«العفو الدولية» تحذر من تقييد الحريات في العراق

دعت البرلمان إلى رفض أو تعديل قانون جدلي

قوات أمن في ساحة التحرير وسط بغداد (أ.ف.ب)
قوات أمن في ساحة التحرير وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

«العفو الدولية» تحذر من تقييد الحريات في العراق

قوات أمن في ساحة التحرير وسط بغداد (أ.ف.ب)
قوات أمن في ساحة التحرير وسط بغداد (أ.ف.ب)

حذّرت منظمة العفو الدولية البرلمان العراقي من تمرير مشروع قانون «حرية التعبير والتظاهر»، مشيرة إلى أن تمريره قد «يشكّل انتكاسة خطيرة للحريات العامة في البلاد».

ويتخوف ناشطون وصحافيون عراقيون من استخدام الأحزاب المتنفذة في البلاد مواد القانون لخنق الحريات العامة ووسائل النشر المكفولة وحق التظاهر.

ودعت المنظمة الدولية المشرعين العراقيين إلى «رفض القانون أو تعديله» بما ينسجم مع الدستور والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها العراق.

وكان أول دستور عراقي صدر عام 1925، الذي أُطلق عليه القانون الأساسي للعراق، قد نصّ على أن «للعراقيين حرية التعبير عن الآراء ونشرها والالتقاء بها، وتكوين الجمعيات والمشاركة فيها ضمن القانون».

رجل يلوّح بالعلم العراقي بساحة التحرير في بغداد (أ.ف.ب)

ومنذ سنوات، ينشغل الفضاء العام العراقي بمقترح التشريع الجديد الذي بات بمثابة «خط تماس» بين اتجاهات ومنظمات مدنية وحقوقية تطالب بقانون خالٍ من القيود التي تعيق حرية التعبير والتظاهر، وبين اتجاهات حزبية وحكومية لا ترغب في منح «هامش كبير» من الحريات العامة، قد تستثمر لاحقاً للتأثير على صنّاع القرار المتهمين بسوء الإدارة والفساد على نطاق شعبي واسع.

وتعود جذور الخلافات حول بنود القانون إلى عام 2011، قبل أن ينجح البرلمان، بعد قيامه بتعديلات على القانون، في قراءته للمرة الأولى عام 2022، وقراءة ثانية عام 2023.

وقالت منظمة العفو الدولية، في أحدث تقرير لها عن مقترح القانون، إنه «قد يفرض قيوداً غير مبررة على حرية التعبير والتجمع السلمي، وإنه يهدد بمزيد من تقييد الفضاء المدني، ويضفي الطابع الرسمي على ممارسات القمع المتزايدة التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة».

ونقل التقرير عن الباحثة في شؤون العراق بالمنظمة، رزاوز صالحي، القول، إن «على مجلس النواب التصويت ضد أي تشريع يضيف أدوات جديدة للسلطات تقوض حرية التعبير أو التجمع».

ورغم عدم إتيان تقرير المنظمة على ذكر المواد التي تعترض عليها في مشروع القانون، فإن صالحي شدّدت على أن «مشروع القانون بصيغته الحالية يتعارض مع التزامات العراق الدستورية والدولية».

وأضافت صالحي أن «الصحافيين والنشطاء في العراق يواجهون بالفعل تهديدات ومضايقات واعتقالات تعسفية، على خلفية تعبيرهم عن آراء مشروعة».

وتحدثت عن أن «السلطات تعتمد على مواد غامضة في قانون العقوبات، مثل التشهير والمساس بالنظام العام لقمع الأصوات المعارضة».

ورغم أن اللجان النيابية أجرت خلال السنوات الماضية كثيراً من اللقاءات مع ناشطين ومنظمات مهتمة بتشريع القانون، فإن تقرير المنظمة ذكر أن «عملية إعداد مشروع القانون جرت في أجواء من السرية، دون مشاورات حقيقية مع المجتمع المدني، وأن عدم الشفافية في هذا المسار التشريعي يُنذر بفرض مزيد من القيود، خاصة أن النص القانوني لا يوفّر ضمانات فعلية لحماية الحريات الأساسية».

