اشتباكات دامية تكشف صراع العائلة والحزب في السليمانية

اعتقال ابن شقيق رئيس العراق الراحل جلال طالباني

تصاعد الدخان فوق أحد أحياء السليمانية شرق إقليم كردستان العراق بعد اعتقال لاهور شيخ جنكي (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان فوق أحد أحياء السليمانية شرق إقليم كردستان العراق بعد اعتقال لاهور شيخ جنكي (أ.ف.ب)
TT

اشتباكات دامية تكشف صراع العائلة والحزب في السليمانية

تصاعد الدخان فوق أحد أحياء السليمانية شرق إقليم كردستان العراق بعد اعتقال لاهور شيخ جنكي (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان فوق أحد أحياء السليمانية شرق إقليم كردستان العراق بعد اعتقال لاهور شيخ جنكي (أ.ف.ب)

فوجئ سكان مدينة السليمانية (شمال العراق) باندلاع مواجهات دامية اشتركت فيها وحدات أمن حكومية وحزبية، قبل أن يكتشفوا أنها معركة بين أبناء العم داخل عائلة الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني.

ومنذ مساء الخميس وحتى فجر الجمعة، تحولت مذكرة قبض بحق لاهور شيخ جنكي، ابن عم بافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، إلى مواجهات عسكرية ومحاصرة لفندق وسط المدينة، أسفرت عن قتل وإصابة مسلحين، واعتقال شيخ جنكي وأفراد من عائلته.

وشيخ جنكي هو رئيس «حزب الشعب»، الذي تأسس عام 2024 بعد معركة قانونية مع «حزب الاتحاد الوطني»، وكان الأخير حزباً يدار بالشراكة بينهما، قبل أن يقال على نطاق واسع في السليمانية إن طالباني اتهم شيخ جنكي بمحاولة تسميمه عام 2023، ليبدأ فصل مرير من صراع الأخوة الأعداء داخل عائلة حكمت السليمانية منذ عقود، والعراق لعشر سنوات عقب انهيار نظام صدام حسين.

صورة مركبة لبافل طالباني (يمين) ولاهور شيخ جنكي

أبناء العم... الأعداء

بافل جلال طالباني، المولود في بغداد عام 1973 الذي أمضى مراهقته في العاصمة البريطانية لندن، هو نجل الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني حالياً.

واستحوذ بافل على الملف الأمني والاستخباري في حزب «الاتحاد». وسيطر منذ سنوات على جهاز مكافحة الإرهاب التابع للحزب، لكن ابن عمه لاهور كان أحد شركائه الأساسيين في تأسيس الوحدات العسكرية التابعة للحزب، ولمكافحة الإرهاب، وقد لعبا دوراً مشتركاً في معارك «قوات البيشمركة الكردية» ضد تنظيم «داعش» في ديالى وكركوك وسنجار.

وقد ولد لاهور شيخ جنكي في مدينة كوية غرب أربيل، عاصمة إقليم كردستان، عام 1976، وقد تولى قيادة جهاز أمني يدعى «زانياري» وتعني جهاز أمن المعلومات (أو الاستخبارات)، وكان يحظى بشهرة كبيرة في صفوف «قوات البيشمركة».

وفي عام 2020، أصبح شيخ جنكي وبافل طالباني رئيسين بالمناصفة لحزب «الاتحاد الوطني»، قبل أن يُقصى عام 2021. وبسبب ذلك؛ تفاقم الاستقطاب الاجتماعي في مدينة السليمانية بين الرجلين اللذين يحتفظ كل منهما بنفوذ اجتماعي وسياسي وأمني، إلا أن تيارات كثيرة ترجح كفة طالباني.

