6 أشهر على سقوط الأسد... تمسك بالأمل رغم ضخامة التحديات

الإدارة الجديدة ورثت سوريا مقسمة ومعزولة دولياً

 قوات الأمن السورية تؤمِّن صلاة عيد الأضحى في دمشق 6 يونيو (إ.ف.ب)
قوات الأمن السورية تؤمِّن صلاة عيد الأضحى في دمشق 6 يونيو (إ.ف.ب)
TT

6 أشهر على سقوط الأسد... تمسك بالأمل رغم ضخامة التحديات

 قوات الأمن السورية تؤمِّن صلاة عيد الأضحى في دمشق 6 يونيو (إ.ف.ب)
قوات الأمن السورية تؤمِّن صلاة عيد الأضحى في دمشق 6 يونيو (إ.ف.ب)

قبل 6 أشهر، ما كان مستحيلاً يوماً ما في سوريا، صار واقعاً حقيقياً، إذ أُطيح بنظام الرئيس بشار الأسد الذي حكم البلاد لنحو رُبع قرن، وذلك بعد سنوات من الحرب الأهلية الوحشية.

وشهدت سوريا نهاية 5 عقود من الحكم السلطوي لعائلة الأسد، تركت مجتمعاً ممزقاً مشوهاً بسبب العنف، يعصف به انعدام الثقة، ولكنه يحمل أملاً في بداية جديدة، بحسب تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

صبي يحمل الطوب خلال مساعدته في ترميم منزل ببلدة القريتين شرق محافظة حمص السورية... 3 يونيو (أ.ب)

اليوم، تتولى إدارة جديدة مقاليد الأمور في سوريا، التي يبلغ تعداد سكانها نحو 23 مليون نسمة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بعدما فرَّ بشار الأسد إلى موسكو. وقام وتحالفه، بدور رئيسي في الإطاحة ببشار الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول). ولدى تولي القيادة الجديدة مقاليد السلطة، تعهَّدت بأن تكون «سوريا للجميع». بعد مرور 6 أشهر، هل أوفت هذه الإدارة بوعدها؟

لقطتان للرئيس السوري أحمد الشرع (يسار) بعد مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الفرنسي بباريس 7 مايو... واليمين (عندما كان معروفاً باسم أبو محمد الجولاني) زعيم «هيئة تحرير الشام» التي قادت هجوماً خاطفاً انتزعت بموجبه دمشق من سيطرة الأسد في 8 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

مخاوف الأقليات

على الصعيد الدولي، ينظر إلى طريقة معاملة الأقليات في «سوريا الجديدة»، بنوع من التشكك. يشار إلى أن أغلبية سكان سوريا من المسلمين السُّنَّة، مثل الشرع ورفاقه. ورغم ذلك، فإن مخاوف الدروز والعلويين والمسيحيين تأججت، نتيجة أحداث العنف الطائفي التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الأخيرة. وفي أوائل شهر مايو (أيار) الماضي، شنَّ مقاتلون متحالفون مع الحكومة هجمات استهدفت أفراداً من الطائفة الدرزية؛ ما أسفر عن مقتل العشرات. كما أفاد مراقبون بوقوع ما وصفوها بـ«مجازر» في منطقة الساحل السوري أوائل شهر مارس (آذار) الماضي.

وهاجمت مجموعات كبيرة من مؤيدي وفلول نظام بشار الأسد، بشكل منسق ومتزامن، مواقع عسكرية ومدنية تعود للحكومة التي ردَّت بعملية عسكرية واسعة، أودت بحياة مئات العلويين (الطائفة التي ينتمي إليها الأسد).

الشيخ حمود الحناوي ومحافظ السويداء في عيد الفطر الماضي (مركز إعلام السويداء)

من جهته، قال حمود الحناوي، وهو شيخ درزي وأحد كبار قادة الطائفة الدينية، لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «ثمة خوف، ليس فقط بين الطائفة الدرزية، ولكن بين الأقليات الأخرى أيضاً». وأضاف: «إذا لم نتعلم قبول بعضنا بعضاً، بغض النظر عن عقائدنا، فلن نتمكَّن مطلقاً من بناء أمة». وهذا بالضبط ما تعهَّد به الرئيس أحمد الشرع للشعب السوري عندما تولى مقاليد السلطة: سوريا موحدة. وأكد الزعيم الدرزي: «ولكن علينا أن نضع في اعتبارنا دائماً أن سوريا كانت مقسمةً من قبل النظام القديم»، مضيفاً أنه لا يمكن بناء وطن موحد «إلا إذا وضعنا يدنا في يد بعضنا»، ودون تطرف من أي طرف.

