المفاوضات السورية مع إسرائيل بين حقبتين... هل من اختلاف جذري؟

انهيار الثنائية القطبية وصعود اليمين الإسرائيلي المتطرف يحيطان بالمباحثات الجديدة

حافظ الأسد والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في جنيف عام 2000 (غيتي)
حافظ الأسد والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في جنيف عام 2000 (غيتي)
TT

المفاوضات السورية مع إسرائيل بين حقبتين... هل من اختلاف جذري؟

حافظ الأسد والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في جنيف عام 2000 (غيتي)
حافظ الأسد والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في جنيف عام 2000 (غيتي)

بعد سقوط نظام الأسد، تجددت محاولات التفاوض بين سوريا وإسرائيل، كان آخرها الخميس الماضي في باريس، برعاية أميركية، حيث عدّ هذا الاجتماع أرفع مشاركة رسمية سورية منذ أكثر من 25 عاماً، عندما رعى الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، عام 1999 - 2000، اجتماعاً بين وزير خارجية سوريا، فاروق الشرع، ووزير الخارجية الإسرائيلي حينئذ، إيهود باراك.

ورأى مراقبون أن اجتماع باريس، الخميس الماضي، كان «بمنزلة خطوة أولى» على مسار «اتخاذ تدابير لبناء الثقة من الجانبين»، لكن ثمة «اختلافات جوهرية» فرضها الواقع الجديد في سوريا والمنطقة والعالم. والاجتماع جرى برعاية المبعوث الأميركي، توم برّاك، الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، عشية لقاء ثانٍ، الجمعة، بين برّاك والشيباني ووزير خارجية فرنسا، جان نويل بارو، هدف إلى دعم العملية الانتقالية في دمشق.

«الشرق الأوسط» تواصلت مع ثلاثة من المرجعيات السورية المطلعة على مسار السلام مع إسرائيل منذ عهد نظام الأسد الأب وحتى الآن.

الدكتور سمير التقي، باحث بمعهد الشرق الأوسط للدراسات في واشنطن، كان في المقاعد الخلفية لمفاوضات السلام السورية - الإسرائيلية في مراحل مختلفة من فترة نظام حافظ الأسد. ويقول إن المفاوضات السورية - الإسرائيلية مرت بمراحل عدة، «تراوحت بين تبادل المبعوثين، واللقاءات الأمنية السرية وشبه السرية».

الروس غرّبوا ففعل حافظ الأسد

بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، ترسخت ثقة نظام حافظ الأسد بالعلاقة مع الولايات المتحدة؛ إذ بعد اتفاق إطلاق النار حصل من وزير الخارجية آنذاك، هنري كيسنجر، على تفويض لضبط الوضع في لبنان، (بحسب مذكرات كيسنجر).

لكن العامل الأساسي في دخوله مفاوضات السلام، أنه وجد، على حد قوله، في جلسة أن الروس قد غرّبوا» (ذهبوا غرباً)، وأن نموذج الدولة الذي بناه بوصفه نسخة عن النظام السوفياتي لا بد أن يتكيف، وينعطف غرباً. لذلك انضم الأسد للقوات العربية التي دعمت تحرير الكويت، على أمل ترسيخ الوضع الإقليمي لنظامه في ظل التحولات الدولية.

وفي سياق هذه التحولات الدولية والإقليمية يمكننا القول إن المفاوضات مع إسرائيل مرت من منظور سوري بثلاث مراحل.

احتفالية إسرائيلية في ذكرى اغتيال رابين (متداولة)

مرحلة إسحق رابين

حيث كان الطموح هو استعادة كامل الجولان وتحقيق سلام بين سوريا وإسرائيل، مع الموافقة على فصل المسارات وترك القضية الفلسطينية جانباً، ليقررها الفلسطينيون.

في لحظات معينة، نشزت حالة ثقة شخصية واضحة بين الزعيمين، وبدأ الأسد يراهن على هذه الثقة. بل حزن حافظ الأسد بعمق لوفاة رابين؛ لأنه أدرك أن الصراع سيستمر لعقود في ظل وجود نواة قوية داخل الدولة الإسرائيلية لا توافق على تصوره للسلام العادل والشامل ولمستقبل نظامه، ضمن عملية التحول والانعطاف المنشودة.

مرحلة إيهود باراك

أصبح فيها وضع سوريا أضعف ليتحول النقاش حول إيجاد صيغ جديدة لموضوعة السيادة على الجولان. وفيما كان تركيز إسرائيل في المفاوضات على فصل سوريا عن إيران، كان حافظ الأسد يجد نفسه محاصراً إسرائيلياً في لبنان من جهة، وإيرانياً من جهة أخرى، مع تفاقم الدور الإيراني في لبنان، وتفاقم حاجته للتحالف معها، ناهيك عن تضعضع وضعه الدولي والعربي.

لذلك كان من الواضح لحافظ الأسد أنه لن يستطيع إتمام الوصول لذات المكاسب التي اقترب منها قبل مقتل رابين. وسرعان ما سقط باراك، ليستنتج الأسد أنه بغض النظر عن اللعبة السياسية في إسرائيل فإن الدولة العميقة لا تبدو جاهزة هناك.

مرحلة أولمرت

كان من الواضح أن موازين القوى قد باتت أصعب بالنسبة للأسد. وكان واضحاً أن قضية السيادة على الجولان لن تكون سيادة ناجزة. وأصبح الحديث يجري عن محمية طبيعية، وعن تقاسم السيادة. وإضافة لموافقة إسرائيل من حيث المبدأ على دور سوريا في ضبط الساحة اللبنانية، فإنها وضعت شروطاً محددة حول هذا الدور، وكذلك حول آفاق علاقة سوريا مع إيران على الصعيد الاستراتيجي؛ لذلك بدت المفاوضات نهاية لحالة الحرب أكثر منها تأسيساً لسلام دائم، ينهي مطالب الطرفين.

