بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

كثرة الإنجازات غيَّرت المشهد العام للمدينة لكن صور المأساة لا تزال تطارد السكان

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
TT

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)

تحاول مدينة درنة الليبية، التي كادت أن تُمحى بفعل إعصار دانيال عام 2023، النهوض من جديد من خلال عملية إعمار متسارعة، تشمل تشييد جسور ومبانٍ سكنية ومنشآت صحية. ورغم مرور 3 سنوات، لا تزال صور كارثة سبتمبر (أيلول) 2023 عالقة في أذهان السكان: مبانٍ مدمَّرة وجثث مدفونة تحت أطنان من الطمي، وهياكل سيارات تطفو فوق أمواج البحر.

قتلى وخسائر بالجملة

في الليلة الفاصلة بين 10 و11 من الشهر ذاته، تسبب هطول أمطار غزيرة في انفجار سدَّين متداعيين في أعالي درنة، ما أدَّى إلى تدفُّق طوفان من المياه على وسط المدينة البالغ عدد سكانها 120 ألفاً. وقد وصل ارتفاع منسوب المياه إلى 7 أمتار، ولقي ما لا يقلُّ عن 4 آلاف شخص حتفهم، بينما اعتبر عشرات الآلاف في عداد المفقودين، ونزح جرَّاء ذلك أكثر من 40 ألف شخص، وفق حصيلة تمَّ الإعلان عنها إثر الكارثة.

صورة التُقطت في 18 سبتمبر 2023 بعدما ضرب إعصار دانيال المدينة (أ.ف.ب)

وفقدت أسماء أحمد القزيّري (40 عاماً) أبناء عمتها وخالها، حالها حال آلاف في مدينة «درنة المترابطة»، كما تقول، وحيث «كل العائلات قريبة بعضها من بعض... وكلُّنا أنساب وأحباب وأقارب وجيران». وتضيف أسماء التي تعمل في دولة خليجية وتعود بانتظام لزيارة مسقط رأسها، إن هناك «تغييراً ملحوظاً جداً... مدينتي تتعافى».

وتمكَّنت «وكالة الصحافة الفرنسية» خلال جولتها في المدينة من معاينة عملية إعادة الإعمار عن قرب، مثل المستشفى الجديد الذي لا يزال قيد البناء، ويتسع لـ600 سرير، كما تمَّت إعادة تأهيل عشرات المدارس، وبُنيت جامعة جديدة وملعب كرة قدم.

تحاول درنة تناسي مأساتها بتشييد المرافق الصحية والمستشفيات والمنازل العصرية (أ.ف.ب)

وعلى مسافة 6.5 كيلومتر، يمتدُّ كورنيش بحري مجهَّز بالحماية اللازمة من عوامل الطقس. كما يمكن مشاهدة محطة لتحلية مياه البحر وجامع الصحابة الذي عاد جديداً. ولكن ذلك لا يُنسي أسماء القزيري المفقودين من عائلتها الذين لم يُعثر عليهم قط.

لذلك ترى أنَّ على السلطات أن تركِّز على الاهتمام بـ«كل من نجا من الإعصار. فقد نجا من نجا جسدياً؛ لكن تضرَّروا جداً نفسياً. فقدوا جزءاً كبيراً من عائلاتهم، والمفروض الاهتمام بقطاع الصحة النفسية وجعله من الأولويات في الوقت الحالي».

جانب من البنايات الحديثة التي عوَّضت المنازل المهدمة (أ.ف.ب)

وبالنسبة إلى أشرف التارقي البالغ من العمر 30 عاماً، وهو مشرف على ورش بناء، وفقد أيضاً كثيراً من أفراد عائلته الموسعة في الكارثة: «وراء كل شرٍّ عظيم تُبتلى به، يأتي خير عظيم بعده، وهذه ميزة من الله»؛ لكنه يتحسَّر على فقدان أقاربه الذين لقوا حتفهم في الفيضان، ويفضِّل لو أنه خسر منزله بدلاً من أحبائه. في الوقت نفسه، يجد أن «المساحات الخضراء» المنتشرة هنا وهناك «مفيدة جداً للصحة النفسية».

