«هدنة غزة»: مؤشرات تتزايد نحو إبرام اتفاق

قيادي بـ«حماس» لـ«الشرق الأوسط»: المقترح الجديد يتضمن تعديلات لخطة ويتكوف

طفلة تتلقى العلاج من جروح أصيبت بها في غارة على مخيم للنازحين جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفلة تتلقى العلاج من جروح أصيبت بها في غارة على مخيم للنازحين جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: مؤشرات تتزايد نحو إبرام اتفاق

طفلة تتلقى العلاج من جروح أصيبت بها في غارة على مخيم للنازحين جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفلة تتلقى العلاج من جروح أصيبت بها في غارة على مخيم للنازحين جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

دخلت مفاوضات الهدنة في قطاع غزة مرحلة جديدة، بإعلان الوسيط الأميركي عن مقترح جديد على الطاولة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة لمدة 60 يوماً.

الحديث الأميركي الذي أدلى به الرئيس دونالد ترمب شمل لأول مرة التأكيد على مناقشة مطلب إنهاء الحرب الذي تطالب به «حماس»، ومطالبة الحركة بقبول المقترح «وإلا فسيزداد الوضع سوءاً»، وهو ما يرى خبير ومصدر مسؤول بالحركة تحدثا لـ«الشرق الأوسط» أنه دَفعة للمفاوضات، ومؤشر جديد على إمكانية إبرام اتفاق حال كانت هناك ضغوط أميركية حقيقية على إسرائيل.

وأفادت «حماس»، في بيان صحافي الأربعاء، بأن «الإخوة الوسطاء يبذلون جهوداً مكثفة من أجل جسر الهوة بين الأطراف والوصول إلى اتفاق إطار وبدء جولة مفاوضات جادة»، مؤكدة أنها «تتعامل بمسؤولية عالية وتُجري مشاورات وطنية لمناقشة ما وصلنا من مقترحات الإخوة الوسطاء من أجل الوصول لاتفاق يضمن إنهاء العدوان وتحقيق الانسحاب وإغاثة شعبنا بشكل عاجل في قطاع غزة».

بكاء ونحيب خلال تشييع فلسطينيين قُتلوا في غارة على مخيم للنازحين جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال مصدر قيادي مسؤول في حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن هناك مقترحاً على طاولة المحادثات، يشمل الإطار السابق الذي طرحه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وإدخال تعديلات عليه من جانب الوسيط القطري، ويتضمن هدنة لمدة 60 يوماً يتم خلالها التوصل لاتفاق لإنهاء الحرب كلياً.

وشدد المصدر المسؤول على أن الحركة «منفتحة على كل ما ينهي الإبادة الإسرائيلية للفلسطينيين»، لافتاً إلى أهمية تنفيذ ثلاثة مطالب أساسية هي: وقف الحرب نهائياً، ودخول المساعدات، والانسحاب الإسرائيلي من القطاع.

ويأتي موقف «حماس» المطروح حالياً، غداة إعلان ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» عقب اجتماع بين مسؤولين أميركيين وإسرائيليين في واشنطن: «وافقت إسرائيل على الشروط اللازمة لإتمام وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، وسنعمل خلال هذه الفترة مع جميع الأطراف لإنهاء الحرب».

دخان يتصاعد إثر غارة إسرائيلية بمخيم للنازحين الفلسطينيين في شمال خان يونس (أ.ف.ب)

وقال ترمب إن الوسيطين القطري والمصري «اللذين عملا بجد لإحلال السلام، سيقدمان هذا الاقتراح النهائي. آمل، لمصلحة الشرق الأوسط، أن تقبل (حماس) بهذا الاتفاق، لأن الوضع لن يتحسن، بل سيزداد سوءاً».

وكان اجتماع قد جمع، الثلاثاء، المبعوث ويتكوف ووزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جيه. دي فانس مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر.

وأفادت صحيفة «هآرتس» نقلاً عن مصدر إسرائيلي مطلع بأن ديرمر وافق على بند في المقترح الجديد يتناول المساعدات الإنسانية وانسحاباً تدريجياً للجيش الإسرائيلي من قطاع غزة خلال فترة التهدئة، وهو ما عدّه المصدر «تنازلاً في الموقف الإسرائيلي»، رغم تأكيده أن المقترح لا يتضمن التزاماً واضحاً أو صريحاً لإنهاء الحرب.

