هور الحويزة في الحدود الإيرانية - العراقية مهدَّد بسبب التنقيب النفطي

سكانه يتمسّكون بمحميّتهم خشية الجفاف

ناشط بيئي يستخدم عصاه لقياس عمق المياه الضحلة بأهوار الحويزة المتقلصة أثناء زيارة ميدانية لهذه الأراضي الرطبة التي تفصل العراق عن إيران في محافظة ميسان جنوب شرقي البلاد (أ.ف.ب)
ناشط بيئي يستخدم عصاه لقياس عمق المياه الضحلة بأهوار الحويزة المتقلصة أثناء زيارة ميدانية لهذه الأراضي الرطبة التي تفصل العراق عن إيران في محافظة ميسان جنوب شرقي البلاد (أ.ف.ب)
TT

هور الحويزة في الحدود الإيرانية - العراقية مهدَّد بسبب التنقيب النفطي

ناشط بيئي يستخدم عصاه لقياس عمق المياه الضحلة بأهوار الحويزة المتقلصة أثناء زيارة ميدانية لهذه الأراضي الرطبة التي تفصل العراق عن إيران في محافظة ميسان جنوب شرقي البلاد (أ.ف.ب)
ناشط بيئي يستخدم عصاه لقياس عمق المياه الضحلة بأهوار الحويزة المتقلصة أثناء زيارة ميدانية لهذه الأراضي الرطبة التي تفصل العراق عن إيران في محافظة ميسان جنوب شرقي البلاد (أ.ف.ب)

داخل مضيف قصب يجتمع فيه قرويون قلقون من خطط الحكومة العراقية للتنقيب عن النفط في هَور الحويزة، يؤكد الناشط مرتضى الجنوبي بصوت عالٍ رفضه القاطع هذه الخطوة في حين يومئ له الحاضرون.

في قرية أبو خصاف الواقعة في محافظة ميسان بجنوب العراق، يتكمّش سكّان وناشطون بمسطّحهم المائي، محاولين تجنيبه مزيداً من الأضرار بعد سنوات من الجفاف وشحّ إمدادات المياه.

وسيؤدي التنقيب عن النفط في هذه المنطقة إلى «اختفاء الإرث الأهواري والحضارة الجنوبية وهويتها، إلى الأبد»، حسبما يقول الجنوبي (33 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» خلال جولة في الهور الواقع على الحدود مع إيران.

ألسنة لهب تتصاعد من مشاعل غاز في مصفاة قرب أهوار الحويزة الواقعة على الحدود بين العراق وإيران بمحافظة ميسان جنوب شرقي البلاد (أ.ف.ب)

ومن شأن «حقل النفط هذا أن يُنهي حقبة الأهوار» وعمرها آلاف السنوات، وفق قوله.

ففي عام 2023، فازت شركة نفط صينية بمناقصة لاستكشاف حقل الحويزة النفطي، في وقت تعزز الصين وجودها في العراق الغني بالموارد النفطية، حتى أصبحت لاعباً رئيساً في مختلف القطاعات وأحد أكبر مستوردي الخام العراقي.

غير أن الكثير من القرويين يقولون إنهم لم يستوعبوا بشكل كامل وقتها الآثار المترتّبة على هذا التطور، وكيف سيؤثر على نمط حياتهم الذي لم يتبدّل على مرّ آلاف السنوات.

ولم يشعروا فعلياً بـ«التهديد» إلّا عندما وصلت معدات ثقيلة إلى المستنقعات في مارس (آذار) لإجراء مسح زلزالي وفتح طريق ترابية جديدة.

غير أن وزارتَي النفط والبيئة تؤكدان عدم تعريض المستنقعات للخطر، وتعاونهما الوثيق في سبيل اقتصار الأنشطة على المنطقة المحيطة بالهور.

«الأهوار لنا»

تحتضن محافظة ميسان حقولاً نفطية عدة بما في ذلك حقل تديره شركة صينية على بُعد كيلومترات قليلة من الأهوار المستنزفة، وتصبغ انبعاثاته السماء بدخان رمادي كثيف تخترقه شعلة غاز محترق ويمكن للصيادين رؤيتها من قواربهم في مياه الأهوار.

وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) الأهوار الممتدة في جنوب العراق بين نهري دجلة والفرات على قائمة التراث العالمي في عام 2016.

