سوريون في المخيمات يطالبون الحكومة بأن تضعهم فوق كل اعتبار

الوقت لا يصب في مصلحة الحكومة؛ فمنظمات الإغاثة الإنسانية تواصل تقليص حجم مساعداتها

صبحية الصالح نازحة من حماة إلى إدلب أمام خيمتها في مخيم الكرامة قرب أطمة شمال سوريا (أ.ب)
صبحية الصالح نازحة من حماة إلى إدلب أمام خيمتها في مخيم الكرامة قرب أطمة شمال سوريا (أ.ب)
TT

سوريون في المخيمات يطالبون الحكومة بأن تضعهم فوق كل اعتبار

صبحية الصالح نازحة من حماة إلى إدلب أمام خيمتها في مخيم الكرامة قرب أطمة شمال سوريا (أ.ب)
صبحية الصالح نازحة من حماة إلى إدلب أمام خيمتها في مخيم الكرامة قرب أطمة شمال سوريا (أ.ب)

اعتقدت صبحية الصالح أنها ستغادر خيمتها أخيراً وتعود إلى منزلها لحظة إطاحة هجوم للمعارضة أواخر عام 2024 بالرئيس بشار الأسد، منهياً بذلك أكثر من عقد من الصراع.

لكنها لا تزال تعيش في مخيم الكرامة، وهو مخيم يقع في بلدة أطمة شمال غربي محافظة إدلب قرب الحدود التركية، مع زوجها وأبنائها السبعة وبناتها الأربع. وقالت لـ«وكالة أسوشييتد برس» عن منزلها في اللطامنة على الجانب الآخر من محافظة إدلب والذي غادرته في ذروة الصراع: «ذهبت ورأيت منزلي فوجدته قد سُوّي بالأرض تماماً».

ورغم أن أكثر من نصف سكان المخيمات قد غادروها، فإنها، كغيرها من السوريين الذين يعيشون في فقر مدقع، لا تستطيع تحمل تكاليف إعادة بناء منزلها والعودة.

لذا، في هذه الأثناء، تستمر في العيش في بؤس، ففي كل عام تتسرب مياه الأمطار عبر الخيمة، وفي كل صيف، تُعاني هي وما يُقدّر بنحو 40 ألف شخص آخرين في ذلك المخيم المترامي الأطراف من حرارة خانقة وذباب كثيف.

طفلة تسير في مخيم الكرامة بالقرب من قرية أطمة بمحافظة إدلب (إ.ب)

ألحقت الانتفاضة السورية التي تحولت إلى حرب أهلية استمرت من عام 2011 حتى أواخر عام 2024، دماراً هائلاً بالبلاد، وأغرقت أكثر من 90 في المائة من سكانها البالغ عددهم نحو 26 مليون نسمة في براثن الفقر. وستُكلّف إعادة إعمارها مئات المليارات من الدولارات، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة.

وأسفرت الحرب عن مقتل 500 ألف شخص (على الأقل)، وإصابة أكثر من مليون، وتشريد أكثر من نصف سكان سوريا قبل الحرب والبالغ عددهم 23 مليون نسمة. وقد حققت الحكومة برئاسة الرئيس المؤقت أحمد الشرع تقدماً ملحوظاً في إعادة العلاقات بين سوريا والمجتمع الدولي، حيث رفعت العقوبات المُرهِقة، ووعدت بإصلاحات شاملة.

وبعد مرور أكثر من عام على انتهاء الحرب، لا يزال أكثر من 7 ملايين سوري نازح داخل البلاد غير قادرين على العودة إلى ديارهم، بحسب الأمم المتحدة، ولا يزال مليون نازح سوري يعيشون في خيام، كما هي حال الصالح. وقد تعهدت الحكومة السورية، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بتوفير مساكن بديلة للنازحين بحلول نهاية عام 2027، وتعهدت السعودية بدعم هذه المبادرة بمبلغ 1.5 مليار دولار.

صورة ملتقطة من الجو لمخيم الكرامة بالقرب من قرية أطمة محافظة إدلب شمال سوريا (أ.ب)

لكن على الرغم من التزامات المستثمرين الكبار، وتوقيع اتفاقيات شراكة لجلب فرص عمل وأموال إلى البلاد، فإن حجم الدمار الهائل يعني أن تخفيف حدة الفقر وإعادة الناس إلى ديارهم سيستغرق وقتاً طويلاً.

ويقدر البنك الدولي أن تكلفة إعادة الإعمار بعد الحرب ستبلغ نحو 216 مليار دولار. وبعد مرور ما يقارب 18 شهراً على سقوط حكم عائلة الأسد الذي دام 5 عقود، لا تزال أجزاء كبيرة من المدن السورية الرئيسية، مثل حلب والرقة شمالاً، وحمص وسطاً، فضلاً عن أجزاء من دمشق، مدمرة.

