الإدارة الكردية تناشد دمشق التدخل لوقف الاعتداءات التركية على سد تشرين

«هيئة الطاقة» بالإدارة خفضت توليد الكهرباء بنسبة 40 في المائة

مسيّرة تركية تستهدف محيط سد تشرين شرق سوريا (متداولة)
مسيّرة تركية تستهدف محيط سد تشرين شرق سوريا (متداولة)
TT

الإدارة الكردية تناشد دمشق التدخل لوقف الاعتداءات التركية على سد تشرين

مسيّرة تركية تستهدف محيط سد تشرين شرق سوريا (متداولة)
مسيّرة تركية تستهدف محيط سد تشرين شرق سوريا (متداولة)

في الوقت الذي حذرت فيه «الإدارة الذاتية لشمال شرقي» سوريا خروج سد تشرين عن الخدمة جراء استمرار الأعمال القتالية في محيطه منذ أشهر؛ كشف مسؤول بارز في هيئة الطاقة عن أن قلة المياه الواردة من الجانب التركي والأضرار الجسيمة التي لحقت بالمحطة، تسببت في عجز ربط السد بالشبكة العامة جراء الأعطال في شبكات التوتر العالي وخروج هذه المنشأة الحيوية عن الخدمة بعدما توصلت الأطراف العسكرية إلى اتفاق يقضي بتولي الحكومة السورية إدارتها.

حكومة دمشق بدأت أعمال الصيانة لسد تشرين (أرشيفية)

يقول زياد رستم، رئيس هيئة الطاقة بالإدارة الذاتية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن كمية المياه المقبلة من الجانب التركي وتدخل الأراضي السورية تقدر بنحو 250 متراً مكعباً في الثانية مثل حصة لسوريا والعراق، لافتاً إلى أن «هذه النسبة تشكل ربع الكمية المخصصة لهذا السد الحيوي المتفق عليها دولياً».

وأكد رستم أن هذا الانخفاض يتزامن مع تعرض المنطقة لموسم جفاف استثنائي رافقه زيادة التبخر في البحيرات، ما عرض بحيرة الفرات المجاورة في الطبقة للضغط والاستنزاف، «فالقصف والهجمات المستمرة قد تؤدي لحدوث تصدعات واهتزازات في بنية السد، واحتمالية انهياره في المستقبل القريب وشيكة».

وناشدت الإدارة الذاتية الحكومة في دمشق للتدخل الفوري والإيجابي وعبر قنواتها الرسمية، للضغط على تركيا لوقف اعتداءاتها. وقالت في بيان، (الأربعاء)، على معرفاتها الرسمية: «نطالب دمشق بالضغط على تركيا لتمرير كمية المياه المتفق عليها عبر اتفاقيات رسمية سابقة بين كل من سوريا وتركيا والعراق، والبالغة 500 متر مكعب في الثانية»، وتأمين مصادر طاقة بديلة لتخفيض ضغط الطلب على الطاقة من سدود الفرات.

تأتي هذه التصريحات بعد مؤتمر للأحزاب الكرية السياسية بمدينة القامشلي في 26 أبريل (نيسان)، وبلور موقف كردي موحد للتفاوض مع دمشق تصدرها الدعوة لنظام لامركزي سياسي، ما أثار انتقادات وردود فعل غاضبة من دمشق وأنقرة.

وأوضح المسؤول الكردي، أن خروج سد تشرين عن الخدمة يزيد استنزاف مخزوننا الاستراتيجي، ولفت رستم إلى أن كمية مخزون البحيرة اليوم 298 متراً فوق سطح البحر، في حين كان يبلغ مستواها الطبيعي بنحو 304 أمتار». مشيراً إلى خفض توليد الكهرباء بنسبة 40 في المائة من طاقتها التوليدية: «فرضنا إجراءات صارمة لمرور المياه من السد حفاظاً على المخزون الاستراتيجي بعد أن انخفض منسوب المياه بأكثر من 5 أمتار عمودية، وفقدان 4 مليارات متر مكعب من مياه بحيرة الفرات».

اتفاقات هشة برعاية أميركية

وتوصلت الحكومة السورية والإدارة الذاتية إلى اتفاق برعاية أميركية في 11 أبريل الماضي، يقضي بتشكيل إدارة مشتركة لسد تشرين، على أن يتم تقليص الوجود العسكري وانسحاب جميع الأطراف المتحاربة من محيطه، في خطوة تندرج ضمن اتفاق ثنائي أوسع وقعه رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مظلوم عبدي، في مارس (آذار) الماضي، يقضي بدمج مؤسسات الإدارة في هياكل ومؤسسات الدولة السورية.

