«الترويكا» الأوروبية تشترط «معالجة المخاوف» لتمديد الاتفاق النووي مع إيران

مجلس الأمن يناقش «سناب باك»... وتلميح لقبول العرض الروسي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال حضوره أحد اجتماعات وزراء خارجية «منظمة التعاون الإسلامي» في إسطنبول (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال حضوره أحد اجتماعات وزراء خارجية «منظمة التعاون الإسلامي» في إسطنبول (أ.ب)
TT

«الترويكا» الأوروبية تشترط «معالجة المخاوف» لتمديد الاتفاق النووي مع إيران

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال حضوره أحد اجتماعات وزراء خارجية «منظمة التعاون الإسلامي» في إسطنبول (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال حضوره أحد اجتماعات وزراء خارجية «منظمة التعاون الإسلامي» في إسطنبول (أ.ب)

غداة تفعيلها آلية «سناب باك»، لمّحت فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى استعدادها لقبول عرض كل من روسيا والصين بتمديد العمل بخطة العمل الشاملة المشتركة، أي الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران، إذا اتخذ النظام الإيراني «الخطوات اللازمة لمعالجة المخاوف الجديّة للمجتمع الدولي» بشأن برنامجه النووي.

وقبيل الاجتماع المغلق الذي عقده مجلس الأمن، الجمعة، بطلب من فرنسا وبريطانيا لمناقشة قرارهما مع ألمانيا بتفعيل «سناب باك» لإعادة فرض 6 مجموعات من العقوبات الأممية تلقائياً على طهران، قالت المندوبة البريطانية الدائمة لدى الأمم المتحدة، باربرا وودوارد، إنه «منذ عام 2019، توقفت إيران بشكل متزايد ومتعمد عن الوفاء بكل التزاماتها»، موضحة أن هذا «يشمل تراكم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الذي يفتقر إلى أي مبرر مدني موثوق».

لقطة عامة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (رويترز)

معالجة المخاوف

كذلك قالت السفيرة وودوارد إنه «على الرغم من ذلك، تبذل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة قصارى جهدها لحل هذه المشكلة دبلوماسياً»، مذكرة بالعرض الذي قُدّم إلى إيران أخيراً لجهة «تمديد (مهلة) إعادة فرض العقوبات». وعدّت أن مطالب الدول الغربية الثلاث «عادلة وواقعية». غير أن إيران «لم تظهر حتى اليوم أي مؤشر على جديتها في الوفاء بهذه الالتزامات»، وهي «لا تفي بالتزاماتها بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولم تستأنف المفاوضات مع الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى حل دبلوماسي مقبول». وشددت على أن «إخطارنا لمجلس الأمن بتفعيل مهلة 30 يوماً (...) لا يعني نهاية الدبلوماسية». وإذ أكدت أن «عرضنا بخصوص التمديد لا يزال قائماً»، أملت في أن تتخذ إيران «الخطوات اللازمة لمعالجة المخاوف الجدية للمجتمع الدولي بشأن برنامجها النووي».

ولم يتضح على الفور ما إذا كانت الدول الثلاث مستعدة، في حال التزام إيران، للتجاوب مع مشروع القرار الذي قدمته روسيا أولاً، ثم انضمت الصين إليه لاحقاً، من أجل تمديد العمل ستة أشهر إضافية بالاتفاق النووي الذي وقع في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وتنتهي صلاحيته بعد عشر سنين من ذلك التاريخ، أي في 18 أكتوبر المقبل. وفي حال التوصل إلى توافق، سيتعيّن على أعضاء مجلس الأمن التصويت أولاً على مشروع القرار الروسي - الصيني حتى لو تقدمت دول أخرى بمشروع قرار آخر.

المندوبة البريطانية الدائمة لدى الأمم المتحدة باربرا وودوارد برفقة نظيرَيها الألماني ريكليف بيوتن ونائب المندوب الفرنسي جاي دارماديكاري خلال كلمتها خارج قاعة مجلس الأمن في مقر الأمم المتحدة بنيويورك (رويترز)

الفصل السابع

وحضت وودوارد طهران على «إعادة النظر في موقفها، والتوصل إلى اتفاق استناداً إلى عرضنا، والمساعدة في تهيئة المجال لحل دبلوماسي لهذه القضية». ونبهت إلى أنه في نهاية مهلة الأيام الـ30، أي 28 سبتمبر (أيلول) المقبل: «سنؤكد عزمنا على ألا تحصل إيران على سلاح نووي أبداً»، مكررة أن مسار الدبلوماسية لا يزال قائماً «إذا اختارت إيران اتخاذه».

