هل يحمل أبو مازن إلى بيروت خطة لجمع السلاح الفلسطيني؟

لأن لبنان يراعي المحاذير الأمنية ويقارب المسألة بمسؤولية

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قادة الأجهزة الأمنية في وقت سابق (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قادة الأجهزة الأمنية في وقت سابق (رئاسة الجمهورية)
TT

هل يحمل أبو مازن إلى بيروت خطة لجمع السلاح الفلسطيني؟

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قادة الأجهزة الأمنية في وقت سابق (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قادة الأجهزة الأمنية في وقت سابق (رئاسة الجمهورية)

يستعد لبنان الرسمي لاستقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، الأربعاء المقبل، في زيارة يُفترض ألا تشبه سابقاتها، ويتصدّر جدول أعمالها جمع السلاح بداخل المخيمات الفلسطينية، بعد أن سيطر الجيش اللبناني على القواعد والمعسكرات الواقعة خارجها، تحديداً في بلدة الناعمة الشوفية والبقاعين الأوسط والغربي، وكانت تتبع لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة» و«فتح الانتفاضة» المواليتين للنظام السابق في سوريا، وتتزعمان ما يُسمى قوى «التحالف الفلسطيني» المناوئة لـ«منظمة التحرير» وتتخذان من دمشق مقراً لهما، واضطرتا للانكفاء فور الإطاحة به.

وبرغم أن «هيئة الحوار الوطني اللبناني» التي اجتمعت، بدعوة من رئيس المجلس النيابي نبيه بري في ربيع 2006، كانت أجمعت على جمع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وتنظيمه بداخلها، وبقي عالقاً باعتراض سوري في حينه، فإن الواقع السياسي اللبناني سرعان ما أخذ يتبدّل، ليس بسبب سقوط نظام بشار الأسد وتراجع محور الممانعة بقيادة إيران في الإقليم فحسب، وإنما لتفرُّد «حزب الله» بقراره الأحادي بإسناده لغزة بمشاركة حركة «حماس»، ما أدى إلى إقحام لبنان في حرب مع إسرائيل ليست محسوبة نظراً لسوء تقديره لرد فعلها.

واستدعت كل هذه الوقائع والمعطيات الميدانية إعادة فتح ملف السلاح الفلسطيني في المخيمات في ضوء استخدام «حماس» لبنان منصة لإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل بغياب توازن الردع والإطاحة بقواعد الاشتباك التي كان يتحصن خلفها الحزب ويعتبرها كفيلة بمنع إسرائيل من إشعالها لجبهة الجنوب.

ولهذه الأسباب المحفوفة بالمخاوف والأخطار أُدرج جمع السلاح الفلسطيني بداخل المخيمات بنداً أساسياً في أول اجتماع لمجلس الدفاع الأعلى برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، وحضور رئيس الحكومة نواف سلام، والوزراء الأعضاء وقادة الأجهزة الأمنية.

وطُرحت في الاجتماع، كما علمت «الشرق الأوسط»، عدة مقاربات تراوحت بين اندفاع سلام وحماسه، بتأييد من وزير الخارجية يوسف رجّي، لنزع السلاح الفلسطيني، بذريعة أن الظروف العربية والدولية مواتية لذلك، ومن غير الجائز إضاعة الفرصة، وبين إصرار عون على «التمهُّل وتجنّب المحاذير الأمنية في حال تقرر الدخول إلى المخيمات؛ لأننا لا نرغب بالانجرار إلى صدام، ونفضل اعتماد الوسائل الدبلوماسية والتريث إلى حين معرفة ما سيحمله الرئيس الفلسطيني في جعبته ليكون في وسعنا أن نبني على الشيء مقتضاه».

وقوبلت مقاربة عون بتأييد من قادة الأجهزة الأمنية الذين أبدوا تفهماً للمحاذير التي توقف أمامها في مداخلته، وتقرّر تكليف المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير باستدعاء مسؤول «حماس» في الساحة اللبنانية أحمد عبد الهادي وإبلاغه رسالة تحذيرية شديدة اللهجة بضرورة تسليم 4 متهمين من «حماس» بضلوعهم في إطلاق الصواريخ، ووجوب تقيده باتفاق وقف النار وتطبيق القرار 1701، وعدم استخدام الأراضي اللبنانية منصة لإطلاق الصواريخ، واحترامه للقوانين والاتفاقات اللبنانية، والالتزام بعدم الإخلال بالأمن والإساءة للجوار المتاخم للمخيمات.