من جانبها؛ نشرت وكالة «هاوار» الكردية للأنباء، المقربة من الإدارة الذاتية، صوراً ومقاطع فيديو على موقعها الرسمي (الأربعاء)، تظهر وصول قافلة مدنية جديدة من سكان المقاطعات التابعة لها للانضمام إلى حركة الاحتجاجات المستمرة منذ 5 أشهر، ضد ما وصفته بـ«هجمات الاحتلال التركي ومرتزقته وحماية السد من الانهيار».

مظاهرة أهالي الأقاليم الخاضعة لنفوذ الإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا قرب سد تشرين (الشرق الأوسط)

وتزامنت هذه الاحتجاجات مع دخول القوات الحكومية محيط السد وإقامة عدة نقاط عسكرية على أطراف السد الذي يقع في ريف محافظة حلب الشرقي، بعد أن دفعت دمشق بتعزيزات عسكرية من مدينة حلب باتجاه سد تشرين، لفض الاشتباك بين الفصائل السورية المسلحة الموالية لتركيا، وقوات «قسد» التي تتمركز في قرية أبو قلقل على بُعد 7 كيلومترات من السد، بالتوازي مع توجيه أوامر لتشكيلاتها برفع الجاهزية القتالية.

وبحسب مصادر كردية ووكالة «هاوار» عاد القصف التركي بطائرات مسيرة ليزيد التوتر المتصاعد في المنطقة، حيث استهدفت أنقرة محيط السد بأربعة ضربات جوية مؤخراً، تسببت في سقوط ضحايا من الطرفين؛ الأمر الذي يهدد بانهيار الاتفاق الجزئي الذي تم التوصل إليه في وقت سابق، والذي يقضي بإدارة مشتركة للسد، وينذر بتصعيد الموقف وهشاشة الاتفاقات التي رعتها الولايات المتحدة.

ويرى مراقبون أن أهمية السد لا ترتبط بخدماته الكهرومائية بما توفر من كهرباء ومياه للشمال السوري أو تغذية السلة الغذائية، بل يشكل خط دفاع رئيسياً اتخذته قوات «قسد» لحماية مناطق نفوذها شرق الفرات، وينظر الأكراد بريبة إلى أن أي تصعيد عسكري في السد، على أنه تراجع من دمشق عن الاتفاقيات المبرمة وبمثابة مقدمة إعلان حرب ضدها.


مقالات ذات صلة

اغتيال عناصر القوات السورية... نمط متكرر وخلل أمني كبير

المشرق العربي صورة لما بعد تفجير حافلة مبيت كانت تنقل موظفي حراسة أمنية في حقل التيم بدير الزور خلال أكتوبر 2025 (متداولة)

اغتيال عناصر القوات السورية... نمط متكرر وخلل أمني كبير

لم يكن اغتيال عنصرين تابعين للجيش السوري قرب مدينة منبج شرق حلب، مؤخراً، الأول من نوعه، بل مثّل نمط هجمات متكرراً ضد القوات الحكومية، كاشفاً عن خلل إداري...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يقومون بتأمين منطقة عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان 23 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

بيروت تُسلّم دمشق دفعة ثانية من السجناء السوريين المحكومين بموجب اتفاق ثنائي

سلّمت السلطات اللبنانية، الأربعاء، دمشق 128 محكوماً سورياً، وفق ما أفاد مصدر أمني «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وسيم الأسد

بدء محاكمة وسيم الأسد بتهم «جرائم حرب»

انطلقت في «محكمة الجنايات الرابعة» بدمشق، الأربعاء، أولى جلسات محاكمة المتهم وسيم الأسد ‏المتورط في جرائم عدة بحق الشعب السوري خلال عهد النظام البائد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي شهادة أمام الهيئة القضائية في الجلسة الرابعة لمحاكمة عاطف نجيب الثلاثاء (وزارة العدل السورية)

عاطف نجيب ينكر مجدداً الاتهامات بعد مواجهة مع ضحاياه

عقدت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بقضايا العدالة الانتقالية بدمشق، الجلسة الرابعة من محاكمة عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا.