وستتزامن ذروة الجهود الدبلوماسية الإيرانية التي يتوقع خبراء أن تتحرك بسرعة، مع «الأسبوع الرفيع للدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة» التي ستُعقد في الفترة من 9 إلى 28 سبتمبر 2025.

وخلال هذا الأسبوع سيلقي زعماء العالم كلماتهم، ويتوقع أن يكون الملف النووي الإيراني مسألة مركزية في أروقة الأمم المتحدة.

لكن في حال عدم تجاوب إيران مع المطالب الغربية، ستعود تلقائياً ستة قرارات اتخذها مجلس الأمن ضد إيران قبل توقيع الاتفاق النووي. واتُّخذ عدد من القرارات الستة بموجب المادتَيْن «40» و«41» من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، اللتَيْن لا تسمحان باستخدام القوة العسكرية ضد إيران، بل باستخدام وسائل أخرى قاهرة، مثل فرض عقوبات سياسية أو دبلوماسية أو اقتصادية أو مالية على الأشخاص والكيانات وحظر سفر وأسلحة.

ولا يجوز استخدام القوة العسكرية في قرارات مجلس الأمن، إلا إذا اتُّخذت بموجب المادة «42» من الفصل السابع من الميثاق.

نائب المندوب الروسي ديميتري بوليانسكي متحدثاً في جلسة لمجلس الأمن بنيويورك (رويترز)

القرارات الستة

وتندرج هذه العقوبات التي يمكن أن يُعاد فرضها في ستة قرارات دولية أصدرها المجلس؛ وهي: أولاً القرار «1696» في يوليو (تموز) 2006، الذي يحض إيران على التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بغية «بناء الثقة في الغاية السلمية حصراً لبرنامجها النووي». ويطالبها بتعليق كل نشاطات التخصيب ونشاطات إعادة المعالجة. ويمهل هذا القرار إيران شهراً واحداً للامتثال لهذه المطالب. ومع أنه لم يتضمن أي عقوبات، فإنه يضع الأساس لعقوبات مستقبلية على إيران. واتُّخذ هذا القرار بموجب المادة «40» من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، التي تُجيز لمجلس الأمن «دعوة أطراف النزاع إلى اتخاذ تدابير مؤقتة، لمنع تصعيد الموقف قبل اتخاذ إجراءات أكثر جدية بموجب المادتين (41) و(42) من الفصل السابع أيضاً».

وأُصدر القرار الثاني «1737» في ديسمبر (كانون الأول) 2006، الذي فُرضت بموجبه عقوبات على 22 من الكيانات والأفراد المشاركين في برامج إيران النووية والباليستية، وشملت هيئة الطاقة الذرية في إيران، ومنظمة الصناعات الدفاعية، ومجموعة «الشهيد هيمات» الصناعية، ومجموعة «الشهيد باقري» الصناعية، ومستشار الشؤون العسكرية للمرشد الإيراني علي خامنئي، الميجر جنرال يحيى رحيم صفوي.

وصدر القرار «1737» بموجب المادة «41» التي تمنح مجلس الأمن «سلطة فرض تدابير لا تتضمّن استخدام القوة المسلحة لمواجهة التهديدات للسلم والأمن الدوليين. ويمكن أن تشمل هذه التدابير عقوبات اقتصادية وتجارية، وحظراً على الأسلحة والسفر وقطع العلاقات الدبلوماسية».

وفي مارس (آذار) 2007، أصدر مجلس الأمن القرار «1747» تحت المادة «41» أيضاً، الذي فُرضت بموجبه عقوبات على عشرة من الأفراد والكيانات التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، بالإضافة إلى 18 من الكيانات والأفراد المشاركين في برامج إيران النووية والباليستية، وبينهم مركز أصفهان للتكنولوجيا النووية، و«صناعات القدس للطيران»، والأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي علي أكبر أحمديان.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الألمانية تُظهر (من اليسار) وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي (يمين) ووزير الخارجية الألماني يوهان فادفول (الثاني يمين) وهما يُحييان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (يسار) في جنيف (أ.ف.ب)

وبعد عام من ذلك التاريخ، أصدر مجلس الأمن القرار «1803» (المادة 41)، الذي يطلب من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التحقق من حمولة أي طائرة تابعة لإيران وسفنها إذا اشتُبه في أنها تحمل ممنوعات. وكذلك فرض عقوبات على 25 من الكيانات والأفراد الإضافيين، وبينهم رئيس الهيئة الإيرانية للطاقة الذرية محمد إسلامي، ونائب منسق «الحرس الإيراني» البريغادير جنرال محمد رضا ناغدي.