درنة تنهض من جديد

تمرَّدت درنة على حكم الزعيم الليبي معمَّر القذافي في عام 2011، مع بدء الانتفاضة الشعبية ضده، ولكنها بعد سقوط هذا الحكم وموت القذافي، تحوَّلت إلى معقل لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» المتطرفَين. وفي 2018، سيطرت قوات المشير خليفة حفتر على المدينة بعد معارك دامية.

نموذج من المنازل الحديثة التي تم تشييدها بعد الإعصار (أ.ف.ب)

اليوم، تتمتع عائلة حفتر بصيت كبير في شرق ليبيا وجنوبها؛ حيث تقع غالبية الحقول النفطية والموانئ في بلد يضم ثروات نفطية كبيرة، وتدعم حكومة تتخذ من بنغازي مقراً وموازية للحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس (غرب).

ورافق عادل بوخشيم، المهندس المعماري والمسؤول المحلي عن صندوق إعادة الإعمار، الذي أُنشئ مطلع عام 2024، فريق «وكالة الصحافة الفرنسية» لزيارة أكبر ورش البناء في درنة، مفاخراً بـ«نسبة إنجاز تبلغ 80 في المائة»، و«إتمام الإنجاز خلال الأشهر السبعة أو الثمانية القادمة». ويقول إنه تمَّ بناء 3500 شقة، من بينها 2500 سُلِّمت بالفعل إلى المتضرِّرين، و9 جسور، من بينها 4 تعبر الوادي (مجرى النهر) الذي تحوَّل إلى مكان للتنزه. كما حصلت أيضاً أعمال ترميم في الأحياء التي نجت من إعصار دانيال؛ إذ تنتشر فيها أعمدة إنارة وأرصفة جديدة.

«انطلاقة جديدة»

يُبدي المصري أحمد شحاتة -وهو دهَّان يبلغ من العمر 31 عاماً وأب لأربعة أطفال- سروره من «توفُّر العمل» بسبب «حُمَّى البناء». ويقول: «هناك عمل في كل مكان، ولا يعجز عن إيجاده سوى من لا يستحق».

في أعقاب إعصار دانيال، كشف حجم المأساة ترهُّل وإهمال البنى التحتية، لا سيما السدود التي يعود تشييدها إلى سبعينات القرن الماضي. وقد أقدم سكان غاضبون حينها على إحراق منزل رئيس البلدية، والتنديد بالفساد في الإدارة.

نموذج من الجسور الحديثة المشيدة بعد إعصار دانيال (أ.ف.ب)

وشكَّلت هذه الاضطرابات دافعاً قوياً لعائلة حفتر، التي أنشأت بعد 6 أشهر صندوق إعمار خصَّصت له ملياري دولار، ووُضع تحت إشراف بلقاسم حفتر، نجل خليفة حفتر، الذي قرَّر أن يجعل من درنة مثالاً على قدرات الإدارة في الشرق.

في غضون عامين ونصف فقط، تغيَّر المشهد العام للمدينة بشكل كلِّي، ولكن صور المأساة لا تزال تطارد أهالي المنطقة.

منظر عام لدرنة الجديدة بعد بناء عدد كبير من البنايات والأبراج الحديثة (أ.ف.ب)

فقدْ فقدَ عادل بوخشيم، الممثل المحلي لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، نحو 15 شخصاً من عائلته، من بينهم شقيقته وزوجها وأطفالهما الأربعة. ويقول متأثراً: «لم يكن أحد يظن أننا سنعيش هنا مجدداً» بعد الكارثة.

لكن المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار شكَّلت «نقطة انطلاق» لهذا المهندس البالغ من العمر 54 عاماً، والذي يؤكد: «عندما أنغمس في عملي، أقول لنفسي إن هذه الأرواح لم تذهب هباء».