وتتغذى الأهوار بشكل أساسي من أنهار وروافد تنبع من تركيا وإيران المجاورتين. وتشهد بانتظام مواسم من الجفاف القاسي عوّضت عنها لاحقاً مواسم أمطار جيدة.

يعرض أحد الصيادين صيده في أهوار الحويزة المتراجعة جنوب شرقي محافظة ميسان العراقية قرب الحدود مع إيران (أ.ف.ب)

وفي السنوات الأخيرة، تضررت هذه المناطق جرّاء موجات جفاف وتراجع بنسبة المتساقطات وبتدفقات مياه الأنهار التي انخفض منسوبها. وأثّر نقص المياه بشدّة على النظام البيئي والتنوع البيولوجي ومربّي الجواميس والصيادين والمزارعين.

ويتهم الناشطون والسكان السلطات بتقنين تدفق المياه إلى الأهوار لتغطية الاحتياجات المختلفة.

ويقلّ منسوب المياه حالياً في أنحاء كبيرة من الأهوار عن متر، في حينا لا يتجاوز عمق بحيرة أم النعاج التي كانت تعجّ بالأسماك في الماضي، ثلاثة أمتار مقارنة بما لا يقلّ عن ستة أمتار قبل سنوات عدة.

لكن مع ذلك، يقول الجنوبي: «حتى لو أننا نمرّ بأزمة مياه، نريد أن تبقى الأهوار لنا حتى لو أصبحت مجرد أماكن صحراوية ولم تبق الجواميس (...) ونرفض حقل النفط»، مضيفاً: «نتأمّل خيراً بموسم مطري يُعيد الأهوار بعد عام أو عامَين».

ويتوقع السكان المحليون أن تجفّ الأهوار بشكل كامل هذا الصيف.

يجدف الصياد كاظم علي (80 عاماً) بقاربه في أم النعاج بينما يزيل صديقه الأسماك التي علقت في شبكتهما.

ويقول علي إن البعض قد يحصل على فرصة عمل بفعل أعمال التنقيب: «لكن نحن الناس العاديين غير مستفيدين من شيء»، موضحاً: «جلّ ما نريده هو أن تعود المياه لأم النعاج».

الحماية «لا تتعارض مع الاستثمار»

في فجر أحد أيام مارس (آذار) الباردة، قاد نور الغرابي (28 عاماً) جواميسه إلى المستنقعات لترعى بسلام كالمعتاد، غير أنه فوجئ برؤية عمال ومركبات تمدّ كابلات وتحفر ثقوباً، حتى أن إحدى جواميسه تعثرت في أحد الكابلات.

صياد يجلس داخل قاربه وسط مياه أهوار الحويزة الآخذة في الانحسار على الحدود الفاصلة بين العراق وإيران (أ.ف.ب)

ويقول الغرابي: «لا أريد وظيفة (في شركة النفط)، أريد فقط الحفاظ على المكان الذي عشت فيه»، مضيفاً: «الهور أمامي مذ أبصرت النور، وكذلك الحرية التي يوفّرها».

وتُظهر صور أقمار اصطناعية من شركة «بلانيت لابز»، آثاراً لمركبات ثقيلة في مارس لم تكن موجودة في صور من وقت سابق هذا العام.

ويشرح ويم زفيننبرغ من منظمة «باكس» الهولندية لبناء السلام، أن هذه الصور تُظهر «إنشاء طريق ترابية بطول 1.3 كيلومتر في الغطاء النباتي للأهوار».

ويقول إن «بناء طريق بهذه السرعة يستلزم معدات ثقيلة».

وتضمّ الأهوار منطقة أساسية تُشكّل موطناً لمختلف الأنواع البيولوجية، بما فيها الطيور المائية المهاجرة. وتحيط بهذه المساحة منطقة فاصلة غرضها الحماية.

ويتهم ناشطون عراقيون وزارة النفط ببدء دراسات زلزالية في قلب الهور دون إجراء تقييم للأثر البيئي.

غير أن «شركة نفط ميسان» التابعة لوزارة النفط العراقية نفت بدء أي نشاط قد يعرّض الأراضي الرطبة في هذه المنطقة للخطر، مؤكدة أنها لم تبدأ أي مسح زلزالي في هور الحويزة إنما المعدات التي دخلت المنطقة كانت تجري مسحاً تابعاً لحقل مجاور وانسحبت في ما بعد.