ولفتت المنظمة إلى أن «تعديل عنوان القانون إلى (قانون التظاهر السلمي)، بعد أن كان يتضمن صراحة (حرية التعبير)، يمثل تراجعاً واضحاً عن مبدأ حماية الرأي، وهذ الخطوة قد تكون محاولة لتقليص نطاق الحقوق، التي يُفترض أن يحميها القانون».

ودعت المنظمة مجلس النواب العراقي إلى «إعادة النظر بالنصوص المطروحة، وحذف أي بنود أو تعابير فضفاضة، مثل (الإخلال بالآداب العامة) أو (المساس بالنظام العام)، التي يمكن تأويلها بطرق تُتيح إسكات الأصوات المعارضة».

فقدان الثقة

ورغم إقراره بـ«التعديلات الإيجابية» التي طرأت على مشروع القانون في النسخة الجديدة، يرى رئيس «جمعية الدفاع عن حرية الصحافة»، مصطفى ناصر، أن «فقدان الثقة بطريقة التصويت على القانون أهم تحدٍّ نواجهه اليوم، إذ يمتد إلى مساحة شعبية واسعة».

وقال ناصر لـ«الشرق الأوسط» إن «النسخة الحالية لمشروع القانون تبدو إيجابية، وجرى عليها كثير من التعديلات، لكن الخشية أن يقوم البرلمان بإجراء تعديلات سلبية على مادة أو مادتين، ومن ثم التصويت على القانون».

ويفضّل ناصر «عدم تمرير القانون في هذه المرحلة، لأننا حيال متغيرات تبدو سريعة، ومن الأفضل تأجيله لحين معرفة ما قد يحدث محلياً وإقليمياً».

ويرى ناصر أن «نسخة المشروع بصيغته الجديدة خضعت لتعديلات ممتازة، وهي مقبولة بنسبة كبيرة، باستثناء فقرة طلب الإذن من رئيس الوحدة الإدارية، في حالة رغبة مجموعة من الناس في التظاهر».

متظاهرون في ساحة التحرير وسط بغداد في أكتوبر 2019 (أ.ف.ب)

لا خوف من القانون

وتؤكد لجنة حقوق الإنسان النيابية التعديلات الإيجابية التي أجريت على نصّ مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي.

وقالت عضوة لجنة الحقوق النيابية، نيسان الزاير، في تصريحات صحافية، إن «التغييرات التي أُجريت من قبل اللجنة تهدف إلى حماية المتظاهرين وحق التعبير عن الرأي».

وأضافت أن «التعديلات التي أُدخلت على القانون تسهم في الحدّ من سلوكيات الحكومة، وتوفر الحماية اللازمة للمتظاهرين، والقانون يكفل حرية التعبير ويوفر الحماية للصحافيين والمؤسسات الإعلامية».

وشدّدت الزاير على أنه «لا يوجد أي تخوف من قانون حرية التعبير عن الرأي، وأن اللجنة تتابع عن كثب تنفيذ ومراقبة الإجراءات التي ستصدر من قبل الحكومة، بعد إقرار القانون في البرلمان ونشره في الجريدة الرسمية».

كانت «الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحافيين» اتهمت البرلمان بـ«تعمد» عدم نشر مشروع قانون حرية التعبير، الذي تم وضعه على جدول أعمال مجلس النواب.