وفي الوقت نفسه، لا يصب الوقت في مصلحة الحكومة؛ فمنظمات الإغاثة الإنسانية، التي عانت سنوات من تخفيضات كبيرة في ميزانياتها، تواصل تقليص حجم برامجها التي لا يزال ملايين السوريين يعتمدون عليها.

قالت الصالح: «من أين لنا بالمال لإعادة البناء؟ نستطيع بصعوبة توفير الخبز والماء لأنفسنا. لم تصل أي مساعدات إلى المخيم منذ التحرير».

وفد أممي خلال زيارة أخيرة لمخيم في منطقة معرة مصرين بإدلب (الأمم المتحدة)

وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن في 13 مايو (أيار) الحالي عن خفض برنامج مساعداته الغذائية للفئات الأكثر ضعفاً إلى النصف، بعد أن كان يدعم 1.3 مليون شخص، كما ألغى البرنامج دعم الخبز الذي يعتمد عليه الملايين. في الوقت نفسه، ارتفع التضخم بشكل حاد في سوريا، ما يصعّب على الناس الادخار بشكل كافٍ لإعادة البناء.

يقول عبد الحميد أبو علاء، الذي يعيش مع عائلته في نفس المخيم: «ارتفعت أسعار مواد البناء بشكل جنوني. أستطيع بصعوبة شراء أدويتي». وأضاف أنه وكثيرين غيره ما زالوا يسددون ديوناً اقترضوها لتغطية نفقاتهم الأساسية.

أطفال نازحون يلهون في دروب مخيم الكرامة شمال سوريا (أ.ب)

وقال أبو علاء إنه على الرغم من الإنجازات الدبلوماسية والاقتصادية الكبيرة التي حققتها سوريا، فإنه يحث الحكومة على الاستجابة السريعة لأشدّ الناس فقراً في البلاد الذين ما زالوا يعيشون في ظروف مزرية، وأضاف: «يجب أن تتغير أولويات الحكومة، وأن تضع احتياجات أشدّ الناس فقراً فوق كل اعتبار».

ولا تزال الأمم المتحدة ملتزمة ببذل قصارى جهدها، مستخدمةً مواردها المتاحة، للمساعدة في تخفيف الأعباء المالية عن السوريين ودعم مشروع الشرع لعام 2027. وخلال زيارة لمخيم في منطقة معرة مصرين بإدلب، قالت ناتالي فوستير، المنسقة المقيمة للأمم المتحدة والمنسقة الإنسانية في سوريا، إن القطاع الخاص والمؤسسات المالية الدولية قد يحتاجان إلى مساعدة الشرع على بلوغ الموعد النهائي في أواخر عام 2027.

وأضافت فوستير: «لا أعرف تحديداً كم سيستغرق الأمر. ربما ستبقى بعض المخيمات، لكننا سنواصل العمل مراراً وتكراراً لإنهاء وجودها».


مقالات ذات صلة

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

المشرق العربي جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

الاختبار الأكبر ليس في عدد الجنرالات السابقين الذين سينتهي بهم المطاف في السجن، بل في قدرة الحكومة الجديدة على إرساء عدالة انتقالية شفافة، وتعزيز سيادة القانون.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولون سوريون يؤدون صلاة العيد في جامع عبد الله بن عباس بمدينة حلب (حساب الرئاسة)

​الشرع يؤدي صلاة الأضحى في حلب... والسوريون يزورون قبور أحبتهم

أدى الرئيس أحمد الشرع صلاة العيد صباح اليوم في جامع «عبد الله بن عباس» بمدينة حلب وهي المرة الأولى التي يؤديها بمدينة غير العاصمة دمشق منذ توليه الرئاسة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا فرق الطوارئ تحضر إلى موقع النصب التذكاري للمحرقة بعد تعرض رجل لهجوم في موقع النصب التذكاري في برلين - فبراير 2025 (أ.ب)

ألمانيا تعتقل سورياً يشتبه بتحريضه على هجوم عند نصب تذكاري للمحرقة

قال ممثلو ادعاء إن الشرطة الألمانية ألقت القبض اليوم الأربعاء على مواطن سوري يشتبه في تورطه في هجوم عند نصب تذكاري للمحرقة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي صورة متداولة للعبارة المائية التي غرقت في دير الزور وهي تحمل سيارة

استنفار ونداء لأهالي الرقة ودير الزور بإخلاء المناطق القريبة من نهر الفرات

تشهد محافظتا الرقة ودير الزور على نهر الفرات حالة استنفار كامل بعد فتح 4 بوابات مفيض في سد الفرات لتصريف المياه إثر تدفقات مائية قياسية.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي تأمين طريق السويداء - ولغا لتسهيل عودة الأهالي المهجرين (السويداء 24)

دمشق تعمل على تأمين الطريق بين ريف السويداء الغربي والمدينة

تعتزم الحكومة السورية فتح الطريق بين مدينة السويداء الواقعة تحت نفوذ شيخ العقل حكمت الهجري، وبلدة المزرعة، في ريف المحافظة الغربي.