مرحلة الأسد الابن

لكن ماذا عن المفاوضات في عهد بشار الأسد؟... هل توقفت أم جرت في الخفاء؟ يقول الدكتور التقي إنها توقفت عدة مرات في فترة الأسد الابن؛ أُولاها بعد إقصاء أولمرت من الحكومة، ثم بعد توقف الوساطة التركية لأن علاقات تركيا مع إسرائيل كانت قد بدأت في التوتر (بخصوص غزة). والثالثة كانت بوساطة سويسرية وتوقفت عام 2011، عندما أبلغ الرئيس الأميركي باراك أوباما مبعوثه إلى سوريا، السفير فريدريك هوف، أنه لن يفاوض رئيساً يقتل شعبه.

جندي إسرائيلي بجانب إشارة في موقع تابع لمراقبي الأمم المتحدة (أندوف) قرب معبر القنيطرة بالجولان (إ.ب.أ)

أما عن المفاوضات الحالية، فيرى الباحث السوري سمير التقي، أنها تجري في ظروف «تداعٍ في السيادة السورية»، وخروج سوريا عما سُمي بـ«محور المقاومة»، وفي مناخ من التسييد الإسرائيلي؛ إذ تبدو إسرائيل مستعدة لسحب قواتها من المواقع التي احتلتها مؤخراً بعد سقوط النظام. لكن دافعها الجوهري هو السعي لمنع تحول سوريا لدولة تدور في الفلك التركي، وقطع الطريق على احتمال قيام تركيا بتدريب الجيش السوري واختراقه وتزويده بالسلاح، ناهيك عن تأسيس قواعد عسكرية تركية وقواعد تنصت ورادارات على الأراضي السورية.

لكن ذلك لا يعني أنها مستعدة للتنازل بأي شكل عن الجولان، بل هي تحاول المقايضة على السعي لدعم الاستقرار في سوريا مقابل تحقيق مطالبها. لذلك وكي تضمن هذا الاتفاق، فإنها تطالب بإبعاد القوات السورية لمسافة تصل لثمانين كيلومتراً عن الجولان.

ويختتم الدكتور التقي كلامه بالقول إن ثمة مخاوف إسرائيلية من تكرار تجربة مشابهة لتجربة «حماس» بوصفها إسلاماً جهادياً يمكن أن تستخدمه تركيا لتعزيز دورها في شرق المتوسط وعلي حدود إسرائيل، في مناخ من التوتر الناجم عن التسييد الإسرائيلي في الإقليم. ورغم ترديد وسائل الإعلام، فلا يبدو أن عودة إيران تشكل هاجساً حقيقياً وعملياً لإسرائيل.

الرئيس الأميركي بيل كلينتون مفتتحاً محادثات السلام بين إسرائيل وسوريا في حديقة الورود بالبيت الأبيض بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع ديسمبر 1999 (غيتي)

انهيار الثنائية القطبية

رئيس مركز النهضة للدراسات والأبحاث بدمشق، عبد الحميد توفيق، يرى أن الفروقات بين مرحلة التسعينات من القرن الماضي والمرحلة الراهنة، من حيث الدولة السورية، أنها في التسعينات كانت دولة راسخة ولاعباً مؤثراً في المشهدين الإقليمي والدولي، بينما سوريا اليوم تفتقد من حيث البنية لمقومات الدولة المستقرة، كما أن واقعها الناشئ يعاني من تحديات بنيوية وسياسية وسيادية واقتصادية وأمنية، تجعلها أبعد ما يكون عن التأثير، وخصوصاً في ملف المفاوضات مع إسرائيل.

يضيف عبد الحميد أن مفاوضات التسعينات أفرزها مؤتمر مدريد الدولي، وكان إطارها القرارين الأمميْن 242 و383 الناظمَين لحقوق سوريا في استعادة أراضيها، إضافة إلى وجود ثنائية قطبية دولية كانت تستند دمشق حينها إلى واحد منهما هي روسيا.

لكن اليوم، ومع انهيار الثنائية القطبية وهيمنة القطب الأميركي بوصفها قوة وحيدة وقوة فاعلة تقف بالمطلق إلى جانب إسرائيل، يبرز «الخلل الكبير في ميزان القوة وموازين القوى لصالح إسرائيل، يقابله واقع سوري جديد يتسم بضعف شديد في جميع مناحيه».

جانب من مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 (غيتي)

ويبدو أن إسرائيل وغطاءها الأميركي يسعيان إلى استغلال ذلك لفرض «صيغة مختلة» على الجانب السوري، لا تخدم القضية الوطنية المتمثلة باستعادة الجولان وكامل الحقوق. على عكس مفاوضات السلام في التسعينات، لكن اليوم «لا تبدو هذه المقومات متوفرة لدى سوريا الجديدة التي تسعى سلطاتها الحالية إلى تثبيت وجودها عبر آليات سياسية تمنع التدهور في ظل ظروف معقدة وصعبة».

ورأى توفيق أن فرصة سوريا الاستراتيجية لتحقيق الحد الأدنى من سياستها الراهنة في المفاوضات، تكمن في استثمارها للدعم العربي والإقليمي والغطاء الأميركي والغربي، ولكن هذا الغطاء يبقى محدوداً مقابل النزعة الإسرائيلية العدوانية والتوسعية وطبيعة التحالفات القائمة بين تلك القوى وإسرائيل.

هدف المفاوضات وبيئتها

من جهته، يقول المحلل والكاتب السياسي فايز سارة، لـ«الشرق الأوسط»: «ثمة اختلافات جوهرية بين المفاوضات الإسرائيلية - السورية التي كانت تجري أواسط التسعينات والمفاوضات الجارية اليوم في باريس. الأولى كان هدفها الوصول إلى اتفاق سلام بين الجانبين السوري والإسرائيلي، أما الحالية فهي جهد مشترك للوصول إلى (ترتيبات أمنية بين سوريا وإسرائيل في الجنوب السوري)»، واللافت للانتباه في الحالتين أن الأميركي شاهد ومشجع على المفاوضات.