ماذا حدث؟

العملية بدأت بعد وضع السليمانية في حالة استنفارٍ أمني مساء الخميس، إثر صدور أمر قبض بحق رئيس «جبهة الشعب». ولأن الأخير رفض الاعتراف بالمذكرة والامتثال لها، طوق الفندق الذي كان يقيم فيه في حي سرجنار في السليمانية، وبعد ساعات من التطويق بدأت مواجهة مسلحة بين قوات أمن ومسلحين تابعين لشيخ جنكي، قبل أن يزداد الحضور المكثف لقوات الأمن التي تحاصر الفندق.

وأسفرت المواجهات عن مقتل ثلاثة أشخاص على الأقل فيما أُصيب نحو 10 آخرين بجروح، كما انتهت بعد تمكن قوات الأمن من اعتقال لاهور شيخ جنكي وشقيقيه بولاد وآسو.

وبينما كانت الاشتباكات تتفاقم وسط المدينة، وألسنة الدخان تتصاعد من محيط الفندق، أغلقت قوات الأمن الكردية مداخل مدينة السليمانية ومخارجها من كل الجهات.

ولم يعلن الكردي المكان الذي نقل إليه لاهور شيخ جنكي وشقيقيه، إلا أن مصادر سياسية أبلغت «الشرق الأوسط»، أن المعتقلين قد يواجهون أحكاماً بالسجن لسنوات على خلفية ما قيل إنه «مخطط لزعزعة الأمن في السليمانية».

سيارة محترقة إثر الاشتباكات في محيط مقر إقامة لاهور شيخ جنكي في السليمانية (إكس)

صراع «أخوة أعداء»

قالت القيادية السابقة في «الاتحاد الوطني»، ريزان شيخ دلير، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الليلة التي تم فيها اعتقال لاهور شيخ جنكي مؤسفة بكل المعايير، بسبب تداعيات المواجهات وسقوط ضحايا بين قتيل وجريح».

وأوضحت شيخ دلير أن «مذكرة قبض بحق لاهور شيخ جنكي لا تبرر الطريقة التي تمت بها عملية الاعتقال عبر استخدام كل أنواع القوة العسكرية». وأشارت إلى أن «الاشتباكات لم تكن تحصل لو أن السلاح بيد الدولة».

وحول الكيفية التي يمكن أن تنتهي بها هذه الأزمة، قالت دلير إنه «من الصعب القول الآن فيما إذا كان شيخ لاهور سوف يبقى في المعتقل أو يطلق سراحه، بانتظار التحقيقات التي سيجريها القضاء لمعرفة كل الملابسات».

ولم تستبعد مصادر مطلعة وجود «أجندة إقليمية ودولية» فاقمت من الصراع المحلي بين «الأخوة الأعداء». وقال مصدر كردي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العملية لا تبدو بعيدة عن أجواء الصراع بين إيران وقوى فاعلة منافسة في المنطقة».

وقال قيادي كردي، طلب عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع، إن جذر الخلاف عائلي، ويعود إلى سنوات سابقة بين أبناء عمومة نصفهم أمضى حياته وتعليمه في واشنطن ولندن، ضد النصف الآخر من الأبناء الذين نشأوا مقاتلين في الجبل».

إلا أن مراقبين يميلون إلى الاعتقاد بأن المواجهة المسلحة جزء من تصفية حسابات سياسية قبيل موعد الانتخابات البرلمانية في عموم العراق، في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

آثار دمار نتيجة الاشتباكات داخل مقر إقامة لاهور شيخ جنكي (شبكة روداو)

تدخل حكومي

وأعربت الحكومة الاتحادية عن أسفها للأحداث الدامية في السليمانية. وقال صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، إن «الحكومة الاتحادية تؤكد ضرورة التزام الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية وفقاً لأحكام الدستور، وبما ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون».

وأضاف النعمان: «إذ تُشدد على أهمية أن تُنفذ هذه الإجراءات بحيادية تامة وشفافية كاملة، بعيداً عن أي مظاهر مسلحة أو محاولات لترهيب المواطنين، فإنها تؤكد أن إنفاذ القانون يجب أن يتم بما يضمن صون كرامة الإنسان وحفظ حقوقه».