سعاد جروس (دمشق)
العالم العربي وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مراقبون «دفعة لمسار التقارب» بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

هشام المياني (القاهرة)

المنطقة التجريبية لنشر الجيش اللبناني في الجنوب مرهونة بتدخل واشنطن

جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

المنطقة التجريبية لنشر الجيش اللبناني في الجنوب مرهونة بتدخل واشنطن

جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

توقف مصدر دبلوماسي غربي بارز أمام الأجواء التي سادت اجتماع اليوم الأول من الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، برعاية أميركية، الذي عقد على المستويين السياسي والعسكري، وقال إنه لم يحقق أي تقدّم وكاد يراوح مكانه، كاشفاً عن أن السبب الأول والأخير يكمن في أن تصاعد وتيرة الخلاف بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حول مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية حضر بامتياز من خلال المداخلات التي جرت بين الوفد الأميركي بشقيه العسكري والسياسي وسفير إسرائيل لدى أميركا يحيئيل ليتر الذي تحدث بلغة عالية السقوف؛ احتجاجاً على ضم إيران للخلية المكلفة بتثبيت وقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذه بين «حزب الله» وإسرائيل، في مقابل عدم إلحاق بلاده بها.

ومع أن المصدر الدبلوماسي أكد أمام أصدقائه أن الخلية، كما أُبلغ لبنانياً، لم تشكَّل بصورة نهائية، وأن ما يتم تناقله حول تركيبتها يتراوح بين ثلاثية تضم الولايات المتحدة، ولبنان وإيران، ورباعية بانضمام قطر إليها، وخماسية بإلحاق باكستان بها، ما يعني أن حسم مَنْ تضم من الدول يبقى رهن المشاورات، ما يفسر عدم تبلُّغ لبنان رسمياً بأسماء الدول الأعضاء فيها ليكون في وسعه بأن يبني على الشيء مقتضاه، رغم أن لبنان يؤيد أي جهد لتثبيت وقف النار كمدخل للبحث في وضع جدول زمني لانسحاب إسرائيل، في مقابل نشر الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها تدريجياً.

نازحون عائدون إلى مدينة النبطية حيث الدمار يلف المكان (أ.ب)

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» من مصدر مواكب للأجواء التي سادت الاجتماع التفاوضي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، بأن السفير ليتر، الذي يرأس وفد بلاده إلى المفاوضات أبدى تشدداً باعتراضه على استبعاد بلاده من الخلية التي انبثقت عن بدء المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول مذكرة التفاهم في سويسرا برعاية باكستانية - قطرية، في مقابل ضم إيران إليها، وهذا يخالف ما تعهّدت به الإدارة الأميركية بإخراجها من الملف اللبناني ونزع سلاح «حزب الله».

وقال المصدر إن رئيس الوفد الأميركي اضطر للتدخل مرات للرد على السفير الإسرائيلي في محاولة لتنعيم موقفه بطمأنته بأن إشراك إيران ضروري في الخلية لتضغط على «حزب الله» لإلزامه بالتقيد بما ورد في مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية بالحفاظ على وحدة لبنان وسيادته على كافة أراضيه.

ونقل عن لسان مصدر دبلوماسي أميركي في بيروت قوله إنه لا مجال للربط بين المسارين: اللبناني والإيراني، وقد حُسم ولا عودة عن القرار في هذا الخصوص. وهذا ما أكده الرئيس ترمب مراراً ويردده باستمرار وزير خارجيته ماركو روبيو، وبالتالي لا داعي للقلق ولا مبرر للتشدد من قبل إسرائيل، إفساحاً في المجال أمام التوافق على المنطقة التجريبية التي يفترض أن ينتشر فيها الجيش اللبناني بغياب أي سلاح غير شرعي التزاماً من الحكومة بحصريته بالدولة، على أن تكون النموذج الذي سينسحب تلقائياً على المناطق الأخرى التي يُفترض أن ينتشر فيها الجيش تدريجياً بعد انسحاب إسرائيل على دفعات من الجنوب حتى الحدود الدولية.

