الشرع في أول حوار مع صحيفة يهودية: لن تُبنى سوريا مستقرة بالخطابات والشعارات

قال إن الإدارة الجديدة ورثت أكثر من مجرد أنقاض وصدمة وانعدام الثقة... ورثت الأمل

الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث في اختتام مؤتمر الحوار الوطني بدمشق في فبراير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث في اختتام مؤتمر الحوار الوطني بدمشق في فبراير الماضي (أ.ف.ب)
TT

الشرع في أول حوار مع صحيفة يهودية: لن تُبنى سوريا مستقرة بالخطابات والشعارات

الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث في اختتام مؤتمر الحوار الوطني بدمشق في فبراير الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث في اختتام مؤتمر الحوار الوطني بدمشق في فبراير الماضي (أ.ف.ب)

يكسر الرئيس السوري أحمد الشرع كل الحواجز التي أحاطت بالرئيس المخلوع بشار الأسد، عند تعليقه على مسؤولياته أو مواقفه في السياسة الداخلية والخارجية. فهو مباشر ولا يتردد في الحديث صراحة عن «موضوعات كانت محرمة»، كان الحديث عنها سابقاً، مزدوجاً، بعضه للعلن بشعارات، لكن حقيقته تجري تحت الطاولة، مثل العلاقة مع إسرائيل واحتلالها الأراضي السورية، كلام بعيد عن الشعارات الآيديولوجية باتجاه حلول عملية. آخر تلك الحواجز كانت لقاءه مع صحيفة «جويش جورنال» الأميركية، ليكون أول حوار مع وسيلة إعلامية يهودية منذ تسلمه السلطة قبل أقل من 6 أشهر.

إرث نظام الأسد

الحوار الذي نشر بتاريخ 28 مايو (أيار) يفتتحه الصحافي جوناثات باس، بالقول: «لا يرى كثير من السوريين في الرئيس أحمد الشرع، الشخص الثائر، بل قائداً مُرمماً قادراً على إعادة بناء أمة أنهكتها الحرب ومزّقتها الهوية، لافتاً إلى أن دمشق أقدم مدينة حية، حيث يهمس التاريخ من كل جدار، إذ كانت مكاناً مناسباً لحوار، ليس حول السلطة، بل حول إعادة البناء والمصالحة وعبء قيادة أمة مُحطمة منذ زمن طويل».

ويسجل الصحافي باس انطباعه عن الرئيس السوري، بقوله إنه هادئ الطباع، «لكن كل كلمة ينطق بها تأتي بتأنٍّ. لا توجد في صوته أيُّ نبرة انتصار، بل كلمات يعنيها، ويؤكد عليها».

يقول له الشرع: «لقد ورثنا أكثر من مجرد أنقاض. ورثنا الصدمة وانعدام الثقة والتعب. لكننا ورثنا أيضاً الأمل. أمل هشّ. نعم، لكنه حقيقي».

لعقود، حُكمت سوريا بنظام خلط بين الولاء والصمت، والتعايش والكراهية، والاستقرار والقمع. حكمت سلالة الأسد؛ حافظ ثم بشار، بقبضة حديدية، مستخدمةً الخوف والإعدامات لترسيخ سيطرتها، بينما ذبلت مؤسسات البلاد، وتحوّلت المعارضة إلى انتفاضة قاتلة.

يعدّ الصحافي جوناثات باس أن الشرع واضح الرؤية بشأن الإرث الذي ورثه. فقد قال له: «لن نكون صادقين إن تحدثنا عن صفحة بيضاء. فالماضي حاضر، في عيون كل شخص، في كل شارع، في كل عائلة. وواجبنا الآن هو عدم تكراره. ولا نسخة أخفّ. يجب أن نبتكر شيئاً جديداً تماماً».

