​مصادر لـ«الشرق الأوسط»: جولة مفاوضات مرتقبة لبحث رد إسرائيل بشأن غزة

وفيات جديدة بالمجاعة وقتلى من طالبي المساعدات

طائرة تلقي مساعدات إنسانية فوق غزة يوم الأحد (رويترز)
طائرة تلقي مساعدات إنسانية فوق غزة يوم الأحد (رويترز)
TT

​مصادر لـ«الشرق الأوسط»: جولة مفاوضات مرتقبة لبحث رد إسرائيل بشأن غزة

طائرة تلقي مساعدات إنسانية فوق غزة يوم الأحد (رويترز)
طائرة تلقي مساعدات إنسانية فوق غزة يوم الأحد (رويترز)

كشفت مصادر فلسطينية مطلعة، الأحد، أن الوسطاء يعملون على عقد جولة مفاوضات جديدة ربما في غضون أقل من 48 ساعة، بشأن وقف إطلاق النار بقطاع غزة، والتوصل إلى اتفاق بشأن النقاط الخلافية القائمة بعد حسم كثير من البنود في جولة المفاوضات السابقة.

وبحسب المصادر، وهي من «حركة حماس» وفصائل أخرى منخرطة في المفاوضات، فإن الجولة ستُعقد بشكل أساسي لبحث رد إسرائيل المرتقب على ما قدَّمه الوفد الفلسطيني المفاوض للوسطاء منذ أيام؛ مشيرةً إلى أن الوسطاء، بمن فيهم الأميركيون، أكدوا أن الرد قد يصل في أي لحظة، وخلال يومين على أقصى تقدير.

وبيَّنت المصادر في حديث لـ«الشرق الأوسط» أنه في حال كان رد إسرائيل إيجابياً، وهو ما توقعته، فإن إعلان الاتفاق سيكون خلال أيام بعد التفاوض على ما تبقى من نقاط خلافية.

ولفتت إلى أن الاتصالات، منذ مغادرة الوفد الإسرائيلي العاصمة القطرية الدوحة، لم تنقطع، وأن تواصل الوسطاء مع الوفد الفلسطيني المفاوض كان مستمراً خلال الأيام الأخيرة، وأنهم أكدوا أن الموقف المعلن من إسرائيل وكذلك الولايات المتحدة، كان بالنسبة لهم «صادماً».

تصاعد الدخان بعد انفجار بغزة في لقطة مأخوذة من الجانب الإسرائيلي من الحدود يوم الأحد (رويترز)

وكانت إسرائيل قد قررت نهاية الأسبوع الماضي سحب وفدها للتشاور، وذلك بتنسيق مع الوسطاء كما أكدت وسائل إعلام عبرية، وكذلك الوسيطان المصري والقطري، قبل أن يتصاعد موقف الخطاب الإسرائيلي والأميركي إلى لهجة أشد حدة تجاه «حماس» واتهامها برفض التوصل لاتفاق؛ إلا أن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية ماركو روبيو أطلقا لاحقاً تصريحات جديدة تؤكد عودة مسار المفاوضات.

وعلى مدى 18 يوماً من المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل و «حماس» في الدوحة، نجح الوسطاء في تقليص الفجوات في كثير من البنود، الأمر الذي دفع الجانبين لإبداء قدر من المرونة في ردودهما، خصوصاً فيما يتعلق ببند المساعدات الإنسانية، والاقتراب من حسم خرائط إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي، والضمانات لتنفيذ هدنة تمتد 60 يوماً، واستمرار المفاوضات بعدها في حال لم يتم التوصل لاتفاق خلالها، فيما لم يُحسم ملف مفاتيح تبادل الأسرى بعد تقديم كل طرف رؤيته.

«قطرة من بحر»

وبحسب المصادر المطلعة، تلقى الوسطاء تأكيدات من الجانبين الإسرائيلي والأميركي بأن المفاوضات ستُستكمل بعد انتهاء المشاورات الإسرائيلية والرد على ما قدمته «حماس».

وأشارت إلى أن الوفد الفلسطيني المفاوض كان قد حصل على تأكيدات مسبقة بشأن إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، لكنها أشارت إلى أن ما سيدخل غزة «قطرة من بحر» احتياجات السكان، وأنه يجب ضمان وصولها بشكل آمن للمنظمات الدولية لتوزيعها «بعيداً عن الفوضى» التي قالت إن إسرائيل تسعى إلى نشرها داخل القطاع.