ولفت النعمان إلى أن «الحكومة الاتحادية، تؤكد من خلال مؤسساتها الدستورية والأمنية، أن الحفاظ على أمن المواطنين في الإقليم وفي عموم محافظات العراق هو واجب وطني وأخلاقي».

وشدد في بيانه أن الحكومة «لن تدّخر جهداً في درء الفتنة، وتعزيز السلم المجتمعي، وترسيخ الاستقرار» مؤكداً أن «مصلحة محافظة السليمانية، وأمن وسلامة أهلها، وأمن الإقليم والعراق عموماً، تبقى فوق جميع الاعتبارات».

من جهتها أكدت حكومة إقليم كردستان أهمية سيادة القانون وحماية أمن المواطنين. كما شددت رئاسة الإقليم على «سيادة القانون وحماية أمن واستقرار المدينة وصون أرواح وممتلكات المواطنين»، مشددة على أن «جميع الخلافات والمشاكل ينبغي أن تُعالج في إطار القانون وبعيداً عن العنف».

بدورها، أعربت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) عن قلق بالغ إزاء التطورات التي شهدتها محافظة السليمانية مؤخراً، التي أوقعت قتلى وجرحى نتيجة الاشتباكات.

ودعت البعثة في بيان صحافي جميع الأطراف إلى التزام أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب أي أعمال تهدد أرواح المدنيين، مع التأكيد على احترام حقوق الإنسان وضمان العدالة وفق الدستور.


مقالات ذات صلة

العراق يتنفس الصعداء بعد أن كان في «عين العاصفة»

المشرق العربي الصادرات النفطية العراقية تأثرت سلباً بإغلاق مضيق هرمز (رويترز)

العراق يتنفس الصعداء بعد أن كان في «عين العاصفة»

أعربت الحكومة العراقية ومعظم الشخصيات والأحزاب السياسية عن ترحيبها بمذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب التي كانت لها تداعياتها الخطيرة على العراق.

فاضل النشمي (بغداد)
رياضة عالمية مارتن أوديغارد قائد النرويج (نادي آرسنال)

«مونديال 2026»: أوديغارد يبدد المخاوف بشأن إصابته قبل مواجهة العراق

قال مارتن أوديغارد قائد النرويج إنه لا يشعر بأي قلق بشأن لياقته البدنية قبل مباراة فريقه الافتتاحية في المجموعة التاسعة من كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (فوكسبورو )
المشرق العربي واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

الزيدي يلغي مشروعاً لتطوير «مطار بغداد» بسبب شبهات فساد

المشروع تضمن «بناء صالة حديثة للمسافرين تصل سعتها إلى 15 مليون مسافر سنوياً، وتأهيل المدارج والبنى التحتية للمطار».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)

العراق يُسرّع الخطى لإنهاء ملف «الفصائل المسلحة» وإكمال التشكيلة الحكومية

الزيارة الوشيكة التي من المقرر أن يقوم بها المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك، سوف «تُحدد الجدول النهائي للزيارة وملفاتها في مختلف المجالات والميادين».

حمزة مصطفى (بغداد)
بيئة صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في ‌العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

«الشرق الأوسط»

المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية محكومة بمعادلة الانسحاب مقابل السلاح

سيارة ترفع علماً إيرانياً في قرية صديقين المدمرة جراء القصف الإسرائيلي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيارة ترفع علماً إيرانياً في قرية صديقين المدمرة جراء القصف الإسرائيلي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية محكومة بمعادلة الانسحاب مقابل السلاح

سيارة ترفع علماً إيرانياً في قرية صديقين المدمرة جراء القصف الإسرائيلي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيارة ترفع علماً إيرانياً في قرية صديقين المدمرة جراء القصف الإسرائيلي جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يستعد لبنان للدخول في مرحلة سياسية-أمنية جديدة غير التي كانت قائمة قبل الإعلان بصورة رسمية عن توصل الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى اتفاق مرحلي تحت عنوان مذكرة تفاهم لوقف الأعمال العسكرية، والتصعيد في المنطقة، بما فيها لبنان، برغم أن إسرائيل لم تلتزم حتى الساعة بمفاعيله، وواصلت خروقاتها بين جنوب نهر الليطاني وشماله وإن كانت محدودة، بغياب أي رد فعل من «حزب الله».