مقالات ذات صلة

بغداد وأربيل تعززان التنسيق بشأن الحدود ومكافحة التهريب

شؤون إقليمية زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني مستقبلاً مستشار الأمن القومي قاسم العبودي في أربيل يوم 15 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)

بغداد وأربيل تعززان التنسيق بشأن الحدود ومكافحة التهريب

بحث مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم العبودي، مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، استمرار التنسيق بشأن أمن الحدود ومكافحة التهريب.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي جانب من المنطقة الخضراء المحصّنة في بغداد (رويترز)

تغييرات الزيدي الأمنية تطول قائد «المنطقة الخضراء»

استكمل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي سلسلة تغييرات في المناصب الأمنية والعسكرية العليا وصلت أخيراً إلى تعيين قائد جديد لأمن المنطقة الخضراء.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)

العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

أكد وزير النفط باسم محمد خضير، السبت، أن الوزارة لديها خطط جديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

العراق يشدد على «مكافحة الفساد» ويوقف مسؤولاً بوزارة الكهرباء

ألقت قوة من هيئة النزاهة العراقية القبض على وكيل بوزارة الكهرباء للاشتباه في تورطه بمخالفات مالية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)

«حصر السلاح» يقسم التحالف الحاكم في بغداد

رفضت منظمة «بدر»، التي يتزعمها هادي العامري، توجُّه الحكومة العراقية نحو استخدام القوة لنزع سلاح الفصائل، في موقف يعكس تصاعد الخلاف داخل التحالف الحاكم.

حمزة مصطفى (بغداد )

لبنان يخشى على المفاوضات من «الاستباحة» الإسرائيلية

عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان يخشى على المفاوضات من «الاستباحة» الإسرائيلية

عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ندّد لبنان الرسمي بالتصعيد الإسرائيلي المفاجئ في جنوب لبنان؛ إذ قرأ فيه رسائل سياسية، أُولاها «للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق»، حسبما قال الرئيس اللبناني جوزيف عون، وثانيها تقويض لدور الجيش اللبناني الذي يضطلع بـ«مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية، إذا وُجدت على الأراضي اللبنانية»، حسبما أكد رئيس الحكومة نواف سلام، ما يشير إلى أن مؤشرات التصعيد لا تقتصر على العاملَين الأمني والعسكري فقط.

لبناني يتفقد آثار الغارة الإسرائيلية على بلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ب)

وجاء التصعيد الذي أسفر عن مقتل 11 شخصاً، بينهم عائلة كاملة، في ظل تأزم في مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل؛ إذ يرى لبنان أن إسرائيل لم تنفذ التزاماتها، وتشترط بيروت تثبيت وقف إطلاق النار، في وقت يبحث فيه رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، الجنرال جوزيف كليرفيلد مع المسؤولين وقيادة الجيش اللبناني، ترتيبات تقنية. وتشترط إسرائيل إخلاء «حزب الله» لمرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية شرق مدينة النبطية، لقاء تثبيت وقف إطلاق النار.

وقال الجيش الإسرائيلي، السبت، إنه «هاجم بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) في منطقتي النبطية وأنصار»، موضحاً أن الغارات جاءت «في أعقاب نشاط نفذته منظمة (حزب الله) ضد قواتنا في منطقة مرتفعات علي الطاهر» المطلة على النبطية.

عون

ودان رئيس الجمهورية جوزيف عون الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على مناطق الجنوب ولا سيما على منطقة النبطية ومحيطها، وخروقاتها المتكررة لاتفاق الإطار ولعمل مجموعة التنسيق العسكرية وللقوانين الدولية بحماية المدنيين، ما أدى إلى استشهاد عائلة كاملة من بلدة أنصار.

واعتبر الرئيس عون أن هذه الانتهاكات تشكل رسالة واضحة للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق.

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

بري

من جانبه، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن «المجزرتين اللتين ارتكبتهما طائرات الاحتلال الإسرائيلي في بلدة أنصار ودير الزهراني، وأسفرتا عن استشهاد عائلة بكامل أفرادها جُلُّهُم من النساء والأطفال، تندرجان في سياق استكمال حرب الإبادة التي تواصل آلة القتل والدمار الإسرائيلية شنها ضد الحجر والبشر والتراث وكل ما هو متصل بحياة الإنسان في الجنوب، وهي بالدليل القاطع تثبت أن المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية لا تقيم وزناً لأي اتفاقات وقوانين وجهود لإنهاء الحرب والتوتر في لبنان وكذلك في المنطقة».