وكان ترمب قد عبَّر أمام الصحافيين، الثلاثاء، عن أمله التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مقابل الرهائن الأسبوع المقبل. ومن المقرر أن يلتقي ترمب بنتنياهو في البيت الأبيض يوم الاثنين، وفق «أكسيوس».

«الإشكالية»

وبحسب المحلل السياسي الفلسطيني المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، فإن المقترح وفق ما توفر من معلومات لا يتضمن أي بند صريح يتعلق بإبعاد قيادات حركة «حماس» أو نزع سلاحها، ويركز على التهدئة وتنفيذ صفقة تبادل على مراحل، تبدأ بتحرير ثمانية أسرى في الأيام الأولى، ثم تتدرج وصولاً إلى اليوم الستين.

غير أن الإشكالية الأساسية من وجهة نظر حركة «حماس» تكمن، بحسب المدهون، في أن «المقترح لا يقدّم ضمانات حقيقية لوقف دائم وشامل للحرب، كما أنه لا يضمن تنفيذ بروتوكول إنساني فعّال لمعالجة الكارثة في قطاع غزة خاصة».

فلسطينيون ينظرون لمظاهر الدمار في مدرسة تابعة للأونروا تؤوي نازحين بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وعن موقف «حماس» في ضوء ذلك، يعتقد المدهون أن الحركة الفلسطينية «ستتعاطى مع المبادرات الجارية بقدرٍ عالٍ من الجدية والانفتاح، وهي تُظهر مرونة مشروطة في ضوء المؤشرات التي تتزايد لإبرام اتفاق، وذلك ارتكازاً على أولويتين: وقف شامل للعدوان، وضمانات حقيقية بعدم العودة إلى سياسات الإبادة والتجويع تحت أي ذريعة، حتى في حال انتهاء المهلة الزمنية دون التوصل إلى اتفاق شامل».

وبرأي المدهون، فإن «حماس» لا تمانع في السير نحو حلول تدريجية، لكن على قاعدة واضحة وثابتة، تتمثل في «وقف الحرب أولاً، ثم الانتقال إلى ترتيبات ما بعد العدوان، دون ابتزاز أو ضغط عسكري».

ويؤكد المحلل السياسي الفلسطيني أن التجربة الأميركية السابقة في التعامل مع الملف الإيراني، حين فرضت واشنطن وقفاً للقتال قبل الشروع في التفاوض، «تُعد نموذجاً يمكن القياس عليه. فلا يمكن التفاوض تحت القصف، ولا يمكن بناء ثقة في ظل استمرار المجازر».

وعدّ حديث ترمب عن إنهاء الحرب دفعة للمفاوضات «لكن لا بد أن يترجَم لوقائع دون الوقوف عند حدود الكلمات».

اغتنام «الفرصة»

الموقف الإسرائيلي لم يكن بعيداً عن هذه التطورات، إذ قال وزير الخارجية جدعون ساعر، الأربعاء، في منشور على منصة «إكس» إنه يجب «عدم تفويت الفرصة» للوصول إلى صفقة لتحرير الرهائن المحتجزين في قطاع غزة.

وكتب: «الغالبية العظمى من الشعب والحكومة تؤيد اتفاقاً يفضي إلى تحرير الرهائن، ويتعين عدم تفويت فرصة كهذه إن توفرت».

وحث زعيم المعارضة السابق يائير لابيد، عبر حسابه على منصة «إكس»، نتنياهو على إعادة جميع الرهائن، وخاطبه قائلاً: «للوقوف ضد عدد نواب بن غفير وسموتريتش الـ13، لديك نوابي الـ23 كشبكة أمان لصفقة الرهائن. علينا إعادتهم جميعاً إلى ديارهم الآن».

وكان لابيد يشير إلى عزم وزيري الأمن القومي إيتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش على العمل بشكل مشترك من داخل الائتلاف الحكومي لمنع التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وذلك حسبما أفادت القناة الـ«12» الإسرائيلية، الأربعاء.