الاختلاف، بحسب سارة، يتمثل في «هدف المفاوضات»، ويعود ذلك لاختلاف في نقطتين؛ الأولى الاختلاف السوري في نوعية وخبرات فريق التفاوض، والثاني اختلاف البيئة التي تجري فيها المفاوضات. ففي المرة السابقة كان الفريق السوري يملك أكثر من الخبرات والتجارب، ولديه كثير من الأوراق، وكان يفاوض على نقاط أكثر أهمية وخطورة وحساسية للإسرائيليين والسوريين وللعالم من حولهم.

أما في موضوع بيئة المفاوضات، فيشير سارة إلى أن في المفاوضات السابقة كانت موازين القوى بين الجانبين مختلفة عن حالها اليوم. ورغم أن القوة تميل إلى جانب الإسرائيليين، فإن السوريين كانوا يملكون قوة عسكرية لا بد أن تؤخذ بالاعتبار من حيث النوعية والحداثة والعدد.

دورية جنود إسرائيليين على خط وقف إطلاق النار بالقرب من قرية مجدل شمس في مرتفعات الجولان المحتلة 22 يوليو (إ.ب.أ)

بينما تسجل إسرائيل تفوقاً كاسحاً على القدرات السورية اليوم، بعد أن تم نزع جزء من القوة وتدمير القسم الأكبر منها، وجرى حل الجيش ومؤسساته، وثمة بداية متواضعة لجيش سوري جديد.

وعلى صعيد الوضع على الجانب الإسرائيلي، يشير السياسي فايز سارة إلى وجود فوارق مهمة بين مفاوضات أواسط التسعينات والحالية، لعل الأهم فيها أن إسرائيل كانت تحظى بحليف أميركي له اشتراطاته، فيما هي اليوم تحظى بدعم أكبر من الولايات المتحدة.

ومن أبرز الفوارق، أيضاً، أن اليمين الإسرائيلي كان خارج السلطة، وقد خرج واحد من أفراده ليقتل رئيس الوزراء إسحاق رابين صاحب وديعة الانسحاب من الجولان، فيما يتربع على سدة القيادة الإسرائيلية اليوم يمين متشدد متطرف بقيادة بنيامين نتنياهو، ويرسل أحد أبرز رموزه ليقود المفاوضات مع الوزير السوري أسعد الشيباني، حاملاً معه إصراراً على الاحتفاظ بالجولان وهاجس ضمان أمن إسرائيل، والسعي إلى توسيع حدود وجودها وهيمنتها في سوريا. فيما اليسار العمالي الذي كان يحكمها في التسعينات ويسعى إلى تسوية مع سوريا بقيادة رابين ثم شمعون بيريس، أصبح في هامش السياسة الإسرائيلية.


مقالات ذات صلة

دمشق: اعتقال ضابط سابق برتبة لواء برز اسمه في الهجوم على الغوطة الشرقية

المشرق العربي اللواء السابق المعتقل رفيق كلثوم (وزارة الداخلية)

دمشق: اعتقال ضابط سابق برتبة لواء برز اسمه في الهجوم على الغوطة الشرقية

كلثوم انخرط في العمليات العسكرية منذ المراحل الأولى للثورة السورية، وشارك في إدارة عدد من المعارك التي شهدتها محافظة دمشق وريفها.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي سورية تحمل يوم 24 أبريل 2026 صور أقارب لها قُتلوا في «مجزرة التضامن» التي وقعت عام 2013 جنوب دمشق على أيدي قوات النظام السابق (إ.ب.أ)

مفتي سوريا يحذّر من ممارسات تؤدي إلى «فتنة»

دعا المفتي العام لسوريا الشيخ أسامة الرفاعي المواطنين ‌‏‌‏إلى «الابتعاد عن أي تصرفات غير منضبطة قد تفتح باب الفتنة»، بعد احتجاجات ضد مناصري النظام السابق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لافتة لأهالي المعتقلين المرحّلين إلى سجون العراق في اعتصام وسط دمشق (مرصد الحسكة)

مطالبات بكشف مصير 4743 سورياً نقلتهم «قسد» إلى العراق منذ 2019

النقل تم من دون إعلان رسمي شامل يتضمن القوائم الاسمية للمنقولين، أو تواريخ النقل، أو الجهات المستلمة، أو الأساس القانوني والإجرائي لكل عملية.

المشرق العربي حضور طلابي واسع في تدشين حملة «أجيال النزاهة» من على مدرج جامعة دمشق (سانا)

الفساد بسوريا تراجع لكن لم يتوقف... والأمل في «أجيال النزاهة»

رغم الجهود الحثيثة من «الهيئة العامة للرقابة والتفتيش» بسوريا لمعالجة تركة الفساد الهائلة التي خلفها النظام السابق بالمؤسسات الحكومية، فإن الظاهرة لم تنته بعد.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي المبعوث الأميركي الخاص توماس براك ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في دمشق مايو 2025 (أ.ف.ب)

«كان» العبرية: ضغوط أميركية لاستئناف المحاثات مع سوريا... ودمشق غير متحمسة

أفادت تقارير إعلامية عبرية بأنّ ضغوطاً أميركية قد تدفع إلى استئناف المحادثات المباشرة بين سوريا وإسرائيل، بعد أشهر من الجمود الذي خيّم على هذا المسار.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب-لندن)

كيف تنظر دمشق وبيروت وتل أبيب إلى دعوة ترمب لتدخّل سوريا في لبنان؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
TT

كيف تنظر دمشق وبيروت وتل أبيب إلى دعوة ترمب لتدخّل سوريا في لبنان؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

قوبل كلام الرئيس دونالد ترمب الذي كرره مراراً في الأيام الماضية، عن طلبه من الرئيس أحمد الشرع تدخل سوريا ضد «حزب الله» في لبنان، برفض في دمشق، وقلق في بيروت... ولم يؤخذ بجدية في تل أبيب.