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (د.ب.أ)

وأضاف بري: «إن العدوان على بلدة أنصار ودير الزهراني والمنصوري وقرى قضاء النبطية هو دعوة ممهورة بدماء الأطفال والنساء إلى اللبنانيين جميعاً وخاصة القوى السياسية على مختلف مواقعها، دعوة لمقاربة العدوان الإسرائيلي وتداعياته وأبعاده مقاربة وطنية بعيدة عن أي شكل مناطقي أو طائفي أو حزبي، هو دعوة لترسيخ مناخات الوحدة الوطنية، وهو أيضاً برسم رعاة المفاوضات واتفاقات وقف النار لتحمل المسؤولية لوقف حرب الإبادة قبل فوات الأوان».

سلام

بدوره، أكد رئيس الحكومة نواف سلام في بيان، أن التصعيد الإسرائيلي «وما رافقه من غارات وقصف كثيف وترهيب للأهالي في منازلهم، أمر بالغ الخطورة ويقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (د.ب.أ)

وقال سلام «إن شهداء الغارة الإسرائيلية على بلدة أنصار السبعة ليسوا (بنية تحتية عسكرية)، والأطفال والنساء الذين قُتلوا فيه ليسوا أهدافاً عسكرية».

وشدد سلام على أن «مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية، إذا وُجدت على الأراضي اللبنانية، هي مسؤولية الدولة اللبنانية حصراً، من خلال الجيش اللبناني ومؤسساتها الشرعية، ولا يمنح وجودها إسرائيل حق استباحة الأراضي اللبنانية أو تعريض المدنيين للخطر».

وأكد رئيس الحكومة اللبنانية أن «على إسرائيل وقف هذا التصعيد. فأمن أهلنا وحقهم في الحياة على أرضهم ليسا موضع تفاوض أو مساومة».

«حزب الله»

ويرفض «حزب الله» المدعوم من طهران بشكل مطلق التفاوض المباشر مع إسرائيل والتخلي عن سلاحه. وفي تعليق على التصعيد الإسرائيلي، وصف «حزب الله» ما جرى بأنه «جريمة موصوفة تضاف إلى سجل العدو الحافل بالمجازر والجرائم وسفك دماء اللبنانيين وتفجير منازلهم وجرف حقولهم ومحو معالم قراهم».

عناصر من الصليب الأحمر اللبناني في موقع الاستهداف الإسرائيلي في بلدة أنصار بجنوب لبنان (د.ب.أ)

ورأى أنه «يعبر عن رغبة وإرادة رئيس وزراء العدو المجرم نتنياهو بتصعيد الحرب تعزيزاً لواقعه السياسي الداخلي، وخدمة لأهدافه الانتخابية وإرضاءً لليمين المتطرف».

وقال الحزب إن «هذا التمادي في العدوان وانتهاك سيادة لبنان تتحمل مسؤوليته حكومة العدو والولايات المتحدة التي تؤمِّن الدعم والغطاء لها، فيما يجب على السلطة اللبنانية أن تبحث عن السبل المتاحة لوقف هذا العدوان، وألا تصر على الاستمرار في مسار المفاوضات المباشرة المذلة وتقديم الهدايا المجانية للعدو، رغم كل ما يرتكبه من جرائم واعتداءات، وما يعلنه من نوايا عدوانية وتوسعية تجاه لبنان».

وقال الحزب في بيانه: «لقد آن للسلطة أن تراجع حساباتها مراجعة شاملة بما يحفظ سيادة لبنان وحقوقه، بدل الاستمرار في سياسات تأكّد عجزها عن حماية لبنان وشعبه، وأن تقف موقفاً وطنياً وشجاعاً ومسؤولاً، وأن تتوقف عن اللهاث خلف المفاوضات التي يجرّها إليها الأميركي، وأن تدرك أن الرهان على الضمانة والوساطة الأميركية هو رهان خائب، فالأميركي شريك للعدو الإسرائيلي في جرائمه ومجازره بحق لبنان».