واستجاب عبد الهادي للتحذير وأبدى تعاونه بتسليم المطلوبين، وبادر لاحقاً إلى تسليم ثلاثة منهم إلى مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، وتعهّد بتسليم الرابع الذي لا يزال متوارياً عن الأنظار وتتم ملاحقته للكشف عن المكان الذي لجأ إليه لتسليمه.

وتلازم انعقاد مجلس الدفاع الأعلى مع وجود ياسر عباس نجل الرئيس الفلسطيني في بيروت، وهو يتردد إليها من حين لآخر، والتقى أكثر من مسؤول لبناني بينهم سلام، وهو مكلف من والده بالتواصل معهم، إضافة إلى مسؤولين عرب وأجانب.

وعلمت «الشرق الأوسط» بأن اللقاءات التي عقدها ياسر عباس تأتي في إطار تحضير الأجواء للاجتماعات التي سيعقدها والده في بيروت انطلاقاً من أن جمع السلاح الفلسطيني يتصدّر جدول أعمالها كبند أساسي يتطلب إيجاد الحلول له، خصوصاً أنه فقد دوره في توفير الحماية للمخيمات وتصدّيه للاعتداءات الإسرائيلية، وبات يُستخدم لتصفية الحسابات بين الفصائل والمجموعات الفلسطينية المتطرفة والمتشددة، ويسيء إلى أمن المخيمات وجوارها وأنه تحوّل عبئاً على حامليه.

لكن فتح ملف السلاح الفلسطيني لا يعني رمي الكرة في الملعب اللبناني، وهذا ما قيل لنجل الرئيس الفلسطيني، وأن المطلوب من والده أن يتحضّر للّقاءات بطرح مجموعة من الأفكار العملية تكون بمثابة آلية متكاملة لجمع السلاح، وألا يُلقى جمعه على عاتق الدولة اللبنانية التي تؤازر الخطة وتوفر لها الحماية الأمنية، لكنها تتجنب الدخول في صدام مع الفصائل والمجموعات المسلحة، خصوصاً في مخيم عين الحلوة أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان، ويقع على تماس مع جنوب لبنان ويُستخدم من حين لآخر كمنصات لإطلاق الصواريخ وتمرير الرسائل إلى الإقليم، ويضم «أشكالاً وألواناً» من المجموعات المسلحة المتطرفة والمتشددة، ويؤوي العشرات من المطلوبين بارتكاب جرائم قتل والعبث بأمن الجوار، وتسهيل فرار بعضهم إلى العراق وسوريا.

فهل يحمل عباس معه خطة تطبيقية لجمع السلاح تلقى الدعم المطلوب من الدولة التي تنفّذ حالياً مجموعة من الإجراءات والتدابير لمنع التفلُّت الفلسطيني إلى بلدات الجوار، وضبط إيقاع الفصائل بما فيها تلك المتشددة والمتطرفة.


مقالات ذات صلة

الرئيس اللبناني: غياب البديل عن «يونيفيل» لا يخدم الأمن في المنطقة

المشرق العربي عون مستقبلاً كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني: غياب البديل عن «يونيفيل» لا يخدم الأمن في المنطقة

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن عدم التمديد لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل) من دون تشكيل قوة دولية بديلة سيؤدي إلى فراغ.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي من استقبال الرئيس اللبناني جوزيف عون كبيرَ مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرين (الرئاسة اللبنانية)

عون: لبنان يرحّب بقوات بديلة لـ«يونيفيل»

جدّدت بريطانيا تأكيدها دعم لبنان والجيش، فيما رحّب الرئيس اللبناني جوزيف عون بقوة دولية بديلة لـ«يونيفيل»، محذّراً من فراغ أمني بالجنوب إذا تعذّر التمديد لها...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

الشرع: سوريا باشرت «رحلة التعافي والنهوض» إيذاناً بنهاية 47 عاماً من العزلة

قال الشرع إنه «في رحلة الصراع السورية بين الخير والشر، وضعت الحرب أوزارها وتوقف نزيف الدم، وتوقف الهدم والدمار، وبدأت سوريا رحلة التعافي والنهوض».

علي بردى (نيويورك)
المشرق العربي «مصرف لبنان المركزي» (المصرف)

مصرف لبنان يجمد أصول وحسابات 11 شخصاً وشركة بشبهات مالية

أصدرت هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان قراراً بتجميد الحسابات والأصول ومنع التصرّف بالموجودات والخزائن الحديدية العائدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى 11 شخصاً

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل الوفد الوزاري السوري بالقصر الرئاسي في بيروت (الرئاسة اللبنانية)

سوريا تفتح الطريق لشراكات اقتصادية مع لبنان

فتحت سوريا الطريق نحو عقد شراكات اقتصادية سورية - لبنانية، وذلك خلال زيارة وفد سوري بيروت، ضم 5 وزراء وعدداً من المسؤولين في القطاعين الاقتصادي والاستثماري...

