أنه يأتي في ظل المجاعة والظروف الاقتصادية الصعبة وعدم توافر المواصلات وغيرها.

ظروف الحياة القاسية في خيام النازحين قرب مدينة غزة (الشرق الأوسط)

وقال: «سيكون العذاب هذه المرة مختلفاً، وسيصل إلى عشرات الأضعاف عن النزوح السابق».

ويعاني سكان قطاع غزة من أزمة مواصلات أدت لارتفاع ثمنها بشكل كبير جداً، حيث يضطر النازح من مدينة غزة إلى وسط القطاع لدفع مبلغ يقارب 1000 شيقل (294 دولاراً)، وذلك في حال كان بحوزته بعض الأمتعة التي يحتاج إليها بشكل أساسي للنزوح لكي يستطيع العيش هناك.

وقال مدير بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، جوليان ليريسون، إن السكان المدنيين في غزة يعيشون ظروفاً مفزعة والمزيد من النزوح والتصعيد في الأعمال العدائية يهدد بتفاقم الوضع الكارثي القائم، مشيراً إلى تأثر أكثر من 80 في المائة من مناطق غزة بأوامر الإخلاء بالفعل.

وأضاف في تصريح صحافي: «من غير المعقول إرغام المدنيين على الانتقال مجدداً إلى منطقة أصغر، وأي إخلاء واسع النطاق سيشكل مخاطر إضافية على المدنيين نظراً إلى الظروف السائدة على الأرض»، مؤكداً أن القانون الدولي الإنساني يكفل حماية جميع المدنيين سواء غادروا مناطقهم أو بقوا فيها، ويجب توخي الحرص الدائم لتفادي إصابة السكان المدنيين عند خوض العمليات العسكرية.

وتابع: «بعد أشهر من الأعمال العدائية الضارية والنزوح المتكرر، بات سكان غزة منهكين تماماً وما يحتاجون إليه ليس مزيداً من الضغط بل الإغاثة، وليس مزيداً من الخوف بل فرصة لالتقاط الأنفاس».


مقالات ذات صلة

السيسي يدرس دعوة تلقاها من ترمب للانضمام إلى «مجلس سلام غزة»

المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء سابق في شرم الشيخ (رويترز) play-circle

السيسي يدرس دعوة تلقاها من ترمب للانضمام إلى «مجلس سلام غزة»

أعلن وزير الخارجية المصري، السبت، أن القاهرة تدرس الانضمام إلى «مجلس السلام» بشأن غزة، وذلك بعد تلقي الرئيس السيسي دعوة بذلك من نظيره الأميركي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة (أ.ف.ب)

السعودية تُرحِّب ببدء ثاني مراحل «خطة غزة»

رحَّبت وزارة الخارجية السعودية، الجمعة، بالإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة السلام الشاملة، وتشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص فلسطينيات يبكين قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

خاص تل أبيب تواصل اغتيال «قياديين» من «حماس» و«الجهاد»

اغتالت إسرائيل قياديين بارزين من الجناحين العسكريين لـ«حماس» و«الجهاد الإسلامي»، إلى جانب نشطاء آخرين، في سلسلة غارات طالت منازل عدة بمناطق متفرقة من قطاع غزة.

بندر الشريدة (غزة)
المشرق العربي صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب) play-circle

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

أظهر رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث تفاؤلاً لافتاً بإتمام عملية إعمار القطاع الفلسطيني في غضون 7 سنوات، بينما سعت إسرائيل إلى التقليل من خطوة بدء المرحلة الثانية.

