لودريان يطالب لبنان بتطبيق الإصلاحات المالية كمدخل لإعادة الإعمار

لم يربط تمويله بـ«حصرية السلاح»

المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان خلال زيارته إلى بيروت (أ.ب)
المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان خلال زيارته إلى بيروت (أ.ب)
TT

لودريان يطالب لبنان بتطبيق الإصلاحات المالية كمدخل لإعادة الإعمار

المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان خلال زيارته إلى بيروت (أ.ب)
المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان خلال زيارته إلى بيروت (أ.ب)

حمل المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت مطالب واضحة بالإسراع بتطبيق الإصلاحات واستكمالها، بوصفها «مساراً أساسياً لتسهيل الحصول على التمويل اللازم لإعادة إعمار ما هدمته الحرب»، ولم يربط إعادة الإعمار بنزع سلاح «حزب الله»، «رغم أن وضع هذا الملف على السكة، وتحقيق إنجاز به يعد أولوية»، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة لزيارة لودريان إلى العاصمة اللبنانية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل لودريان في القصر الجمهوري الثلاثاء (أ.ف.ب)

والتقى لودريان خلال يومي الثلاثاء والأربعاء في بيروت، برؤساء الجمهورية جوزيف عون، والبرلمان نبيه بري، والحكومة نواف سلام، وكتل نيابية من بينها رئيس كتلة «حزب الله» البرلمانية النائب محمد رعد، حيث ناقش معه مسألة التجديد لقوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في لبنان (اليونيفيل).

تطبيق الإصلاحات المالية

وقالت مصادر حكومية مواكبة للزيارة إن لودريان «حمل مطلباً واضحاً يتصل بتطبيق الإصلاحات»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن المبعوث الفرنسي «طالب بإصدار قانون إعادة هيكلة المصارف» الذي أقرته الحكومة وأرسلته إلى البرلمان لمناقشته وإقراره، و«عدم ربطه بقانون الفجوة المالية» الذي لا تزال الأفكار الرئيسية حوله بحوزة حاكمية مصرف لبنان، ولم تتم إحالته إلى الحكومة بعد، ما يعني ضرورة إقرار حزمة الإصلاحات التنظيمية. وأوضحت المصادر إصدار قانون «إعادة هيكلة المصارف» هو أساسي ليخطو لبنان خطوة أساسية في مسار الإصلاح المالي ويخاطب به المجتمع الدولي.

مؤتمر تمويل إعادة الإعمار

وطرح لودريان مع المسؤولين اللبنانيين، الاتجاه الفرنسي لتنظيم مؤتمر للمانحين لتمويل إعادة إعمار ما هدمته الحرب الإسرائيلية الأخيرة، والمزمع عقده في باريس في سبتمبر (أيلول) المقبل. وقالت مصادر مواكبة للزيارة إن المبعوث الفرنسي «لم يربط ملف إعادة الإعمار بنزع سلاح (حزب الله)، بقدر ما تم ربطه بتنفيذ الإصلاحات» التي تعد المدخل الأساسي للحصول على المساعدات، موضحة أن ملف السلاح «أولوية أيضاً، وطالب بأن يستكمل لبنان الخطوات التي بدأها للتوصل إلى حصرية السلاح بيد الدولة».

ورغم أن فرنسا لا تربط الملفين ببعضهما فإن ملف حصرية السلاح والمضي بخطوات عملية لتحقيق هذا الهدف، «يعد أولوية أيضاً للكثير من الدول، ومن بينها الولايات المتحدة ودول عربية مؤثرة بالملف اللبناني»، حسبما تقول مصادر دبلوماسية، لافتة إلى أن «نجاح مؤتمر تمويل إعادة الإعمار في فرنسا، سيتوقف على ما حققه لبنان من إصلاحات مالية، ومن خطوات عملية في ملف حصرية السلاح»، مشيرة إلى أنه «في حال عدم مشاركة الولايات المتحدة ودول عربية معنية بالملف اللبناني في المؤتمر، فإن فرص نجاحه لن تكون كبيرة».

جانب من لقاء الموفد الرئاسي الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (أ.ب)

وإلى جانب هذين الملفين، بحث لودريان، حسب المصادر الحكومية، ملف التجديد لبعثة «اليونيفيل» في ظل ضغوط كبيرة تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل لتعديل صلاحيات البعثة الأممية المؤقتة العاملة في جنوب لبنان. وقالت المصادر إن لودريان «أبلغ الجانب اللبناني أن فرنسا تعمل على إعادة التجديد لليونيفيل وتساعد لبنان لتحقيق هذه الغاية»، وذلك في موعد تجديدها في مجلس الأمن أوائل أغسطس (آب) المقبل.