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أنقرة وبغداد تتفقان على تسليم القوات التركية معسكراتها في الموصل للقوات العراقية 

 الزيدي وأردوغان خلال اجتماعهما في نيويورك (حساب المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)
الزيدي وأردوغان خلال اجتماعهما في نيويورك (حساب المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)
TT

أنقرة وبغداد تتفقان على تسليم القوات التركية معسكراتها في الموصل للقوات العراقية 

 الزيدي وأردوغان خلال اجتماعهما في نيويورك (حساب المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)
الزيدي وأردوغان خلال اجتماعهما في نيويورك (حساب المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)

اتفق العراق وتركيا، اليوم (الأربعاء)، على قيام القوات التركية بتسليم معسكر بعشيقة - زليكان إلى الحكومة الاتحادية العراقية تدريجياً وفق الآلية والجدول الزمني المتفق عليهما.

وذكر بيان للحكومة العراقية، أن رئيس الحكومة العراقية علي فالح الزيدي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عقدا اليوم اجتماعا في نيويورك واتفقا على «تعميق التعاون في المجال الأمني، خلال المفاوضات التي ناقشت فيها السلطات العراقية والتركية العلاقات الاستراتيجية بين البلدين من جميع الجوانب».

كما اتفق البلدان على «بسط سلطة الدولة العراقية بالكامل في سنجار، وإنهاء وجود العناصر الأجنبية المسلحة المحظورة».

كما اتفق الرئيسان على«تسلّيم القوات التركية معسكر بعشيقة - زليكان إلى الحكومة الاتحادية العراقية تدريجياً، وفق الآلية والجدول الزمني المتفق عليهما وتوسيع حجم التجارة والاستثمار الثنائي، والتنفيذ الفوري للاتفاقات الموقعة، وتسريع المشاريع الاستراتيجية المشتركة، ولاسيما مشروع طريق التنمية».


الرئيس اللبناني: غياب البديل عن «يونيفيل» لا يخدم الأمن في المنطقة

عون مستقبلاً كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن (الرئاسة اللبنانية)
عون مستقبلاً كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن (الرئاسة اللبنانية)
TT

الرئيس اللبناني: غياب البديل عن «يونيفيل» لا يخدم الأمن في المنطقة

عون مستقبلاً كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن (الرئاسة اللبنانية)
عون مستقبلاً كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن (الرئاسة اللبنانية)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن عدم التمديد لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان «يونيفيل» من دون تشكيل قوة دولية بديلة سيؤدي إلى فراغ لا يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من القرى والبلدات الجنوبية.

وخلال استقباله كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن الأربعاء، أشار عون إلى أن لبنان يرحب بأي قوات بديلة لـ«يونيفيل» في حال تعذر التمديد لها، لمواصلة تنفيذ القرار 1701 ودعم الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة على الأراضي الجنوبية حتى الحدود المعترف بها دولياً.

وجدد عون التأكيد على أن إسرائيل لا تلتزم بتنفيذ «اتفاق الإطار» الذي تم التوصل إليه في المفاوضات اللبنانية-الأميركية-الإسرائيلية في واشنطن، ولا سيما لجهة وقف إطلاق النار والامتناع عن تدمير المنازل وجرفها، ومعالجة النقاط المختلف عليها على «الخط الأزرق»، وإعادة الأسرى اللبنانيين إلى وطنهم، عادّاً أن استمرار هذه الممارسات يبقي التوتر قائماً في الجنوب.

وأطلع عون المسؤول البريطاني على أجواء الاجتماع التحضيري الذي عقد في باريس الأسبوع الماضي للمؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، مشيراً إلى أن لبنان عرض خلاله حاجات المؤسستين وتلقى ردود فعل مشجعة.

كما بحث الجانبان الإصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها الحكومة بالتعاون مع مجلس النواب، إضافة إلى العلاقات اللبنانية-السورية والتنسيق القائم بين البلدين.