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة ملتقطة في 13 يناير 2026 في مدينة غزة (د.ب.أ)

مقتل فلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي في رفح

لقي فلسطينيان حتفهما، ظهر الخميس، برصاص القوات الإسرائيلية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مكتب نتنياهو: الإعلان الأميركي لمجلس إدارة غزة يتعارض مع السياسة الإسرائيلية

نتنياهو يلتقي ترمب وسط أولويات متباينة
نتنياهو يلتقي ترمب وسط أولويات متباينة
TT

مكتب نتنياهو: الإعلان الأميركي لمجلس إدارة غزة يتعارض مع السياسة الإسرائيلية

نتنياهو يلتقي ترمب وسط أولويات متباينة
نتنياهو يلتقي ترمب وسط أولويات متباينة

قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ‌اليوم (السبت)، ‌إن ⁠إعلان ​إدارة الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب، قبل أيام، تشكيل مجلس ⁠لإدارة غزة، ‌لم يتم ‍بالتنسيق ‍مع إسرائيل، ‍ويتعارض مع سياستها.

وأضاف المكتب أن وزير ​الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، سيثير هذه ⁠المسألة مع نظيره الأميركي ماركو روبيو.

وحسبما قالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، تم تشكيل المجلس التنفيذي التأسيسي من قادة يتمتعون بالخبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية، وذلك بغرض تفعيل رؤية «مجلس السلام».

ويضم المجلس كلاً من: ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، والوزير هاكان فيدان، وعلي الذوادي، واللواء حسن رشاد، والسير توني بلير، ومارك روان، والوزيرة ريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير جاباي، وسيغريد كاغ.

الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو بولاية فلوريدا الأميركية يوم 29 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأفاد البيان بأن ترمب سيرأس المجلس بنفسه؛ مشيراً إلى أنه سيتم الإعلان عن أعضاء آخرين في الأسابيع المقبلة.

وقد قام رئيس المجلس بتعيين آرييه لايتستون، وغوش غرونباوم مستشارين كبيرين في مجلس السلام لدعم هذا النموذج التشغيلي، وقد أوكلت لهما قيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة ولاية المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى آلية تنفيذ منضبطة.


«حزب الله» يتمسك بسلاحه ويتحدّى محاولات تجريده

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز السبت (إعلام حزب الله)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز السبت (إعلام حزب الله)
TT

«حزب الله» يتمسك بسلاحه ويتحدّى محاولات تجريده

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز السبت (إعلام حزب الله)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز السبت (إعلام حزب الله)

جدد «حزب الله» اللبناني، السبت، تمسكه بسلاحه، وتحدّى أمينه العام الشيخ نعيم قاسم محاولات تجريده منه، وقال إن حزبه لن يستسلم وإن «العدوان على البشر والحجر لا يمكن أن يستمر، ودفاعنا مشروع في أي وقت»، كما شن قاسم هجوماً على وزير الخارجية يوسف رجي، متهماً إياه بالتلاعب بالسلم الأهلي، والتحريض على الفتنة، داعياً الحكومة إلى تغييره.

وجاء تصريح قاسم بعد أسبوع على تعهد الحكومة بالانطلاق بالمرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح شمال نهر الليطاني، وكلفت الجيش اللبناني بوضع خطة لتنفيذ المرحلة الثانية، على أن تجهز مطلع شهر فبراير (شباط) المقبل. كما جاء تصعيد قاسم بعد ايام على الإعلان عن مؤتمر لدعم الجيش اللبناني يُعقد في باريس في مارس (آذار) المقبل، بما يمكن الجيش من تنفيذ الخطة الحكومية.

وقال قاسم في خطاب متلفز بعد ظهر السبت: «من مُستلزمات المرحلة الجديدة، تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار» الذي توصل إليه لبنان وإسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، مضيفاً: «لبنان نفّذ ما عليه والمقاومة ساعدت إلى حد لم يحصل خرق واحد من جهة لبنان».

وقال قاسم إن اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان «هو مرحلة واحدة لا أجزاء لها ولا مرحلة ثانية»، مشدداً على أن الدولة اللبنانية نفذته، بينما «لم ينفّذ الكيان الإسرائيلي منه شيئاً». وأضاف: «لا علاقة للكيان الإسرائيلي بالقرار 1701، فهو شأن لبناني بحت، وكذلك حصرية السلاح واستراتيجية الأمن الوطني المرتبطة باتفاق القوى السياسية اللبنانية في الداخل».