«حزب الله»

وخلال لقائه بالنائب محمد رعد، قال مصدر مطلع على المحادثات، إن «اللقاء تطرّق خصوصاً إلى تجديد التفويض لقوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في لبنان الذي ينتهي في أغسطس المقبل».

رئيس كتلة «حزب الله» البرلمانية النائب محمد رعد يستقبل لودريان في مقر الكتلة بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

وأفادت العلاقات الإعلامية في «حزب الله» بأن الجانبين، «استعرضا تطورات الأوضاع السياسية في لبنان والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وخروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار». وقالت إن لودريان «استعرض الجهود التي تبذلها فرنسا لتنظيم مؤتمر لإعادة إعمار جنوب لبنان، والتجديد لمهمة قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل)». وأضاف البيان: «أكد رئيس كتلة الوفاء للمقاومة اهتمام الحزب بمناقشة مشاريع قوانين الإصلاح المحالة إلى المجلس النيابي، كما أكد موقف الحزب الداعم لموقف الدولة في التمديد لقوات (اليونيفيل)».

باسيل والجميل

وفي اليوم الثاني للقاءاته، التقى المبعوث الفرنسي برئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، و«تداول المجتمعون بالمستجدات المحلية والإقليمية لما لها من تداعيات على لبنان والمنطقة».

وبعد لقائه برئيس حزب «الكتائب اللبنانية» النائب سامي الجميّل، أشار الجميل إلى أنه «جرى النقاش بالوضع اللبناني خصوصاً بعد مرور 100 يوم على تشكيل الحكومة وكل الملفات التي تواجه لبنان أهمها الملفات الأمنية التي لها علاقة بالتعديات التي لا تزال تحصل على سيادة الدولة وعلى (اليونيفيل)، إضافة إلى القصف الإسرائيلي على لبنان، والمرتبطة باحترام اتفاق وقف إطلاق النار»، لافتاً إلى أنه «على لبنان الالتزام من جهته بعملية ضبط السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية ومعالجة سلاح (حزب الله)، وعلى إسرائيل الانسحاب من الأراضي المحتلة».

وتابع: «هذان المساران يجب أن يكونا متوازيين مع بعضهما البعض، ونحن مع وضع خريطة طريق تؤمن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية بالتوازي مع عملية سحب السلاح، وعلى الدولة أن تكون جدية وتظهر خطوات عملية بملف السلاح، وفي الوقت عينه على المجتمع الدولي أن يضمن بأن تظهر إسرائيل نوايا حسنة من خلال الانسحاب من المناطق الموجودة فيها ووقف الاعتداء المستمر على لبنان».


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني يؤكد التزامه حماية الحدود مع سوريا

المشرق العربي قائد الجيش اللبناني يتوسط سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا خلال الاجتماع (مديرية التوجيه)

الجيش اللبناني يؤكد التزامه حماية الحدود مع سوريا

أكد الجيش اللبناني التزامه حماية الحدود مع سوريا، مشدداً على أن تحقيق هذا الهدف بفاعلية «يستلزم دعماً عسكرياً نوعياً».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الأربعاء رئيس وأعضاء السلك القنصلي (الرئاسة اللبنانية)

تصعيد «حزب الله» يتقدم مع انتقال لبنان إلى حصرية السلاح شمال الليطاني

يبدو واضحاً أن «حزب الله» اتخذ قراره بالتصعيد السياسي، مع انتقال الدولة والجيش اللبناني من مرحلة تثبيت حصرية السلاح جنوب الليطاني إلى شماله.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي البخاري يؤكد حرص السعودية على استقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة

البخاري يؤكد حرص السعودية على استقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة

جدّد سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد البخاري التأكيد على «حرص المملكة على أمن واستقرار لبنان والوقوف إلى جانب الدولة ومؤسساتها»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون ملتقياً السفير سيمون كرم بعد مشاركته في اجتماع «الميكانيزم» (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

تمسك لبناني بالـ«ميكانيزم» وتفعيلها بغياب البديل

يخشى لبنان أن يكون البديل عن الـ«ميكانيزم» الذهاب نحو المجهول، ما دام أنه لم يتبلغ من الجانب الأميركي بالأسباب التي كانت وراء إرجاء اجتماعها بلا تحديد موعد جديد

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يقصف أهدافاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان

شن الطيران الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، غارات استهدفت بعض ⁠المباني ​في ‌قرى قناريت والكفور وجرجوع بجنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