فسوريا التي هيمنت على لبنان منذ إرسال قواتها إليه عام 1976، لا تبدو في وارد تكرار ذلك اليوم. «تدخلنا نراه من بوابة دعم بسط الدولة (اللبنانية) لسلطتها»، بحسب ما قال أحمد زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس السوري، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط». أما إسرائيل فهي تتعامل مع دعوة ترمب على أنها غير جدية وأنها بمثابة «لسعة» لحكومة بنيامين نتنياهو التي لا تستطيع إنجاز الحرب ضد «حزب الله» دون أن تُلحق بلبنان تدميراً واسعاً. ورغم أن تل أبيب لا تبدو قلقة من تدخل عسكري سوري وشيك في لبنان، فإنها ترى أن مثل هذا التدخل إذا ما حدث سيعني تمدد نفوذ تركيا أيضاً. وبحسب وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، فإن سوريا وتركيا «تشكلان مسألة مقلقة أكثر بكثير من إيران».

في المقابل، سارعت بيروت إلى رفض أي تدخل سوري أو أجنبي في ملف «حزب الله»، مؤكدة أن معالجته تبقى حصراً من مسؤولية الدولة اللبنانية ومؤسساتها.

تسلّط «الشرق الأوسط» الضوء على تداعيات دعوة ترمب إلى تدخل سوريا عسكرياً في لبنان، في ثلاثة تقارير من دمشق وبيروت وتل أبيب.

مسؤول سوري: لا رغبة لدينا في دخول لبنان

جددت دمشق التأكيد على عدم وجود رغبة لديها بدخول عسكري للبنان، لكنها في المقابل دعت «حزب الله» اللبناني إلى الكف عن تدخلاته في سوريا، إن «كان بالتدخل المباشر، أو عبر دعمه واحتضانه لفلول النظام السابق، قتلة الشعب السوري»، وفق ما قال المستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية السورية أحمد زيدان، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «أبواب دمشق وقصر الشعب مفتوحة للأطياف اللبنانية».

وقال زيدان: «نؤكد مجدداً هنا أن تدخلنا نراه من بوابة دعم بسط الدولة (اللبنانية) لسلطتها»، مشدداً على أنه «على من لا تزال تحكمه ذهنيات وعقليات 1976 (سنة دخول القوات السورية لبنان)، أن يعلم أنه اليوم في لحظة الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 (تاريخ إطاحة نظام بشار الأسد)، لحظة سوريا الجديدة».

وتقوم مقاربة سوريا الجديدة إزاء لبنان على «بسط الدولة لسلطتها وسيادتها على كامل التراب اللبناني، بعيداً عن عقلية وممارسة الميليشيات، التي دفع لبنان وسوريا والمنطقة ثمناً باهظاً لتدخلاتها»، بحسب كلام المستشار أحمد زيدان الذي أوضح أن دمشق تدفع «صوب بسط الدولة اللبنانية لسلطتها وسيادتها». أما العمود الثاني للمقاربة السورية تجاه لبنان، بحسب ما قال، فهي «مقاربة تنموية، لأن التنمية هي التي تعزز الدولة، وتعزز معها النسيج المجتمعي، وتُبعد كل المتربصين والمتصيدين بلبنان».

وفي الرد على تكرار دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب سوريا للتدخل عسكرياً في لبنان ضد «حزب الله»، قال زيدان: «نحن قلنا وشرحنا موقفنا، فتدخلنا هو بدعم الدولة اللبنانية، ومن خلال دعم التنمية التي ستعود على لبنان والمنطقة بكل خير». وأوضح أن «ما تريده سوريا من لبنان يريده أي جار من جاره، وعلى لبنان بوصفه دولة أن يبسط سلطته، ويتحمل مسؤوليته في لجم ميليشيات (حزب الله) عن التدخل في الشأن السوري. فكما نقول: ما دام جارك بخير فأنت بخير. فنحن بإذن الله بسوريا بخير، ويشهد على ذلك الجميع، ولذا فإن جيراننا بعد الثامن من ديسمبر 2024 هم بخير، ونتمنى بالمقابل أن يعيش إخواننا في لبنان بكل خير تحت سلطة دولة واحدة».

ومنذ الإطاحة بنظام بشار الأسد فتحت دمشق صفحة جديدة في العلاقات مع مؤسسات الدولة اللبنانية، أنهت عهد الوصاية على لبنان، التي نشأت في ظلها منظومة متشابكة من العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية قائمة على تشبيك مصالح الطبقة الحاكمة في البلدين كثمرة للتدخل العسكري السوري في لبنان لمدة 29 عاماً (1976 - 2005). ضعفت خلاله مؤسسات الدولة اللبنانية لصالح صعود نفوذ «حزب الله» الذي دخل لاحقاً في دائرة الصراع على الساحة السورية إلى جانب نظام بشار الأسد ضمن المحور الإيراني.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح بيده خلال جلسة عمل مع قادة مجموعة السبع في فرنسا (رويترز)

وتسود مخاوف في الأوساط السورية من احتمال التدخل في لبنان، بعد التحرر من نظام الأسد، والانخراط في بناء سياسات متوازنة، ضمن محور إقليمي يدعم تطلعها إلى وحدة أراضيها وبسط الاستقرار فيها، بما يعنيه ذلك من نأي عن دوائر الصراع في المنطقة. ومن أبرز محاذير التدخل في لبنان إثارة النزعات الطائفية والاقتتال الأهلي، في ظل احتمال شن ميليشيات شيعية في العراق هجوماً على سوريا، أو تحريك إيران و«حزب الله» لخلاياهما داخلها، وفق ما قاله الباحث السياسي والعسكري رشيد حوراني لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أن إيران وحلفاءها «تمكنوا من بناء شبكات ممتدة على طول الجغرافية السورية نظراً لطول مدة تدخلهم في سوريا».