وشدد على أنه «ليس من العقل أن نعطي إسرائيل، وأن نقدم تنازلات بلا ثمن»، وعلى أن «العقل هو أن نعرف كيف نحفظ بلدنا، ونحفظ قوتنا، ونتصرف بطريقة تؤدي إلى أن نكون معاً، وأن نتعاون».

تجريده من السلاح

رأى قاسم أن «حصر السلاح مطلب إسرائيلي - أميركي لتطويق المقاومة»، معتبراً أن «أي تنازل هو مزيد من الإضعاف»، مؤكّداً أنّ «السلاح في أيدينا للدفاع عن أنفسنا ومقاومتنا وشعبنا ووطننا».

وقال قاسم: «إذا سُلّم السلاح فسنشهد حوادث القتل والخطف أينما كان»، وتحدى مطالبيه بتسليم السلاح بالقول: «أن نُجرّد من السلاح... (طويلة على رقبتكم)، فنحن قومٌ سنبقى مقاومة، ولبنان لا يبقى دون مقاومة، ولبنان تحرر بسبب المقاومة»، مضيفاً: «إننا أصبحنا مقاومة بسبب إسرائيل، وليس العكس». وأضاف: «نحن قوم لا نستسلم، والعدوان على البشر والحجر لا يمكن أن يستمر، ودفاعنا مشروع في أي وقت، لكلّ شيء حدّ، وما يجري في الجنوب عدوان إسرائيلي - أميركي، ولا يجوز أن يكون بعضنا أدوات لقتل الآخرين».

وزير الخارجية

هاجم قاسم وزير الخارجية يوسف رجي الذي كان قد قال في تصريح تلفزيوني له، الأسبوع الماضي، إن لإسرائيل الحق في أن تتحرك عسكرياً في حال لم يتم حصر سلاح «حزب الله» بشكل كامل.

ورأى قاسم أنّ «عدم وجود وزير للخارجية اللبنانية عطّل الدبلوماسية»، متسائلاً: «لمن هو وزير الخارجية؟»، واتهمه بأنه «يعمل خارج سياسة الدولة والعهد، ويتلاعب بالسلم الأهلي، ويحرّض على الفتنة، وهو ضدّ العهد والحكومة، وضدّ الشعب اللبناني، وضدّ المقاومة»، لافتاً إلى أنّ «الحكومة اللبنانية تتحمّل مسؤولية هذا الخلل الذي اسمه وزير الخارجية، إمّا بتغيير الوزير وإمّا بإسكاته، وإمّا إلزامه بسياسة لبنان».

وأثار الهجوم على رجي، ردود أفعال؛ إذ كتب النائب نديم الجميّل على حسابه عبر منصة «إكس»: «إن موقف وزير الخارجية يستند إلى اتفاق الذلّ الذي وقّعتم عليه بعد حرب الإسناد، والذي وافق عليه لبنان رسمياً، وهو يُجسّد فعلياً خطاب القسم وبيان مجلس الوزراء لناحية حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية. وعلى أمل أن يكون هناك موقف واضح من رئيس الجمهورية والحكومة لدعم وزير الخارجية في مواقفه».

من جهته، كتب عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غياث يزبك عبر «إكس»: «كل من يعتدي لفظياً أو معنوياً على وزراء القوات اللبنانية متجاوزاً الأطر الأدبية والنقدية والرقابية الصحيحة المتعارف عليها في الدول المحترمة، إن هذا المعتدي ومهما علت رتبته، مدنياً كان أم رجل دين وما بينهما من اختصاصات ووظائف، إنما يمهِّد لاغتيال جسدي لهؤلاء الوزراء، كما أنه يَغتال الدولة اللبنانية في سمعتها ومؤسساتها، ويتعاقد مع أشرار لإيذاء شعبها وتدميرها؛ لأن وزراءنا يمثلون الكرامة والسيادة والدولة، ويعملون لحماية هذه القِيَم». وتابع: «لهذا المعتدي نقول: شوية ذكاء، لقد ارتكب من سبقوك هذه الأفعال، وانتهوا في مزابل التاريخ، ألا تتعلم؟».