الجيش اللبناني يؤكد التزامه حماية الحدود مع سوريا

قائد الجيش اللبناني يتوسط سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا خلال الاجتماع (مديرية التوجيه)
قائد الجيش اللبناني يتوسط سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا خلال الاجتماع (مديرية التوجيه)
TT

الجيش اللبناني يؤكد التزامه حماية الحدود مع سوريا

قائد الجيش اللبناني يتوسط سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا خلال الاجتماع (مديرية التوجيه)
قائد الجيش اللبناني يتوسط سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا خلال الاجتماع (مديرية التوجيه)

أكد الجيش اللبناني التزامه حماية الحدود مع سوريا، مشدداً على أن تحقيق هذا الهدف بفاعلية «يستلزم دعماً عسكرياً نوعياً»، وذلك بموازاة التحضيرات لعقد «مؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي» في باريس يوم 5 مارس (آذار) المقبل.

وينتشر الجيش اللبناني على الحدود مع سوريا في شمال وشرق لبنان، ويعمل على ضبط الحدود ومكافحة التهريب، إلى جانب مهام أخرى مترتبة عليه لجهة الانتشار على الحدود الجنوبية مع إسرائيل، وتنفيذ خطة الحكومة بحصر السلاح، فضلاً عن حماية الاستقرار في الداخل ومكافحة تهريب المخدرات.

كما عُقد اجتماع لـ«لجنة الإشراف العليا» على «برنامج المساعدات لحماية الحدود البرية»، في «مبنى قيادة الجيش - اليرزة»، بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل، والسفير الأميركي ميشال عيسى، والسفير البريطاني هاميش كاول، والسفير الكندي غريغوري غاليغان، إلى جانب عدد من ضباط القيادة وقادة الوحدات، وأعضاء فريق العمل المشترك اللبناني - البريطاني - الأميركي، وفريق التدريب الكندي.

وأعلنت قيادة الجيش اللبناني، في بيان، أنه خلال الاجتماع، عُرضت المراحل المنفَّذة من «البرنامج» والخطوات المقبلة لتلبية حاجات الوحدات العسكرية المكلّفة «ضبط الحدود الشمالية والشرقية، ومكافحة التهريب والتسلل غير الشرعي، والتحديات التي تواجهها هذه الوحدات وسط التطورات الراهنة».

ولفت السفراء المشاركون إلى «أهمية دور الجيش في حفظ أمن لبنان واستقراره»، ونوهوا بمستوى احترافه ونجاحه، مؤكدين ضرورة دعم المؤسسة العسكرية لتعزيز قدرتها على أداء مهامها فوق كامل الأراضي اللبنانية.

وقال العماد هيكل: «التزامنا حماية الحدود التزام نهائي، وقد بذلنا كثيراً من الجهود والتضحيات لهذه الغاية، غير أنّ تحقيق هذا الهدف بفاعلية يستلزم دعماً عسكرياً نوعياً، انطلاقاً من حجم التحديات القائمة على الحدود الشمالية والشرقية». وأكد أهمية المساعدات التي قدمتها السلطات الأميركية والبريطانية والكندية إلى الجيش، شاكراً دعمها المتواصل في ظل الصعوبات الحالية.


الجيش الأميركي يبدأ نقل سجناء «داعش» من سوريا إلى العراق

جنود من الجيش الأميركي في قاعدة عسكرية شمال بغداد (رويترز - أرشيفية)
جنود من الجيش الأميركي في قاعدة عسكرية شمال بغداد (رويترز - أرشيفية)
TT

الجيش الأميركي يبدأ نقل سجناء «داعش» من سوريا إلى العراق

جنود من الجيش الأميركي في قاعدة عسكرية شمال بغداد (رويترز - أرشيفية)
جنود من الجيش الأميركي في قاعدة عسكرية شمال بغداد (رويترز - أرشيفية)

أطلقت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأربعاء، مهمة جديدة لنقل معتقلي تنظيم «داعش» من شمال شرق سوريا إلى العراق، وذلك «لضمان بقاء الإرهابيين في مراكز احتجاز آمنة»، وفق ما أعلن الجيش الأميركي.

وبدأت مهمة النقل بالتزامن مع نجاح القوات الأميركية في نقل 150 مقاتلاً من «داعش» كانوا محتجزين في مركز احتجاز في الحسكة بسوريا، إلى موقع آمن في العراق. ومن المتوقع أن يصل إجمالي عدد معتقلي «داعش» الذين سيتم نقلهم من سوريا إلى مراكز احتجاز تحت السيطرة العراقية إلى 7 آلاف معتقلي، وفق بيان «سنتكوم».