شاحنات من الهلال الأحمر المصري تحمل مساعدات متجهة لقطاع غزة عند معبر رفح في لقطة بُثت يوم الأحد (رويترز)

وقال أحد المصادر: «الوصول لاتفاق لوقف إطلاق النار هو الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تضمن توزيع المساعدات بشكل آمن وعادل على المواطنين في غزة من دون أن يخاطروا بحياتهم في كمائن الموت التي تنصبها إسرائيل لهم في أكثر من منطقة».

وذكرت المصادر أن الوفد المفاوض تلقى تطمينات ببدء تدفق المساعدات بشكل كبير لقطاع غزة خلال الأيام المقبلة، مشيرةً إلى أن الفصائل الفلسطينية معنية بإنهاء المجاعة في غزة، وإدخال كميات كافية من المساعدات والبضائع ولفترة طويلة، من أجل تحسين الوضع الإنساني بشكل «حقيقي»، وليس بصورة «وهمية» من خلال إدخال جزء محدود منها.

الإسقاط الجوي

صرَّح مصدر رسمي أردني بأن الأردن والإمارات أسقطا، الأحد، ما مجموعه 25 طناً من المساعدات على قطاع غزة في أول عملية إنزال جوي لهما منذ أشهر، حسبما ذكرت وكالة «رويترز».

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، مساء السبت، عن عملية إسقاط جوي لمساعدات في شمال القطاع، فيما أكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أنها عبارة عن كمية صغيرة من الأرز والسكر والمعلبات الغذائية، لا تكاد تكفي المئات من الفلسطينيين ليومين أو ثلاثة على الأكثر.

فلسطينيون يعودون لمخيم النصيرات بعضهم يحمل مساعدات تلقاها من مركز توزيع قرب محور نتساريم بوسط القطاع يوم الأحد (أ.ف.ب)

وقالت مصادر «حماس» إن الوفد سيؤكد للوسطاء رفضه الآلية الإسرائيلية لإسقاط المساعدات جواً؛ كونها لا تحقق الأمان للمجوَّعين بغزة، كما أنها تشكل خطراً على حياتهم، ولا تعد وسيلة ناجعة لتوفير احتياجات السكان، كما أنها تهدف «لإدارة حالة التجويع القائمة حالياً».

وفي بيان رسمي، عدَّت «حماس» لجوء إسرائيل إلى إنزال بعض المساعدات جواً ليس إلا «خطوة شكلية ومخادعة لذر الرماد في العيون»، تهدف إلى «تبييض» صورتها أمام العالم، «ومحاولة للالتفاف على حقوق الفلسطينيين ومطالبات المجتمع الدولي برفع الحصار ووقف سياسة التجويع».

وقالت إن وصول الغذاء والدواء وتدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بشكل عاجل حق طبيعي «لوقف الكارثة الإنسانية التي فرضها الاحتلال».

فلسطينيات يحتمين من حرارة الشمس بالأواني بينما ينتظرن الحصول على حساء عدس من تكية خيرية بمدينة غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

وأضافت أن «خطة الاحتلال لعمليات الإنزال الجوي والتحكم بما يُسمّى الممرات الإنسانية تمثّل سياسة مكشوفة لإدارة التجويع، لا لإنهائه، ولتثبيت وقائع ميدانية قسرية تحت نيران القصف والجوع، وهي تُعرّض حياة المدنيين للخطر، وتهين كرامتهم، بدل أن توفّر لهم الحماية والإغاثة الشاملة».

وأكدت «حماس» أن الطريق الوحيد «لإنهاء جريمة التجويع الوحشية في قطاع غزة، هو وقف العدوان وكسر الحصار الإجرامي المفروض عليه، وفتح المعابر البرية بشكل كامل ودائم أمام المساعدات الإنسانية، وضمان تدفقها وإيصالها إلى المواطنين، وفق الآليات المعتمدة لدى الأمم المتحدة».

من جانبه، قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة إن القطاع يحتاج يومياً 600 شاحنة إغاثية تشمل حليب الأطفال والمساعدات الإنسانية والوقود لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان.