وتسعى إسرائيل بذلك إلى تمرير رسالة لواشنطن بأنها ليست معنية بمفاعيل الاتفاق، وإن كانت تحرص على عدم توسيع رقعة الخروق، وأبقتها محدودة استرضاء للرأي العام الإسرائيلي، ولعدم استفزاز واشنطن، مع أن مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية بقيت تحت سقف وقف الأعمال العسكرية، ولم تنص على الانسحاب من الجنوب.

ومع أن رئيس الجمهورية جوزيف عون ثمَّن ما توصلت إليه مذكرة التفاهم، فإن لبنان رئاسة وحكومة لم يتبلغ بعد تفاصيل الاتفاق، بخلاف «الثنائي الشيعي» الذي تبلغ من إيران بلسان وزير خارجيتها عباس عراقجي، ليل الجمعة الماضي، بالتوصل لاتفاق إيراني-أميركي برعاية باكستانية لوقف النار على كافة الجبهات.

قلق ثم تفاؤل

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر بارز في «الثنائي الشيعي» أن منسوب القلق ارتفع من استهداف إسرائيل الضاحية الجنوبية، لكنه سرعان ما عاد للتفاؤل بعد رد الرئيس الأميركي دونالد ترمب على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو متهماً إياه بعرقلة الاتفاق، ومضيفاً أنه لا مبرر لاستهداف الضاحية الجنوبية رداً على سقوط مسيّرة لـ«حزب الله» في شمال إسرائيل لم تُحدث أي أضرار.

لكن الاتفاق الأميركي-الإيراني وإن قوبل بترحيب عربي ودولي، ولبناني، فيفترض أن يتصدر جدول أعمال الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية برعاية وزارة الخارجية الأميركية في اجتماعها المرتقب في 22 و23 و24 يونيو (حزيران) المقبل، والذي سيُعقد على المستويين السياسي، والأمني، نظراً لأن وقف الأعمال العسكرية يعني بحسب مصدر نيابي أن استئناف المفاوضات سيتلازم هذه المرة مع تحييدها عن الضغط بالنار.

حاجز للجيش اللبناني في قرية كفرا الجنوبية وإغلاق الطريق المؤدي إلى قرية حارث المجاورة حيث لا يزال الجيش الإسرائيلي موجوداً وذلك بعد ساعات من إعلان الاتفاق الأميركي-الإيراني (أ.ف.ب)

ولفت المصدر النيابي المقرب من «الثنائي الشيعي» إلى أن المفاوضات الأميركية-الإيرانية توصلت لاتفاق يقضي بوقف الأعمال العسكرية، بخلاف المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي لم تتمكن فعلياً من التوصل لوقف نار على امتداد 4 جلسات، وتوقع أن تبادر واشنطن للضغط على إسرائيل لإلزامها بوقف النار رغم أنها تسعى من خلال خروقها للسيطرة على الحافة الأمامية في شمال نهر الليطاني المطلة على جنوبه، وهي تحاول الآن تحصينهما على نحو يفتح الباب من وجهة نظرها أمام مطالبتها بتحويلهما لمنطقة أمنية واحدة تخضع لسيطرة الجيش اللبناني، وانتشاره حتى الحدود الدولية بالتلازم مع انسحاب إسرائيل من البلدات التي تحتلها.