مؤتمر دعم الجيش

ويتزامن تصعيد قاسم مع نقاشات لبنانية ودولية بشأن دعم الجيش في مؤتمر باريس، بينما تربط الدول الصديقة للبنان، حجم الدعم للجيش، بإنجازاته في ملف حصرية السلاح. وقال النائب مروان حمادة في تصريح إذاعي، السبت: «مؤتمر دعم الجيش لا يزال مشروطاً بما سيعرضه الجيش في مارس، وتقرره الحكومة في فبراير، وبين الشهرين قد تكون هناك مؤتمرات فرعية لتقويم الأداء والنوايا قبل تحديد نوعية العطاء وكيفيته والكم المالي».

وقال حمادة: «إسرائيل ستستمر بالضغط على الحكومة اللبنانية من خلال تصعيدها في لبنان الذي هو قائم على الأرض؛ لانه انتقل إلى شمال الليطاني مع استمرار الضرب المحدود على جنوب الليطاني».

وأشار حمادة إلى أن «إسرائيل تريد تصفير التهديد تجاهها، لكن الجيش أنجز عملاً جبّاراً في الجنوب، ولا يستطيع أن يضحي بما لا نهاية بشبابه، والبحث في أعماق الجبال عن الأنفاق، وإلى أين تصل».

وتوجه لـ«حزب الله» بالقول: «سهّل على الدولة عملها، وأعطها عناصر ومعلومات وهي تجلب لك سلاماً، ويجب الانتقال بذهنية مسؤولي (حزب الله) إلى مكان آخر».


أربيل تحتضن مفاوضات حل المشكلة الكردية في سوريا

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
TT

أربيل تحتضن مفاوضات حل المشكلة الكردية في سوريا

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

تلعب أربيل، عاصمة إقليم كردستان بشمال العراق، دوراً لافتاً هذه الأيام في رعاية الجهود الرامية إلى حل المشكلة الكردية في سوريا، ويتجلّى ذلك في استضافتها مفاوضات تجمع المبعوث الأميركي لسوريا توماس برّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مظلوم عبدي.

واجتمع المبعوث الأميركي مع مظلوم عبدي في أربيل، السبت، بحضور زعيم الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني، ما يؤكد انخراط أربيل في جهود تسوية الملف الكردي في سوريا، طبقاً لبعض المراقبين.

ووزع الحزب «الديمقراطي الكردستاني» صورة لاجتماع بارزاني مع برّاك لوحدهما، مشيراً إلى أن المسؤول الأميركي أشاد بدور الزعيم الكردي العراقي في عملية السلام وتهدئة الأحداث الأخيرة في سوريا. كما ناقش الاجتماع الوضع في سوريا، وآخر التطورات على أرض الواقع، وأكد أن التوصل إلى حل للمشكلات يجب أن يعتمد على الحوار والتفاهم والأساليب السلمية، وفق ما جاء في البيان الذي أشار إلى أن الاجتماع حضره أيضاً رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني.

وتابع البيان أن الرئيس مسعود بارزاني «شكر الولايات المتحدة على دورها في مساعدة الأطراف السورية على التوصل إلى حل للمشكلات، وشدد على ضرورة ضمان حقوق الشعب الكردي في مستقبل سوريا».

وليس من الواضح بعد قدرة اجتماع أربيل على حسم ملف أكراد سوريا، خصوصاً في ظل التطورات الأمنية المتسارعة بين «قسد» والقوات الحكومية في محافظتي حلب والرقة. كما تزامن اجتماع أربيل مع اتهامات وجهتها «قسد» لحكومة دمشق بأنها «ترتكب خروقات لبنود الاتفاق» الذي تم بين الطرفين بخصوص انسحاب «قسد» إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات.