ويأتي الحديث الإسرائيلي، سواء من جانب السلطة أو المعارضة، عن أهمية الهدنة تزامناً مع اهتمام إعلامي بها. وقالت هيئة البث: «بموجب مقترح جديد قُدّم إلى إسرائيل، سيتم إعلان وقف إطلاق نار لمدة 60 يوماً، وإطلاق سراح ثمانية مختطفين أحياء في اليوم الأول، وسيتم إطلاق سراح اثنين آخرين في اليوم الخمسين».

فيما أكدت «هآرتس» أن المقترح الجديد حول صفقة التبادل يتضمن بنداً ينص على أنه سيكون على عاتق الوسطاء مواصلة المفاوضات بين إسرائيل و«حماس» حتى التوصل إلى اتفاق نهائي، في حال لم يتم ذلك خلال مدة هدنة الستين يوماً.

وفي ضوء تلك المتغيرات، لا يستبعد المدهون «اتفاقاً قريباً»، بل يراه «ممكناً أكثر من أي وقت مضى إذا ما توفرت الإرادة الدولية الأميركية، وتم الضغط على الاحتلال للالتزام بوقف العدوان بشكل صريح ونهائي».

وهو يرى أن الكرة الآن في ملعب الوسطاء، خاصة الولايات المتحدة، «لإثبات أن مبادرتهم ليست مجرد إدارة أزمة، بل بوابة نحو نهاية الحرب والبدء في مرحلة جديدة».


مقالات ذات صلة

أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب) p-circle 00:18

سانشيز: حرب الشرق الأوسط «أسوأ بكثير» من غزو العراق

قال رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، لنواب البرلمان، اليوم (الأربعاء)، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرغب في أن يُلحق بلبنان «نفس ما حدث في غزة».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص «كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» تلقي وفدها مقترحاً بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»... وكشفت عن بعض بنوده.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )

الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
TT

الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

مع تصاعد الضربات الأميركية التي طالت مواقع عسكرية في العراق خلال الأيام الأخيرة، عادت الحبّانية إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة في سياق مختلف؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الاستهداف طال وحدات من الجيش العراقي، في موقع مشترك دون تسجيل خسائر في صفوف «الحشد الشعبي»، رغم أن القاعدة تُستخدم غالباً موقع انتشار مشتركاً.

وحسب بيان وزارة الدفاع العراقية، فإن الضحايا الذين سقطوا في القصف هم من منتسبي الجيش، في تطور لافت يعيد طرح أسئلة حول طبيعة الأهداف وحدود الاشتباك، في واحدة من أكثر المناطق حساسية غرب البلاد.

جنود عراقيون يتفقدون موقعاً مُدمَّراً في قاعدة الحبّانية استُهدف بغارة جوية 25 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الصحراء والدولة

تقع الحبّانية على مسافة نحو 85 كيلومتراً من بغداد، وعلى مسافة قريبة من الفلوجة، وتجمع بين بيئة صحراوية من الغرب ومراكز حضرية من الشرق. وتُعد بحيرتها، التي تمتد على مئات الكيلومترات المربعة، واحدة من أبرز المسطحات المائية في غرب العراق؛ ما منحها أهمية زراعية وسياحية على حد سواء.

لكن أهمية الحبّانية لا تقتصر على طبيعتها الجغرافية، بل تتجاوزها إلى دورها التاريخي في تشكل الدولة العراقية الحديثة.

صورة متداولة... منظر عام لبحيرة الحبّانية

سيادة عراقية

تعود جذور الحبّانية الحديثة إلى ثلاثينات القرن الماضي، حين أنشأت بريطانيا قاعدة RAF Habbaniya، لتكون إحدى أهم ركائز نفوذها العسكري في البلاد. ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً؛ إذ وفر المسطح المائي والفضاء المفتوح بيئة مثالية للتدريب والعمليات الجوية.

وبرز دور القاعدة بشكل حاسم خلال حرب 1941 في العراق، حين تحولت مركزاً للمواجهة بين القوات البريطانية والجيش العراقي، في واحدة من أولى اللحظات التي تداخل فيها العامل العسكري مع الصراع السياسي في العراق الحديث.