معرض في محطة الحجاز المركزية السابقة للسكك الحديدية بدمشق يعرض لافتات احتجاجية استُخدمت طوال فترة الانتفاضة السورية من بلدة كفرنبل بمحافظة إدلب (أ.ف.ب)

بالنسبة للأكراد في شمال شرقي البلاد، الذين كانوا يحكمون منطقتهم في السابق بدرجة كبيرة من الحكم الذاتي (بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا 2011)، جاءت الخطوة الرئيسية نحو تحقيق الوحدة الوطنية السورية عبر اتفاق بين القادة الأكراد والحكومة على الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة. ومن الناحية النظرية، من شأن ذلك أن يمنح إدارة الشرع سلطةً على جميع الهياكل المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا. ورغم ذلك، فإن التفاصيل الرئيسية للاتفاق لا تزال لم تحسم بعد.

وأعرب ممثلو الأكراد عن تفاؤل حذر، بقولهم: «يساورنا القلق، مثلنا مثل الطوائف الأخرى، ولكننا سنرى ما إذا كان الحكام الجدد سيوفون بوعودهم، ويعيدون لكل سوري وطنه».

سوريون يحتفلون في ساحة الأمويين بدمشق بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع العقوبات عن سوريا... 13 مايو (أ.ف.ب)

العودة إلى الساحة الدولية

وضعت القيادة الجديدة في دمشق ضمن أولوياتها، النأي بنفسها عن إرث نظام الأسد، وإعادة بناء العلاقات الدولية. كان نظام الأسد معزولاً إلى حد كبير بعد اندلاع الحرب الأهلية، وتعرَّضت حكومته لعقوبات شديدة من غالبية المجتمع الدولي.

واندلع الصراع في سوريا عام 2011 باحتجاجات ضد النظام، تعرَّضت للقمع العنيف، ثم تصاعد الأمر إلى حرب أهلية واسعة النطاق، شهدت مشاركة دولية؛ ما أدى إلى نزوح نحو 14 مليون شخص، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

وبعد مرور نحو 6 أشهر على سقوط الأسد، التقى الشرع كثيراً من قادة العالم، بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وفي أوروبا، استقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ومن المقرر أن يلقي الشرع كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

إعادة التواصل بالشبكات المالية العالمية

وحقَّقت دمشق في الآونة الأخيرة مكاسب واسعة على الساحة الدولية، خصوصاً فيما يتعلق برفع العقوبات. وفي منتصف شهر مايو، هرع السوريون إلى الشوارع للاحتفال بإعلان الرئيس ترمب، بشكل مفاجئ وبعد تدخل من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، رفع العقوبات الأميركية على البلاد بشكل كامل. وبعد أيام قليلة، حذا الاتحاد الأوروبي حذو أميركا. وأشادت وزارة الخارجية السورية بهذه «الخطوة التاريخية» لـ«سوريا الجديدة».

ويشار إلى أنه خلال سنوات الحرب، كانت السلع الأساسية - بداية من الأدوية إلى الوقود - شحيحةً، حيث كان الاستيراد مستحيلاً في ظل وطأة العقوبات الدولية. كما كانت سوريا معزولةً إلى حد كبير عن النظام المالي العالمي، مما جعل تحويل الأموال من البلاد وإليها، شبه مستحيل. ويقول المراقبون إن رفع العقوبات عن سوريا قد يؤدي إلى خفض الأسعار بشكل تدريجي، والسماح بتدفق رؤوس الأموال الأجنبية، حيث إن البلاد في حاجة ماسة إليها، وهو أمر بالغ الأهمية للانتعاش الاقتصادي وجهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