وأشار إلى أن 250 ألف علبة حليب شهرياً مطلوبة «لإنقاذ الأطفال الرُّضع من سياسة الجوع وسوء التغذية التي غزت أجسادهم الضعيفة طيلة المرحلة القاسية الماضية»، مؤكداً على أن الحل الجذري والعاجل هو «كسر الحصار فوراً، وفتح المعابر دون شروط، وضمان تدفق حليب الأطفال والمساعدات والوقود بشكل دائم وكامل، بعيداً عن الحلول الترقيعية أو الجزئية المؤقتة».

احتشاد عند مركز لتوزيع حساء العدس في مدينة غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

وسجلت مستشفيات قطاع غزة ست حالات وفاة جديدة خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة نتيجة الجوع وسوء التغذية، من بينها طفلان. وأفادت وزارة الصحة بغزة بأن العدد الإجمالي لوفيات المجاعة وسوء التغذية ارتفع إلى 133 حالة وفاة، من بينها 87 طفلاً.

«تعليق تكتيكي»

ورغم أن الجيش الإسرائيلي أعلن تعليقاً تكتيكياً مؤقتاً للعمليات العسكرية في مناطق غرب القطاع عدا رفح وشمال غرب بيت لاهيا، وكذلك تحديد مسارات آمنة لإدخال المساعدات، فإنه قتل منذ فجر الأحد نحو 10 فلسطينيين، كما أصيب العشرات ممن توجهوا لمنطقة المساعدات في محيط منطقة معبر زيكيم.

كما قُتل 11 فلسطينياً على الأقل وأصيب أكثر من 100، بينهم أطفال ونساء، جراء استهداف المواطنين في نقطة المساعدات على شارع صلاح الدين جنوب منطقة وادي غزة (محور نتساريم) بوسط القطاع.

فلسطيني يحمل فتى أصيب بالرصاص بينما كان يحاول الحصول على مساعدات عند نقطة توزيع يوم الأحد (أ.ف.ب)

كانت إسرائيل قد قالت، الأحد، إنها ستوقف العمليات العسكرية كل يوم لمدة عشر ساعات في مناطق محددة بغزة وستسمح بفتح ممرات جديدة للمساعدات في القطاع بعد أن أثارت صور الفلسطينيين الجائعين قلق العالم.

ورحب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، بالإعلان وقال في منشور عبر منصة «إكس»: «نتواصل مع فرقنا الميدانية التي ستبذل قصارى جهدها للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجوعى» في غزة.

كما عبَّر برنامج الأغذية العالمي عن أمله في أن تسمح الهدن الإنسانية التي أعلنتها إسرائيل في مناطق محددة من غزة بزيادة كبيرة في المساعدات الغذائية العاجلة للقطاع.

وميدانياً، استمرت عمليات القصف الجوي والمدفعي على مناطق متفرقة من القطاع، إلى جانب عمليات نسف المنازل والمباني والبنية التحتية، كما قُصِفت شقة سكنية بحي الرمال غرب مدينة غزة ما أدى لمقتل ستة بينهم طفلة، وذلك بعد دخول موعد التعليق المؤقت للعمليات العسكرية في تلك المناطق التي صُنّفت «بيضاء».


مقالات ذات صلة

كيف ستتعامل «حماس» مع استحقاقات الانتخابات التشريعية؟

خاص فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها بالمؤتمر الثامن للحركة في جامعة الأزهر بمدينة غزة 14 مايو 2026 (رويترز)

كيف ستتعامل «حماس» مع استحقاقات الانتخابات التشريعية؟

تواجه «حماس» الكثير من التساؤلات عن قدرتها في التعامل مع استحقاقات المرحلة التي تلت الحرب على قطاع غزة، إضافة إلى اشتراطات برنامج منظمة التحرير الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي شاحنات محمّلة بالمساعدات الإنسانية على الجانب المصري من معبر رفح (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يرحب بموافقة إسرائيل على التمديد لبعثته في معبر رفح

رحّبت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس بموافقة إسرائيل على تمديد تفويض بعثة المساعدة التابعة للتكتل عند معبر رفح الحدودي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال مؤتمر صحافي في أنقرة يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