رافعة للمفاوضات المقبلة

وفي المقابل، يتعامل مصدر وزاري تحدّث لـ«الشرق الأوسط» مع وقف الأعمال العسكرية على أنه يشكل رافعة في حال التزمت به إسرائيل للانتقال بالمفاوضات في جولتها الخامسة للبحث بالترتيبات الأمنية لإنهاء حالة الحرب بين البلدين، على أن تتلازم مع الانسحاب من الجنوب، بموازاة حصر السلاح بيد الدولة، وسحبه من «حزب الله» على مراحل، ما يضمن التزامن بين عمليتي الانسحاب وجمع السلاح.

وأكد المصدر أن إلزام إسرائيل بوقف النار من شأنه أن يرفع الضغط بالنار الذي تمارسه على لبنان، وقال إن رفعه يجب أن يتلازم بإدراج سحب السلاح ضمن الترتيبات الأمنية، لأنها ليست في وارد الانسحاب بلا أي مقابل في ظل الإبقاء على سلاحه بدلاً من وضعه بعهدة الدولة لطمأنتها على أمن مستوطناتها الواقعة في شمال فلسطين المحتلة قبالة الحدود اللبنانية.

ورأى أن إسرائيل بتوسعة تمددها من قلعة الشقيف والبلدات المحيطة بها إلى مناطق أخرى إنما تصر على ربط شمال النهر بجنوبه، وإخضاعه لسيطرة الجيش، وهذا لن يتحقق ما لم ينسحب «حزب الله»، ويتراجع إلى شمال نهر الزهراني.

وقال المصدر إن «حزب الله» برفضه المفاوضات المباشرة، ورهانه على المفاوضات الأميركية-الإيرانية يكون قد «سدد دفعة على الحساب (بالمفهوم السياسي) لإيران على ما وفرته له من أشكال الدعم المالي، والعسكري»، ويكون في المقابل أوحى لحاضنته الشعبية بأنه ليس متروكاً وحده، وأن ما تبقى من «محور الممانعة» بقيادة إيران يشكل ضمانة له ولحليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

نازحون من الجنوب يوضبون أمتعتهم استعداداً للعودة إلى قراهم عقب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ب)

لا ذكر للانسحاب

توقف المصدر أمام توافق الولايات المتحدة وإيران على وقف الأعمال العسكرية، وقال إن ما تسرب من مذكرة التفاهم التي ستوقع بين البلدين برعاية باكستانية، وحضور دولي وعربي غير مسبوق، لم يأتِ على ذكر انسحاب إسرائيل من الجنوب الذي يُفترض أن يتصدّر مباحثات الجولة الخامسة من المفاوضات التي من المتوقع أن تقاربه للمرة الأولى بكل تفاصيله، وبخطوات ملموسة. وقال إن الاتفاق الأميركي-الإيراني، وإن أدى إلى رفع معنويات «حزب الله»، فهو لن يكون بديلاً عن المفاوضات المباشرة، وإلا لماذا لم تأتِ التصريحات الأميركية على ذكر الانسحاب الإسرائيلي بخلاف ما تبلغه «الثنائي الشيعي» من الوزير عراقجي، والتصرّف على أنه لا يزال يملك الأوراق التفاوضية لتحسين شروطه في مرحلة ما بعد التوصل لاتفاق لبناني-إسرائيلي برعاية أميركية؟

وأكد أن رفع الحصار البحري عن إيران في مقابل إطلاق حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز ليس بديلاً عن المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، لأنها بمثابة جدول أعمال للمفاوضات الأميركية-الإيرانية الماراثونية على امتداد ستين يوماً.

ورأى المصدر أن المذكرة كناية عن تبادل حسن نوايا بين الطرفين، لتنفيس الاحتقان، وخلق المناخ المواتي للبحث في رفع العقوبات الأميركية عن إيران، ومنها الأموال المحتجزة لديها، مقابل تجاوبها مع تقديم التنازلات في ملفها النووي. وبالتالي ليست بديلة عن الرعاية الأميركية للمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، وإلا لما اقتصرت لبنانياً على وقف النار من دون أي ملحق يتناول مستقبل العلاقات بين البلدين على قاعدة نشر الجيش في جنوب الليطاني، ولكانت إسرائيل تسعى لإلحاق المنطقة التجريبية التي تسيطر عليها في شمال النهر بجنوبه، وإخضاعهما لسلطة الجيش.