حشد من أهالي المعتقلين في سجن صيدنايا ينتظرون خارج المبنى حيث يجري البحث عن ناجين (الدفاع المدني)

ثقة السوريين

كانت خطوات الشرع الأولى حذرة (منذ تسلمه السلطة)، لكنها رمزية للغاية بحسب تعليق الصحافي الذي أجرى معه الحوار، أمر بإطلاق سراح السجناء السياسيين، وبادر بحوار مع جماعات المعارضة التي نُفيت أو أُسكتت، وتعهد بإصلاح جهاز الأمن السوري سيئ السمعة. تتمثل رؤيته في مجتمع نابض بالحياة، متعدد الثقافات، وتعددي. واقترح إنشاء وزارة مخصصة لمعالجة مصير المفقودين والقتلى.

ولكشف الحقيقة وراء المقابر الجماعية في سوريا، يُقرّ الشرع بالحاجة إلى شراكة مع الولايات المتحدة، لتوفير تقنيات ومعدات الطب الشرعي، من إنشاء قواعد بيانات الحمض النووي، إلى ضمان تعاون المسؤولين عن الفظائع الماضية.

وقال: «إذا كنتُ الوحيد الذي يتحدث، فإن سوريا لم تتعلم شيئاً. نحن ندعو جميع الأصوات إلى طاولة الحوار؛ العلمانية والدينية والقبلية والأكاديمية والريفية والحضرية. على الدولة أن تُنصت الآن أكثر مما تُمليه على الآخرين».

ولكن هل سيثق الناس مرة أخرى... هل سيصدقون وعود حكومة تنهض من رماد الديكتاتورية؟ أجاب الشرع: «لا أطلب الثقة، بل أطلب الصبر والتدقيق. حاسبوني. حاسبوا هذه العملية. هكذا تتحقق الثقة».

السوريون بحاجة لإعادة بناء منازلهم

عما يحتاجه السوريون أكثر الآن، أجاب دون تردد: «الكرامة من خلال العمل. السلام من خلال الهدف».

في المدن التي أفرغتها الحرب، والقرى التي لا تزال تعاني من آثار الصراع، لا ينادي أحدٌ بالسياسة، بل بالعودة إلى الحياة الطبيعية؛ فرصة إعادة بناء المنازل، وتربية الأطفال، وكسب الرزق بسلام.

إعادة بناء المنازل المدمرة في حلب بمبادرة شخصية من بعض الأهالي (رويترز)

يدرك الشرع هذا جيداً. فهو يدفع باتجاه برامج اقتصادية طارئة تُركز على خلق فرص العمل في الزراعة، والصناعة، والبناء، والخدمات العامة. قال الشرع للمحاور: «لم يعد الأمر يتعلق بالآيديولوجيا، بل بإعطاء الناس سبباً للبقاء، وسبباً للعيش، وسبباً للإيمان». وتابع: «كل شاب لديه وظيفة سيكون أقل عرضة لخطر التطرف. كل طفل في المدرسة هو صوت للمستقبل».

وأكّد الشرع على أهمية الشراكات مع المستثمرين الإقليميين، وتقديم منح المشاريع الصغيرة للعائدين، و«التدريب المهني للشباب الذين لم يعرفوا سوى الحرب». وتابع: «لن تُبنى سوريا مستقرة بالخطابات أو الشعارات، بل بالأفعال؛ في الأسواق، وفي الفصول الدراسية، وفي المزارع، وفي ورش العمل. سنعيد بناء سلاسل التوريد. ستعود سوريا مركزاً للتجارة والتبادل التجاري».

العلاقة مع إسرائيل

هناك رؤية أعمق وراء هذه الرؤية الاقتصادية، بعد جيل من الخسارة، سئم السوريون من الصراع. إنهم يتوقون للسلام، وليس غياب الحرب فقط، بل وجود الفرص. ويقول باس، "في أحد أكثر أجزاء حديثنا حساسية، تناول الشرع علاقة سوريا المستقبلية بإسرائيل، وهو موضوع يطارد المنطقة منذ عام 1948، ويتفاقم مع كل غارة جوية، وعملية سرية، واتهام بالحرب بالوكالة".