«حماس» تسعى لقائمة «وطنية» موحدة تخوض انتخابات المجلس التشريعي

تسعى حركة «حماس» لتشكيل قائمة «وطنية» موحدة، تخوض انتخابات المجلس التشريعي التي قرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس إجراءها يوم 28 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي آليات عسكرية في معسكر لـ«قوة الاستقرار الدولية» في غزة قرب معبر كرم شالوم بين إسرائيل وقطاع غزة يوم 10 أغسطس 2026 (رويترز)

«حماس» تلقَّت «تطمينات» بأن إسرائيل ستنفِّذ المطلوب منها بموجب «اتفاق غزة»

تلقَّت «حماس» تطمينات بأن إسرائيل ستسير بالاتفاق الأخير الذي تم التوصل إليه بشأن «خريطة الطريق» المتعلقة بالمرحلة الثانية من وقف النار في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي التحذير الذي أصدرته المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي (حساب المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي)

بحجة إلغاء أوراق نقدية... إسرائيل تسعى إلى خنق «حماس» اقتصادياً

حذّرت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي سكان قطاع غزة من أنهم يتعاملون بأموال قد تفقد قيمتها بأي لحظة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ملف الموقوفين السوريين في العراق إلى الواجهة من جديد بعد زيارة زيدان

قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)
قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

ملف الموقوفين السوريين في العراق إلى الواجهة من جديد بعد زيارة زيدان

قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)
قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)

عاد إلى الواجهة مجدداً، ملف الموقوفين السوريين الذين تسلمهم العراق من «سجن الهول»، وتوجهت لهم تهمة الانتماء إلى تنظيم «داعش»، غداة زيارة رئيس «مجلس القضاء الأعلى» في العراق، القاضي فائق زيدان، إلى دمشق الخميس الماضي، ومباحثاته مع المسؤولين السوريين التي ركزت على ملفهم.

وبينما أكد بعض أهالي هؤلاء السجناء «أن لا علاقة لأبنائهم بالتنظيم الإرهابي، وأن عملية اعتقالهم من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كانت بسبب قضايا كيدية أبرزها مناهضتهم للنظام السوري السابق»، جددوا مطالبتهم بإعادتهم إلى البلاد، والتأكد من صحة التهم الموجهة لهم، وإطلاق سراح من لم تثبت إدانته.

الرئيس الشرع خلال استقباله القاضي زيدان والوفد المرافق له بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني ووزير العدل مظهر الويس (سانا)

إبراهيم عباس من أبناء قرية «الظاهرية» شرق مدينة القامشلي الواقعة شرق محافظة الحسكة، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «(قسد) اعتقلت ابني أخويه؛ عبد العظيم أحمد العباس، وعلاء الدين حسن العباس في عام 2017، بسبب معارضتهم لنظام بشار الأسد».

ويؤكد إبراهيم، وهو من «قبيلة الزويد» العربية، أن «عبد العظيم وعلاء ليس لهما أي علاقة بتنظيم (داعش)، وقد كنا نزورهما في سجن المالكية بشكل دوري مرة كل أسبوعين أو كل شهر، وفجأة تم نقلهما إلى سجن القامشلي، في حين أن المعتقلين المنتمين إلى (داعش) كانت زيارتهم ممنوعة»، مشيراً إلى أنه «عندما طلب التحالف الدولي أسماء السجناء (الدواعش) من أجل ترحيلهم إلى العراق، ضمت (قسد)، عبد العظيم وعلاء إلى تلك القوائم».

إبراهيم يشدد على «أن عبد العظيم وعلاء اعتقلا ظلماً... كانا بعمر العشرين والآن قاربا على الثلاثين عاماً»، مطالباً بإعادتهما إلى سوريا، وإعادة التحقيق معهما ومع كل السجناء السوريين المرحلين إلى العراق، «ومن تثبت إدانته بالانتماء إلى (داعش) يحاكم، ومن لا تثبت إدانته يطلق سراحه... نحن لا نريد إلا الحق والعدل».

معتقلون يشتبه في انتمائهم لـ«داعش» لدى قوات «قسد» في مارس 2019 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي منتصف فبراير (شباط) الماضي، نشرت وزارة العدل العراقية جنسيات سجناء تنظيم «داعش» الذين تم نقلهم من سجون شمال سوريا التي كانت تديرها «قسد» إلى مرافق احتجاز بالعراق، في عملية قادتها القيادة المركزية الأميركية. وقد بلغ العدد الكلي للسجناء السوريين المنقولين 3 آلاف و543.