وقال الحزب إن «اعتداءات العدو الإسرائيلي وتجاوزاته ومحاولاته فرْض أمر واقع لا يمكن أن تستمر، وستقابل بما يناسبها، دفاعاً عن لبنان وشعبه وسيادته وكرامته الوطنية».


إسرائيل تحاول فرض قواعد اشتباك مرتبطة بالسيطرة على «علي الطاهر»

مسعفون وعناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي لبلدة دير الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
مسعفون وعناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي لبلدة دير الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحاول فرض قواعد اشتباك مرتبطة بالسيطرة على «علي الطاهر»

مسعفون وعناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي لبلدة دير الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
مسعفون وعناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي لبلدة دير الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

فجَّرت إسرائيل الهدوء النسبي في جنوب لبنان، بتصعيد مفاجئ أسفر عن مقتل 11 شخصاً على الأقل، بينهم 4 أطفال، وسقوط جرحى آخرين، وذلك في غارتين استهدفتا بلدتَي أنصار، ودير الزهراني في الجنوب؛ رداً على «نشاط عسكري» نفَّذه «حزب الله» ضد قواتها في مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان، حسبما أعلن الجيش الإسرائيلي.

وبينما لم يتبنَّ «حزب الله» أي عملية عسكرية، عكس بيان الجيش الإسرائيلي محاولةً لتكريس قواعد اشتباك جديدة متصلة بالاستعدادات الإسرائيلية للسيطرة على مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية شرق مدينة النبطية، ومن بينها قصف يومي بالمدافع على التلة، وإسقاط عبوات متفجرة بالمحلقات، وقصف جوي بالمسيّرات. وتشترط إسرائيل إخلاء «حزب الله» مرتفعات علي الطاهر، لقاء تثبيت وقف إطلاق النار.

وقالت مصادر أمنية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إنَّ قواعد الاشتباك التي تُفهَم من البيان والقصف، تفيد بأنَّ أي محاولة من قبل «حزب الله» لصد التقدم الإسرائيلي باتجاه علي الطاهر، ستُقابَل بتوسعة مروحة القصف إلى العمق، وذلك «للضغط عليه وعلى بيئته، وعلى الدولة اللبنانية التي تطالب بتثبيت وقف إطلاق النار، وتوسعة المناطق النموذجية».

11 قتيلاً

وقُتل 11 شخصاً في غارتين إسرائيليَّتين على جنوب لبنان فجر وظهر السبت، في أعلى حصيلة منذ توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في يونيو (حزيران) والتي تبعها تراجع وتيرة العنف بشكل كبير.

ركام ناتج عن استهداف إسرائيلي لمنزل في بلدة أنصار بجنوب لبنان أسفر عن مقتل 7 لبنانيِّين بينهم عائلة كاملة مؤلفة من 6 أشخاص (إ.ب.أ)

وقالت «الوكالة الوطنية للإعلام»، الرسمية: «إن غارة شنّتها الطائرات الحربية المعادية على منزل في أطراف بلدة أنصار لجهة الزرارية، أسفرت عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 3 آخرين». وأضافت أنّ الغارة أدت إلى تدمير المنزل، مشيرة إلى أنَّ فرق الإسعاف تعمل على «رفع الأنقاض وسحب الجثامين والجرحى إلى مستشفيات النبطية».

وقالت مصادر محلية إن الغارة أسفرت عن مقتل عائلة بأكملها، هي الأب والأم و4 أطفال كانوا ينامون في المنزل. كما استُهدف مبنى آخر قريب من المنزل الأول، بما أسفر عن مقتل شاب من جنوب لبنان.

وظهر السبت، استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي بلدة دير الزهراني القريبة من النبطية بغارة أسفرت عن مقتل 4 أشخاص، وسقوط 9 جرحى آخرين. وقالت مصادر محلية إنَّ الضربة قضت على مبنى بالكامل، كما أدت الشظايا إلى إصابة سيارة شاب كان يمر من المكان؛ مما أسفر عن مقتله.