لذلك فإن شمول لبنان بوقف النار لا يبدّل من المعادلة التي تُدرج انسحاب إسرائيل في مقابل جمع سلاح «حزب الله»، وأن الرهان على أن وقف النار بموجب الاتفاق الأميركي-الإيراني لن يكون بديلاً عن المفاوضات المباشرة، بخلاف ما يراهن عليه البعض، وهذا ما سيترجم في الجولة الخامسة من المفاوضات التي يصر لبنان على أن يسبقها إلزام إسرائيل بوقف النار، لأن خرقه يشكل إحراجاً للوفد اللبناني من جهة، ويعطي ذريعة لـ«حزب الله» بدعوته للانسحاب من المفاوضات.


هدوء حذر على جبهة الجنوب والمسيّرات لا تغيب عن سماء لبنان

جنود لبنانيون يغلقون طريقاً يؤدي إلى قرية برج قلاويه في الجنوب بعد أن بدأ السكان بالعودة إلى قراهم عقب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)
جنود لبنانيون يغلقون طريقاً يؤدي إلى قرية برج قلاويه في الجنوب بعد أن بدأ السكان بالعودة إلى قراهم عقب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)
TT

هدوء حذر على جبهة الجنوب والمسيّرات لا تغيب عن سماء لبنان

جنود لبنانيون يغلقون طريقاً يؤدي إلى قرية برج قلاويه في الجنوب بعد أن بدأ السكان بالعودة إلى قراهم عقب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)
جنود لبنانيون يغلقون طريقاً يؤدي إلى قرية برج قلاويه في الجنوب بعد أن بدأ السكان بالعودة إلى قراهم عقب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)

خيّم الحذر على الجبهة الجنوبية اللبنانية في الساعات التي أعقبت إعلان التفاهم الأميركي - الإيراني، مع تراجع ملحوظ في وتيرة العمليات العسكرية مقارنة بالأيام الماضية، من دون أن ينعكس ذلك وقفاً كاملاً لإطلاق النار. فبينما واصلت إسرائيل تنفيذ ضربات وعمليات ميدانية محدودة وأبقت مسيّراتها في الأجواء اللبنانية، حرص «حزب الله» على تأكيد ارتباط موقفه من وقف النار بمدى التزام إسرائيل به، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة التفاهم الجديد على فرض تهدئة فعلية على الجبهة اللبنانية.

عمليات إسرائيل

فيما سجل تراجع للمواجهات منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، تم استهداف سيارة بغارة إسرائيلية فجراً في بلدة كفرتبنيت ما أدى إلى وقوع إصابات، كما تعرضت بلدتا كفرتبنيت والنبطية الفوقا لقصف مدفعي معاد.

كذلك نفذ الجيش الإسرائيلي عمليتي تفجير في بلدة الخيام فجراً، وآلية من نوع «M113» مفخخة ومسيّرة عن بُعد على طريق حاريص - تبنين، بعدما كانت قد تقدّمت في وقت سابق باتجاه المنطقة، فيما ألقت مسيّرة معادية قنبلة صوتية في أجواء بلدة حاريص في قضاء بنت جبيل.

وأبقت إسرائيل على حركة طائراتها المسيرة كالمعتاد في الأجواء اللبنانية، سواء في مناطق الجنوب والعاصمة بيروت وضاحيتها، حيث استمرت بالتحليق على مستويات منخفضة.