الناشط صهيب اليعربي من أهالي شمال سوريا، أوضح أن «التنسيق بين دمشق وبغداد بشأن إعادة السجناء السوريين كانت تسير على قدم وساق، لكن الأمر توقف بسبب التوتر الذي حصل إثر اندلاع الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر».

ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن أعداداً ممن كانوا معتقلين في سجون «قسد» ليست لهم علاقة بتنظيم «داعش»، وجرى اعتقالهم بسبب قضايا كيدية، لافتاً إلى أن «جميع المعتقلين لدى (قسد) لم يتم التحقيق معهم إلا من قبلها، وقد عدّتهم (دواعش)، وتم ترحيلهم إلى العراق».

وحسب اليعربي، فإن الحكومة العراقية «تريد إعادة هؤلاء السجناء ومحاكمتهم في سوريا، والحكومة السورية تريد إعادتهم أيضاً، ولكن أبرز المعوقات التي تحول دون ذلك هي عدم وجود مراكز احتجاز لهم».

وكان رئيس «هيئة الإشراف القضائي» في العراق، القاضي ليث جبر، أكد أن مباحثات زيدان في دمشق «ركزت على ملف الموقوفين السوريين الذين تسلمهم العراق من سجن الهول ووضعهم القانوني، وهؤلاء تم إجراء التحقيقات القضائية معهم في العراق، ووُفرت جميع الضمانات القضائية لهم وفق القانون».

جانب من «مخيم الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في يناير 2026 (رويترز)

وأضاف أن «الجانبين اتفقا على تشكيل لجان قضائية مشتركة لعقد اجتماعات متواصلة لحسم الملفات المتعلقة بمحاكماتهم»، بينما أفادت مصادر مطلعة بقرب توقيع اتفاقية مشتركة بين العراق وسوريا تفضي إلى تنظيم عمليات نقل ومحاكمة المعتقلين السوريين الموجودين لدى الجانب العراقي.

وحسب اليعربي، فإن هذا الملف «ستتم معالجته بشكل كامل بعد زيارة زيدان دمشق» ومباحثاته مع المسؤولين السوريين، مشيراً إلى أن اللجنة التي تم تشكيلها «ستشرف على إعادة هؤلاء على دفعات وليس دفعة واحدة»، لافتاً إلى أن الحكومة السورية كانت أرسلت إلى الحكومة العراقية قائمة تضم أسماء سجناء سوريين مرحلين إليها، وطلبت إعادتهم، بعدما توفرت معلومات لديها بأن هؤلاء ليست لهم علاقة بتنظيم «داعش».

خبير القانون الدولي معتصم الكيلاني، يوضح «أنه من حيث المبدأ؛ اتهام الشخص من قبل (قسد) أو إدراج اسمه في سجل أمني، لا يكفي قانوناً لإثبات انتمائه إلى تنظيم (داعش)». وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحل الأنسب لهذا الملف ليس إطلاقاً جماعياً ولا محاكمة جماعية، وإنما إنشاء آلية قضائية سورية - عراقية مشتركة تفرز الأشخاص إلى فئات قانونية واضحة».

«مخيم الهول» الذي أغلقته السلطات السورية بعد تسلمه (أرشيفية - أ.ف.ب)

والفئات القانونية هي: أولاً، أشخاص لا توجد بحقهم أدلة قضائية جدية، يجب إخلاء سبيلهم وإعادتهم إلى سوريا، والثانية: موقوفون لم تصدر بحقهم أحكام عراقية، وهنا يمكن لسوريا أن تطلب تسليم مواطنيها لمحاكمتهم أمام قضائها، والثالثة هي لمتهمين بجرائم وقعت داخل العراق أو ضد عراقيين، وللعراق أساس أقوى لمحاكمتهم، ويمكن تأجيل تسليمهم إلى حين انتهاء المحاكمة أو تنفيذ الحكم.

بينما الفئة الرابعة تتعلق بأشخاص صدرت بحقهم أحكام عراقية نهائية، وهؤلاء لا تعاد محاكمتهم تلقائياً في سوريا عن الفعل نفسه، والممكن هنا نقلهم إلى سوريا لتنفيذ بقية العقوبة، إذا وُجد سند اتفاقي أو ترتيب ثنائي ووافقت الدولتان.