متطوعون بالدفاع المدني يبحثون بين الأنقاض عن ناجين إثر غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة أنصار بجنوب لبنان (د.ب.أ)

عمق جنوب لبنان

وتقع المنطقتان إلى العمق في جنوب لبنان، ويجري استهدافهما للمرة الأولى من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وتقع دير الزهراني على مسافة نحو 10 كيلومترات من تلة علي الطاهر إلى العمق. أما الوادي بين بلدتَي أنصار والزرارية فيقع على بُعد نحو 15 كيلومتراً من علي الطاهر، وتعرض لغارة «هي الأولى التي تتعدى هذا العمق الجغرافي منذ وقف إطلاق النار منذ شهرين»، وفقاً للوكالة الوطنية.

وفي الوقت نفسه، نفَّذ الجيش الإسرائيلي «سلسلة غارات جوية استهدفت مرتفع علي الطاهر» الاستراتيجي الذي يطل على مدينة النبطية.

وأدى هذا التصعيد إلى حركة نزوح محدود من جنوب لبنان باتجاه مدينة صيدا والعاصمة اللبنانية، تحسباً لتجدد القتال والقصف. وشوهدت حركة نشطة للسيارات على طريق النبطية - صيدا، وأوتوستراد صور - صيدا.

وبعد الظهر، أفادت وسائل إعلام محلية بأنَّ حركة النزوح انحسرت، رغم أنَّ المخاطر لم تنحسر، بدليل التحليق المتواصل للمسيّرات الإسرائيلية على ارتفاع منخفض في الجنوب، خصوصاً فوق منطقتَي الزهراني والنبطية.

السيطرة على «علي الطاهر»

وتسعى القوات الإسرائيلية للسيطرة على مرتفعات علي الطاهر، عبر قصف مُركَِز وإطباق جوي كثيف، إضافة إلى مهام لوجستية في محيط التلة التي تمتد على مسافة 1.5 كيلومتر وتشرف على مساحات واسعة تحيط بها تصل إلى شمال إسرائيل.

ووضعت تل أبيب القصف اليوم في خانة الرد على نشاط عمليات لـ«حزب الله» في التلة. وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إن الجيش «هاجم السبت بنى تحتية تابعة لمنظمة حزب الله في منطقتي النبطية وأنصار في جنوب لبنان»، مضيفاً: «نُفِّذت الغارات في أعقاب نشاط نفَّذته منظمة حزب الله ضد قواتنا في منطقة مرتفعات علي الطاهر، الواقعة داخل المنطقة الأمنية» التي تنشط فيها قواته. وأكد أنه «لن يسمح لحزب الله بالمساس بمواطني دولة إسرائيل أو بقواته، وسيواصل العمل لإزالة التهديدات».

انتهاكات متواصلة

ولم تقتصر الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، على القصف الجوي في عمق جنوب لبنان، فقد أشارت «الوكالة الوطنية» إلى أنَّ القوات الإسرائيلية «أقدمت فجر السبت على نسف عدد من المباني» في مدينة بنت جبيل المحاذية للحدود. كما دوت انفجارات عنيفة تبيَّن أنَّها ناتجة عن تفجيرات وعمليات نسف في بلدات الطيبة ودير سريان ومحيط كفرتبنيت، فضلاً عن قصف مدفعي مكثف طال تلال جبل الرفيع في إقليم التفاح ومرتفعات الدبشة في منطقة النبطية.

وشهدت أطراف بلدة حداثا من جهة حاريص في قضاء بنت جبيل تحركاً لآليات إسرائيلية. كما أغار الطيران الحربي على أطراف النبطية الفوقا في جنوب لبنان، مستهدفا منزلاً خلف ثانوية الصباح القديمة. كما شاركت مروحية عسكرية بتمشيط جوي باتجاه منطقة التلال في علي الطاهر.