مقالات ذات صلة

الزاوية الليبية تدفع ثمن «الرصاص المنفلت» مزيداً من الدماء

شمال افريقيا أحد قتلى اشتباكات مدينة الزاوية الليبية بدايات مايو الماضي (مركز طب الطوارئ والدعم)

الزاوية الليبية تدفع ثمن «الرصاص المنفلت» مزيداً من الدماء

حاملاً رشاشاً على كتفه، أطلق ميليشياوي، كان في حالة سكر، النار في الزاوية (غرب ليبيا)، ما أثار حالة من الرعب بين سكانها، وأعاد إلى الواجهة ملف تغول التشكيلات.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا خالد محمد علي الهيشري (متداولة)

«الجنائية الدولية» تقضي بإمكان توجيه اتهامات لمشتبه به ليبي

حكم قضاة المحكمة الجنائية الدولية، اليوم الخميس، بإمكان ​توجيه تُهم متعددة إلى الليبي خالد محمد علي الهيشري، المتهم بإدارة أحد أسوأ السجون سُمعة في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
شمال افريقيا مهاجرة صومالية تحمل ابنها داخل أحد مراكز الاحتجاز والترحيل في بنغازي (رويترز)

تعرض آلاف المهاجرين لـ«انتهاكات جسيمة» على الحدود التونسية الليبية

أعرب خبراء أمميون، اليوم الخميس، عن «قلقهم البالغ» إزاء تقارير عن تعرض آلاف المهاجرين من دول جنوب الصحراء للاحتجاز التعسفي، وعمليات طرد جماعي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس (أ.ف.ب)

خطة مسعد بولس لإعادة توحيد ليبيا... «رهان محفوف بالمخاطر»

يكثّف مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، جهوده للتقريب بين شرق ليبيا وغربها في محاولة تسوية بين رجال نافذين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تكالة في لقاء سابق مع مشايخ وأعيان قبائل الأشراف (المجلس الأعلى الليبي)

«صراع التيارات» يهيمن على انتخابات «الأعلى للدولة» الليبي

وسط انقسام داخلي، يعتزم المجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية طرابلس عقد انتخابات على رئاسته نهاية الشهر الحالي، في ظل منافسة وصراع بين تيارات متباينة.

جاكلين زاهر (القاهرة)

غياب الرئيس التونسي عن النشاط العلني يثير التكهنات

الرئيس قيس سعيد (أ.ف.ب)
الرئيس قيس سعيد (أ.ف.ب)
TT

غياب الرئيس التونسي عن النشاط العلني يثير التكهنات

الرئيس قيس سعيد (أ.ف.ب)
الرئيس قيس سعيد (أ.ف.ب)

أثار غياب الرئيس التونسي، قيس سعيد، عن النشاط العلني، لأكثر من أسبوع، تكهنات بشأن وضعه الصحي، في ظل انحسار كبير للمعلومات الرسمية، وفق ما أوردته «وكالة الأنباء الألمانية». ويعود آخِر نشاط علني موثَّق للرئيس سعيد إلى الثامن من يوليوز (تموز) الحالي، أثناء لقائه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني في القصر الرئاسي، وفق ما نُشر على الصفحة الرسمية للرئاسة بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» التي دأبت على توثيق أنشطته ومقابلاته في القصر الرئاسي.

وقالت صحيفة «إل فوجليو» الإيطالية، عبر موقعها الإلكتروني، اليوم الجمعة، إن معلومات حصلتْ عليها تفيد بنقل الرئيس سعيد إلى المستشفى العسكري بتونس، على أثر إصابته بنوبة قلبية استدعت جراحة طارئة.

وأضافت الصحيفة نفسها أن الحادث أحيط بسرية تامة لتجنب تأجيج التكهنات بشأن صحة الرئيس، الذي صعد إلى السلطة منذ 2019، وفاز بولاية ثانية في عام 2024.

ولم يُشِر القصر الرئاسي ولا وسائل الإعلام الرسمية، أو أي جهات طبية مستقلة في تونس، إلى أي معلومات بشأن الوضع الصحي لساكن قصر قرطاج مؤخراً.

