إعادة تأهيل «فتح» الممر الإلزامي لجمع السلاح الفلسطيني

هل استعان وفد رام الله بمدير المخابرات لترتيب أوضاعها؟

المبعوث الأميركي توم براك والسفيرة الأميركية لدى بيروت يجتمعان مع رئيس البرلمان نبيه بري (أ.ب)
المبعوث الأميركي توم براك والسفيرة الأميركية لدى بيروت يجتمعان مع رئيس البرلمان نبيه بري (أ.ب)
TT

إعادة تأهيل «فتح» الممر الإلزامي لجمع السلاح الفلسطيني

المبعوث الأميركي توم براك والسفيرة الأميركية لدى بيروت يجتمعان مع رئيس البرلمان نبيه بري (أ.ب)
المبعوث الأميركي توم براك والسفيرة الأميركية لدى بيروت يجتمعان مع رئيس البرلمان نبيه بري (أ.ب)

التزام الحكومة اللبنانية بحصرية السلاح بيد الدولة يبقى معلقاً على عدم حصول تقدُّم في المفاوضات التي جرت بين الوسيط الأميركي توم برّاك ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، بالإنابة عن نفسه وحليفه «حزب الله»، وهذا ما ينسحب أيضاً على جمع السلاح الفلسطيني بداخل المخيمات، بعد تفاجؤ أركان الدولة والقيادات الأمنية المعنية بجمعه، بأن التعهد الذي قطعه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) لرئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال زيارته لبيروت، غير قابل للتنفيذ، رغم أنه أوكل إلى أمين سر «منظمة التحرير الفلسطينية»، المسؤول عن الملف اللبناني، عزّام الأحمد، مهمة التعاون مع السلطات اللبنانية لتسهيل جمعه بجدول زمني اتُّفق عليه.

المفاوضات حول حصرية السلاح بشقيه اللبناني والفلسطيني بيد الدولة تراوح مكانها، وهذا ما يعرّض لبنان لمزيد من الأخطار الإسرائيلية كان حذّر منها برّاك، بغياب الضمانات الأميركية للجمها، رغم أنه يستبعد، كما نقل عنه نواب ووزراء التقوه على مأدبة العشاء التي أقامها النائب فؤاد مخزومي على شرفه، اندلاع حرب جديدة، لأن لا مصلحة للبلدين بالانجرار إليها.

ومع أن المفاوضات بين بري وبرّاك بقيت مرتبطة بالضمانات التي يطالب بها بري لوضع آلية تطبيقية لاتفاق وقف النار، في إطار حصرية السلاح بيد الدولة، فإن المشكلة التي عطلت سحبه فلسطينياً تكمن في افتقاد «حركة فتح»، كبرى الفصائل الفلسطينية، لعناصر القوة التي تتيح لها السيطرة على المخيمات، والضغط على الفصائل والمجموعات الإسلامية المتشددة لتسليم سلاحها.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر لبنانية أن الأحمد صرف النظر، كما وعد، عن المجيء لبيروت فور انقضاء عطلة عيد الأضحى، وأن السبب يعود إلى تقديره بأن الجسم السياسي والتنظيمي لـ«فتح» يعاني الترهل، وتعدد الرؤوس الحامية، وافتقاده للمرجعية القادرة على ضبط أداء التشكيلات المنضوية تحت الحركة بما يسمح بتشكيل رأس حربة يمكّنها من فرض سيطرتها على المخيمات بدءاً بعين الحلوة الذي يحتضن الفصائل المتشددة والمجموعات الإرهابية، بخلاف المخيمات الأخرى.

وكشفت المصادر أن «فتح» تعاني خروقاً أمنية لا يستهان بها، وتفشي الفساد، وانعدام المسؤولية بداخل جسمها التنظيمي والسياسي، وهذا ما اصطدم به الأحمد، ما اضطره لصرف النظر عن المجيء لبيروت لمواكبة جمع السلاح على مراحل، على أن تشمل الأولى مخيمات صبرا وبرج البراجنة ومار إلياس، بصفتها تخضع لسيطرة «منظمة التحرير الفلسطينية»، وعدم وجود من يقاوم قراراتها.

ولفتت إلى أنه لا رابط بين جمع السلاحين، «حزب الله» والفلسطيني، وقالت إن عباس استعاض عن عدم مجيء الأحمد، بإيفاد وفد أمني وسياسي موسع من رام الله، يتألف من 16 عضواً، وعلى رأسه عدد وافر من الضباط برتبة لواء. وأكدت أنه التقى مسؤولين أمنيين لبنانيين أطلعهم على طبيعة المهمة التي أوكلها له الرئيس عباس.

وفي هذا السياق، تردد أن الوفد اضطر للاستعانة بمدير المخابرات الفلسطينية المركزية اللواء ماجد فرج، لأنه بحاجة إلى فائض من القوة لرفع منسوب الضغط على قيادات «فتح» المتعددة الرؤوس في لبنان لإعادة ترتيب أوضاعها على نحو يمكّنها من استرداد هيبتها ونفوذها بوصفها الممر الإلزامي لجمع السلاح من المخيمات، وأخطرها عين الحلوة، لما يحويه من عدد لا بأس به من المتهمين بجرائم تصنّف على خانة الإرهاب، ومطلوبين للقضاء اللبناني.