وبالنظر إلى الانعكاسات المحتملة للتدخل على العلاقات السورية - اللبنانية في صيغتها الجديدة، قال حوراني إن العلاقة مع الدولة اللبنانية «لا تتعلق بعلاقة سوريا مع (حزب الله)، فقد تبرأت الحكومة اللبنانية من تصرفات وتحركات الحزب الأمنية والعسكرية وأصدرت قراراً بعدم شرعيتها».

ووفق تحليل الباحث حوراني، يبدو أن تكرار الرئيس دونالد ترمب التصريح بالطلب من الرئيس أحمد الشرع المساعدة ضد «حزب الله» يخفي وراءه «رغبة أميركية في عزل مسألة (حزب الله) عن العلاقة مع إيران بعد التوصل إلى اتفاق معها، والاستثمار بشكل غير مباشر أو غير معلن في آثار التدخل العسكري للحزب في سوريا».

ورأى أنه من الممكن أن تتدخل سوريا في حال «كان هناك مصلحة أكبر من عدم تدخلها»، مثل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من جنوب سوريا، لافتاً إلى ما ذكرته ‏هيئة البث الإسرائيلية بأن «واشنطن تضغط على سوريا وإسرائيل لاستئناف المفاوضات بعد جمود استمر لعدة أشهر».

وقال إن احتمالات عودة المفاوضات بالتزامن مع تصريحات ترمب «تشي بإمكانية الوصول لاتفاق ما، إضافة إلى أن تكون المهمة محددة زمنياً، بدءاً وانتهاء». ولفت حوراني إلى أنه أيضاً يمكن لسوريا دخول لبنان في حال «استمرت إيران بمحاولات إعادة نفوذها في سوريا ويعاونها في ذلك (حزب الله)»، مشيراً إلى أن وزارة الداخلية السورية حمّلت «حزب الله» خلال الأشهر الماضية المسؤولية عن أعمال تخريبية في عدة مدن سورية.

على ضوء تلك المعطيات، لم يستبعد الباحث في مركز الدراسات «جسور» والقريب من الحكومة السورية، وائل علوان، أن يكون هناك دور لسوريا في لبنان عاجلاً أم آجلاً، لكن ليس بالطريقة التي يمكن أن تُفهم من تصريحات الرئيس الأميركي، مرجحاً أن أي دور سيكون بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني و«بحجم الحاجة وبشكل محدود زمنياً وجغرافياً من أجل حماية الحدود السورية والمناطق المحاذية للحدود».

إسرائيل لا تأخذ بجدية الحديث عن تكليف سوريا بتفكيك «حزب الله»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)

للوهلة الأولى، صُدمت إسرائيل من حديث الرئيس الأميركي عن تكليف سوريا بتفكيك «حزب الله» من سلاحه، ولكنها بعد مداولات قصيرة في الموضوع مع قادة الأجهزة الاستخبارية، فهمت أن الأمر بعيد عن الواقع، وأنه لا ينبغي أن يؤخذ بجدية. بيد أن خبراء وبعض السياسيين فهموا أنه لا ينبغي الاستخفاف بالمغزى السياسي من الاقتراح، وأنه جاء بمثابة «لسعة» من الإدارة الأميركية، التي ملّت من سياسات رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ومسعاه لجر المنطقة من حرب طويلة إلى حرب أطول. فالولايات المتحدة لا تحب أصلاً الحروب الطويلة وتعدّها ورطة، وترى أن أي حرب يجب أن تُرسم لها نهاية.

وقد تم التعبير عن هذا الموقف بشكل علني وبلا مواربة، في الأسابيع الأخيرة؛ إذ نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريراً قالت فيه إن «ترمب ملّ من تكرار وإلحاح نتنياهو»، وإنه «في المحادثات الهاتفية الكثيرة التي جرت بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي ساد المشهد الممل نفسه، نتنياهو يكرر مواقفه وترمب يصغي». وأضافت وسائل الإعلام العبرية لذلك القول إنه «من آن لآخر كان ترمب يرفع صوته ويرفض ويوبخ ويبهدل ويشتم».

وتضيف صحيفة «معاريف»، في هذا الإطار، أن ترمب كان يصدق ما يقوله نتنياهو، ولكنه في الآونة الأخيرة بات يسجّل بعض الملاحظات ويسأل مساعديه: «هل ما قاله صحيح؟ هل ما يقوله دقيق؟».

ومن أجل توخي الدقة، فإن ترمب تحدث عن موضوع تدخل سوريا في لبنان بجملتين، هما: «إذا لم تستطع إسرائيل القيام بالمهمة دون قتل الجميع، فستقوم سوريا بذلك». وقد اهتم الإعلام بالجملة الثانية وتجاهل الأولى، التي تعتبر الأساس. فالرئيس الأميركي ينتقد نتنياهو على مواصلته السعي إلى الحرب وعلى فشله فيها وعلى مبالغته الشديدة في القتل والتدمير. وقد أكد ذلك لاحقاً عندما تساءل: «لماذا يجب أن تهدم عمارات؟». ثم ألحق ذلك بإشارة إلى أن الكثير من اللبنانيين الذين قتلوا في العمليات الإسرائيلية لم يكونوا من «حزب الله» أو على علاقة بهذا الحزب.