من جهته، جدد الأميرال ألغرن دعم بريطانيا للبنان، ولا سيما الجيش اللبناني، منوهاً بالمواقف الرسمية اللبنانية حيال التطورات الأخيرة، وبالمواقف التي أعلنها الرئيس عون خلال زيارته إلى منطقة النبطية في الجنوب وتأكيده تصميم الدولة على بسط سيادتها على كامل الحدود الجنوبية وإزالة المظاهر المسلحة في القرى التي ينتشر فيها الجيش

هيكل: «لن نحيد عن ثوابتنا»

في موازاة المساعي السياسية والدبلوماسية، شدد قائد الجيش العماد رودولف هيكل على تماسك المؤسسة العسكرية وصمودها في مواجهة التحديات، خلال تفقده فوج المغاوير في ثكنة غسان رمان في روميه، واطلاعه على جاهزية الفوج.

وأكد هيكل مواصلة التدريب النوعي في الوحدات الخاصة، مشيراً إلى أن تماسك العسكريين وانتماءهم إلى المؤسسة يشكلان أحد أبرز أسباب قوة الجيش، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات والتصعيد الإسرائيلي.

وقال للعسكريين: «التمسك بالجيش هو السمة المشتركة لجميع اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم، وهُم يرون في الجيش سبيل خلاصهم»، مضيفاً: «الوطن عائلتنا الكبرى وسوف نصل به إلى بر الأمان». وشدد على أن محاولات ضرب معنويات الجيش عبر الشائعات والافتراءات لن تؤثر في إرادة عسكرييه، مؤكداً: «لن ننكسر ولن نحيد عن ثوابتنا»، وأن واجب المؤسسة هو حماية جميع اللبنانيين وتأمين الاستقرار.

السفارة الأميركية تسلم الجيش 16 مليون طلقة

في السياق نفسه، أعلنت السفارة الأميركية في بيروت تسليم الجيش اللبناني 16 مليون طلقة ذخيرة، مشيرة إلى أن الشحنة تندرج في إطار الدعم الأميركي المستمر للمؤسسة العسكرية. وأوضحت أن الولايات المتحدة قدمت خلال السنوات الست الماضية أكثر من 800 مليون دولار من المساعدات العسكرية للجيش، بهدف تعزيز جاهزيته وقدراته ودعم سيادة لبنان وتأمين حدوده.


مطار المزة العسكري من سجن للانتهاكات إلى مطار لرجال الأعمال

انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)
انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)
TT

مطار المزة العسكري من سجن للانتهاكات إلى مطار لرجال الأعمال

انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)
انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)

باشرت الهيئة العامة للطيران المدني في سوريا، الأربعاء، أعمال إعادة التأهيل الأولية في مطار المزة بدمشق تمهيداً لإعادة ‏تصنيفه من منشأة ذات استخدام عسكري إلى مطار مدني مكمل لمطار دمشق الدولي، في خطوة تمهيدية لإعادة تشغيله مطاراً مدنياً متخصصاً بالطيران الخاص وطيران رجال الأعمال، بحسب تصريحات للإعلام.

إلا أن المشروع حرّك مخاوف من العبث بمواقع داخله يشتبه باحتوائها على مقابر جماعية لمعتقلين سابقين لدى النظام السابق، إذ استخدم مقر المطار كسجن سياسي، وأثار المطالبات بتعويض أصحاب الأراضي التي استملكت لصالح توسعة المطار قبل 50 عاماً.

تشمل المرحلة ‏الحالية من عملية تأهيل المطار، بحسب الهيئة العامة للطيران المدني، تنفيذ عدد من الأعمال الأولية، بينها إزالة الركام وتأهيل بعض مكونات ‏البنية التحتية المرتبطة بالملاحة الجوية، بالتوازي مع استكمال المتطلبات الفنية والتشغيلية ‏والتنظيمية اللازمة لإعادة تصنيف المطار وتأهيله للاستخدام المدني.‏

حظيرة طائرات بعد غارات إسرائيلية على مستودعات أسلحة قرب مطار المزة العسكري خارج دمشق 9 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

عُدّ مطار المزة العسكري، جنوب حي المزة غرب دمشق، واحداً من أهم القواعد الجوية التي استخدمها النظام السابق في حماية وتأمين المربع الأمني للنظام في العاصمة دمشق (1970 ـ 2011)، لموقعه الاستراتيجي القريب من القصور الرئاسية، ومقر قيادة الأركان والوزارات السيادية، وإشرافه المباشر على المداخل الجنوبية الغربية، ولا سيما طريق دمشق – بيروت.