وفي سبتمبر 2008، دعا مجلس الأمن طهران، بموجب القرار «1835»، إلى الامتثال «بشكل تام ومن دون تأخير» لمندرجات القرارات «1696» و«1737» و«1747» و«1803»، و«تلبية متطلبات» الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولكنه لم يفرض أي عقوبات جديدة على إيران.

وفرض مجلس الأمن بموجب القرار «1929» (المادة 41) الذي أصدره في يونيو (حزيران) 2010 حظراً على الأسلحة التقليدية في إيران، مرفقاً ذلك بعقوبات على 23 من الكيانات والأفراد المشاركين في برامج إيران النووية والباليستية، و15 من الكيانات المرتبطة بـ«الحرس الإيراني»، وثلاثة كيانات مرتبطة بخطوط الشحن الإيرانية. وشملت العقوبات المقر الرئيسي لمؤسسة «خاتم الأنبياء»، وهي العصب الاقتصادي لـ«الحرس الثوري» الإيراني، ووزارة صادرات الدفاع اللوجستية، ومجمع الأمين الصناعي، ومجموعة صناعات التسلح.


مقالات ذات صلة

الريال الإيراني عند قاع تاريخي مع اتساع الحصار البحري

شؤون إقليمية لافتة دعائية عملاقة تُظهر قوات إيرانية تستخدم شبكة لصيد طائرات مقاتلة أميركية في ساحة انقلاب (الثورة) بطهران 28 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

الريال الإيراني عند قاع تاريخي مع اتساع الحصار البحري

سجل الريال الإيراني، الأربعاء، أدنى مستوى له على الإطلاق عند 1.8 مليون ريال مقابل الدولار الواحد في تراجع بنسبة 15 في المائة خلال يومين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الخليج شددت السعودية على حق الدول الأطراف في الاستخدام السلمي للطاقة النووية دون قيود إضافية (الشرق الأوسط)

السعودية تُشدد على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

شدَّدت السعودية على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مؤكدة في الوقت ذاته أن تحقيق السلام في المنطقة يتطلب وقف إطلاق النار في غزة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة في قطيعة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية اجتماع مجلس الأمن حول الممرات المائية (رويترز)

أميركا لـ«تحالف شركاء»... وعشرات الدول تطالب بفتح «هرمز»

طالبت عشرات الدول بإعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران، التي تصادمت أيضاً مع الولايات المتحدة على خلفية اختيار طهران لعضوية مؤتمر منع الانتشار النووي.

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري الوزير جان نويل بارو ملقياً كلمة فرنسا بمناسبة الاجتماع المخصص في الأمم المتحدة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك الاثنين (رويترز)

تحليل إخباري باريس تربط انتهاء الحرب مع إيران بتقديمها «تنازلات مؤلمة»

باريس تربط انتهاء الحرب مع إيران بتقديمها «تنازلات مؤلمة» وبتغيير نهجها الإقليمي وتطابق الأهداف الأوروبية مع ما تسعى إليه واشطن لكن الخلاف على الوسائل لتحقيقها.

ميشال أبونجم (باريس)

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

يفتح اتفاق «الإطار التنسيقي» على تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة البابَ أمام مزيد من التساؤلات بشأن الخطوة التالية التي قد تُقدم عليها الفصائل الموالية لإيران، لا سيما في ظل ترحيب البعثة الأميركية في العراق بقرار التكليف.

حتى في ظل غياب ترحيب أو دعم أميركي لافت على مستوى وزارة الخارجية أو البيت الأبيض، الذي سبق أن تدخّل برفض ترشيح نوري المالكي، فإن هذا التطور، حسب مراقبين، يحمل إشارة مرور حذِرة للمكلف علي الزيدي للشروع في تشكيل حكومة تراعي «اشتراطات واشنطن»، التي تكررت مراراً خلال الأشهر الأخيرة على لسان كبار المسؤولين الأميركيين، مع تشديدهم على تفكيك الفصائل المسلحة ومواجهة النفوذ الإيراني في العراق.

وليس من الواضح بعد قدرة المرشح علي الزيدي على الاستجابة للشروط الأميركية، لا سيما أنه مدعوم من قوى ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، وقد طالت بعضها مؤخراً عقوبات أميركية مشددة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تُعد إحدى القوى الوازنة في «الإطار التنسيقي»، إلى جانب «كتائب سيد الشهداء»، التي رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن زعيمها أبو آلاء الولائي.