وكشف المصدر اللبناني عن أن الوفد العسكري حضر إلى واشنطن ولديه خطة متكاملة لانتشار الجيش في الجنوب في المنطقة التي تنسحب منها إسرائيل تباعاً، على أن يأتي انسحابها ضمن جدول زمني يتم الاتفاق عليه في مفاوضات واشنطن، في مقابل إخلاء «حزب الله» لجنوب الليطاني واستعداده للبحث في تسليم سلاحه بوصفه شأناً داخلياً، شرط أن يتعهّد بعدم استخدامه أو التنقل به وصولاً لاحتوائه بحسب الخطة التي كانت وضعتها قيادة الجيش وتبنّاها مجلس الوزراء لتطبيق حصرية السلاح.

وبالنسبة للمنطقة التجريبية التي طُرحت في جولة المفاوضات السابقة، فإن الأجواء المشحونة التي سيطرت على الاجتماع الأول من الجولة الخامسة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي على المستويين السياسي والعسكري حالت، كما يقول المصدر، دون التوافق على المنطقة التي ستكون نموذجاً مبدئياً لنشر الجيش، وإنما ضمن خطة تنسحب تدريجياً على المناطق الأخرى التي يفترض على إسرائيل أن تنسحب منها حتى الحدود الدولية.

مواطنة لبنانية تتفقد منزلها المدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة النبطية (أ.ب)

ورداً على سؤال، لفت المصدر إلى أن لبنان اقترح قبل اندلاع المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل، على امتداد الحافة الأمامية لشمال نهر الليطاني المطل على جنوبه، أن تضم المنطقة التجريبية الأولى قلعة الشقيف والبلدات المحيطة بها بهدف تحييد النبطية وجوارها عن الحرب المشتعلة بينهما، لكن بسبب احتلال إسرائيل قلعة الشقيف والبلدات المحيطة بها ومحاولتها السيطرة على تلة علي الطاهر قد نضطر لاختيار منطقة تجريبية بديلة ما دامت إسرائيل لن تنسحب من القلعة، فيما يرفض «حزب الله» إخلاء التلة؛ لما تتمتع به من موقع استراتيجي يطل على شمال إسرائيل.

ورأى أن عدم استعداد إسرائيل للانسحاب من الشقيف ودفاع «حزب الله» المستميت عن التلة قد يعطي الأولوية لاختيار البلدات الواقعة في قضاء صور؛ نظراً لأن القضاء أقل اشتعالاً من قضاء النبطية الذي يضم قرى تقع على الحافة الأمامية لشمال النهر المطل على جنوبه، إضافة إلى أن «حزب الله» يقاوم بشدة محاولات إسرائيل للسيطرة على تلة علي الطاهر كونها تشكل له خط الدفاع الأول والأخير عن مواقعه في شمال النهر.

وعليه، فإن اليوم التالي من الجولة الخامسة سيفتح الباب مجدداً أمام البحث بالمنطقة التجريبية وتحديد حدودها، وهذا يبقى رهن تدخل واشنطن الضاغط على تل أبيب لإقناعها بتسهيل انتشار الجيش في المنطقة النموذجية الأولى كبديل عن قلعة الشقيف وجوارها. فهل يتجاوب نتنياهو مع ترمب أم أنه يصر بالرد عليه في لبنان؟


اغتيال عناصر القوات السورية... نمط متكرر وخلل أمني كبير

عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)
عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)
TT

اغتيال عناصر القوات السورية... نمط متكرر وخلل أمني كبير

عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)
عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)

لم تكن عملية اغتيال عنصرين تابعين للجيش السوري قرب مدينة منبج شرق حلب، مؤخراً، الأولى من نوعها، بل مثّلت نمطَ هجمات متكرراً ضد القوات الحكومية، كاشفةً عن خلل إداري وأمني كبير تستغله التنظيمات المناهضة للإدارة السورية الجديدة في استهداف المنتسبين.

وأكدت إدارة الإعلام والاتصال بوزارة الدفاع السورية، في 20 يونيو (حزيران) الحالي، مقتل جنديين ينتميان إلى «الفرقة الـ76»، إثر تعرضهما لاستهداف من قبل مجهولين قرب مدينة منبج، وكانا يستقلان دراجة نارية على أحد الطرق القريبة من منبج عندما تعرضا لإطلاق نار مباشر.

ورصدت «الشرق الأوسط»، منذ سقوط نظام الأسد، كثيراً من الحوادث المشابهة ضد عناصر الأمن والجيش السوري، غالباً ما تقع خلال توجههم إلى نقاط خدمتهم أو مغادرتهم إياها، مستقلين دراجات نارية أو متنقلين بشكل متقطع، وهو ما يعدّه كثيرون غياباً لتدابير الحماية ولتنظيم آلية إبدال الأفراد.