ويكتب المستشرق الدكتور تسفي برئيل، محرر الشؤون العربية في «هآرتس»، ناسفاً فكرة إقحام سوريا في لبنان، فيقول: «كان يجب على إسرائيل أن تدرك الآن أن ترمب لا يتفق معها في الرأي حول الساحة اللبنانية، التي تتحول بسرعة من جبهة قتال إسرائيلية إلى ورقة مساومة دبلوماسية لإيران، في لعبة استسلم فيها ترمب بالفعل. فإلى جانب رغبة إيران في الحفاظ على مكانة (حزب الله) وسلطته، يعتبر لبنان أيضاً جزءاً لا يتجزأ من الضمانات الملموسة التي تطلبها من الولايات المتحدة لإثبات قدرتها على الوفاء بالتزاماتها».

ويرى برئيل أن «اقتراح نقل علاج موضوع (حزب الله) من إسرائيل إلى المقاول السوري يذكّر بدرجة معينة بالفكرة بعيدة المنال المتمثلة في تفعيل الميليشيات الكردية للمساعدة في إسقاط النظام في إيران»، وهو اقتراح سقط بعد أيام من طرحه. ويشير إلى أنه وعلى الرغم من أنه يوجد للرئيس السوري أحمد الشرع «دافع قوي لسحق تنظيم (حزب الله)»؛ إذ لديه تاريخ طويل من العداء معه، فإن الرئيس السوري صرح بالفعل بأنه لا يهتم بمثل هذا المشروع. وتابع أن التورط العسكري في لبنان لا يعتبر خطة واقعية بالنسبة للرئيس السوري في الوقت الذي تعاني فيه بلاده من العنف ولم تستقر بعد عسكرياً وإدارياً. وأشار إلى أن الشرع أوضح مؤخراً: «لقد انتهى زمن تدخل سوريا العسكري في لبنان».

من جهة ثانية، يتخذ الإسرائيليون موقفاً سلبياً من القيادة الجديدة في دمشق ويرون فيها جزءاً من المشروع التركي الذي يهدد إسرائيل. ويرون أنه إذا وافقت دمشق على اقتراح ترمب، فإنها ستحظى بدعم إضافي من واشنطن، وقد يكون هذا على حساب إسرائيل.

وقد سمح وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، لنفسه بالتهديد بشن حرب على سوريا «عاجلاً أم آجلاً»، زاعماً أن سوريا وتركيا «تشكلان مسألة مقلقة أكثر بكثير من إيران». ومع أن شيكلي هو وزير شكلي في حكومة نتنياهو، فإن هذا التصريح الذي أدلى به، الخميس، لإذاعة «103 إف إم» التابعة لصحيفة «معاريف» العبرية، يعبّر عن أجواء سياسية تسود في الحكومة وتكشف عن سبب عرقلتها للمفاوضات مع دمشق.

بيروت... معالجة سلاح «حزب الله» تبقى حصراً من مسؤولية الدولة اللبنانية

جنود من الجيش السوري ينفذون دوريات على طول الحدود السورية - اللبنانية في منطقة القصير الريفية يوم 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أثار حديث الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن بحثه ملف «حزب الله» مع الرئيس السوري أحمد الشرع، تساؤلات في لبنان حول إمكان إسناد دور لدمشق في مواجهة الحزب. إلا أن مواقف لبنانية، رسمية وسياسية، التقت مع مواقف سورية رافضة لهذا الطرح، فيما سارعت بيروت إلى رفض أي تدخل سوري أو أجنبي في هذا الملف، مؤكدة أن معالجته تبقى حصراً من مسؤولية الدولة اللبنانية ومؤسساتها.

وقال ترمب، خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا، إنه تحدث مع الشرع بشأن «حزب الله»، وعندما سئل عمّا إذا كان الرئيس السوري مستعداً لمواجهة الحزب، اكتفى بالقول إنه سيتحدث عن ذلك لاحقاً.

محاولة لاستيعاب الواقع الإسرائيلي

وفي هذا السياق، اعتبر نائب رئيس مجلس النواب اللبناني السابق إيلي الفرزلي أن كلام ترمب لا يمكن إدراجه في إطار رؤية استراتيجية متكاملة، بل يندرج ضمن سياق سياسي ظرفي مرتبط بالتطورات الأخيرة في المنطقة. وقال الفرزلي لـ«الشرق الأوسط»: «أضع هذا الكلام الصادر عن الرئيس ترمب في إطار تكتيكي وليس استراتيجياً. فلا تستطيع أن تفهمه في إطار استراتيجي بعد الاتفاق الذي وُقّع مع إيران، ولا تستطيع أن تفهمه في إطار استراتيجي بعد كل ما جرى على مستوى المنطقة». وأضاف: «لا تستطيع أن تفهمه في إطار استراتيجي عندما تجد أن تركيا لديها موقف معين سبق أن تحدثت عنه حيال ما يجري في جنوب سوريا».

ورأى أن القراءة الأقرب للواقع هي التعامل مع هذه التصريحات بوصفها جزءاً من إدارة المشهد السياسي بعد الحرب، قائلاً: «هذا الكلام هو تكتيكي على أساس استيعاب الواقع الإسرائيلي وعدم الظهور وكأن إسرائيل قد دفعت أثماناً أو تنازلت طوعاً». وأشار إلى أن المناخ الإقليمي الحالي لا يشجع على إعادة إنتاج بؤر توتر جديدة في لبنان.

الجيش اللبناني والاستقرار الداخلي

ولم يكتفِ الفرزلي بالتشكيك في قابلية الطرح الأميركي للتنفيذ، بل ربطه مباشرة بالوضع الداخلي اللبناني وبموقع المؤسسات الرسمية، محذراً من تداعيات أي مقاربة تتجاوز الدولة اللبنانية. وقال: «أعتقد أن الأمر الأهم من ذلك كله أن الجيش اللبناني لا يستطيع في هذه المسألة أن يقف متفرجاً؛ لأن الموضوع يطال بنية الكيان اللبناني كله وبنية النظام. وبالتالي لا يمكن التعامل معه على أنه تفصيل عابر، لما قد يتركه من تأثيرات مباشرة على لبنان واستقراره».