واكتُشف حقل الحويزة النفطي في سبعينات القرن المنصرم، ويتشاركه العراق مع إيران التي تستخرج منه النفط منذ زمن طويل.

وتشير «شركة نفط ميسان» إلى أنه «من الطبيعي أن تستغل وزارة النفط هذا الحقل النفطي المشترك من دون إلحاق أضرار بالحياة الطبيعية في الهور»، منوّهة بأن «مساحة التقاطع بين الجزء الجنوبي من الحقل وهور الحويزة، هي 300 كيلومتر مربّع وتمثّل المنطقة العازلة».

وفي سبتمبر (أيلول) 2024، انتهت دراسة الأثر البيئي، والتي ستشكّل «خط الأساس للعمل في الحقل» حين تتم المصادقة عليها.

وتلفت الشركة إلى أنها تفاوضت مع اللجنة الوطنية لإدارة الأهوار ووزارة الموارد المائية «لحلّ مسألة تداخل جزء من حقل الحويزة مع المنطقة العازلة لهور الحويزة، مع وجود إمكانية للعمل في المنطقة غير المشمولة بالتراث العالمي».

ويقول وكيل وزير البيئة جاسم الفلاحي إن إعلان أن موقعاً ما محمي «لا يتعارض مع الاستثمار».

غير أن الاستثمار «يجب أن يتم بشروط ومعايير محددة لا تلامس الأنشطة بموجبها المنطقة المركزية ولا تقترب منها (...) ولا تؤثر على طبيعة الموقع والتنوع الحيوي فيه»، بحسب الفلاحي الذي يرأس اللجنة الوطنية للمواقع الطبيعية المحمية.

وتقول «يونيسكو» لـ«وكالة الصحافة الفرسية» إن المنظمة الأممية تواصل مراقبة عمليات الحفاظ على الموقع، لكنها «أعربت في السنوات الأخيرة عن قلق» من التأثير المحتمل لتطوير النفط والغاز.

وسبق أن شددت لجنة التراث العالمي بالمنظمة على أهمية ألا «تضرّ» الأنشطة النفطية بالموقع أو تتعدى على حدوده.

«التوازن»

وفي الجانب الإيراني، باتت حياة هور الحويزة مهددة بالخطر بعد تراجع منسوب مياه نهر الكرخة الذي يعد المصدر الرئيسي منذ آلاف السنين للهور؛ وذلك بسبب تشييد سدود في الجانب الإيراني على روافد النهر في سياق مخطط للسلطات بهدف تحويل مجرى النهر من المناطق الغربية في جبال زاغروس إلى مناطق وسط الهضبة الإيرانية.

ويقول الناشطون البيئيون في الجانب الإيراني، إن شركات النفط تتعمد تجفيف الأهوار لتفادي نفقات استخراج النفط من الأراضي الرطبة، والأماكن العميقة.

وأقرَّت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» مطلع هذا العام، باستمرار بالتأثير البيئي للأنشطة النفطية في الهور المعروف في إيران بـ«هور العظيم».

وقالت الوكالة إنه بعد أقل من عقدين من المشاريع النفطية، أصبحت أجزاء كبيرة من الأراضي الرطبة منصات نفطية. وحذَّرت من أن الشركات قد أعاقت تدفق المياه وجففت أجزاء من الأراضي الرطبة لبناء بنيتها التحتية. وألقت باللائمة على حقول النفط في تلويث الموارد المائية؛ ما أثر على التنوع البيولوجي في المنطقة.

يجتمع نشطاء بيئيون مع السكان الأصليين لأهوار الحويزة المتقلصة التي تمتد بمحاذاة الحدود العراقية - الإيرانية في قلب محافظة ميسان جنوب شرقي البلاد (أ.ف.ب)

ويقول الناشط البيئي العراقي أحمد صالح نعمة: «نحن في حاجة إلى النفط وللأهوار (...) ولخلق نوع من التوازن بين هاتين الثروتين الكبيرتَين».

لكن في حين تحمل الموارد النفطية أهمية بالغة بالنسبة للاقتصاد العراقي إذ تؤمّن 90 في المائة من مداخيله، تُشكّل الأهوار «بيئة» بكاملها لسكّانها و«اقتصاداً لا يمكنهم العيش من دونه».