وشهد ريف حلب كثيراً من حوادث الاغتيال خلال هذا العام، أبرزها مقتل عنصرين من الجيش السوري في مارس (آذار) الماضي، وآخر يتبع وزارة الداخلية في شهر أبريل (نيسان) الماضي، قرب بلدة الراعي، وغيرهما من الحوادث التي جرت في غالبية المحافظات السورية من درعا واللاذقية وريف حماة وحمص.

إحراج الدولة السورية

ازدادت المطالب التي تحث المنتسبين على تجنب التنقل الفردي وعلى عدم ارتداء الزي العسكري أو استخدام الدراجات النارية في المناطق المنقطعة التي ترتفع فيها معدلات الخطر ويصعب وصول الدعم إليها.

وهذا ما شدد عليه أيضاً مدير مكتب وزير الداخلية السوري، الرائد خالد العبد الله، في حديثه عن وجود تعاميم متكررة من وزارتي الدفاع والداخلية، تخص منع ارتداء الزي الرسمي خارج أوقات العمل، وضرورة التزام إجراءات الأمان المطلوبة في ظل الأوضاع السورية الراهنة. وهو يرى أن الهدف المباشر من هذه العمليات التي تشنها الجماعات المناهضة للإدارة الجديدة، من تنظيم «داعش» وفلول النظام البائد، يتمثل في «محاولة إحراج الدولة السورية».

هجوم استهدف حافلة مبيت للجيش السوري على طريق رأس العين كانت آتية من قاعدة الرميلان بالحسكة يوم 11 مايو الماضي (متداولة)

ورغم تأكيده على العمل الحثيث لبسط الأمن والقضاء على التنظيمات والجماعات المسلحة، وقطع شوطٍ كبيرٍ على هذه الطريق الشاقة، فإنه لم يفوت فرصة الإشارة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى «استمرار التحديات الداخلية والخارجية التي تعمل الدولة السورية على تجاوزها وإنهاء خطرها».

تشييع أحد عنصرين في الجيش السوري بعد استهدافهما من قبل مجهولين قرب منبج شمال شرقي حلب يوم 20 يونيو (سانا)

منبج أخطر الطرق

وتحدث أبو محمد الحسين، المسؤول عن كتلة حواجز في ريف حلب الشرقي، عن وجود مشكلة في عملية تنقل الأفراد، وعن طلبهم المتكرر توفير حافلات مبيت لإبدال عناصر المناوبات، خصوصاً في المناطق الريفية البعيدة عن مركز المدينة.

وأشار الحسين إلى تعرض أحد عناصر كتلته لمحاولة اغتيال على طريق منبج - الباب بريف حلب الشرقي، في نهاية شهر مارس الماضي؛ مما دفعه إلى إصدار أوامر خاصة بحركة تنقل عناصره.

وقال إن «سيارة مدنية عرضت نقل أحد عناصري إلى مدينة حلب، لكن وبعد قطعهم أميالاً عدة تذرعوا بأمر طارئ للعودة، وفور نزوله أطلق مرافق السائق رصاصات عدة من مسدسه على العنصر؛ اثنتان ارتطمتا بجعبة مخازنه وواحدة اخترقت قدمه، لينجو منها بأعجوبة».

وأوضح أن قرار تبديل المناوبات «يُتخذ مركزياً من قبل قادة القطاعات، وغالباً ما تُجرى العملية ليلاً؛ بسبب مناطق الخدمة البعيدة عن السكن... إضافة إلى قرار منع حمل السلاح والتجول في المناطق السكنية، وهذا الأمر يسهل استهداف العناصر».

ويضيف: «مع تكرار حوادث محاولات الاغتيال، أصدرت قراراً بمنع تبديل المناوبات ليلاً، وحظر التنقل بالسيارات المدنية أو الدرجات النارية التي أصبحت أيضاً هدفاً سهلاً، وحصره في السيارات التابعة لأمن الطرق».

وأكد أيضاً أنهم في انتظار الاستجابة لطلب تخصيص حافلة لنقل عناصر الحواجز الأمنية والعسكرية المنتشرة على طول طريق حلب - منبج، وهي «من أخطر الطرق البرية، التي تربط حلب بالأطراف وبمحافظة الرقة، إضافة إلى طبيعة المنطقة التي ظلت لسنوات تحت سيطرة النظام البائد و(قسد)».