وقال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية: «نحن ننسق بشكل وثيق مع شركائنا الإقليميين، بما في ذلك الحكومة العراقية، ونُقدّر دورهم في ضمان الهزيمة النهائية لتنظيم (داعش). إن تسهيل النقل المنظم والآمن لمعتقلي داعش أمر بالغ الأهمية لمنع أي هروب قد يُشكّل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة والأمن الإقليمي».

وفي عام 2025، اعتقلت القوات الأميركية وقوات التحالف أكثر من 300 عنصر من «داعش» في سوريا، وقتلت أكثر من 20 عنصراً خلال الفترة نفسها.


من كوباني إلى الباغوز... كيف ساهم الأكراد في هزيمة «داعش»؟

عربة عسكرية لـ «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة الأربعاء (رويترز)
عربة عسكرية لـ «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة الأربعاء (رويترز)
TT

من كوباني إلى الباغوز... كيف ساهم الأكراد في هزيمة «داعش»؟

عربة عسكرية لـ «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة الأربعاء (رويترز)
عربة عسكرية لـ «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة الأربعاء (رويترز)

«الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية، كقوة رئيسية في الميدان لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، انتهى إلى حد كبير». بهذه الكلمات علّق توم برّاك، سفير الولايات المتحدة إلى تركيا والمكلف ملف سوريا في الإدارة الأميركية، على آخر تطورات الصراع بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يشكّل المقاتلون الأكراد عمادها الأساسي. وإذا كان كلام برّاك غير كاف للتعبير عن موقف واشنطن الحالي، فإن الرئيس دونالد ترمب نفسه قدّم توضيحاً لا لبس فيه لموقف بلاده من الأكراد السوريين الذين كانوا لسنوات طويلة حلفاء للولايات المتحدة في القتال ضد «داعش«. قال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض، الثلاثاء، إنه يدعم هجوم الرئيس أحمد الشرع ضد القوات الكردية، مضيفاً أن الرئيس السوري «يعمل بجد كبير. إنه رجل قوي، قاس وله سجلّ قاس نوعاً ما. لكن لا يمكنك أن تضع منشد جوقة كنسية هناك لإنجاز المهمة».

لا شك أن هذا الموقف سيثير لدى كثير من الأكراد السوريين شعوراً بأن الإدارة الأميركية تخلت عنهم اليوم، برغم دورهم الكبير في هزيمة «داعش»، وهو أمر لم يتحقق في الواقع لولا تعاون الأكراد مع الأميركيين: الأكراد خاضوا المعارك على الأرض، وتكبدوا خسائر بآلاف المقاتلين، فيما أمّن الأميركيون الغطاء الجوي لهم.

في ما يأتي جولة على أبرز المعارك التي خاضها الأكراد ضد «داعش« في سوريا.

كرديات في مدينة القامشلي بعد حملهن السلاح مع تقدم القوات الحكومية السورية في محافظة الحسكة الأربعاء (أ.ف.ب)

كوباني – عين العرب

لا شك أن المواجهة الأولى التي سلّطت الضوء على أهمية الأكراد باعتبار أنهم عنصر فاعل في مواجهة «داعش» كانت معركة كوباني (عين العرب). كانت كوباني، الواقعة بريف حلب الشرقي على الحدود مع تركيا، مسرحاً لهجمات متواصلة شنّها «داعش»، بدءاً من سبتمبر (أيلول) 2014، وهي فترة كان فيها التنظيم في أوج قوته في كل من سوريا والعراق بعد إعلان «خلافته» المزعومة. حاصر «داعش» كوباني لشهور، ودفع بنخبة مقاتليه للسيطرة عليها. خاض هؤلاء معارك ضارية داخل كوباني ضد المدافعين عنها، والذين كانوا ينتمون آنذاك إلى «وحدات حماية الشعب» الكردية. استبسل الأكراد في الدفاع عن المدينة، رغم أن «داعش» تمكن من السيطرة على كل البلدات المحيطة بها في ريفي حلب، والرقة، ما أدى إلى نزوح جماعي للأكراد، وسط تقديرات بأن أعداد الفارين باتجاه الجانب التركي من الحدود بلغت مئات الآلاف.

بعد 4 شهور من الحصار، والمعارك الضارية، بدأت الولايات المتحدة تقديم دعم جوي للأكراد في كوباني، كما سمحت تركيا بوصول دعم عسكري من الأكراد في العراق للأكراد في كوباني (رغم تصنيفها «الوحدات» الكردية تنظيماً إرهابياً باعتبارها فرعاً سوريا لـ«حزب العمال الكردستاني»).