أما الفئة الخامسة فتتعلق بضحايا محتملين للاعتقال الكيدي أو التعذيب، وهؤلاء ينبغي منحهم ومحاميهم حق الاطلاع على ملف الاتهام والطعن في قانونية التوقيف والتحقيق في ادعاءات التعذيب، وإذا كان الدليل الوحيد اعترافاً منتزعاً بالإكراه أو إفادة أمنية غير قابلة للفحص، فلا يصح بناء الإدانة عليه.


عون يعدّ الانتهاكات الإسرائيلية «رسالةً للمسار التفاوضي»... وبري يضعها برسم رعاة المفاوضات

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون يعدّ الانتهاكات الإسرائيلية «رسالةً للمسار التفاوضي»... وبري يضعها برسم رعاة المفاوضات

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على مناطق الجنوب، مؤكداً أن «هذه الانتهاكات تُشكّل رسالة واضحة للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق». فيما وضع رئيس مجلس النواب نبيه بري الاعتداءات برسم رعاة المفاوضات، وشدد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلّام على أن التصعيد الإسرائيلي أمر بالغ الخطورة، ويقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب.

وقال عون في بيان: «الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على مناطق الجنوب، ولا سيّما على منطقة النبطية ومحيطها، وخروقاتها المتكررة لاتفاق الإطار ولعمل مجموعة التنسيق العسكرية وللقوانين الدولية بحماية المدنيين أدّت إلى استشهاد عائلة كاملة من بلدة أنصار».

من جهته، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن المجزرتين اللتين ارتكبتهما طائرات الجيش الإسرائيلي في بلدة أنصار ودير الزهراني، تندرجان في سياق استكمال حرب الإبادة التي تواصل آلة القتل والدمار الإسرائيلية شنّها ضد الحجر والبشر والتراث وكل ما هو متصل بحياة الإنسان في الجنوب، وهي بالدليل القاطع تثبت أن المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية لا تقيم وزناً لأي اتفاقات وقوانين وجهود لإنهاء الحرب والتوتر في لبنان، وكذلك في المنطقة.

وقال بري: «إن العدوان على بلدات أنصار ودير الزهراني والمنصوري وقرى قضاء النبطية هو دعوة ممهورة بدماء الأطفال والنساء إلى اللبنانيين جميعاً، ولا سيما القوى السياسية على اختلاف مواقعها، لمقاربة العدوان الإسرائيلي وتداعياته وأبعاده مقاربةً وطنية، بعيدةً عن أي شكل من أشكال الانقسام المناطقي أو الطائفي أو الحزبي. وهو أيضاً دعوة إلى ترسيخ مناخات الوحدة الوطنية، ووضعٌ برسم رعاة المفاوضات واتفاقات وقف إطلاق النار لتحمّل مسؤولياتهم والعمل على وقف حرب الإبادة قبل فوات الأوان».

بدوره، أكد سلام في بيان أنّ «التصعيد الإسرائيلي الذي تشهده مدينة النبطية وبلدة أنصار ودير الزهراني والقرى المجاورة منذ فجر اليوم، وما رافقه من غارات وقصف كثيف وترهيب للأهالي في منازلهم، أمر بالغ الخطورة، ويقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب».

وأضاف: «إنّ شهداء الغارة الإسرائيلية على بلدة أنصار السبعة ليسوا (بنية تحتية عسكرية)، والأطفال والنساء الذين قُتلوا فيه ليسوا أهدافاً عسكرية. مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية، إذا وُجدت على الأراضي اللبنانية، هي مسؤولية الدولة اللبنانية حصراً، من خلال الجيش اللبناني ومؤسساتها الشرعية، ولا يمنح وجودها إسرائيل حق استباحة الأراضي اللبنانية أو تعريض المدنيين للخطر».

وأكد أنه «على إسرائيل وقف هذا التصعيد، فأمن أهلنا وحقهم في الحياة على أرضهم ليسا موضع تفاوض أو مساومة».

وكانت «الوكالة الوطنية ‌للإعلام» فد أعلنت عن سقوط قتلى وجرحى في غارة جوية إسرائيلية في الساعات الأولى من صباح يوم السبت على جنوب ​لبنان.