جندي إسرائيلي يقف على حدود المنطقة العازلة في الجولان (أ.ف.ب)

قال: «أريد أن أكون واضحاً. يجب أن ينتهي عصر القصف المتبادل الذي لا ينتهي. لا تزدهر أي دولة عندما يملؤها الخوف. الحقيقة هي أن لدينا أعداءً مشتركين، ويمكننا أن نلعب دوراً رئيسياً في الأمن الإقليمي».

لافتة رفعها دروز سوريون في 25 فبراير ردّاً على التوغلات الإسرائيلية: «السويداء لن تكون خنجركم المسموم في ظهر سوريا» (أ.ب)

وأعرب عن رغبته في العودة إلى روح اتفاقية فكّ الارتباط لعام 1974 (اتفاقية دوفا)، ليس كخط لوقف إطلاق النار فقط، بل كأساس لضبط النفس المتبادل وحماية المدنيين، وخاصةً الدروز في جنوب سوريا ومرتفعات الجولان. وقال: «دروز سوريا ليسوا بيادق. إنهم مواطنون، متجذرون، موالون تاريخياً، ويستحقون كل حماية بموجب القانون. سلامتهم غير قابلة للتفاوض».

وفي حين امتنع عن اقتراح التطبيع الفوري، أشار الشرع إلى انفتاحه على محادثات مستقبلية قائمة على القانون الدولي والسيادة.

مصافحة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والسوري أحمد الشرع في الرياض 14 مايو الماضي (أ.ب)

ترمب رجل سلام

وربما كان أبرز ما قدّمه هو مبادرة دبلوماسية جريئة؛ رغبته في الجلوس مباشرة مع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. قال الشرع: «مهما كانت الصورة التي يرسمها الإعلام له، أراه رجل سلام. لقد تعرضنا نحن الاثنان لهجوم من نفس العدو. ترمب يفهم جيداً معنى النفوذ والقوة والنتائج. سوريا بحاجة إلى وسيط نزيه قادر على إعادة ضبط الحوار. إذا كانت هناك إمكانية لتوافق يُسهم في تحقيق الاستقرار في المنطقة، والأمن للولايات المتحدة وحلفائها، فأنا مستعد لإجراء هذا الحوار. إنه الرجل الوحيد القادر على إصلاح هذه المنطقة، وجمع شملنا، خطوة بخطوة».

ويعلق المحاور أنه: «كان تصريحاً لافتاً، ليس لصراحته فقط، بل لما تضمنه من دلالات؛ سوريا الجديدة لا تخشى اتخاذ خطوات غير تقليدية سعياً وراء السلام والاعتراف. لا يُجمّل الشرع تحديات سوريا؛ أكثر من مليون قتيل في مقابر جماعية، و12 مليون نازح، واقتصاداً يعتمد على أجهزة الإنعاش، وعقوبات لا تزال سارية، وميليشيات متنافسة متحصنة في الشمال». قال الشرع: «هذه ليست قصة خيالية. إنها مرحلة تعافٍ. والتعافي مؤلم».


مقالات ذات صلة

محاكمة سوري في برلين بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية

أوروبا من داخل قاعة محكمة العدل العليا في شونيبيرغ قبل افتتاح محاكمة زعيم ميليشيا سوري متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية... برلين 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

محاكمة سوري في برلين بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية

بدأت، الجمعة، في برلين محاكمة مواطن سوري وصل إلى ألمانيا كلاجئ عام 2015، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والقتل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الرئيس السوري يزور برلين الاثنين

يزور الرئيس السوري أحمد الشرع ألمانيا، حيث يلتقي المستشار فريدريش ميرتس، الاثنين، حسبما أفاد متحدث حكومي في برلين الجمعة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي أشخاص على دراجة نارية يمرون بجوار مركبة عسكرية محترقة بعد اشتباكات دامية في مدينة السويداء السورية يوم 25 يوليو 2025 (رويترز)

تحقيق أممي: أعمال العنف في محافظة السويداء السورية قد ترقى إلى «جرائم حرب»

قالت لجنة أممية إن أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء في جنوب سوريا في يوليو 2025، شهدت ارتكابات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي مهرجان خطابي بدعوة من وزارة الثقافة ومحافظة السويداء في ذكرى رحيل سلطان باشا الأطرش (محافظة السويداء)

خطف وضرب وتفتيش جوالات أثناء إحياء ذكرى سلطان الأطرش في بلدة سورية

قالت مديرية إعلام السويداء، إن ميليشيا «الحرس الوطني» (التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري)، اختطفت 6 أشخاص خلال إحياء ذكرى وفاة سلطان باشا الأطرش في بلدة القريا.