وحتى مع تصريحات وبيانات سابقة لقادة الفصائل، خصوصاً «كتائب حزب الله»، بشأن رفضهم تمرير أي حكومة من دون موافقتهم، وهي رغبة تتقاطع مباشرة مع الموقف الأميركي، فإن مسألة الخطوة التالية لهذه الفصائل إزاء تشكيل الحكومة لا تزال موضع ترقب وتساؤل لدى بعض المراقبين.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

تجديد «البيعة» لخامنئي

وتزامناً مع الترحيب الأميركي بتكليف علي الزيدي، جددت حركة «النجباء»، وهي واحدة من أبرز الفصائل المسلحة الموالية لإيران، «بيعتها» للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في ردٍّ يشير إلى الترحيب الأميركي، غير أن مراقبين يستبعدون تأثيرها الجدي على مسار تشكيل الحكومة، باعتبار أنها لا تمتلك أي تمثيل في مجلس النواب، كما أنها لم تشر في بيانها إلى الاستحقاق الحكومي الجاري.

وقالت الحركة في بيان «نجدد البيعة والعهد (لخامنئي)، فالعراق سيبقى أبداً هو القوة الضاربة في هذا المحور، وسنظل نحن أبناء (النجباء) جنودكم الأوفياء». وأضافت: «إننا اليوم، ومن موقع الإدراك العميق لسنن التاريخ، نجدد بيعتنا المطلقة لمشروع الولاية، معلنين أن تمسكنا بهذا الخط ليس خياراً سياسياً أملته الظروف، بل هو انصياع طوعي، فكل أمر يصدر عنكم هو عندنا تكليف مقدس». وذكرت، أن «كل تحدٍّ يرميه العدو في طريقنا يعد فرصة استراتيجية، نحن في قلب الصراع، ندرك مآلاته، فامضِ بنا حيث شئت».

«حَمْل السُّلَّم بالعَرض»

لا يستبعد الباحث والخبير في الجماعات الشيعية، نزار حيدر، أن تقوم الفصائل المسلحة بـ«حَمْلُ السُّلَّم بِالعَرض»، على حد وصفه عرقلة تشكيل الحكومة بعد استشعارها الدعم الأميركي.

وقال حيدر لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الموقف «ليس جديداً على الفصائل المسلحة التي لم تنخرط في العملية السياسية، إذ تعلن دائماً أن سلاحها وولاءها لطهران، وأن تجديد بيعتها للمرشد الجديد ما هو إلا تأكيد لموقفها الثابت والمعلن».

ويشير إلى أن «جماعات الفصائل لا تعتقد بمرجعية النجف التي لا تذهب مع نظرية ولاية الفقيه، كما أنها لا تعطي أي اعتبار للدستور والقانون ولسلطة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها سلطة القائد العام للقوات المسلحة».

وقال حيدر إن الاتفاق على تكليف علي الزيدي والمباركة الأميركية «لم يكن هذه المرة نتيجة إمساك بالعصا من الوسط، بل ثمرة الإمساك بها من الطرف الأميركي».

ورأى حيدر أن «الفصائل سوف تحمل السلم بالعرض، كما يقال، لعرقلة عمل الحكومة الجديدة، خصوصاً أن من أبرز أولوياتها في برنامجها الحكومي حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الميليشيات، بدعم من القوى السياسية والقضاء، فضلاً عن الإدارة الأميركية».

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

الفصائل لن تعترض

يختلف الأكاديمي والباحث عقيل عباس مع ما يذهب إليه نزار حيدر بشأن إمكانية عرقلة الفصائل لمسار تشكيل الحكومة، إذ يرى أنها «لن تعترض على هذا الترشيح، وستفعل ما دأبت عليه دائماً، أي تجنّب إظهار اعتراضات كبرى حيال مثل هذا القرار، حتى لا تضع نفسها في مواجهة علنية مع واشنطن».

وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل عادة «تعمل على التفاصيل لاحقاً، وهذه هي براعتها، من حيث كيفية تشكيل الحكومة ومنهاجها، وطبيعة اختيار الوزراء، ونوعية التنازلات التي يمكن أن تحصل عليها من الحكومة الجديدة».

ومع ذلك، لا يستبعد أن «تقدم الفصائل، في حال تبيّن لها أن المكلف بتشكيل الحكومة يمضي نحو تقديم تنازلات جدية لواشنطن بشأن تفكيكها، على اتباع أساليب أخرى، مثل عرقلة حصول الحكومة على الثقة في البرلمان أو تعقيد مفاوضات تشكيلها».