وتُعد هذه الغارة من بين أكثر الهجمات دموية في الأسابيع التي أعقبت موافقة لبنان على إطار سلام بوساطة أميركية مع إسرائيل. وتنص بنود الاتفاق على بقاء القوات الإسرائيلية داخل المناطق التي سيطرت عليها في ‌جنوب لبنان إلى ‌حين نزع سلاح «حزب ​الله»، ‌وتولي ⁠الجيش اللبناني ​السيطرة.


فوضى إسرائيلية منظمة في الضفة لتسهيل اعتداءات المستوطنين

جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية بمخيم قلنديا بالضفة الغربية في 5 أغسطس 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية بمخيم قلنديا بالضفة الغربية في 5 أغسطس 2026 (أ.ب)
TT

فوضى إسرائيلية منظمة في الضفة لتسهيل اعتداءات المستوطنين

جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية بمخيم قلنديا بالضفة الغربية في 5 أغسطس 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية بمخيم قلنديا بالضفة الغربية في 5 أغسطس 2026 (أ.ب)

في أعقاب الانتقادات الأميركية والدولية الواسعة لاعتداءات ميليشيات المستوطنين المسلحة على الفلسطينيين في الضفة الغربية، والتي يتورط فيها الجيش، والشرطة الإسرائيلية، خرج وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، بحل يقضي بفرض حالة من الفوضى المنظمة التي تستطيع بها أجهزة الأمن الاحتلالية التهرب من المسؤولية، من جهة، واستخدام هذه الاعتداءات أداة نفاق للمستوطنين تمكنهم من مواصلة اعتداءاتهم بلا حسيب أو رقيب، وهي تنسجم مع مطلب المستوطنين إعلان السيادة الإسرائيلية على الضفة من جهة أخرى.

فقد أوعز كاتس إلى الجيش بإعداد خطة لنقل «جميع صلاحيات إنفاذ القانون» في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنين والمستوطنات إلى الشرطة، على أن تُنشئ الأخيرة قوة مخصصة، وتحصل على الصلاحيات، والميزانيات اللازمة. وقال إن الشرطة يجب أن تتعامل مع الإسرائيليين في الضفة «كما يحدث في أي مكان آخر في دولة إسرائيل». وبرر كاتس الخطوة بما وصفه بـ«الزيادة المباركة» في أعداد المستوطنين عقب قرارات إقامة 104 مستوطنات جديدة، ومنح شرعية قانونية للمزارع الاستيطانية، وزعم أن دور الجيش هو «محاربة الإرهاب الفلسطيني»، وحماية المستوطنات، والحدود، «وليس مطاردة الشبيبة على التلال».

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء الماضي في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)

وتبين أن عملية نقل صلاحيات إنفاذ القانون على المستوطنين في الضفة الغربية من الجيش إلى الشرطة تحولت إلى موضوع خلاف بين الجيش والشرطة، وأحد الأسباب الأساسية لذلك هو الموقف الأميركي، والدولي. فكل طرف يحاول الإلقاء على الطرف الآخر بالمسؤولية عن التشجيع المذهل لتلك الاعتداءات، وتبعات ذلك، وما تعنيه من ارتكاب جرائم حرب. وقد نقلت القناة «12 الإسرائيلية» عن رئيس أركان الجيش، إيال زامير، قوله خلال اجتماع الكابنيت (المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في الحكومة) إن مهام الجيش في الضفة «آخذة في الاتساع»، في ظل الاستعداد لإقامة مستوطنات جديدة، وتزايد المهام الملقاة على القوات. وأضاف: «لا يمكن أن يلاحق جنود الجيش حفنة تسيء إلى سمعة الاستيطان. نحن نعمل بالتعاون مع الشرطة، لكن من الملائم ألا ينشغل الجيش بهذه المهام بعد الآن».

