اتصالات ولقاءات مكثفة لتسهيل مسار «حصرية السلاح» في لبنان

مصادر وزارية: دعوة بري للحوار حوله تنقل الأمور إلى مكان آخر

رئيس الجمهورية جوزيف عون مجتمعاً برئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مجتمعاً برئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
TT

اتصالات ولقاءات مكثفة لتسهيل مسار «حصرية السلاح» في لبنان

رئيس الجمهورية جوزيف عون مجتمعاً برئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مجتمعاً برئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

لا تزال جلسة الحكومة المقرر عقدها يوم الجمعة المقبل لعرض خطة الجيش اللبناني لحصرية السلاح، تأخذ حيزاً أساسياً من الاهتمام السياسي في لبنان، حيث تتكثف الاجتماعات والاتصالات، في موازاة أصداء مواقف رئيس البرلمان نبيه بري، في ذكرى اختفاء الإمام موسى الصدر، يوم الأحد، التي رأى البعض أنها لا تختلف عن موقف «حزب الله»، رغم أنه كان قد تمايز عنه في الفترة الأخيرة، لا سيما أنه دعا للحوار حول «حصرية السلاح» بعد انطلاق مساره.

اتصالات لعدم المواجهة في جلسة الجمعة

وكانت جلسة الحكومة محوراً أساسياً في اللقاء الذي عقده رئيس الجمهورية جوزيف عون مع رئيس الحكومة نواف سلام، الاثنين، حيث أفادت رئاسة الجمهورية في بيان لها، بأن الرئيس عون اطّلع من رئيس الحكومة على نتائج زيارته إلى القاهرة والمحادثات التي أجراها، وتناول البحث أيضاً التحضيرات لجلسة مجلس الوزراء المقرّرة يوم الجمعة المقبل.

وفي هذا الإطار، قالت مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية لـ«الشرق الأوسط» إن هناك اتصالات مستمرة سعياً لعدم المواجهة في جلسة الحكومة الجمعة، مشيرة إلى أن التوجه لمشاركة وزراء الثنائي الشيعي («حزب الله» و«حركة أمل») على أن يبقى بقاؤهم أو مغادرتهم مرتبطاً بمسار الأمور. وتقول المصادر: «إما سيتم الاكتفاء بعرض الخطة والاتفاق على المتابعة لاحقاً لاتخاذ القرار بشأنها، أو سيتم طرحها على التصويت إذا اتجهت الأمور نحو هذا المنحى، بحيث من المرجح عندها أن يتخذ الوزراء الشيعة قراراً بمغادرة الجلسة، على غرار ما حصل في الجلستين السابقتين عندما اتخذ قرار ببند (حصرية السلاح)».

موقف بري

وتتوقف المصادر من جهة أخرى عند موقف رئيس البرلمان نبيه بري في كلمته في ذكرى إخفاء موسى الصدر، الذي كان حاضراً أيضاً في لقاء عون - سلام، مشيرة إلى أن طرح الحوار حول السلاح لم يكن مفاجئاً، بحيث إن رئيس البرلمان كان قد طرحه على رئيس الجمهورية بطريقة غير مباشرة قبل إعلانه يوم الأحد. وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن «رئيس البرلمان نقل الأمور من مكان إلى آخر، إذ في وقت نحن كنا قد انطلقنا في مسار (حصرية السلاح) عاد ليطرح فكرة الحوار، وشعار السلاح المقدس الذي لطالما حمله (حزب الله)».

وفيما تشدد المصادر على أن الحكومة لم تقر الورقة الأميركية إنما أهدافها التي أتت في جزء كبير منها في اتفاق وقف إطلاق النار، تذكر أن آخر بند فيها ينص على أنه إذا لم تطبق من قبل الإسرائيلي أو السوري فعندها لن تكون قابلة للتنفيذ.

بو صعب

إلا أن نائب رئيس المجلس النيابي إلياس بو صعب قال بعد لقائه مع بري: «لمست أن رئيس البرلمان منفتح ومرن، ولكن في الوقت نفسه هو حريص على لبنان وكرامة لبنان، وعلى طريقة معالجة الأمور والأزمات، وأن التحدي لا يوصل إلى نتيجة، وأنه بالتفاهم وبالهدوء نصل إلى النتيجة التي فيها مصلحة لبنان بالدرجة الأولى».

وأضاف: «لكي تسير الأمور بطريقة أفضل، يجب أن نكون آخذين في الاعتبار، أن خطر التهديدات الإسرائيلية ما زال قائماً. وفي الوقت نفسه الوحدة الداخلية أساسية، وتطبيق كامل لدستور الطائف هو المخرج، وأي موضوع يحتاج إلى حوار جانبي أو حوار مباشر، أو حوار غير مباشر أيضاً، ولكن بالحوار يجب أن نذهب إلى تطبيق كامل لدستور الطائف، وكما تعرفون دستور الطائف يعالج الكثير من الأمور، يعالج موضوع حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، ويقول إنه يجب أن يكون هناك حوار واستراتيجية دفاع وطني أو استراتيجية أمنية، كما ورد في خطاب القسم».

وزير الزراعة: أتمنى ألا نكون عدنا إلى نقطة الصفر

وحول جلسة الحكومة يوم الجمعة المقبل، قال وزير الزراعة نزار هاني (الحزب التقدمي الاشتراكي): «أتمنى ألا نكون عدنا إلى النقطة صفر في المفاوضات، والحكومة واضحة في قرارها، هناك بيان وزاري واضح وخطاب قسم واضح، ولنرى ما هي المعطيات لدى الجيش، وفي ضوئها يؤخذ القرار المناسب».