صورة لما بعد تفجير حافلة مبيت كانت تنقل موظفي حراسة أمنية في حقل التيم بدير الزور خلال أكتوبر 2025 (متداولة)

منع الاحتفاظ بالأسلحة

ويختلف حيدر المحمد، وهو عنصر مهام خاصة، مع ما قيل، وعدّ أن «سيارات المبيت فعلياً هي الهدف السهل، وغالباً ما تتعرض للاستهداف؛ مما يجعل عملية تأمين العناصر تتجاوز هذه المشكلة بالضرورة».

ويرى أن القرارات التي جردت المنتسبين من الحفاظ على سلامتهم وهويتهم، هي السبب المباشر في ارتفاع معدلات الاغتيال، إلى جانب الحالة الاستثنائية التي تعيشها البلاد وعملية «تنظيف الجماعات التي تعتقد أنها قادرة على خلق الفوضى والرعب».

ويوضح أن أحد أهم هذه القرارات كان «منع ارتداء اللثام، ومنع الاحتفاظ بالأسلحة المقيدة، والتشديد على عدم حمل السلاح الشخصي، إلى جانب التساهل في قضية ارتداء الزي الرسمي، وبالتالي يكون العنصر مكشوفاً وهدفاً سهلاً لهذه الجماعات وهو دون سلاح للمقاومة».

في هذا الخصوص، يؤكد الرائد خالد العبد الله، على أن المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية تعمل على «تنفيذ حلول لتسهيل وتخفيف الحركة المنتظمة، بما يسهم في إنهاء الخطر، وتعزيز أمان منتسبيها».

ويشير أيضاً إلى أن حوادث الاستهداف ونمطها «يؤكدان عشوائيتها، فعدم اختيار أهداف محددة أو معرفة مسبقة بالعناصر المستهدفة محاولةٌ لخلق الفوضى وإرباك الدولة السورية».


«الحرس الثوري» في لبنان: بين إدارة الحرب وساحات القتال

لافتات تحمل صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي مرفقة بعبارة شكراً لإيران رفعت على طريق المطار باتجاه جنوب لبنان (رويترز)
لافتات تحمل صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي مرفقة بعبارة شكراً لإيران رفعت على طريق المطار باتجاه جنوب لبنان (رويترز)
TT

«الحرس الثوري» في لبنان: بين إدارة الحرب وساحات القتال

لافتات تحمل صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي مرفقة بعبارة شكراً لإيران رفعت على طريق المطار باتجاه جنوب لبنان (رويترز)
لافتات تحمل صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي مرفقة بعبارة شكراً لإيران رفعت على طريق المطار باتجاه جنوب لبنان (رويترز)

منذ اندلاع الحرب الأخيرة في لبنان، تبرز معطيات ووقائع تتحدث عن دور مباشر للحرس الثوري الإيراني في إدارة المعركة إلى جانب «حزب الله»، إلا أن حجم هذه المشاركة وطبيعتها وعدد الإيرانيين الذين انخرطوا فيها بقي يحيط بها كثير من الغموض. وبينما تغيب الأرقام الدقيقة، تتقاطع وقائع متعددة لتؤكد وجود عناصر وضباط إيرانيين على الأراضي اللبنانية خلال الحرب، سواء في مواقع القيادة وإدارة المواجهات أو على أرض المعركة.

ضباط الحرس الثوري في قلب المعركة

وفي محاولة للحد من فوضى دخول «الحرس الثوري الإيراني» إلى بيروت، كان رئيس الحكومة نواف سلام قد طلب في شهر مارس (آذار) الماضي اتخاذ ما يلزم لمنع أي نشاط عسكري أو أمني يقوم به عناصر من ​الحرس الثوري ​ في لبنان تمهيداً لترحيلهم، كما اتخذ مجلس الوزراء قراراً بإعادة العمل بوجوب حصول الإيرانيين على تأشيرة للدخول إلى لبنان.

وتمثل أحد أبرز المؤشرات على انخراط «الحرس الثوري» في حرب لبنان مقتل ضباط في «الحرس الثوري» في الغارة الإسرائيلية التي استهدفت فندق «رامادا» في الروشة في بيروت يوم 8 مارس الماضي. وهو ما أعلنت عنه إيران رسمياً في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة إذ أكد المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرفاني، مقتل أربعة دبلوماسيين إيرانيين في الهجوم، قبل أن يجري نعيهم في إيران باعتبارهم من ضباط «الحرس الثوري».