«الشرق الأوسط» (السويداء)

الصحة اللبنانية: مقتل 6 أشخاص وإصابة 8 في غارات إسرائيلية

رجل يقف بجوار الموقع الذي سقطت فيه شظايا صاروخ تم اعتراضه بمنطقة حارة صخر بقضاء كسروان شمال بيروت 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
رجل يقف بجوار الموقع الذي سقطت فيه شظايا صاروخ تم اعتراضه بمنطقة حارة صخر بقضاء كسروان شمال بيروت 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

الصحة اللبنانية: مقتل 6 أشخاص وإصابة 8 في غارات إسرائيلية

رجل يقف بجوار الموقع الذي سقطت فيه شظايا صاروخ تم اعتراضه بمنطقة حارة صخر بقضاء كسروان شمال بيروت 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
رجل يقف بجوار الموقع الذي سقطت فيه شظايا صاروخ تم اعتراضه بمنطقة حارة صخر بقضاء كسروان شمال بيروت 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، اليوم الجمعة، عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 8 آخرين في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، والضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت.

وأوضحت الصحة اللبنانية، في بيان، أن غارة إسرائيلية على بلدة السكسكية بقضاء صيدا جنوب لبنان، أدت في حصيلة أولية إلى مقتل 4 أشخاص وإصابة 8 آخرين بجروح، وفقاً للوكالة الوطنية للإعلام.

وشن الطيران الحربي الإسرائيلي، صباح الجمعة، سلسلة غارات استهدفت بلدات كفررمان والقليلة وأطراف بلدة المنصوري في جنوب لبنان، حيث طال القصف الجوي منزلاً في بلدة حانين، وأرضاً مفتوحة في كفررمان، بالإضافة إلى مبنى في منطقة العامرية قرب بلدة القليلة الجنوبية، وأطراف بلدة المنصوري.

وفي سياق متصل، ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام»، اللبنانية الرسمية، أن المدفعية الإسرائيلية قصفت صباح اليوم مداخل بلدة بيت ليف وأطراف بلدات دبل والقوزح والناقورة ومنطقة حامول في جنوب لبنان.

كما أفادت الوكالة بأن الطيران المسيّر الإسرائيلي استهدف فجراً منزلاً في بلدة كفررمان الجنوبية، في حين تعرّض عدد من قرى القطاع الغربي لقصف مدفعي مركز، وطالت الغارات الجوية فجراً منطقة تحويطة الغدير في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ووجّه الجيش الإسرائيلي صباح الجمعة إنذاراً عاجلاً إلى سكان قرية سجد في جنوب لبنان، طالبهم فيه بإخلاء منازلهم فوراً والانتقال إلى شمال نهر الزهراني.


مفوضية اللاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب حرب الشرق الأوسط

خيام لنازحين من الجنوب اللبناني في وسط بيروت (رويترز)
خيام لنازحين من الجنوب اللبناني في وسط بيروت (رويترز)
TT

مفوضية اللاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب حرب الشرق الأوسط

خيام لنازحين من الجنوب اللبناني في وسط بيروت (رويترز)
خيام لنازحين من الجنوب اللبناني في وسط بيروت (رويترز)

حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، اليوم الجمعة، من أن لبنان يواجه أزمة إنسانية متفاقمة تنذر بالتحول إلى كارثة، وذلك بعد نحو شهر من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

وأفادت المفوضية بأن أكثر من مليون شخص في هذا البلد أُجبروا على الفرار من منازلهم منذ الثاني من مارس (آذار)، حين اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ، ممثلة المفوضية في لبنان، للصحافيين في جنيف متحدثة من بيروت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية».