ويقرّ نعمة بأهمية دراسة الأثر البيئي، لكنه يعرب مع ذلك عن خشيته من ألّا تلتزم شركات النفط بالمعايير ومن أن تزيد من استنزاف الأهوار.

ويوضح: «إنها تراثنا وفولكلورنا وسُمعة العراق».

وبعد نقاش طويل بين نعمة والجنوبي وسكان المنطقة في مضيف أبو خصاف، أكّد الجنوبي أن «المنطقة أساساً مليئة بالحقول النفطية»، مضيفاً: «اتركوا لنا الهور».


مقالات ذات صلة

تأجيل زيارة وفد نيابي إلى أربيل لإقناع «الديمقراطي» بالعودة إلى بغداد

المشرق العربي قلعة أربيل في كردستان (متداولة)

تأجيل زيارة وفد نيابي إلى أربيل لإقناع «الديمقراطي» بالعودة إلى بغداد

أرجأ وفد من البرلمان الاتحادي زيارة كانت مقررة، الأحد، إلى أربيل، في مسعى لإقناع كتلة الحزب «الديمقراطي» الكردستاني بالعودة إلى بغداد.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد خط أنابيب بين العراق وتركيا داخل محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (رويترز)

العراق يدرس مشروعاً لتأمين نقل النفط عبر موانئ تركية وسورية وأردنية

صرح رئيس الحكومة العراقية بأن مشروع خط أنابيب النفط «بصرة - حديثة - متعدد الاتجاهات» سيضمن المرونة في نقل النفط باتجاه موانئ جيهان وبانياس والعقبة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

العراق يدخل مرحلة الفراغ الدستوري حكومياً

دخل العراق في فراغ دستوري على مستوى الحكومة مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي من ذلك.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عالمية أمير العماري لاعب خط وسط نادي كراكوفيا البولندي والمنتخب العراقي (الاتحاد العراقي)

أمير العماري… نجم ضمن رموز جيل الحلم الذي أعاد العراق إلى المونديال

بعد أربعة عقود من الغياب، يعود منتخب العراق إلى المسرح العالمي من بوابة جيل جديد كتب اسمه في التاريخ، جيلٌ لم يكتفِ بالحلم بل حوّله إلى واقع.

فاتن أبي فرج (بيروت)
خاص السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبو فدك (إعلام حكومي)

خاص مقاربة من 5 خطوات لـ«تفكيك الميليشيات» العراقية

رغم مطالب أميركية متواصلة للسلطات العراقية بكبح الفصائل، وتفكيكها، يلاحظ مراقبون الغياب شبه الكلي لهذا الملف عن اجتماعات قادة «الإطار التنسيقي».

فاضل النشمي (بغداد)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
TT

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة»، فيما توعد «حزب الله» بالرد على أي خرق، قائلاً في بيان إن «المقاومة حاضرة وجاهزة للدفاع عن أرضها وشعبها، وهو حق تكفله المواثيق الدولية».

وبدأت المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة لدى لبنان، جينين هينيس بلاسخارت، الأحد، زيارة رسمية إلى تل أبيب حيث من المقرر أن تلتقي خلالها مع كبار المسؤولين الإسرائيليين.

وأفاد مكتبها الإعلامي بأن المحادثات «ستتمحور حول الفرص المتاحة لتثبيت وقف الأعمال العدائية وتمهيد الطريق نحو استقرار دائم في لبنان وشمال إسرائيل».

تحركات لخفض التصعيد

ولا تحمل بلاسخارت إلى تل أبيب أي مبادرة لبنانية جديدة، بالنظر إلى وجود الآلية القائمة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهي الهدنة الممدة ثلاثة أسابيع، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة للتحركات، وأشارت المصادر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن التطورات الأخيرة يومي السبت والأحد، «استدعت تحركات لخفض التصعيد، وإعادة تثبيت الهدنة في الجنوب» على ضوء ما وصفته بـ«التصعيد الخطير» في الجنوب.

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ودخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 17 أبريل (نيسان). وبينما كان من المقرر أن يمتد عشرة أيام، أعلن ترمب في 23 من الشهر نفسه، تمديده لثلاثة أسابيع إضافية. وبموجب نص الاتفاق الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية، تحتفظ إسرائيل بحرية اتخاذ «كل التدابير الضرورية للدفاع عن نفسها في أي وقت بمواجهة الهجمات المخطط لها والوشيكة والمتواصلة».