مناصرون لـ«حزب الله» يشيّعون عنصراً قتل في غارات إسرائيلية على بلدة النبي شيت بالبقاع شرق لبنان (أ.ب)

نزع السلاح مسؤولية الدولة اللبنانية

وفي مقابل الطرح الذي لمح إليه ترمب، جاء موقف وزير العدل اللبناني عادل نصار حاسماً لجهة التمسك بحصرية القرار الأمني بيد الدولة اللبنانية. وقال نصار في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»: «نزع سلاح الحزب هو مسؤولية الدولة اللبنانية وليس لقوات أجنبية».

ما لم نقبله مع الأسد لن نقبله من أي نظام آخر

ويتقاطع موقف نصار مع موقف مسؤول العلاقات الخارجية في حزب «القوات اللبنانية» الوزير السابق ريشار قيومجيان، الذي استبعد أساساً وجود رغبة سورية في لعب هذا الدور، كما رفض مبدئياً أي تدخل سوري في الشأن اللبناني. وقال قيومجيان لـ«الشرق الأوسط» إن «المعطيات الموجودة لدينا، سواء من خلال لقاءاتنا مع الجانب السوري أو مع السفير السوري في لبنان، أو من خلال التصريحات العلنية للرئيس أحمد الشرع والمسؤولين السوريين، تشير إلى أن هذا الأمر غير وارد». وأضاف: «الجانب السوري لا يريد، وغير متحمس، وغير مقتنع أساساً بالتعاطي مع الشأن الداخلي اللبناني، ولا سيما في موضوع شائك وخطير بمستوى سلاح (حزب الله)».

وأكد أن «هناك قناعة راسخة لدى الجانب اللبناني، وتحديداً لدى الدولة اللبنانية، بأنها صاحبة المسؤولية في موضوع السلاح»، مشيراً إلى أن «قرارات اتُخذت بهذا الشأن خلال العام الماضي، كما ورد ذلك أيضاً في البيان الوزاري للحكومة الحالية».

مبانٍ مدمَّرة نتيجة قصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» (إ.ب.أ)

وتابع: «موضوع السيادة اللبنانية أمر غير مسموح وغير مقبول المساس به. أما بالنسبة إلى سوريا، وعلى الرغم من التاريخ الطويل بين البلدين، وبصرف النظر عن أن النظام الحالي ليس عدائياً تجاه لبنان، بل على العكس تماماً، فإننا نحاول قدر الإمكان ترتيب العلاقات معه بعد انتهاء مرحلة النظام البائد، إلا أنه لا يبدو أن لدى الجانب السوري رغبة أو إرادة أو قراراً بالتدخل في لبنان، بل العكس هو الصحيح».

وشدد على أن «الدولة اللبنانية والشعب اللبناني والأحزاب اللبنانية جميعها ترفض أي تدخل سوري في لبنان، بغض النظر عن طبيعة النظام القائم في دمشق».

ورأى قيومجيان أن معالجة ملف السلاح يجب أن تتم عبر المؤسسات اللبنانية، قائلاً: «نحن ندعو الدولة اللبنانية إلى أن تحسم هذا الأمر وأن تتولى معالجة موضوع نزع السلاح. وإذا كانت تحتاج إلى دعم دولي أو عربي، فهي التي تطلب ذلك، سواء عبر الأمم المتحدة أو من خلال الآليات الدولية المناسبة».

وختم بالقول: «نحن نعتقد أن الدولة اللبنانية قادرة، بقواها الذاتية وبمؤسساتها وأجهزتها، على القيام بهذا الواجب. وبالتالي لا ضرورة لأي تدخل خارجي. المطلوب أن تكون الدولة اللبنانية حاسمة وراغبة وعازمة على تطبيق سلطتها الكاملة وتأمين السيادة اللبنانية على كامل أراضيها».

وينضم حزب «الكتائب اللبنانية» إلى المواقف الرافضة لإسناد أي دور سوري في معالجة ملف سلاح «حزب الله»، مؤكداً أن «حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وبسط سلطتها الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية يبقيان المدخل الأساسي لمعالجة هذا الملف».

ورأى الحزب، في بيان، أن الطرح القائم على «تدخل سوري مباشر لتحقيق هذا الهدف مرفوض»، معتبراً أن هذا المسار يجب أن يتم «ضمن إطار واضح يحترم السيادة اللبنانية ويعزز دور المؤسسات الشرعية، وبمواكبة ودعم من شركاء لبنان الإقليميين والدوليين، بما يخدم مصلحة الدولة اللبنانية وحدها».

ونوّه الحزب بالموقف الذي سبق أن عبّر عنه الرئيس السوري أحمد الشرع الرافض للتدخل العسكري في لبنان، معتبراً أن هذا الموقف «يعكس احتراماً لسيادة لبنان واستقلاله، ويؤسس لعلاقات سليمة بين البلدين».

بدوره، رفض «التيار الوطني الحر» أي طرح يتضمن إسناد دور أمني أو عسكري داخل الأراضي اللبنانية لأي دولة أجنبية، بما في ذلك ما أثير بشأن إمكان تكليف السلطات السورية بمواجهة «حزب الله» داخل لبنان. كما نوّه التيار بموقف الرئيس السوري أحمد الشرع الرافض لأي تدخل عسكري أو سياسي في لبنان، مؤكداً أن «سيادة لبنان واستقراره وأمنه من مسؤولية الدولة اللبنانية وحدها»، وأن «أي تدخل خارجي في شؤونه الداخلية مرفوض أياً يكن مصدره أو مبرره».