وكانت «جبهة الخلاص الوطني»، الفصيل السياسي الأبرز للمعارضة في تونس، قد طالبت في 2023 بالكشف عن الوضع الصحي الحقيقي للرئيس سعيد، وما إذا كان هناك فراغ على رأس السلطة، بعد فترة غياب مماثلة عن النشاط العلني في شهر مارس (آذار) من ذلك العام. لكن الرئيس سعيد ظهر لاحقاً في مقطع فيديو بمكتبه الرئاسي، نافياً وجود فراغ في منصب رئيس الجمهورية.

وتتهم المعارضة السياسية، التي يقبع كثير من رموزها في السجن بتهمة التآمر على أمن الدولة، الرئيس سعيد بتقويض أسس الديمقراطية الناشئة منذ قراره إعلان التدابير الاستثنائية في البلاد في 25 يوليو (تموز) 2021، وتوسيعه صلاحياته في الحكم وتعديل النظام السياسي. في حين يتهم الرئيس سعيد خصومه بمحاولات تفكيك مؤسسات الدولة من الداخل.


المواصلات... عبء يومي يرهق سكان الخرطوم

منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)
منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

المواصلات... عبء يومي يرهق سكان الخرطوم

منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)
منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)

لم يعد الوصول إلى مقرِّ العمل أو المستشفى أو الجامعة في العاصمة السودانية، الخرطوم، مجرد رحلة يومية عادية، بل تحوَّل إلى اختبار قاسٍ لقدرة المواطنين على تحمُّل أعباء الحياة في مدينة أنهكتها الحرب. فمع الارتفاع المتواصل في تعريفة المواصلات، وتراجع مستويات الدخل، واتساع رقعة البطالة، تجد آلاف الأسر نفسها مضطرةً إلى المفاضلة بين دفع أجرة التنقل، أو توفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء ومصاريف الدراسة.

وتزداد الأزمة تعقيداً مع عودة أعداد كبيرة من النازحين إلى العاصمة الخرطوم ومدنها الثلاث، في وقت لا تزال فيه الخدمات محدودة، وعدد المركبات العاملة أقل بكثير من حجم الطلب، بينما ارتفعت أسعار الوقود وقطع الغيار ورسوم التشغيل إلى مستويات انعكست بصورة مباشرة على تعريفة المواصلات.

منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وتبدأ معاناة المواطنين حتى قبل صعودهم إلى حافلات النقل العام، إذ يواجه الركاب فترات انتظار طويلة، وتغيّراً متكرراً في التعريفة، ونقصاً في المركبات العاملة على عدد من الخطوط. كما أدى الدمار الذي لحق بالبنية التحتية وإغلاق بعض الطرق إلى تغيير مسارات الحركة، ما أطال زمن الرحلات، وأجبر كثيرين على استخدام أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى وجهاتهم، الأمر الذي ضاعف التكلفة اليومية للتنقل.

وتكشف الأرقام الرسمية جانباً من الضغوط الاقتصادية التي يواجهها المواطنون في ظلِّ الحرب. فبينما بلغت عائدات صادرات الذهب نحو 370 مليون دولار خلال الرُّبع الأول من العام الحالي، تجاوزت فاتورة استيراد الوقود 697 مليون دولار خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين عائدات الصادرات وتكلفة الواردات الأساسية، في وقت لا تزال فيه قطاعات إنتاجية واسعة متوقفةً بسبب الحرب.

منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بالنسبة لعبد الله علي (50 عاماً)، وهو سائق حافلة، فإنَّ أزمة المواصلات تختصر جانباً كبيراً من خسائره الشخصية. فقد سُرقت حافلته مع اندلاع القتال، وأُصيب بشظية في يده اليمنى، قبل أن ينزح إلى ولاية الجزيرة، ثم إلى عطبرة وشندي. وبعد عودته إلى الخرطوم قبل نحو 6 أشهر، اضطر إلى العمل سائقاً بالأجرة على حافلة لا يملكها. يقول عبد الله لـ«الشرق الأوسط» إنَّ دخله الحالي بالكاد يغطي احتياجاته اليومية، ولا يتيح له حتى تجديد رخصة القيادة، مشيراً إلى أنَّ كثيراً من السائقين يعجزون كذلك عن سداد رسوم الترخيص والصيانة، في وقت تواصل فيه أسعار الوقود والزيوت والإطارات وقطع الغيار ارتفاعها بصورة مستمرة.