عناصر من قوات الأمن السورية بجوار مركبة عسكرية متضررة كان يسيطر عليها أنصار الرئيس المخلوع بشار الأسد في بلدة حميميم بمحافظة اللاذقية الساحلية بسوريا 11 مارس (أ.ف.ب)

90 % من السوريين يعتمدون على المساعدات

واليوم بعد مرور 6 أشهر على الإطاحة بنظام الأسد، فإن سوريا لا تزال بعيدةً عن الاستقرار. ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة لشهر أبريل (نيسان)، عاد نحو 400 ألف لاجئ سوري من الدول المجاورة - وأكثر من مليون نازح بالداخل - إلى ديارهم.

ولا يزال الوضع الإنساني في سوريا مزرياً، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 90 في المائة من السكان ما زالوا يعتمدون على شكل ما من المساعدات الإنسانية. وبعد مرور السنوات الطويلة على اندلاع الصراع، لا يزال الفقر متفشياً على نطاق واسع. ويقول كثير من السوريين إنهم لا يزالون يعانون من الغموض بشأن مستقبل بلادهم. وقال أحد العائدين: «في بعض الأيام نتساءل ما إذا كانت سوريا الجديدة مختلفة... وفي أيام أخرى نعتقد أننا نسير في الاتجاه الصحيح خطوة بخطوة... الأمل لا يزال حياً».


مقالات ذات صلة

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال جلسة في منتدى أنطاليا للدبلوماسية في أنطاليا - تركيا 17 أبريل 2026 (رويترز)

الشرع: التفاوض مع إسرائيل حول الجولان رهن إبرام اتفاق أمني

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، إن بلاده قد تنخرط في مفاوضات مع إسرائيل بشأن الجولان، في حال أبرم الطرفان اتفاقاً أمنياً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الرئيس السوري يبحث مع عبدي وأحمد استكمال عملية الدمج وإعلان حل «قسد»

بحث الرئيس السوري، أحمد الشرع، مع قائد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية»، إلهام أحمد،…

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير (كانون الثاني)، نصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، وبمن فيهم مكتومو القيد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع الفلسطيني، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحظي قرار سلطات كوسوفو بموافقة البرلمان الذي صوّت بالإجماع على تشريع يجيز انضمام عناصر من قوى الأمن في كوسوفو إلى قوّة دولية لإرساء الاستقرار بقيادة أميركية، في حال تشكّلها.

وقد تضمّ هذه البعثة في المجموع نحو 20 ألف جندي، بينهم 8 آلاف إندونيسي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا يحدّد التشريع عدد العناصر الذين يمكن إرسالهم إلى غزة. وحسب وسائل الإعلام، تعتزم الحكومة إرسال 22 عنصراً.

أما في البوسنة فقد تطرّق وزير الدفاع، زوكان هيليز، إلى هذه المسألة خلال اجتماع في واشنطن مع المسؤول عن الشؤون السياسية العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية، ستانلي براون.

وقال هيليز في بيان: «بلغت التحضيرات لهذه المهمّة مرحلة متقدّمة، ونتوقّع أن يشارك فيها أكثر من 60 عنصراً من القوّات المسلّحة في البوسنة والهرسك. وهذا إسهام ملحوظ من بلدنا في السلم والأمن الدوليين».

وقد حظيت مشاركة البوسنة في هذه القوّة بموافقة السلطات في يناير (كانون الثاني).

والتأم «مجلس السلام» الذي أُنشئ أساساً للمساعدة في إعمار غزة بعد الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، للمرّة الأولى في واشنطن في فبراير (شباط)، بغية مناقشة سبل تمويل هذه المبادرة وإيفاد عسكريين أجانب إلى القطاع.

وتعهّدت، حينها، إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، المشاركة في القوة.

وما زال تنفيذ هذه المرحلة من خطّة السلام الأميركية في النطاق الافتراضي، مع تمسّك كلّ من إسرائيل و«حماس» بمطالب متناقضة، وتبادلهما التهم بخرق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد سنتين من حرب طاحنة شهدها القطاع الفلسطيني، إثر هجوم غير مسبوق لـ«حماس» على الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023.


عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».