نتنياهو

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، حيث يتبادل الطرفان الاتهامات بانتهاكه منذ سريانه قبل أقل من أسبوعين.

وقال نتنياهو في مستهل الاجتماع الأسبوعي للحكومة: «يجب أن يكون مفهوماً أن انتهاكات (حزب الله) تقوض وقف إطلاق النار». وأضاف: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات، وهو أمر بديهي، بل أيضاً لإحباط التهديدات الفورية وحتى التهديدات الناشئة».

«حزب الله» يتجنب اتفاق 2024

ويرفض «حزب الله» وقف إطلاق النار «من جانب واحد»، حسبما تقول مصادر لبنانية مطلعة على مواقفه، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب «يتجنب ما حصل في عام 2024 (بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تلا الحرب الماضية) حين كانت إسرائيل تقصف وتحتل وتنسف المباني وتمنع السكان من العودة، فيما كان الحزب يلتزم الصمت». وقالت المصادر إن الحزب «يرد على خروقات الاتفاق الممدد، ويرى أنه معنيّ بعدم السماح لإسرائيل خلال الهدنة، بتنفيذ ما لم تنفذه حين كان القتال على أشده».

آليات عسكرية إسرائيلية في إحدى قرى جنوب لبنان (رويترز)

ودان «حزب الله» اتهامات نتنياهو وقوله إن «(حزب الله) هو من يقوّض وقف إطلاق النار»، وأن للعدو حقاً في «حرية العمل» في لبنان «وفقاً للاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية ولبنان». وحذر الحزب «بشدة من الخطورة البالغة لتصريحه لجهة محاولة توريط السلطة اللبنانية في اتفاق ثنائي حصل فقط بينه وبين واشنطن، ولم يكن للبنان أي رأي فيه أو موقف منه، وبالتالي فهو لم يوافق عليه».

وهاجم «حزب الله» في بيان، مسار المفاوضات، قائلاً إن «السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مخزية مع ممثلي كيان غاصب لقيط يستبيح أرضها وسيادتها ويواصل قتل شعبها، والسير بمسارات تشرع لهذا العدو اعتداءاته».

وتابع الحزب: «تقف السلطة اليوم صامتة عاجزة عن القيام بأبسط واجباتها الوطنية تجاه أرضها وشعبها، متفرجة على العدو وهو ينسف البيوت ويحرق الأخضر واليابس، وهي مطالبة بتوضيح صريح لشعبها عمّا يتذرع به العدو من اتفاق معها يمنحه حرية الاعتداء والتدمير والقتل».

وأكد أن «استمرار العدو في خرقه لوقف إطلاق النار، وفي اعتداءاته من قصف وتجريف وتدمير للمنازل أو استهداف للمدنيين، وقبل ذلك كله، استمراره في احتلال الأراضي اللبنانية وانتهاكاته لسيادتها، سيقابل بالرد والمقاومة الحاضرة والجاهزة للدفاع عن أرضها وشعبها، وهو حق تكفله المواثيق الدولية»، مضيفاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها، ولا على سلطة متخاذلة عن حماية وطنها، فأبناء هذه الأرض هم الضمانة الحقيقية في مواجهة هذا العدوان ودحر الاحتلال».

دعم مسار التفاوض

وبدأ لبنان وإسرائيل قبل أسبوعين مسار اللقاءات المباشرة بين سفيرَي البلدين، تمهيداً لبدء مفاوضات مباشرة بين الطرفين لإنهاء حالة الصراع. وخلافاً لـ«الثنائي الشيعي»، تدعم قوى سياسية لبنانية هذا المسار، كما تدعم البطريركية المارونية هذا المسار.

وقال البطريرك الماروني، بشارة الراعي، في عظة الأحد: «لبنان اليوم يعيش حالة بين رجاء وخوف، بين انتظار وقلق، بين هدنة نترقب ثباتها، وواقع لا يزال هشاً. نعيش زمناً ننتظر فيه أن تدوم هدنة وقف إطلاق النار، نراقب بحذر، نأمل في المفاوضات الجارية. لكننا نبقى يقظين، لأن التجارب علمتنا أن الاستقرار لا يُبنى على التمنيات فقط، بل على العمل الدؤوب». وأكد الراعي «أننا نرفض الحرب، ونتوق إلى السلام، لكن السلام لا يكون شعاراً فقط، بل يحتاج إلى قرار، إلى إرادة، إلى عمل جدي، إلى طرح السلاح جانباً».