وجعل هذا الإرث الحبّانية، في وعي الضباط العراقيين لاحقاً، رمزاً للنفوذ الأجنبي، وهو ما انعكس على المزاج العسكري الذي مهّد لثورة ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، التي أنهت الحكم الملكي وفتحت الباب أمام مرحلة الانقلابات.

أرشيفية تعود لعام 1956 لمطار الحبّانية العسكري

ظل الانقلابات

خلال عقدي الخمسينات والستينات، لم تكن الحبّانية مركزاً مباشراً للانقلابات، لكنها بقيت جزءاً من البنية العسكرية التي تقوم عليها موازين القوة. فالقواعد الجوية، ومنها الحبّانية، كانت عنصراً حاسماً في أي تحرك عسكري، سواء لضمان السيطرة على الأجواء أو لتأمين خطوط الإمداد.

ومع انسحاب البريطانيين أواخر الخمسينات، تحولت القاعدة إلى منشأة عراقية خالصة، لتدخل ضمن شبكة مواقع عسكرية لعبت أدواراً غير مباشرة في الصراعات السياسية المتلاحقة.

صورة التقطها جندي أميركي عام 2009 لمدخل مقبرة الجنود البريطانيين في الحبّانية (إنستغرام)

عمق الحرب

خلال الحرب العراقية - الإيرانية، اكتسبت الحبّانية وظيفة مختلفة؛ إذ تحولت قاعدةً خلفية بعيدة نسبياً عن جبهات القتال المباشرة. واستُخدمت في التدريب وإعادة تنظيم الوحدات، فضلاً عن كونها جزءاً من العمق اللوجيستي للقوة الجوية العراقية.

هذا الموقع «الآمن نسبياً» جعلها منطقة استقرار عسكري، مقارنة بالقواعد القريبة من الحدود الشرقية التي تعرضت لهجمات متكررة.

إلى جانب دورها العسكري، عُرفت الحبّانية بصفتها وجهةً سياحية بارزة منذ السبعينات، مع تطوير منتجعها المطل على البحيرة، الذي افتُتح أواخر عهد الملكية وتوسع لاحقاً في السبعينات والثمانينات.

في تلك الفترة، كان المنتجع يعدّ من أبرز المصايف في العراق، ووجهةً للأزواج الجدد، قبل أن تتراجع مكانته تدريجياً بفعل الحروب والعقوبات ثم الفوضى الأمنية بعد 2003.

وتعرضت منشآته لدمار واسع خلال سنوات العنف، خصوصاً بعد سيطرة جماعات إرهابية على أجزاء منه بين 2006 و2007، قبل أن تستعيده القوات العراقية لاحقاً، دون أن يستعيد بريقه السابق.

صورة من أرشيف العريف تايلر ب. بارستو لجندية من المارينز الأميركي داخل المقبرة البريطانية في الحبّانية صيف 2009 (إنستغرام)

جفاف

بيئياً، تعكس بحيرة الحبّانية تقلبات حادة. فهي تعتمد بشكل كبير على الأمطار والإيرادات المائية من نهري دجلة والفرات؛ ما يجعلها عرضة للجفاف في سنوات الشح.

وخرجت البحيرة عن الخدمة جزئياً خلال السنوات الأخيرة بسبب انخفاض مناسيب المياه؛ ما أدى إلى اختلالات بيئية دفعت حيوانات برية، بينها الخنازير، إلى الاقتراب من المناطق السكنية.

لكن الموسم المطري الأخير أسهم، وفق وزارة الموارد المائية، في إنعاش البحيرة جزئياً، بعد توجيه إيرادات مائية عبر ناظمي الورار والذبان، في محاولة لإعادة التوازن البيئي وتعزيز الخزين المائي.

وتعود الحبّانية إلى دائرة الضوء، لكن ليس بصفتها منتجعاً ولا قاعدة تدريب، بل بصفتها ساحةً ضمن صراع إقليمي معقد. وبينما تتغير طبيعة الأدوار، تبقى القاعدة ثابتة في موقعها: نقطة التقاء بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة.

فمن قاعدة بريطانية إلى رمز للسيادة، ومن منتجع سياحي إلى موقع عسكري حساس، تظل الحبّانية مرآة لتحولات العراق نفسه، بلد تتقاطع فيه الحروب مع الذاكرة، والطبيعة مع السياسة.


العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
TT

العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)

بحث رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، الخميس، مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تطورات الأحداث في المنطقة.

وذكرت الحكومة العراقية، في بيان صحافي، الخميس، أن السوداني والملك عبد الله أكدا، خلال اتصال هاتفي، أهمية السعي الحثيث لوقف الحرب، وتعزيز التنسيق المشترك بين جميع الدول المعنية من أجل الحد من تداعياتها على الوضع الإقليمي والدولي.

كما حذّر الجانبان من الآثار المترتبة على الحرب التي انعكست على الجانب الاقتصادي وتأكيد بذل الجهود المطلوبة التي تضمن حرية الملاحة وفقاً للقوانين الدولية.


التصعيد الإقليمي يحرك دعوات لحل البرلمان العراقي

علم العراق معلقًا فوق الأنقاض في موقع مُدمَّر داخل قاعدة الحبانية العسكرية غرب البلاد (أ.ف.ب)
علم العراق معلقًا فوق الأنقاض في موقع مُدمَّر داخل قاعدة الحبانية العسكرية غرب البلاد (أ.ف.ب)
TT

التصعيد الإقليمي يحرك دعوات لحل البرلمان العراقي

علم العراق معلقًا فوق الأنقاض في موقع مُدمَّر داخل قاعدة الحبانية العسكرية غرب البلاد (أ.ف.ب)
علم العراق معلقًا فوق الأنقاض في موقع مُدمَّر داخل قاعدة الحبانية العسكرية غرب البلاد (أ.ف.ب)

دفع الانسداد السياسي العراقي، والعجز الذي تظهره السلطتان التنفيذية والتشريعية حيال ما تتعرض له البلاد، مئات الكتَّاب والمثقفين والمواطنين العاديين إلى المطالبة بحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة في البرلمانين الاتحادي والإقليمي بإقليم كردستان الشمالي.

جاءت المطالبة قبل أن ينفي مجلس القضاء الأعلى، الخميس، صدور قرار بحل مجلس النواب أو إجراء انتخابات أو الشروع بجمع مليون توقيع لهذا الغرض، وعزا الأخبار المتداولة إلى «موقع وهمي لا يعود للقضاء».

وعلى وقع الهجمات التي يتعرض لها العراق، سواء من الطيران الأميركي على مقار «الحشد الشعبي» والفصائل، أو الهجمات التي تقوم بها الأخيرة على المصالح الأميركية وإقليم كردستان، تحرك عراقيون من شرائح اجتماعية مختلفة للمطالبة بحل البرلمانين الاتحادي والإقليمي؛ حيث أخفق البرلمان الاتحادي في تشكيل الحكومة الجديدة بعد مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات العامة، فيما أخفق برلمان الإقليم في التشكيل رغم مرور نحو عام ونصف العام على إجراء انتخابات برلمان الإقليم.

ومع المخاطر الأمنية والاقتصادية التي تحيط بالعراق، الناجمة عن الحرب الإقليمية الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فإن نسبة عالية من سكان البلاد باتوا غير واثقين من قدرة السلطات الاتحادية والإقليمية على النأي بالبلاد بعيداً عن الحرب وشرورها.

نساء من إقليم كردستان خلال عزاء قتلى من البيشمركة في بلدة سوران قرب الحدود الإيرانية (أ.ف.ب)

«تصحيح مسار الدولة»

وفي سياق عدم الثقة الشعبية الشائع، أصدرت مجموعة «مبادرة عراقيون» التي تضم نخبة من المثقفين والكتّاب والناشطين، بياناً لـ«إنهاء حالة الانسداد السياسي وتصحيح مسار الدولة».

وأشار البيان إلى أنه، وفي «ظل حرب إقليمية وتوترات عسكرية من شأنها أن تهدّد استقرار العراق وتماسكه الهش، وسط تدهور أمني متسارع، وأزمة اقتصادية قائمة، تراوح العملية السياسية مكانها، وتسجل الإخفاق تلو الإخفاق، دون تحقيق أبسط الاستحقاقات الدستورية؛ إذ فشل مجلس النواب مراراً في انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة، كما عجز برلمان إقليم كردستان عن تشكيل حكومته».