«حماس» سترد على خطة نزع السلاح بطلب تعديلات

نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)
نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)
TT

«حماس» سترد على خطة نزع السلاح بطلب تعديلات

نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)
نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

كشفت مصادر من حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى، أن هناك حالة من التشاؤم تسيطر على موقف الفصائل، التي تنشط داخل القطاع، من الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولا ميلادينوف، لقيادات من الحركة بشأن خطة نزع السلاح بشكل كامل ومن دون استثناءات من قطاع غزة.

وقال مصدران من «حماس» من داخل قطاع غزة وخارجه لـ«الشرق الأوسط»، إن الحركة تتجه لرفض جزئي لخطة نزع السلاح المطروحة، وستطالب بإجراء تعديلات عليها من أجل أن تكون أكثر إنصافاً للفلسطينيين، وخاصةً أنها لا تلزم إسرائيل بشكل واضح بتنفيذ بنود المرحلة الثانية، ولا حتى بإلزامها باستكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى.

في حين قال مصدر ثالث من الحركة وفصيل فلسطيني بارز من داخل القطاع، إن المناقشات مستمرة داخلياً لدى كل فصيل وعلى المستوى الوطني الجماعي، ورغم السلبيات الكبيرة فيما عُرض، فإنه سيتم التعامل بإيجابية، مع التأكيد على الاحتفاظ بحقوق الفلسطينيين، مؤكداً أنه سيتم تقديم رد فلسطيني موحد لا يمنح الخطة موافقة كاملة، وإنما سيطالب بتوضيحات وضمانات وإجراء تعديلات واضحة على العديد من البنود.

 

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح المرشح لمنصب مدير «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف في القدس (إ.ب.أ)

ورغم أن الخطة التي نُشرت في بعض وسائل الإعلام وأكدتها المصادر، تشير إلى التنفيذ «خطوة بخطوة» من قبل الجانبين، فإن «حماس» والفصائل ترى أنها تخدم إسرائيل بشكل أكبر، ولا تلزمها بتنفيذ ما عليها. كما تؤكد المصادر أنها تهدف لنزع سلاح القطاع بشكل كامل سواء الخفيف أو الثقيل، وحتى الشخصي الذي يمكن لشخصيات مطلوبة لإسرائيل الاحتفاظ به للدفاع عن نفسها عند أي حالة.

وقال مصدر رابع من فصيل فلسطيني بارز، إن الخطة هدفها إعادة تشكيل واقع قطاع غزة سياسياً وأمنياً، وتفكيك بنية «المقاومة»، والمقابل فقط مجرد إجراءات إنسانية وإدارية لا تحفظ للفلسطينيين أياً من حقوقهم وثوابتهم السياسية والوطنية، وإن مبدأ «الخطوة مقابل الخطوة» هو مجرد مبدأ شكلي لا قيمة له، في ظل أن الشروط تفرض على الفصائل تقديم خطوات استراتيجية تشمل نزع سلاحها بالكامل والتخلي عن كل صلاحياتها، وحتى منع إقامة أي أعمال عسكرية، وربما لاحقاً منعها من القيام بأي نشاطات سياسية بحجج واهية، وإجبارها على تدمير أنفاقها بنفسها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، مقابل مجرد تقديم حزم إنسانية مؤقتة.

ويقول مصدر من «حماس» في قطاع غزة: «من غير المقبول نزع السلاح بهذه الطريقة، التي من الواضح أن إسرائيل تريدها وفق شروطها التي فرضتها في إطار الخطة من دون الأخذ في الاعتبار المطالب الفلسطينية»، مؤكداً أن من «حق الشخصيات المطلوبة والنشطاء البارزين الاحتفاظ على الأقل بسلاحهم الشخصي للدفاع عن أنفسهم، في ظل التحركات الكبيرة من القوات الخاصة الإسرائيلية، وكذلك العصابات المسلحة ونشاطاتها المستمرة في اغتيال وقتل المقاومين، وهو أمر تؤسس إسرائيل لاستخدامه مجدداً من دون استخدام الطائرات وغيرها من الأسلحة التي لا تشير إلى اتهام مباشر لها، بما يخدم مصالحها في تنفيذ عمليات اغتيال ونسبتها لجرائم قتل عادية؛ ولذلك فإن مثل هذه الخطوة مرفوضة تماماً».