بعد اندلاع الاحتجاجات ضد نظام الأسد ودخول إيران ساحة الحرب في سوريا، خصوصاً من خلال «الحرس الثوري»، شكّل المطار قاعدة لوجستية لنقل المستشارين العسكريين الإيرانيين وإمدادات السلاح، وقاعدة مدفعية وجوية متقدمة استخدمت في ضرب المناطق الثائرة في ريف دمشق، ولا سيما مدينة داريا ومعضمية الشام المجاورتين له ومناطق الغوطة الشرقية.

وقد ساهم احتواء المطار على المقر الرئيسي للمخابرات الجوية المسؤولة عن تغييب آلاف السوريين في جعل مطار المزة الصندوق الأسود لانتهاكات المخابرات الجوية، وفق تقارير منظمات دولية، ومحطة رئيسية للتغييب القسري والتصفية الجسدية دون محاكمات، بحسب منظمتي «العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش».

انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)

وكان «المركز السوري للعدالة والمساءلة» قد حدّد في تحقيق أنجزه عام 2025 موقع مقبرتين داخل مطار المزة الذي قضى فيه أكثر من 1150 معتقلاً بالإعدام أو تحت التعذيب، بحسب المركز الذي أبلغ بدوره الهيئة الوطنية للمفقودين بموقع المقبرتين.

الهيئة قالت، في بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، الأربعاء، إن الأعمال التي باشرتها في المطار تتم «بالتنسيق مع المؤسسات المعنية، وبالتعاون مع ‏الهيئة الوطنية للمفقودين، مع مراعاة المواقع التي يُشتبه بوجود مقابر جماعية أو رفات ‏بشرية فيها، والتعامل معها وفق الأصول والإجراءات المعتمدة، بما يحفظ الأدلة والرفات ‏ويصون حقوق وكرامة الضحايا».‏

وأجرى معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي لشؤون التخطيط والكفاءة المؤسسية، عبد الباري الصاج، ومعاون رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين، والدكتور عمار عيسى، وعضو مجلس الشعب ورئيس لجنة الضحايا أيمن شمو، جولة ميدانية مشتركة في مطار المزة، الثلاثاء، للاطلاع على عدد من المواقع التي يُحتمل وجود مقابر جماعية فيها، وذلك قبل البدء بأعمال إعادة تأهيل المطار.

وبناءً على نتائج الجولة الأولية، تم اتخاذ إجراءات احترازية لحماية عدد من النقاط المحددة، واستثنائها من أي أعمال قد تتضمن الحفر أو التسوية أو تغيير طبيعة التربة، إلى حين استكمال الإجراءات الفنية اللازمة.

كما جرى الاتفاق على اعتماد بروتوكول إيقاف العمل الفوري (Stop Work Protocol) خلال مراحل التأهيل والتنفيذ، بحيث يتم إيقاف الأعمال مباشرة في أي موقع تظهر فيه متعلقات أو مؤشرات غير اعتيادية يُحتمل ارتباطها بموقع دفن جماعي أو بملف المفقودين.

وبموجب هذا الإجراء، يتم تأمين الموقع وعدم تحريك أو نقل أي مواد أو متعلقات منه، وإبلاغ الهيئة الوطنية للمفقودين فوراً لاتخاذ ما يلزم من إجراءات.

انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)

الإشكالية الأخرى التي أثارتها أعمال تأهيل مطار المزة، احتجاج أهالي بلدة معضمية الشام الملاصقة، باعتبار أن التوسعة التي أجريت له قبل 50 عاماً استملكت بشكل جائر من أراضيهم وملكياتهم الخاصة، وطالبوا بالتعويض قبل المباشرة بتحويل المطار إلى مشروع استثماري. وبحسب مصادر حقوقية ما زالت هذه المطالب قيد التحقق.

تجدر الإشارة إلى أن إنشاء مطار المزة يعود إلى عام 1923 إبان الانتداب الفرنسي على سوريا الذي كان بحاجة إلى قاعدة جوية رئيسية لقواته.

بعد استقلال سوريا وتأسيس الطيران المدني السوري عام 1948، أصبح مطار المزة المطار المدني والتجاري الوحيد في دمشق. ومع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، وافتتاح مطار دمشق الدولي، عاد مطار المزة ليكون عسكرياً بالكامل.

ويهدف مشروع إعادة تأهيل المطار حالياً، إلى تخصيصه للطيران التجاري الخاص ضمن رؤية تنموية تسعى إلى تنويع أنماط الطيران في البلاد وتخفيف الضغط التشغيلي عن مطار دمشق الدولي وخلق نقطة جذب استثمارية.