أما موسى الصافي، وهو عامل يعيل 4 أطفال، فيقول إن المواصلات تستنزف جزءاً كبيراً من دخله اليومي، بحيث لا يتبقى له ما يكفي لتغطية احتياجات أسرته الأساسية. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب لم ترفع الأسعار فحسب، بل قلّصت أيضاً فرص العمل، فأصبح العامل يدفع تكلفة الذهاب والعودة من دون أي ضمان بالحصول على فرصة عمل أو تحقيق دخل في نهاية اليوم».

المواطن موسى الصافي قال إنَّ المواصلات تأكل دخله اليومي (الشرق الأوسط)

ولا تختلف معاناة الموظفين والطلاب كثيراً. ويقول سامي عبد القيوم، الموظف في القطاع الخاص، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يضطر في كثير من الأحيان إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى مقر عمله، ما يستهلك جزءاً كبيراً من راتبه الشهري. ولتقليل النفقات، ينزل قبل وجهته ويمشي مسافات طويلة على قدميه، رغم ما يسببه ذلك من إرهاق يومي.

أما الطالب الجامعي شهاب عثمان، فيقول لـ«الشرق الأوسط»، إن عدداً من الطلاب يتأخرون عن المحاضرات أو يتغيبون عنها عندما يعجزون عن توفير أجرة المواصلات، بينما يضطر آخرون إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام لتقليل مصروفاتهم اليومية.

يؤكد عز الدين جابر، عضو نقابة الحافلات، لـ«الشرق الأوسط»، أن تعريفة الخطوط القصيرة تبلغ نحو ألفي جنيه، في حين تصل في بعض الخطوط الطويلة إلى 6 آلاف جنيه. ويرى أن خفض أسعار الوقود يمثِّل المدخل الأهم لتقليل تكلفة التشغيل، ومن ثم تخفيف العبء عن الركاب.

عضو هيئة النقل عز الدين جابر قال إنَّ الحرب والتدهور الاقتصادي انعكسا على تعريفة النقل (الشرق الأوسط)

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على نقل الأشخاص وحدهم، بل تمتد إلى حركة البضائع والسلع. ويقول الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تجاوز سعر غالون الجازولين 40 ألف جنيه، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكلفة نقل البضائع من ميناء بورتسودان ومناطق الإنتاج إلى الأسواق وموانئ التصدير، لينعكس ذلك في نهاية المطاف على أسعار السلع والخدمات».

وفي الخرطوم، التي تشهد عودة متواصلة للنازحين واللاجئين، لم تعد تكلفة المواصلات مجرد مبلغ يدفعه الراكب عند صعود الحافلة، بل أصبحت جزءاً من تكلفة البقاء نفسها. فكل زيادة جديدة في التعريفة قد تعني وجبة أقل على مائدة أسرة، أو دواءً مؤجلاً لمريض، أو طالباً يغيب عن محاضرته، أو عاملاً يقطع كيلومترات سيراً على الأقدام حفاظاً على ما تبقى من دخله.


الشرطة تتدخل لفض اعتصام مفتوح داخل البرلمان الموريتاني

مريم الشيخ وقامو عاشور (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور (إعلام محلي)
TT

الشرطة تتدخل لفض اعتصام مفتوح داخل البرلمان الموريتاني

مريم الشيخ وقامو عاشور (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور (إعلام محلي)

أنهت قوة خاصة من الحرس الموريتاني الاعتصام، الذي كانت تقوم به البرلمانيتان قامو عاشور ومريم الشيخ؛ احتجاجاً على منعهما من مواصلة عملهما في البرلمان، بعد أن أقر المجلس الدستوري (المحكمة الدستورية) في موريتانيا أحقيتهما بالاحتفاظ بصفتهما البرلمانية حتى ينتهي الطعن في قرار تجريدهما من حقوقهما المدنية والسياسية. وقالت قامو عاشور، في تصريح صحافي أمام البرلمان، نقلته «وكالة الصحافة الألمانية» بعد إخراجها منه بالقوة، إن وحدة من الحرس تضم ما لا يقل عن عشرين من العناصر النسائية للحرس مستعينات بكرسيين، استخدمن القوة لإخراجها من مكتبها داخل البرلمان، فجر الجمعة، مشيرة إلى أن العنف الذي استخدم ضدهما كاد «يؤدي إلى كسر رقبتها». ونددت البرلمانية بما جرى ضدهما من «تجاوزات غير قانونية وغير ديمقراطية، ومن تعدٍّ على صفتهما كبرلمانيات».