ونسف الجيش الإسرائيلي منازل في بنت جبيل واستهدف طريق كونين ـ صف الهوا في جنوب لبنان بالأسلحة الرشاشة. كما نفَّذ عملية تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه أطراف بلدة عيتا الجبل.

وينصُّ اتفاق الإطار الذي أُبرم بين لبنان وإسرائيل بعد 5 جولات تفاوض برعاية أميركية، على نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب الدولة العبرية تدريجياً من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءاً من مناطق «تجريبية».

ودعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الأمم المتحدة، الخميس، إلى إبقاء قوة لحفظ السلام في لبنان بعد انتهاء ولاية بعثة «اليونيفيل» هذا العام، مؤكدة أنَّ هذه القوات «تعدُّ رادعاً حاسماً للهجمات على المدنيِّين، وانتهاكات حقوق الإنسان».


«حزب الله»: «اعتداءات» إسرائيل «ستُقابل بما يناسبها»

رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض عقب غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في جنوب لبنان (د.ب.أ)
رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض عقب غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في جنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

«حزب الله»: «اعتداءات» إسرائيل «ستُقابل بما يناسبها»

رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض عقب غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في جنوب لبنان (د.ب.أ)
رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض عقب غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في جنوب لبنان (د.ب.أ)

أعلن «حزب الله» أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان ستُقابل بـ«ما يناسبها»، بعد غارات دامية على جنوب البلاد، السبت، داعياً السلطات اللبنانية إلى وقف المفاوضات «المذلة» مع الدولة العبرية.

وقال الحزب، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن على إسرائيل «أن تفهم جيداً أن اعتداءاتها وتجاوزاتها ومحاولاتها فرض أمر واقع لا يمكن أن تستمر، وستقابل بما يناسبها».

وأضاف أن على السلطات اللبنانية «ألا تصر على الاستمرار في مسار المفاوضات المباشرة المذلة وتقديم الهدايا المجانية للعدو».

بدوره، قال الجيش الإسرائيلي، السبت، إن غاراته في لبنان، حيث أفادت السلطات بمقتل 11 شخصاً بينهم أطفال، جاءت رداً على خرق اتفاق وقف إطلاق النار من جانب «حزب الله».

وكتبت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية إيلا واوية على منصة «إكس» أن الغارات الإسرائيلية جاءت «رداً على خرق خطير للاتفاق من قبل (حزب الله)، بعد أن هاجم قواتنا داخل المنطقة الأمنية المتفق عليها».

وقُتل 11 شخصاً في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، السبت، وفق مصادر رسمية، في أعلى حصيلة يومية منذ توقيع اتفاق الإطار بين لبنان والدولة العبرية أواخر يونيو (حزيران) الماضي.

وقال الرئيس اللبناني جوزيف عون إن الغارات الإسرائيلية على جنوب البلاد تشكّل «رسالة واضحة» للمسار التفاوضي مع إسرائيل، قبل جولة محادثات جديدة مرتقبة في روما مطلع الشهر المقبل.

وأدان عون «الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة» على الجنوب، و«خروقاتها المتكررة لاتفاق الإطار (...) وللقوانين الدولية بحماية المدنيين»، واعتبر أن «هذه الانتهاكات تشكل رسالة واضحة للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق»، وفق بيان للرئاسة.

بدوره، كتب رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، على منصة «إكس»، أن «التصعيد الإسرائيلي... أمر بالغ الخطورة ويقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب».

وتابع أن «شهداء الغارة الإسرائيلية... ليسوا بنية تحتية عسكرية، والأطفال والنساء الذين قُتلوا ليسوا أهدافاً عسكرية». وأكد أن «‏مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية، إذا وُجدت على الأراضي اللبنانية، هي مسؤولية الدولة اللبنانية حصراً، من خلال الجيش اللبناني ومؤسساتها الشرعية، ولا يمنح وجودها إسرائيل حق استباحة الأراضي اللبنانية أو تعريض المدنيين للخطر».