مع بدايات السنة 2015، نجح الأكراد في إبعاد «داعش» عن أسوار كوباني، وشكّل ذلك البداية الفعلية لمعركة إنهاء حكم التنظيم، وطرده من معاقله في سوريا. وبحسب وكالة «رويترز»، اعتُبرت معركة استعادة كوباني نقطة تحوّل في الحرب ضد «داعش».

منبج

بعد كوباني، بدأ حكم «داعش» مسار الانهيار مثل كرة ثلج تكبر وهي تتدحرج. كانت البداية في منبج، بريف حلب الشرقي. وفي حين تقع كوباني شرق الفرات، فإن منبج تقع على الضفة الغربية للنهر، وكان التنظيم يتخذ منها نقطة أساسية للتواصل مع مؤيديه في الخارج. كان ذلك يتم إلى حد كبير في البداية عبر تركيا قبل أن تتخذ هذه الدولة إجراءات مشددة لقطع هذا الطريق الذي تم عبره تنظيم هجمات دامية في أوروبا نفّذها مقاتلون من «داعش» كانوا متمركزين في منبج.

في أواخر العام 2015، عبرت القوات الكردية نهر الفرات، واستولت على سد تشرين، مستهلة معركة منبج التي مهّد لها الأميركيون بغارات عنيفة في أواخر مارس (آذار) 2016، قبل بدء الأكراد وحلفاء محليين لهم الهجوم على عناصر «داعش» المتحصنين فيها. بعد شهور من المعارك الضارية، انتهت معركة منبج في أغسطس (آب)، حيث سمح لمئات المقاتلين من «داعش» بالانسحاب منها بعدما أخذوا قرابة ألف من سكانها دروعاً بشرية لمنع قصفهم خلال الخروج منها.

قوات الأمن السورية الأربعاء أمام مدخل مخيم الهول الذي يؤوي نازحين وعائلات مقاتلين في تنظيم «داعش» بريف محافظة الحسكة (إ.ب.أ)

الرقة

بعد منبج انتقلت المعركة الأساسية إلى عاصمة «داعش» في سوريا: مدينة الرقة. بحلول يونيو (حزيران) 2017، كانت الرقة المدينة الأساسية الوحيدة المتبقية بأيدي «داعش» في شمال سوريا، لكن ذلك لم يكن ليستمر طويلاً. فمعركة تحرير الرقة كانت بالفعل قد بدأت اعتباراً من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 تحت لواء «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكلت بدعم أميركي من تحالف «وحدات حماية الشعب» مع فصائل عربية وافقت على العمل مع الأكراد ضد «داعش». كان الهدف من تأسيس هذا التحالف الكردي-العربي تجاوز «فيتو» تركيا التي كانت تريد أن تقود هي، مع حلفاء سوريين، عملية تحرير الرقة.

بلغت معركة الرقة أوجها في يونيو 2017 مع تقدم «قوات سوريا الديمقراطية» في أحياء المدينة. وكما في أي معركة أخرى خاضها «داعش»، رفض مقاتلو هذا التنظيم الاستسلام، وقاتلوا حتى الرمق الأخير. اضطرت «قوات سوريا الديمقراطية» إلى خوض معركة الرقة حيّاً حياً، ما أدى إلى خسائر فادحة في صفوفها، بالإضافة إلى خسائر جسيمة أيضاً في صفوف عناصر «داعش» والمدنيين المحاصرين في المدينة.

الباغوز

بعد الرقة كان واضحاً أن «داعش» الذي تفاخر يوماً بأن دولته «باقية، وتتمدد»، بات يسير في اتجاه زوال حتمي. فالتنظيم كان يوماً بعد يوم يخسر البلدات والقرى التي شكلت، منذ العام 2014، معقلاً أساسياً لمقاتليه على ضفاف نهر الفرات، في اتجاه الحدود العراقية شرقاً. تساقطت مدن «داعش» واحدة تلو الأخرى، إلى أن صار التنظيم محصوراً ببلدة وحيدة صغيرة هي الباغوز بريف دير الزور الشرقي، حيث تحصن من تبقى على قيد الحياة من مقاتلي التنظيم، وأفراد عائلاتهم ممن رفضوا الاستسلام. قاتل «داعش» حتى الموت في الباغوز، لكن نتيجة المعركة كانت واضحة منذ البداية في ظل السيطرة الجوية الأميركية التي مهدت الطريق لتقدم الأكراد. انتهت المعركة في مارس 2019، وباتت تُعرف بأنها المعركة التي شكلت الهزيمة النهائية لـ«داعش» في سوريا. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد تنظيم «داعش» يسيطر على أي بلدة سورية سيطرة كاملة، وتحول إلى شن هجمات كر وفر، لا سيما في البادية السورية مترامية الأطراف.