واجهة مبنى البرلمان الموريتاني (البرلمان)

ودخلت النائبتان في البرلمان المعارضتان قامو عاشور ومريم الشيخ في اعتصام مفتوح داخل البرلمان، احتجاجاً على مساعي السلطة منعهما من ممارسة مهامها بعد أن أقر المجلس الدستوري بعدم إمكانية إعلان شغور منصبيهما. وحاصرت قوات أمنية كبيرة مبنى البرلمان، وقامت بإغلاق الطرق المؤدية إليه تمهيداً لاقتحام البرلمان وإخراج عضوتي البرلمان بالقوة. وتمكنت مريم الشيخ وقامو عاشور من دخول البرلمان في وقت سابق من يوم الخميس خلسة، وقررتا الدخول في اعتصام مفتوح بعد منعهما يوم الأربعاء من دخول البرلمان، بعد قرار المجلس الدستوري بأحقيتهما بالاحتفاظ بصفتهما في البرلمان. وكان المجلس الدستوري قد حسم في قراره الجدل القانوني المثار حول عضويتهما، حيث أصدر قراراً أكد فيه عدم إمكانية إسقاط عضويتهما بناءً على الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بنواكشوط، معللاً ذلك بأن الحكم القضائي المذكور ما زال قابلاً للطعن أمام المحكمة العليا. وصدر عفو رئاسي بحق المشرعتين أسقط عنهما ما تبقى من الحكم بسجنهما عامين، بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، والتحريض على العنف، والمساس بالوحدة الوطنية واللُّحمة الاجتماعية.

وفي سياق الجدل الذي خلفته قضية النائبتين، قال وزير التكوين المهني والصناعة التقليدية والحرف، الناطق باسم الحكومة، محمد ماء العينين ولد أييه، إن ملف النائبتين مريم الشيخ وقامو عاشور سالم يدخل ضمن اختصاص السلطات القضائية والتشريعية والمجلس الدستوري.

وأوضح، خلال المؤتمر الصحافي الأسبوعي للحكومة، أن الرئيس تناول القضية في اجتماع مجلس الوزراء، مؤكداً أهميتها لارتباطها بالممارسة الديمقراطية، ومشدداً على أن المؤسسات المختصة ستعالجها وفقاً لاختصاصاتها وفي إطار استقلاليتها.

وأضاف ولد أييه أن الحكومة ليست طرفاً في الملف، ولا تتدخل في مساره أو في الإجراءات المتعلقة به.

في المقابل، قال النائب البرلماني يحيى ولد اللود إن إقدام السلطات على حصار نائبتين داخل البرلمان، ومنعهما من الدواء والطعام والماء، وكذا السماح بتهديدهما داخل مؤسسة يفترض أن تكون حارسة للدستور، «مشهد مؤسف وخطير» يعكس المستوى الذي وصلت إليه أوضاع البلد.

وأكد ولد اللود في تدوينة نشرها على حسابه بالفيسبوك أنه اتصل بالنائبة قامو عاشور عندما كانت موجودة مع مريم الشيخ في مكتبها بالبرلمان، حيث أبلغته أنها تعاني من الحمى، ومع ذلك منع عنها الدواء، كما منع عنهما طوال اليوم إدخال الطعام والماء.

وأضاف ولد اللود أن النائب قامو عاشور ذكرت له أنهما تعرضتا للشتم والتهديد من بعض موظفي البرلمان، والذين لوحوا باقتحام الشرطة لمبنى البرلمان من أجل إخراجهما.