ورأى عباس أن السؤال الجوهري الذي يجدر أن يطرح هو: «هل ستستطيع الحكومة الجديدة أن تحميهم من الضغط الأميركي بخصوص تفكيكهم».

وقال إنه، ومع «عدم وجود اتفاق أميركي-إيراني بشأن الملفات الأساسية الثلاثة: النووي، والصواريخ الباليستية، وملف الوكلاء في المنطقة، فإن المشهد معقد، لكن السيناريو الأفضل للفصائل هو تفكيكها بموافقة إيرانية، بما يتيح لها البقاء داخل العمل السياسي والحكومي، أي الاستمرار في دائرة النفوذ والتمويل والتأثير، ولكن من دون دور عسكري».

وأشار عباس إلى أنه، ومع «عدم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فإن حل الفصائل قد يُطرح محلياً عبر مواجهة مع الحكومة المقبلة، وهو ما يُمثل الاختبار الأصعب للحكومة أمام واشنطن».


الأمطار الهاطلة بعد جفاف تضخ المياه والحياة في أهوار العراق

رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)
رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)
TT

الأمطار الهاطلة بعد جفاف تضخ المياه والحياة في أهوار العراق

رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)
رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)

يشقّ قارب صيد طريقه بهدوء وسط مياه أهوار في جنوب العراق، مُحدثاً تموجات ناعمة تصل إلى الأراضي الرطبة الممتدة على الضفتين، والتي كانت حتى الأمس القريب تعاني التشقُّق بفعل الجفاف، إلى أن أنعشتها الأمطار، في الآونة الأخيرة، بعد طول انتظار.

وتتناثر بُقع خضراء على صفحة المياه العائدة إلى المجرى الذي يخترق معظم أهوار الحويزة، في حين تنغمس داخله جواميس وحيوانات، أو ترعى العشب الوارف في جواره.

وفوق المسطّح المائي الساكن، تُحلق طيور من شتى الأنواع، تنعكس صورتها عليه كما لو كان مرآة، وتعكس بدورها غِنى التنوع الحيوي الذي يحظى بالحماية في أهوار بلاد الرافدين هذه، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

صورة جوية لقارب صيد محلي في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان جنوب العراق (أ.ف.ب)

إلا أن هذه الأهوار البالغة القِدم عانت الجفاف على مدى سنوات بفعل التغيّر المناخي والسدود المُقامة في الدول المجاورة على أعالي الأنهار، ما أنهك هذه الأراضي الخصبة بين نهريْ دجلة والفرات، والتي يُعتقد أنها جنة عدن المُشار إليها في كتاب العهد القديم.

لكنّ فترات هطول الأمطار التي شهدها فصل الشتاء، هذه السنة، ضخّت الحياة مجدداً في شرايين الحويزة، وأعادت الأمل إلى سكان هذه الأهوار وعشاقها على السواء.

وخلال إبحار الصياد كاظم كاصد بقاربه الخشبي الطويل، مرتدياً عباءته البيضاء ومعتمراً كوفيته، يقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «ستعود الحياة والثروتان السمكية والحيوانية، وسيشعر الناس بأن ديرتهم (بلدهم) ومستقبلهم عادا».

قارب صيد محلي في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)

ويضيف: «رسالتي إلى الناس الذين يعيشون هنا هي: هذه أرضكم وديرتكم، وأتمنى أن تدافعوا عنها أكثر وتعتزوا بها لأنها موطنكم الأصلي ومصدر حياتكم وعيشتكم أجيالاً بعد أجيال».

وذكرت وزارة الموارد المائية العراقية أن «سدود نهر دجلة على وشك الامتلاء»، متوقعة «ارتفاع مناسيب نهر الفرات، في الأيام المقبلة»، إذا أفرجت سوريا عن المياه من سدودها.

من هنا، تشهد الأهوار «انتعاشاً نسبياً» في الوقت الراهن.

تُعدّ الحويزة أهواراً عابرة للحدود تتشاركها العراق وإيران (أ.ف.ب)

ويؤكد الناشط أحمد صالح نعمة أن أهوار الحويزة لم تشهد هذا القدر من المياه منذ سنوات، مضيفاً أن المياه غمرت 85 في المائة من الأراضي الرطبة، مع أن ثمة حاجة لأن يكون عمقها أكبر.