وقرر القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مظلوم عبدي، في وقت سابق، سحب قواته من مناطق التماس بريف حلب الشرقي، على أن يبدأ الانسحاب صباح السبت.

ويُمثل الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد» أهمية كبيرة بالنسبة لإقليم كردستان بشكل خاص وللعراق بشكل عام، بالنظر للتداخل الجغرافي والأمني والقومي، لا سيما مع مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» في شمال شرقي سوريا. ويقول مصدر مقرب من الحكومة الاتحادية في بغداد إنها «تراقب باهتمام ما يجري من مفاوضات بين دمشق و(قسد)، لكنها لم تتدخل بصورة مباشرة فيها».

ويؤكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «بغداد تريد إنهاء ملف الصراع في المناطق السورية بشكل عام والمتاخمة لحدوده بشكل خاص، وذلك لتجنب تداعيات أي أعمال عنف جديدة قد تنعكس سلباً على حالة الاستقرار النسبي القائمة حالياً، لا سيما أن عصابات (داعش) ما زالت تسعى لإعادة نشاطاتها الإرهابية».

بدوره، أكد كفاح محمود، المستشار الإعلامي لزعيم الحزب «الديمقراطي» مسعود بارزاني، أن إقليم كردستان بات يمثل «محوراً» أساسياً لصنع السلام في سوريا وبقية الإقليم، خصوصاً فيما يتعلق بالقضايا الكردية.

وقال محمود لـ«الشرق الأوسط» إن «أربيل أصبحت محور المفاوضات لحل المشكلات الكردية، بالنظر للموقع المتميز الذي يحظى به الرئيس بارزاني، سواء في تركيا أو في إيران أو سوريا، وقد رأينا سابقاً كيف أنه أسهم في اتفاق حزب (العمال الكردستاني) التركي مع أنقرة، على الرغم من عدم تطبيق الاتفاق بشكل كامل حتى الآن، وكذلك الأمر بالنسبة للقضية الكردية في سوريا».

وأشار محمود إلى أهمية اجتماع السبت في أربيل بين المبعوث الأميركي وقائد «قسد» وبحضور الرئيس مسعود بارزاني، لافتاً إلى أن توماس برّاك «قدم من دمشق إلى أربيل وهو يحمل رؤى القيادة السورية الجديدة، ولديه أيضاً رؤى واضحة عن القيادة الكردية هناك، خصوصاً مع مظلوم عبدي».

وأعرب محمود عن اعتقاده بأن الاجتماع قد «يؤكد بنود الاتفاق السابق بين دمشق و(قسد) الموقع في 10 مارس (آذار) الماضي، وقد يُسهم في تفسير بنوده بطريقة جديدة، لأن كل طرف من أطراف الاتفاق يفسّره طبقاً لمفهومه ومصالحه». واتفاق «10 مارس» يتعلق بدمج «قسد» ضمن مؤسسات الحكومة السورية.

ورأى محمود أن «الصراع الحالي على الأرض هدفه رسم حدود المنطقة التي سيتفاوض عليها كل من الحكومة السورية والإدارة الكردية».

وتابع أن اجتماع أربيل ربما ستنتج عنه خريطة طريق تتضمن «مجموعة مقترحات للقيادة السورية تصب في تطوير الاتفاق السابق، وقد تساعد على إيقاف التفسير والتأويل المختلف ما بين الطرفين حول الاتفاق نفسه».

وأشار إلى أن «هناك فرصة كبيرة لنجاح الاتفاق، خصوصاً أن واشنطن اليوم ترتبط بعلاقات جيدة مع الحكومة في دمشق بعد أن كانت العلاقات متدهورة في عهد الرئيس السابق بشار الأسد، كما أن واشنطن ترتبط أيضاً بعلاقات جيدة سابقة وحالية مع الإدارة الكردية».