«حزب الله»: السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير

أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)
أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله»: السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير

أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)
أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)

قال «حزب الله» اللبناني، اليوم الأحد، إن «السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير» عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مع ممثلي «من يستبيح أرضها وسيادتها ويواصل قتل شعبها، والسير بمسارات تشرع لهذا العدو اعتداءاته».

وأضاف «حزب الله»، في بيان، أن «السلطة اللبنانية ادعت أن شرطها الأساسي في الذهاب إلى اجتماعها المشؤوم في واشنطن مع العدو هو المطالبة بوقف اعتداءاته وبدء انسحابه من أراضينا المحتلة، إلا أننا لم نسمع منها تصريحاً علنياً وواضحاً يشترط ذلك».

وتابع: «بل على العكس، ما صدر عن ممثلة لبنان هو فقط مديح بحق الرئيس الأميركي، شريك العدو في سفك دماء اللبنانيين، ممّا شجّع العدو على الاستمرار في اعتداءاته وخروقاته».

وأكد «حزب الله» إدانته لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الحزب هو من يقوض وقف إطلاق النار، وأكد أن مواصلة استهداف القوات الإسرائيلية داخل لبنان هو «ردّ مشروع على خروقاته المتمادية لوقف إطلاق النار منذ اليوم الأول لإعلان الهدنة المؤقتة، والتي تجاوزت 500 خرق براً وبحراً وجواً، من قصف ونسف وتدمير للبيوت، وأدت إلى سقوط عشرات الشهداء».

وشدد «حزب الله»، في بيانه، على أن «استمرار العدو في خرقه لوقف إطلاق النار، وفي اعتداءاته من قصف وتجريف وتدمير للمنازل أو استهداف للمدنيين، وقبل ذلك كله، استمراره في احتلال الأراضي اللبنانية وانتهاكاته لسيادتها، سيقابل بالرد».

ويتأرجح وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، رغم إعلان ترمب تمديده لثلاثة أسابيع، الخميس، وحديثه بنبرة متفائلة عن آفاق السلام بين البلدين عقب جلسة تفاوض على مستوى السفراء عقدت في البيت الأبيض.

وفي ظل تبادل الطرفين الاتهامات بانتهاك الهدنة، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن «حزب الله» «يقوّض» الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ اعتباراً من 17 أبريل (نيسان). وكانت مدته الأولية عشرة أيام، لكن ترمب أعلن تمديده لثلاثة أسابيع إضافية.

وقال نتنياهو، في اجتماع للحكومة، «يجب أن يكون مفهوماً أن انتهاكات (حزب الله) تقوض وقف إطلاق النار».

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية عن غارة على بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان، الأحد، بعد إنذار من الجيش الإسرائيلي بإخلائها مع ست قرى أخرى، في ما قال إنه رد على «خرق» «حزب الله» لاتفاق وقف إطلاق النار.

وقبل الغارات الأخيرة، أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن ضربات إسرائيلية يومي الجمعة والسبت في أنحاء جنوب لبنان، أسفرت عن مقتل 12 شخصاً.

وقُتل 2496 شخصاً وأصيب أكثر من 7700 في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس (آذار)، بحسب أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة السبت. كما نزح أكثر من مليون شخص بسبب النزاع.


لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)
TT

لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)

شكّل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط محطة بارزة ركّزت على جملة من الملفات المرتبطة بالعلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا، والتحديات المشتركة التي يواجهها البلدان، بالإضافة إلى معالجة ذيول الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء السورية.

ورغم أن الزيارة إلى دمشق تكتسب أهمية خاصة من حيث التوقيت والمضمون، لا سيما أنها أتت في ظل تطورات لبنانية وإقليمية معقدة للغاية، فقد اكتفى البيان الذي أصدره الحزب الاشتراكي، بالتأكيد على أن الزيارة شددت على «تحسين العلاقات اللبنانية - السورية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، وإسقاط نظرية حلف الأقليات والأخذ باعتبار الروابط الاجتماعية والجغرافية، ودعم استقرار لبنان»، مشيراً إلى أنه «جرى التأكيد على وحدة سوريا بكل أطيافها، وطمأنة كل مكونات الشعب السوري ومعالجة الأحداث الأليمة (في إشارة إلى أحداث السويداء)».