ويضيف: «فتحنا كل بوابات الإطلاقات المائية من النواظم والسدود باتجاه الأهوار لكي نملأ أكبر كمية ممكنة قبل أن يحلّ الصيف».

ويوضح أنه «أمر جيد، فهذا يعني أن الأهوار لن تجفّ، هذا الصيف»، حين تصل الحرارة إلى 50 درجة مئوية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ترحيب أميركي حذر بالمكلّف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)
TT

ترحيب أميركي حذر بالمكلّف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

أبدت الولايات المتحدة دعماً حذراً لرئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي، في وقت تتصاعد فيه التحديات المرتبطة بتشكيل حكومته، بما في ذلك ملف نفوذ الفصائل المسلحة والعقوبات الأميركية على شخصيات مرتبطة بها.

وقالت بعثة الولايات المتحدة في بغداد، الأربعاء، إنها تؤيد جهود الزيدي لتشكيل «حكومة قادرة على تحقيق تطلعات جميع العراقيين»، مؤكدة دعمها أهدافاً تشمل صون السيادة وتعزيز الأمن ومكافحة الإرهاب وبناء اقتصاد مستقر.

وجاء هذا الموقف بعد ترشيح الزيدي من قِبل قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، عقب انسحاب كل من محمد شياع السوداني ونوري المالكي؛ ما أنهى أزمة سياسية استمرت نحو خمسة أشهر منذ انتخابات أواخر 2025.

نفوذ الفصائل

حسب مصادر سياسية مطلعة، فإن الزيدي وافق على التكليف بعد طرح شروط تتعلق باستقلالية تشكيل الحكومة، من بينها الحد من مشاركة الفصائل المسلحة في التشكيلة الوزارية ومنحه حرية اختيار أعضاء حكومته دون تدخلات مباشرة.

ولم تصدر تأكيدات رسمية علنية من مكتب الزيدي بشأن هذه الشروط، في حين أعلن «الإطار التنسيقي» أنه منح رئيس الوزراء المكلف مساحة لاختيار كابينته، مع التشديد على معايير الكفاءة والنزاهة.

ويمثل دور الفصائل المسلحة ملفاً حساساً في السياسة العراقية، لا سيما في ظل ارتباط بعض قادتها بعقوبات أميركية.

لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)

سياق العقوبات

وكانت وزارة الخزانة الأميركية أعلنت عن مكافآت مالية مقابل معلومات عن قادة فصائل، وهم أبو حسين الحميداوي زعيم «كتائب حزب الله»، وأبو آلاء الولائي زعيم «كتائب سيد الشهداء»، وحيدر الغراوي زعيم «أنصار الله الأوفياء»، في إطار اتهامات تتعلق بأنشطة تهدد المصالح الأميركية والاستقرار في العراق.

ويقول محللون إن هذا السياق الأمني يضيف تعقيداً إلى مهمة الزيدي، الذي يسعى إلى تحقيق توازن بين مطالب القوى السياسية الداخلية ومتطلبات المجتمع الدولي.

ويرى أستاذ العلوم السياسية ياسين البكري أن الموقف الأميركي يعكس «عدم ممانعة مع إبقاء المسار تحت المراقبة»، مشيراً إلى أن واشنطن تركز على قضايا مثل حصر السلاح بيد الدولة ووحدة القرار الأمني.

بدوره، قال طالب محمد كريم إن الدعم الأميركي للزيدي «يعكس براغماتية متزايدة»، موضحاً أن معيار القبول بات يرتبط بسلوك الحكومة المقبلة، لا بهوية رئيسها.

وأضاف أن هذا التأييد «يمكن فهمه بوصفه قبولاً مشروطا، قائم على اختبار الأداء في ملفات التوازن الإقليمي والتعاون الأمني».

وكان رئيس الجمهورية نزار آمدي قد كلف الزيدي رسمياً تشكيل الحكومة، بعد تعثر طويل في التوافق السياسي. ويرى مراقبون أن نجاحه سيعتمد على قدرته على إدارة توازن دقيق بين نفوذ القوى السياسية، بما فيها الفصائل المسلحة، وبين الضغوط الدولية، خاصة الأميركية، في وقت يواجه فيه العراق تحديات أمنية واقتصادية مستمرة.

ومع بدء مشاورات تشكيل الحكومة، تبقى مسألة إشراك أو استبعاد الفصائل، إلى جانب تداعيات العقوبات الأميركية، من أبرز الملفات التي قد تحدد شكل الحكومة المقبلة وطبيعة علاقاتها الخارجية.