«حزب الله» يربط التزامه بالتزام إسرائيل

بالمقابل، أعلن «حزب الله»، في بيان له، عند الساعة السابعة من صباح الاثنين، استهداف تجمعات لجنود إسرائيليين وآلياتهم داخل لبنان فقط عند الأطراف الجنوبيّة لبلدة مجدل زون، معتقل الخيام، طيرحرفا، محيط قلعة الشقيف، موقع رأس البيّاضة ومربض مدفعيّة العدوّ المستحدث في بلدة العديسة.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في «حزب الله» أن مقاتلي الحزب لم ينفذوا أي ‌عمليات ‌منذ الإعلان ​عن ‌الاتفاق ⁠الإيراني - الأميركي، وأن ⁠موقف الحزب من وقف إطلاق النار مرتبط بالتزام إسرائيل به.

وأضاف ⁠المسؤول، الذي طلب ‌عدم ‌ذكر ​اسمه، ‌أن «حزب ‌الله» يرفض «حرية الحركة» الإسرائيلية في لبنان، وأن إيران ‌أخرت توقيع الاتفاق لمراقبة التزام إسرائيل ⁠بوقف ⁠إطلاق النار في لبنان.

العين على إسرائيل

شكّك العميد المتقاعد جورج نادر بتقيد إسرائيل بالتفاهم الأميركي - الإيراني، بعدما أعلنت صراحة أنها غير معنية به لكونها لم تشارك في التوصل إليه، ورأى أنها لن تنسحب من المناطق التي سيطرت عليها قبل تحقيق هدفها الأساسي المتمثل بنزع سلاح «حزب الله».

سيدة وأطفالها في بلدة دير قانون في جنوب لبنان بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)

ويعتبر نادر أن الولايات المتحدة غير قادرة على فرض ما هو أبعد من منع استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت ومدينة بيروت، فيما تبقى بقية الجبهات مفتوحة على مزيد من العمليات العسكرية. كما يرى أن «حزب الله» بدوره لن يبقى ملتزماً بوقف النار إذا استمرت إسرائيل بعملياتها، ما يعني أن الحرب مرشحة للاستمرار، وأن الدمار سيتواصل في المرحلة المقبلة.

ويؤكد نادر أن التصعيد والضغط الميداني الإسرائيلي يهدفان إلى تعزيز موقع تل أبيب التفاوضي في واشنطن، ودفع لبنان نحو تقديم تنازلات تتصل بملف سلاح «حزب الله».

Your Premium trial has ended


مقتل اثنين من منتسبي الداخلية السورية في هجوم بالرقة

مركبات عسكرية تابعة للجيش السوري... 18 يناير 2026 (رويترز)
مركبات عسكرية تابعة للجيش السوري... 18 يناير 2026 (رويترز)
TT

مقتل اثنين من منتسبي الداخلية السورية في هجوم بالرقة

مركبات عسكرية تابعة للجيش السوري... 18 يناير 2026 (رويترز)
مركبات عسكرية تابعة للجيش السوري... 18 يناير 2026 (رويترز)

أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية، اليوم (الاثنين)، نقلا عن المتحدث باسم وزارة الداخلية، بمقتل اثنين على الأقل من موظفي الوزارة في هجوم انتحاري استهدف معسكرا تابعا للوزارة في مدينة الرقة السورية شمال شرق سوريا.

وقال مصدر أمني في مدينة الرقة، إن قوات الأمن العام «أحبطت هجوما استهدف أحد المقرات الأمنية في مدينة الرقة وتمكنت من تحييد أحد المهاجمين فيما أقدم الآخر على تفجير نفسه بعد محاصرته».

وقال المصدر لوكالة الأنباء الألمانية، إنه «بعد إحباط الهجوم، بدأت قوات الأمن تحقيقات لمعرفة هوية المهاجمين». وقال سكان في مدينة الرقة، إن الهجوم استهدف مقرا لقوات الأمن السورية قرب مدرسة الانتفاضة غرب المشفى الوطني الذي يقع وسط مدينة الرقة».

وأكد السكان لوكالة الأنباء الألمانية، أنهم سمعوا «صوت انفجار، ثم تبعه إطلاق نار كثيف في محيط مدرسة الانتفاضة وسط انتشار كبير ووصول عدد من سيارات تابعة للأمن العام والجيش».