وأشارت إذاعة الجيش الإسرائيلي إلى أن معظم صلاحيات إنفاذ القانون الجنائي بحق الإسرائيليين موجودة أصلاً لدى الشرطة؛ فالجنود يستطيعون توقيف مستوطن، وتسليمه إليها، لكن الجيش لا يتولى التحقيق الجنائي معه، أو محاكمته، أو احتجازه في منظومة السجون الإسرائيلية. واعتبرت هيئة البث العام الإسرائيلية (كان 11) إعلان كاتس «بلا معنى عملياً» في وضعه الحالي، لأن الجيش هو صاحب السلطة في الضفة بموجب القانون، لكونها منطقة محتلة، ويستعين بالشرطة وحرس الحدود في إنفاذ القانون بحق المستوطنين الإسرائيليين. وأشارت إلى أن تغيير هذه المنظومة يتطلب إجراءات تشريعية، وهو ما لا يُتوقع إنجازه خلال عطلة الكنيست، وقبل نحو شهرين من الانتخابات. وقدّرت أن الإعلان يهدف، على الأرجح، إلى امتصاص غضب المستوطنين على قوات الجيش التي تعمل في حالات نادرة على إخلائهم خلال اعتداءات في الضفة.

جنود إسرائيليون يجوبون أحد شوارع قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية يوم الخميس الماضي (أ.ف.ب)

ونقلت القناة «12» عن مسؤول رفيع المستوى في قيادة الشرطة الإسرائيلية هجومه على كاتس في أعقاب إعلانه، إذ قال: «ربما ينبغي أن نشرح لوزير الأمن ما هي الصلاحيات في يهودا والسامرة (الضفة الغربية). من الأفضل أن يتعلم كيف تسير الأمور، فهو يخلط بينها كثيراً. عليه أن يؤدي واجبه المنزلي».

وتتصل المسألة كذلك بالبؤر الاستيطانية. وبحسب صحيفة «هآرتس»، فإن صلاحيات واسعة في التخطيط والبناء والبنية التحتية انتقلت منذ عام 2023 من «الإدارة المدنية» إلى «إدارة الاستيطان» الخاضعة لبتسلئيل سموتريتش، بحيث باتت غالبية عمليات إخلاء البؤر تحتاج أصلاً إلى موافقة جهات مدنية وسياسية.

وتظهر الفجوة الأساسية في الصلاحيات بالمناطق المصنفة «أ» و«ب»، إذ لا تدخل الشرطة الإسرائيلية إليها عملياً بصورة مستقلة. وعندما يقتحم مستوطنون قرية فلسطينية، أو يعتدون على سكانها هناك، يبقى الجيش الجهة الموجودة ميدانياً، والقادرة على توقيفهم، وتسليمهم للشرطة. وبحسب إذاعة الجيش، فإن سحب هذه الصلاحية من الجنود يطرح احتمالاً لا تبقى فيه جهة قادرة فعلياً على توقيف المستوطنين داخل تلك المناطق، ما لم تتغير قواعد عمل الشرطة، وطريقة دخولها إليها. واعتبرت الإذاعة أن ذلك يجعل الخطة، بصيغتها المعلنة، إما غير قابلة للتطبيق، أو من شأنها أن تخلق فراغاً في إنفاذ القانون. وهو ما يوحي بأن الحكومة الإسرائيلية تتعمد إبقاء الأمور غامضة، وفتح الباب أمام فوضى عارمة، مخطط لها.

الجيش الإسرائيلي يفجر منزلاً لفلسطيني في قرية تل قرب مدينة نابلس بالضفة الغربية في 11 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

ومن اللافت أن قادة المستوطنين رحبوا بقرار كاتس. فقد صرح رئيس مجلس المستوطنات، يسرائيل غانتس، بأن «الوقت حان لأن تُدار (الحياة المدنية في الضفة) مثل أي مكان آخر في دولة إسرائيل»، بحيث تتولى الشرطة إنفاذ القانون، ويتفرغ الجيش للأمن. ولم يكتفِ غانتس بذلك، بل دعا إلى «استكمال الخطوة» عبر إلغاء اتفاقيات أوسلو، وفرض «السيادة الإسرائيلية الكاملة» على الضفة الغربية، وقال إن الوقت حان للانتقال «من إدارة مؤقتة إلى تطبيق كامل للقانون الإسرائيلي»، رابطاً بذلك بين نقل الصلاحيات والمسار السياسي للضم.

يذكر أن الفلسطينيين لا يعانون فقط من اعتداءات المستوطنين، إذ إن الاعتداءات التي يقوم بها الجيش أشد وطأة، وشراسة. والانشغال باعتداءات المستوطنين وحدهم وتسليط الضوء عليهم يجعله أقل عرضة للمحاسبة.