ورأى البيان أن «هذا التعطيل المتعمد يُعدّ خرقاً فاضحاً للدستور، وتنصّلاً من القوى السياسية الحاكمة عن مسؤوليتها، وتعميقاً لحالة الانسداد السياسي التي رهنت مصالح العراقيين لمحاصصة مزمنة ومصالح حزبية، لم تُنتِج سوى الفشل والفساد، حتى بات العراق ساحة لتقاطع الصراعات، وتراجعت قدرته على حماية اقتصاده وأمنه».

واعتبر أن «استمرار هذا النهج، والارتهان للتوافقات الخارجية، وترقب مآلات الحرب الإقليمية، لم يعد مجرد خرق للدستور وتنصُّل عن المسؤوليات الوطنية، بل جريمة بحق الوطن والمواطن، وتكريس لهشاشة القرار الوطني، في وقتٍ بلغ فيه صبر العراقيين حدّه الأقصى».

وطرحت المبادرة ثلاثة مطالب من شأنها تجاوز حالة الانسداد، ومن ضمنها «حل مجلس النواب الحالي وفق المادة 64 من الدستور، وحل برلمان إقليم كردستان أسوة بالاتحادي، بعد ثبوت عجزهما التام عن القيام بمهامهما الدستورية في وقتها المحدد، وعدم امتلاكهما الإرادة الكافية لإنهاء حالة الانسداد السياسي التي قادت البلاد إلى الهاوية».

وتنص الفقرة أولاً من المادة 64 من الدستور العراقي على أن «يُحل مجلس النواب العراقي، بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلبٍ من ثلث أعضائه، أو طلبٍ من رئيس مجلس الوزراء، وبموافقة رئيس الجمهورية».

وطالبت المبادرة ثانياً بـ«الدعوة إلى انتخابات جديدة خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ الحل، بعيداً عن نفوذ الأحزاب وهيمنة المال السياسي والسلاح المنفلت، مع إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات وفق معيار الاستقلال والحياد والنزاهة، لتصحيح مسار العملية السياسية».

إلى جانب «تشكيل لجنة قضائية مستقلة تختص بتفعيل مواد قانون الأحزاب، لا سيما تلك المتعلقة بمصادر التمويل والأذرع المسلحة، وحل جميع الكيانات السياسية التي تخالف ذلك».

البرلمان العراقي مجتمعاً لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)

إحراج الأحزاب

وحول مدى إمكانية استجابة القوى السياسية لدعوى حل البرلمان، استبعد الكاتب سعدون محسن ضمد، وهو أحد الموقّعين على المبادرة، أن «يقوم مجلس النواب بحل نفسه بهذه السهولة، خصوصاً أن المحاصصة التي تمثل أساسه المتين ستحميه».

لكن ضمد قال، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن المبادرة «تأمل في أن تتسع حملة الضغط، وتجمع ما يكفي من التواقيع والدعم لإحراج البرلمان، ومن خلفه القوى السياسية لكي تتحمل مسؤولياتها على الأقل فيما يتعلق بتشكيل الحكومة، وكذلك حكومة إقليم كردستان».

ويرى ضمد أن «ما يتعرض له العراق والمنطقة عموماً من تهديدات أمنية واقتصادية يحمّل مجلس النواب وجميع الكتل المشاركة فيه مسؤولية عقد الجلسات لمناقشة هذه التهديدات واتخاذ الاحتياطات اللازمة بحقها. أما التنصل عن المسؤولية وعدم اتخاذ أي إجراء فهذا مما لا يمكن السكوت عنه».

وعن الضمانات المتوفرة في عدم عودة قوى السلطة إلى البرلمان من جديد في حال حله، يؤكد ضمد أنه «لا توجد ضمانات تامّة، لكننا دعونا إلى ضرورة تفعيل قانون الأحزاب عن طريق تشكيل لجنة قضائية مستقلة تختص بتفعيل مواد القانون، ولا سيما تلك المتعلقة بمصادر التمويل والأذرع المسلحة، وحل جميع الكيانات السياسية التي تخالف ذلك، بما يضمن التنافس العادل بين الجميع. نعتقد أن هذه الشروط لو طُبقت بشكل جاد فإنها ستضمن على الأقل كسر الاحتكار الذي تمارسه القوى المتنفذة الحالية».