ولفت إلى أن «الحكومة بدأت سحب السلاح من المخيمات»، مشدداً على أن «موضوع حصر السلاح هو على رأس أولويات الحكومة، ويمضي وفق المخطط الموضوع»، متمنياً «ألا ينسحب الوزراء الشيعة من الجلسة؛ لأن موضوع حصر السلاح ننجز فيه حواراً وطنياً، والورقة التي نبحث فيها هي لبنانية، وفيها 11 مطلباً لا خلاف عليها بين أي لبناني وآخر».

وأكد أن «جزءاً أساسياً من عمل الحكومة ليس فقط العمل على حصر السلاح، وإنما أيضاً على ورقة كاملة متكاملة، ومنها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب إسرائيل، وعودة الأسرى، وهي شروط ومواد واضحة في هذا الاتفاق».

السفير المصري

وموضوع «حصرية السلاح» كان حاضراً أيضاً في لقاء السفير المصري علاء موسى، مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، حيث سلّمهما دعوة من الرئيس المصري لحضور الاحتفال بافتتاح المتحف المصري الكبير في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وقال موسى بعد لقائه عون: «تمحور اللقاء بداية حول مستجدات الوضع في الإقليم، وفي لبنان، وأيضاً حول الجهود التي يبذلها الرئيس عون، إضافة إلى الجهود المصرية والدولية والإقليمية من أجل الدفع لتسهيل كل الإجراءات، وصولاً إلى استقرار لبنان وانسحاب إسرائيل من كامل أراضيه».

وفي رد على سؤال عما إذا كانت هناك أجواء أو توجه للتراجع عن قرارات الحكومة في شأن حصرية السلاح بعد دعوة بري إلى حوار لمعالجة هذا الأمر عن طريق استراتيجية الأمن الدفاعية، قال موسى: «نحن نتكلم دائماً عن أن هناك مبدأ ثابتاً لجهة حصرية السلاح بيد الدولة، وبسط الدولة سيطرتها على كامل أراضيها. هذان العنوانان ثابتان ولا مجال للنقاش حولهما. أما عن كيفية تمام ذلك، فهذا أمر لبناني داخلي بحت».

وأشار إلى أن «هناك خطوة متمثلة بتقديم الجيش لخطته لهذا الأمر، ثم الحديث داخل أروقة مجلس الوزراء بالتنسيق مع الرئاسة عن الخطوات التي تليها»، معتبراً «أن الأمر في الحقيقة لن يخلو في أي حال من الأحوال من الحوار الذي أشار إليه رئيس البرلمان، والأمور تسير من خلال النقاش والحوار، وهذا الأمر مطلوب، وأعتقد أنه يتم الآن».

جهود «الخماسية»

وعما إذا كانت هناك جهود لـ«اللجنة الخماسية» للضغط على إسرائيل لكي يتم تسهيل تطبيق اتفاقية وقف إطلاق النار وانسحابها من التلال الخمس، وبدء تنفيذ خطوة مقابل خطوة، قال موسى: «الأمر يتم بالفعل، ونحن نتحدث مع كل الأطراف في الإقليم، وكان هناك تواصل مباشر الأسبوع الماضي بين الجانب المصري والأطراف الإقليمية والدولية أيضاً، وأتحدث هنا عن الولايات المتحدة وفرنسا، تناولنا هذا الأمر ونقلنا وجهة نظر لبنان ونحن ندعمها بشكل كامل. لا بد من تطبيق اتفاق نوفمبر الماضي بشكل كامل، ليس فقط على الجانب اللبناني، بل على الطرف الآخر أن ينفذ التزاماته، هذا ما نتحدث به مع هذه الأطراف، ومع الولايات المتحدة ومع فرنسا».

وأكد موسى أن «هذه الاتصالات سوف تستمر، ويجب أن تستمر إلى أن نحصل على هذا الشيء الذي يساعد على تنفيذ الاتفاق، ويدفعنا خطوة مهمة إلى الأمام. وأؤكد على أن الاتصالات المصرية مستمرة، ونستغل علاقتنا مع الأطراف الإقليمية والدولية من أجل دعم لبنان في جميع أموره. وتحديداً السؤال المتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ووقف الخروقات الإسرائيلية الدائمة للأجواء اللبنانية».

لودريان في بيروت

وأمور عدة بينها حصرية السلاح كانت أيضاً محور لقاء السفير الفرنسي في بيروت هيرفيه ماغرو، ترافقه المستشارة السياسية في السفارة السيدة ماري فافريل، مع عون وسلام، حيث تناول البحث عدداً من المواضيع التي تهم البلدين، إضافة إلى التطورات المتصلة بمسألة حصرية السلاح.

وتطرق البحث، حسب بيان رئاسة الجمهورية، إلى المعطيات المتصلة بالتمديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب «اليونيفيل»، حيث جدد الرئيس عون شكره للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الجهود التي بذلها لتحقيق التمديد حتى نهاية عام 2027. وأشار السفير ماغرو إلى أن الرئيس ماكرون سوف يوفد خلال الأيام القليلة المقبلة الوزير السابق إيف لودريان لمتابعة التطورات مع الجانب اللبناني، ولا سيما مرحلة ما بعد التمديد لـ«اليونيفيل»، ومسألة حصرية السلاح، إضافة إلى التحضير للمؤتمرين اللذين سيدعو الرئيس الفرنسي إلى عقدهما؛ الأول يتعلق بإعادة الإعمار في لبنان، والثاني لدعم الجيش.


مقالات ذات صلة

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

«حزب الله»: السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير

قال «حزب الله» اللبناني إن «السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير» عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مع ممثلي «من يستبيح أرضها وسيادتها».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)

لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

شكّل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط محطة بارزة

يوسف دياب (بيروت)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.