ورأت المصادر نفسها أن الوفد الآتي من رام الله لم يتطرق في لقاءاته مع القادة الأمنيين إلى مسألة جمع السلاح، وإنما حصرها بدوره بإعادة تأهيل «فتح»، بإشرافه شخصياً على اتخاذ حزمة من التدابير والإجراءات طابعها تأديبي بامتياز، ولم تقتصر على إعفاء السفير الفلسطيني لدى لبنان أشرف دبّور من مهامه، بل شملت عدداً من القيادات ذات الرؤوس الحامية بعدما تبين له بالملموس أنها «فاتحة على حسابها»، ولا تأتمر بأوامر رام الله، بل تتمرد عليها وتقيم علاقات مع الفصائل المناوئة لـ«منظمة التحرير»، وبالأخص تلك الموجودة في عين الحلوة، وهذا ما جعل من «فتح» الحلقة الأضعف في المخيم، بخلاف ما يدّعيه عدد من مسؤوليها المحليين في صيدا والمخيمات.

وأوضحت المصادر أن لـ«حماس» وأخواتها تأثيراً لا يستهان به بداخل الجسم السياسي والتنظيمي لـ«فتح»، وهذا ما يعطّل تنفيذ ما تعهد به عباس، وبات يستدعي إعادة ترتيب «البيت الفتحاوي»، وربط جناحه الأمني مباشرة بالمرجعية الأمنية المتمثلة برام الله، وكشفت أن الوفد جال على معظم المخيمات وحط رحاله في صيدا على أمل أن يتمكن من القيام بحركة إصلاحية، هي أقرب إلى انتفاضة تنظيمية تأديبية من الداخل لتستعيد دورها القيادي بدءاً بعين الحلوة الذي يعد الملاذ الآمن لعدد من المتهمين بالإرهاب. لذلك فإن الوضع الهش الذي تتخبط فيه فتح كان وراء تعليق العمل بجمع السلاح وترحيله لوقت لاحق ريثما يتمكن الوفد من وضع يده على الأسباب الكامنة وراء الانحلال الذي تعانيه، وإيجاد الحلول المؤدية لإعادة تأهيل ضباطها وكوادرها على نحو يشكلون رافعة لجمعه وخط الدفاع الأول لإثبات مصداقية عباس في هذا الخصوص، وبالتالي إنهاء حالة تمرد بعضهم على قراره من جهة، ومنع توفير الغطاء السياسي للفصائل المتشددة والمتطرفة، وخصوصاً في عين الحلوة، وهذا ما أشارت إليه «حركة حماس» بذريعة أنه لم يتفاوض معها كونها غير ممثلة بـ«منظمة التحرير»، وتركت لأهل بيته الاعتراض على جمعه.

وعليه، لم يعد من خيار أمام «منظمة التحرير» سوى الانضواء تحت سقف الدولة اللبنانية لجمع السلاح وعدم التذرع بموقف «حزب الله» والتلطي خلفه. فهل ينجح الوفد الآتي من رام الله بإعادة الاعتبار لـ«فتح» باصطفافها خلف عباس، بدلاً من استخدامها درعاً للتفلت من إيداع السلاح بعهدة الحكومة اللبنانية، خصوصاً وأن هذا السلاح على أنواعه أصبح خارج الخدمة، بالمفهوم العسكري للكلمة، ولم يعد يستعمل سوى للاقتتال الداخلي وتصفية الحسابات، وإيواء المطلوبين للقضاء اللبناني، وإقلاق المناطق المجاورة للمخيمات وبالأخص في الجنوب؟ أم أن مواقع النفوذ بداخلها، ولو من موقع الاختلاف، هي التي ستبقى تتحكم بالقرار بعد أن تحولت إلى قوة أمر واقع ولا تخضع، إلا مالياً، للسلطة الفلسطينية.


مقالات ذات صلة

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

المشرق العربي مسجد مدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

قُتلت الصحافية اللبنانية آمال خليل، الأربعاء، جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة الطيري القريبة من الحدود في جنوب لبنان، كما أعلن الدفاع المدني اللبناني

المشرق العربي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)

ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

تشهد واشنطن الخميس جولة محادثات ثانية رفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، من المقرر أن يشارك فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

أعلن «حزب الله»، في بيان، اليوم (الأربعاء)، أن عناصره استهدفوا مربض مدفعية مستحدثاً تابعاً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة، جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

كشفت مصادر سياسية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جانب من الدمار الذي لحق بالمباني والمنازل في بلدة كفرصير بقضاء بنت جبيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

جنوب الليطاني ساحة المواجهة: معادلة ردع جديدة مقيدة بالسقف الإسرائيلي

بعد فرض إسرائيل واقعاً ميدانياً جديداً إثر التوصل إلى هدنة، تظهر معادلة ردع جديدة عنوانها حصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني

كارولين عاكوم (بيروت)

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».


«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.

فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.

وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.

وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.