فيما قال البيان الرئاسي السوري المختصر إن الرئيس أحمد الشرع التقى الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط والوفد المرافق له في قصر الشعب بدمشق. وجرى خلال اللقاء بحث مستجدات التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة.

أمين سر كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب هادي أبو الحسن شارك في لقاء جنبلاط والشرع في دمشق السبت (سانا)

تطوير العلاقات

في هذا السياق، أوضح أمين سر كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب هادي أبو الحسن، الذي رافق جنبلاط إلى دمشق، أن الزيارة «بحثت بالعمق تطوير وتوطيد العلاقات اللبنانية - السورية على قاعدة احترام سيادة واستقلال البلدين، مع الأخذ في الاعتبار الروابط الجغرافية والتاريخية والاجتماعية التي تجمعهما».

وأكد أبو الحسن لـ«الشرق الأوسط» أن سوريا «تبقى الدولة العربية الوحيدة التي تربطها حدود مباشرة بلبنان، وأن القيادة السورية الحالية تسعى إلى إعادة صياغة هذه العلاقة انطلاقاً من واقع جديد، حيث انتهى زمن الوصاية السورية مع رحيل بشار الأسد»، مشيراً إلى أن «بعض الأطراف في سوريا وإسرائيل تحاول إحياء ما يُعرف بـ(حلف الأقليات)، إلا أن هذا الطرح لم يعد قائماً في نظر القيادة السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد، كما أن دمشق تركّز على مصالحها الاستراتيجية ضمن محيطها العربي».

نوايا إسرائيلية بإقامة «خط أصفر»

وبتقاسم لبنان وسوريا خطر الاعتداءات الإسرائيلية على سيادة البلدين، شدد أبو الحسن على أن المحادثات بين الشرع وجنبلاط «تناولت خطر التصعيد الإسرائيلي ضدّ لبنان وسوريا، ووجود هواجس مشتركة من نوايا إسرائيلية بإقامة (خط أصفر) في جنوب لبنان يمتد من الناقورة إلى جبل الشيخ، مع احتمالات توسعه ليشمل مناطق في جنوب سوريا».

وقال: «هذا التوجه يعكس قلقاً مشتركاً من وجود مخطط إسرائيلي خطير، ما يستدعي تنسيقاً وجهداً مشتركاً لمواجهته واستثمار علاقات البلدين بالدول الشقيقة والصديقة».

أحداث السويداء

واستأثرت أحداث السويداء بجانب كبير من المحادثات بين الشرع وجنبلاط، خصوصاً أن الأخير لعب دوراً بارزاً في معالجة تداعياتها والحدّ من خطر تمددها، ورفضه المطلق لمطلب ضمّ السويداء إلى إسرائيل أو المطالبة بتأمين حماية إسرائيلية للمنطقة.

أمين سر كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب هادي أبو الحسن شارك في لقاء جنبلاط والشرع في دمشق السبت (سانا)

وقال أبو الحسن: «ركّزت المباحثات على ضرورة معالجة تداعيات أحداث السويداء الأليمة، والعمل على استكمال نتائج اللقاء الذي عُقد في عمّان بمشاركة سوريا والأردن والولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن النائب السابق وليد جنبلاط «جدد التأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا وتعزيز دور الدولة المركزية، بما يضمن المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، ويحول دون بروز أي قوى تنازع الدولة على سيادتها».

وشهدت العلاقات اللبنانية السورية تحسناً ملحوظاً، برزت من خلال التنسيق بينهما لضبط الحدود ومنع التهريب بالاتجاهين، إلّا أن هناك قلقاً سورياً بعد المعلومات عن ضبط أنفاق في الداخل السوري لتهريب السلاح إلى لبنان، والمعلومات التي تحدثت عن توقيف خلية أمنية في دمشق مرتبطة بـ«حزب الله». وتحدث أبو الحسن عن ضرورة «تبديد الهواجس لدى البلدين بما يحفظ أمنهما، والعمل على بناء الثقة بين المؤسسات الرسمية لديهما».