وتنص المبادئ العامة للخطة على ضرورة استكمال الالتزامات المتبقية من المرحلة الأولى ومن دون تأجيل، وإدخال مواد الإعمار والمواد ثنائية الاستخدام للمناطق التي يتم التحقق من حصر السلاح فيها وتخضع لإدارة اللجنة الوطنية، وهو أمر رأت «حماس» أنه يهدف إلى ربط قضية الإعمار ودخول اللجنة إلى مناطق في القطاع بتسليم السلاح.

 

خيام تؤوي نازحين حول ميناء غزة (أ.ف.ب)

وتقول المصادر من «حماس» إن هذا يتنافى تماماً مع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي قُدمت للحركة إبان مفاوضات وقف إطلاق النار في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، مبينةً أن الخطة الأصلية تنص على وضع السلاح جانباً وفقاً لخطة يتم التفاوض عليها، وليس من خلال فرضها على الفصائل ممهورةً برسائل تهديد كما يجري حالياً.

وأشارت المصادر إلى أن خطة «مجلس السلام» التي قدمها ميلادينوف، لا تلزم إسرائيل بالانسحاب الكامل، وإنما تتحدث عن انسحاب جزئي على مراحل من دون محددات واضحة، كما أنها لا تلتزم بإعادة إعمار حقيقية، وإنما يدور الحديث بشكل أساسي عن منازل مؤقتة (كرفانات)، مع السماح بإدخال مواد الإعمار من دون توضيح الكميات والهدف منها، وما إذا كان ذلك سيكون مخصصاً فقط للبنية التحتية والمستشفيات والمدارس وغيرها، أم أنه سيشمل إعادة إعمار حقيقية متكاملة تشمل منازل ومباني السكان.

وبينت المصادر أن الخطة تسمح لإسرائيل بالتصرف عسكرياً في حال لم تستطع اللجنة الوطنية القيام بمهامها، للتعامل مع ما وصفته بـ«تهديد خطير محتمل»، وذلك في المناطق التي يتم فيها حصر السلاح، معتبرةً أن هذا يسمح لجيش الاحتلال باختلاق ذرائع كما يفعل حالياً لاغتيال نشطاء الفصائل الفلسطينية.

ومن بين ما تحتج عليه «حماس»، إصرار «مجلس السلام» على عدم وجود أي موظفين حكوميين من الحركة يخدمون لدى اللجنة التي ستدير غزة، وهو أمر بُحث خلال اللقاء الذي جمع قيادة الحركة مع ميلادينوف في القاهرة مؤخراً، وسيتم مزيد من المحادثات بشأنه.

وتنص خطة «مجلس السلام» على أن تتوقف «حماس» عن ممارسة أي سلطات مدنية أو أمنية في قطاع غزة، وألا تقوم بأي وظائف تتعلق بالحكم أو الأعمال الشرطية والإدارية.

وتسعى «حماس» للتوصل لاتفاق يتعلق بأن يتم دمج موظفيها الحكوميين بعد إجراء فحص أمني عليهم، في حين يستثنى كبار الضباط وغيرهم ممن ترفض إسرائيل أن يكونوا جزءاً من أي حكم سلطوي في غزة.

ومنذ أن أبدى قادة في «حماس» غضبهم تجاه ميلادينوف، وخاصةً بعد تصريحاته أمام مجلس الأمن الدولي، لم تتوقف الآلة الإعلامية في الحركة، من مواقع ووسائل إعلام مختلفة، عن توظيف لقاءات مع شخصيات فصائلية وعشائرية ومحللين وكتّاب وغيرهم، لتوظيف أصواتهم لصالح الدفاع عن رؤيتها.