لبنانيتان تقفان أمام مدخل فندق «رامادا» بمنطقة الروشة غداة استهداف إسرائيلي لغرفتين في الفندق أسفر عن مقتل 4 أشخاص وإصابة 10 آخرين (إ.ب.أ)

وأشارت المعلومات في بيروت إلى أن الإيرانيين دخلوا بيروت مستخدمين جوازات سفر لبنانية أصلية صادرة بأسماء مختلفة، وأنه عُثر داخل الغرفة المستهدفة على جوازات إضافية تعود إلى أشخاص آخرين مرتبطين بـ«الحرس الثوري» الإيراني.

وهذا الأمر دفع النائبة غادة أيوب إلى التقدم بإخبار أمام النيابة العامة التمييزية طالبت فيه بفتح تحقيق حول معلومات متداولة بشأن إصدار جوازات سفر لبنانية بأسماء مستعارة أو خلافاً للأصول القانونية لصالح أشخاص مرتبطين بتنظيمات مسلحة، إضافة إلى معلومات عن استخدام وثائق سفر لبنانية لإخفاء هويات حقيقية لعناصر مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.

كما عززت تقارير أخرى الحديث عن الحضور الإيراني المباشر في المعركة. وفي خضم معركة ما تعرف بـمرتفعات «علي الطاهر» اليوم، فقد نقلت وسائل إعلام عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع قوله الاثنين إن عدداً من الضباط الإيرانيين كانوا موجودين في منطقة مرتفع علي الطاهر جنوب لبنان ويتولون مواقع أساسية في إدارة المعركة وتنسيق النشاطات العملياتية على الساحة اللبنانية. ووفق هذه المعلومات، فإن أحد الأسباب الرئيسية وراء الإصرار الإيراني على وقف العملية البرية الإسرائيلية في تلك المنطقة كان الخشية على حياة هؤلاء الضباط أو وقوعهم في الأسر في حال استمر التقدم الميداني.

وفي موازاة ذلك، تداولت وسائل إعلام ومنصات إلكترونية في اليومين الأخيرين منشورات منسوبة إلى الحرس الثوري تعرض رواتب تصل إلى ألف دولار أميركي للراغبين في القتال إلى جانب «حزب الله»، في مؤشر إضافي على حجم الانخراط الإيراني في الحرب الدائرة على الأراضي اللبنانية.

«جبهة واحدة وغرفة عمليات مشتركة»

وفي هذا الإطار، يرى العميد المتقاعد الخبير العسكري حسن جوني أن طبيعة العلاقة العضوية بين «حزب الله» وإيران، تجعل من الصعب الفصل بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ما جرى في الحرب أظهر بشكل واضح أنه تتم إدارة الجبهتين على أنهما جبهة واحدة ضمن غرفة عمليات مشتركة وخطة عملياتية موحدة هدفت إلى تشتيت وإرهاق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية». ويضيف أن هذا النمط من العمل يعكس وحدة في إدارة المعركة واتخاذ القرار، بما يؤكد أن المواجهة لم تكن عبارة عن جبهتين منفصلتين، بل ساحة عمليات مترابطة خضعت لتنسيق مباشر بين إيران و«حزب الله».

من إدارة العمليات إلى القتال على الأرض

وإذا كان وجود ضباط إيرانيين في غرف العمليات بات محسوماً فإن عدد المقاتلين الإيرانيين على الأرض بقي غير واضح. وفي هذا السياق، أثار المحلل السياسي المقرب من «حزب الله» الدكتور قاسم قصير جدلاً قبل يومين عندما تحدث عن مشاركة 50 ألف مقاتل إيراني في الحرب في لبنان ومقتل 10 آلاف منهم، ما أثار موجة من الاستغراب والتساؤلات في الأوساط اللبنانية. إلا أن قصير عاد لاحقاً وقال إن كلامه جاء في سياق الرد على الروايات التي تصف الحرب بأنها مواجهة إيرانية - إسرائيلية مباشرة على الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن المبالغة التي استخدمها كانت تهدف إلى إظهار عدم واقعية هذه الأرقام. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المبالغة في الأرقام التي تحدثت عنها دليل على عدم صدق الموضوع».