دمشق: اعتقال ضابط سابق برتبة لواء برز اسمه في الهجوم على الغوطة الشرقية

اللواء السابق المعتقل رفيق كلثوم (وزارة الداخلية)
اللواء السابق المعتقل رفيق كلثوم (وزارة الداخلية)
TT

دمشق: اعتقال ضابط سابق برتبة لواء برز اسمه في الهجوم على الغوطة الشرقية

اللواء السابق المعتقل رفيق كلثوم (وزارة الداخلية)
اللواء السابق المعتقل رفيق كلثوم (وزارة الداخلية)

أعلنت وزارة الداخلية السورية، السبت، إلقاء القبض على اللواء في قوات النظام السابق رفيق أحمد كلثوم، في خطوة جديدة ضمن حملة ملاحقة الشخصيات العسكرية والأمنية المتهمة بالضلوع في الانتهاكات التي ارتكبت بحق السوريين خلال الحرب.

وأكدت الوزارة أن الجهات المختصة تواصل التحقيق مع رفيق كلثوم، تمهيداً لاستكمال الإجراءات القانونية وإحالة ملفه إلى القضاء المختص للنظر في التهم والملفات المرتبطة بدوره خلال فترة خدمته العسكرية.

وينظر إلى اعتقال كلثوم بوصفه أحد أبرز عمليات التوقيف التي طالت ضابطاً برتبة لواء شغل مواقع قيادية متقدمة في جيش النظام السابق، نظراً لدوره العسكري والأمني الواسع خلال سنوات الحرب، ولا سيما في المنطقة الوسطى وملفات دمشق وريفها.

وحسب ما أعلنته وزارة الداخلية، فإن كلثوم انخرط في العمليات العسكرية منذ المراحل الأولى للثورة السورية، وشارك في إدارة عدد من المعارك التي شهدتها محافظة دمشق وريفها.

ويبرز اسمه بشكل خاص في الهجوم العسكري الواسع الذي شنته قوات النظام السابق على الغوطة الشرقية عام 2018، وهي العملية التي انتهت بسيطرة قوات النظام على المنطقة بعد سنوات من الحصار والقصف والمعارك العنيفة، والتي وثقت خلالها منظمات حقوقية ودولية، انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

أسرة سورية تفرّ من قصف النظام على بلدة حمورية بالغوطة الشرقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ونشرت «شبكة شام» أن كلثوم ينحدر من قرية المبعوجة الواقعة في الريف الشرقي لمدينة سلمية بمحافظة حماة. وبدأ صعوده داخل المؤسسة العسكرية مبكراً، إذ كان يحمل رتبة عقيد عام 2004 وتولى قيادة الكتيبة 731 التابعة لقوات الدفاع الجوي. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، شغل منصب رئيس أركان اللواء 116 في إدارة الدفاع الجوي بمدينة القطيفة بريف دمشق، قبل أن يتولى قيادة اللواء نفسه عام 2012، في مرحلة شهدت تصاعداً كبيراً في العمليات العسكرية التي قادها النظام البائد ضد المناطق المحررة والثائرة.

وفي عام 2016، كُلّف بقيادة الريف الشرقي لمنطقة سلمية، قبل أن يحصل على ترقية إلى رتبة لواء عام 2018 ويتولى قيادة المنطقة الوسطى، إحدى أهم المناطق العسكرية في البلاد، التي تضم محافظات استراتيجية في وسط سوريا.

ارتبط اسم كلثوم خلال سنوات خدمته العسكرية بالعميد آصف الدكر، الذي شغل منصب رئيس شؤون الضباط في شعبة المخابرات العسكرية، حيث تشير المعلومات إلى أن الدعم الذي تلقاه من الدكر، ساهم في تعزيز نفوذه داخل المؤسسة العسكرية وحصوله على مناصب قيادية متقدمة.

كما تولى خلال فترة قيادته للمنطقة الوسطى رئاسة اللجنة الأمنية والعسكرية في منطقة سلمية، وهو المنصب الذي منحه صلاحيات واسعة في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية والتنسيق بين مختلف الأجهزة التابعة للنظام السابق.

وأفادت مصادر محلية بأن اللواء السابق كان متوارياً عن الأنظار داخل قريته المبعوجة في ريف سلمية الشرقي بمحافظة حماة، قبل أن تتمكن قوى الأمن الداخلي من تحديد مكانه وإلقاء القبض عليه.


الجيش الإسرائيلي يهاجم «أهدافاً لحزب الله» في جنوب لبنان

تصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يهاجم «أهدافاً لحزب الله» في جنوب لبنان

تصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه يهاجم «أهدافاً لـ(حزب الله)» في جنوب لبنان، رداً على إطلاق الحزب مقذوفات نحو قواته التي تحتل أنحاء واسعة في المنطقة، مع تواصل المواجهات اليوم (السبت)، رغم الإعلان في اليوم السابق عن اتفاق الطرفين على وقف جديد لإطلاق النار، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال مسؤول عسكري إٍسرائيلي: «خلال الليل، أطلقت منظمة (حزب الله) أكثر من 50 مقذوفاً نحو القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان»، مشيراً إلى أن الجيش يردّ على ذلك «بقصف أهداف لـ(حزب الله) في جنوب لبنان».

وقتل 16 شخصاً وأصيب 12 على الأقل في منطقة النبطية بجنوب لبنان، جراء غارات إسرائيلية متواصلة اليوم، بحسب ما أعلن «الدفاع المدني».

وأورد الجهاز في بيان: «نفّذت عناصر من مختلف مراكز منطقة النبطية الإقليمية في (الدفاع المدني) اللبناني، منذ ساعات الصباح، عمليات إجلاء ونقل وإسعاف جراء الاعتداءات المتواصلة التي تعرضت لها المنطقة»، مشيراً إلى أنهم عملوا «على إجلاء 47 مواطناً إلى مناطق آمنة، ونقل 16 شهيداً و12 جريحاً إلى المستشفيات».

وكان الإعلام الرسمي اللبناني أفاد في وقت سابق، بمقتل 5 أشخاص جراء غارات إسرائيلية، في حين أعلن الجيش اللبناني مقتل عسكري بضربة مماثلة.