طفلة تحمل العلم الإيراني خلال رحلة العودة إلى الجنوب بعد وقف إطلاق النار (رويترز)

في المقابل، يلفت المحلل السياسي علي الأمين إلى أن الحرب الأخيرة حملت منذ بدايتها طابع مواجهة إيرانية – إسرائيلية على الأرض اللبنانية مذكراً بداية بضباط «الحرس الثوري» الذين قتلوا في فندق في بيروت.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «بعد اغتيال قيادات الصف الأول في (حزب الله) عام 2024، وفي مقدمهم أمين عام (حزب الله) حسن نصر الله وعدد من قادة النخبة وقوة الرضوان، نشأ فراغ كبير داخل البنية القيادية للحزب، ما استدعى حضور قيادات وضباط من (الحرس الثوري) الإيراني إلى لبنان لتولي إدارة المعركة والإشراف على العمليات. هؤلاء لم يكونوا مقاتلين عاديين، بل ضباطاً متخصصين على مستوى عالٍ تولوا مهام القيادة والتنسيق وإدارة المحاور الميدانية»، مضيفاً أن هناك بنية تنظيمية وعسكرية متداخلة بين «الحرس الثوري» و«حزب الله»، وليست مجرد علاقة بين حليفين منفصلين.

جثث غير لبنانيين في الجنوب

ويتحدث الأمين عن عدد كبير من مقاتلين غير لبنانيين في الجنوب ويقول: «بعد وقف إطلاق النار بدأت عمليات انتشال الجثث من القرى الجنوبية، لكن في بعض المناطق طُلب من الأهالي عدم التوجه إليها في المرحلة الأولى». ويضيف: «حجم الدمار سبب أساسي لكن هناك سبب آخر وهو وجود عدد كبير من الجثث تحت أنقاض المنازل حيث تبين وجود قتلى غير لبنانيين، بينهم إيرانيون وفلسطينيون من المخيمات، إضافة إلى معلومات عن عراقيين شاركوا في المعارك».

ويضيف: «الإيرانيون، باعتبارهم جزءاً أساسياً من إدارة المعركة، لم يكونوا موجودين فقط في غرف العمليات، بل كانوا حاضرين أيضاً على بعض المحاور الميدانية. وفي المقابل كان هناك تعتيم واسع على حجم الخسائر البشرية، إذ لم يعد (حزب الله) ينشر بيانات النعي التفصيلية كما كان يفعل في السابق، واكتفى بالإعلان عن مقتل القيادات البارزة، ما أثار تساؤلات حول العدد الفعلي للقتلى وهوية بعضهم».

ويشير إلى أن «عمليات انتشال الجثث تتم فقط من خلال (حزب الله) والهيئة الصحية الإسلامية، مع إبعاد الصليب الأحمر»، مضيفاً: «وإذا كان لهذا الأمر من دلالة، فهو وجود أشخاص لا يراد الكشف عن هوياتهم الحقيقية أو جنسياتهم، أو إدراجهم ضمن لوائح القتلى اللبنانيين المعلنة رسمياً».

مناصرون لـ«حزب الله» يشيّعون عنصراً قتل في غارات إسرائيلية على بلدة النبي شيت بالبقاع شرق لبنان (أ.ب)

ألف قتيل و500 مفقود في صفوف «حزب الله»

في المقابل، ينفي قصير وجود أزمة في عدد مقاتلي «حزب الله»، معتبراً أن طبيعة المعركة الحالية لم تعد تتطلب الأعداد نفسها التي كانت مطلوبة في مراحل سابقة، وأن لدى «حزب الله» ما يكفي من المقاتلين للقيام بالمهام المطلوبة. وفيما لا يعلن «حزب الله» عن عدد قتلاه وتوقف عن نعيهم منذ بداية هذه الحرب، يقدّر قصير عدد الذين قتلوا خلال الحرب الأخيرة بنحو ألف مقاتل، إضافة إلى نحو 500 مفقود. ورأى أن سقوط أي مقاتلين أو ضباط إيرانيين في المعركة لن يكون قابلاً للإخفاء، مشيراً إلى أن الإعلان عن مقتل الضباط الإيرانيين الأربعة في فندق الروشة يشكل دليلاً على أن أي خسائر إيرانية مماثلة كانت ستُعلن بصورة رسمية.