موفق محمد (دمشق)

الاجتماع العسكري «اللبناني - الإسرائيلي» بموعده لتبادل الطروحات دون الحسم

سيدة تقف على أنقاض منزلها بعد استهدافه بقصف إسرائيلي في منطقة البرج الشمالي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيدة تقف على أنقاض منزلها بعد استهدافه بقصف إسرائيلي في منطقة البرج الشمالي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الاجتماع العسكري «اللبناني - الإسرائيلي» بموعده لتبادل الطروحات دون الحسم

سيدة تقف على أنقاض منزلها بعد استهدافه بقصف إسرائيلي في منطقة البرج الشمالي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيدة تقف على أنقاض منزلها بعد استهدافه بقصف إسرائيلي في منطقة البرج الشمالي جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تتصدر الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مدينتي النبطية وصور وجوارهما، وتعدّ الأعنف والأوسع منذ أسابيع، جدول أعمال أول اجتماع عسكري بين لبنان وإسرائيل سيعقد في الساعات المقبلة في «البنتاغون»، ويشارك فيه ضباط من القيادة الأميركية الوسطى، رغم أن إسرائيل تدخلت لدى واشنطن لإقناعها بتأجيله، لكنها قوبلت بإصرار على انعقاده في موعده، خصوصاً أن توجه الوفد اللبناني إلى واشنطن أدى إلى حشر تل أبيب، وكان وراء تثبيت انعقاده.

الدخان يتصاعد من النبطية إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (رويترز)

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر مواكب للاتصالات «اللبنانية - الأميركية» أن واشنطن مارست ضغطاً على إسرائيل للكف عن استهدافها لسد بحيرة القرعون في البقاع الغربي. وقال المصدر إن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون على تواصل دائم بكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، طالباً منهم التدخل لوقف التصعيد الإسرائيلي وتثبيت الهدنة.

ولفت إلى أنه يأمل عدم شمول الضاحية الجنوبية وبيروت بالضربات الإسرائيلية، لأن تفلت الوضع، من وجهة نظر واشنطن، لا يخدم إلا المتضررين من المفاوضات المباشرة بين البلدين برعاية أميركية، وأن «حزب الله» لن يكون منزعجاً في حال توقفها أو تعليق اجتماعاتها تحت الضغط بالنار لتبرير دعوته للتفاوض غير المباشر.

وأكد أن قيام إسرائيل بتوسعة ضرباتها وتكثيف غاراتها كان موضع بحث في اتصالات عون بكبار المسؤولين الأميركيين، خصوصاً أنها لا تستهدف الأمكنة التي يستخدمها «حزب الله» لإطلاق المسيّرات الانقضاضية بل أخذت تطاول عشرات البلدات، وأدت إلى تهجير سكانها وتدمير منازلهم. وقال إن محاولات جرت للتوصل إلى هدنة تسبق الاجتماع العسكري، لكنها اصطدمت كالعادة بموقف «حزب الله» وإسرائيل على خلفية مَنْ يلتزم أولاً بوقف النار؟

ورأى المصدر أن إسرائيل بتوسعة ضرباتها غير المسبوقة التي استهدفت المدنيين والعناصر العاملة في الهيئات الصحية والدفاع المدني، كانت تراهن على تعليق الاجتماع بطلب من لبنان، وهذا ما لم يفعله، ما اضطرها للدخول مباشرة على خط التواصل مع «الخارجية الأميركية» لإقناعها بتأجيله، لكنها لم تلقَ التجاوب، وأُبلغت بأنه قائم في موعده بلا أي تأخير، خصوصاً أن لبنان ليس سبباً في تأجيله.

وقال إن تثبيت الهدنة سيُدرج، بناءً على طلب الوفد العسكري اللبناني برئاسة مدير العمليات في الجيش العميد جورج رزق الله، بنداً أول على جدول أعماله، وأنه يراهن على تدخل الوفد العسكري الأميركي بناءً لاتصالات لبنانية شملت وزير الخارجية ماركو روبيو للضغط على الوفد الإسرائيلي لإلزامه بوقف النار، وفي حال لم يلقَ التجاوب المطلوب فإن البديل يكمن في دعوته لخفض منسوب التصعيد بامتناعه عن توسعة الضربات، بالتلازم مع إصرار الجيش الإسرائيلي على التوغل إلى مثلث بلدات يحمر - أرنون - ميفدون بعد دخوله إلى بلدة زوطر الشرقية.

غارة إسرائيلية على مبنى في الشويفات قالت إسرائيل إنها استهدفت فيها علي الحسيني المسؤول الصاروخي في «فرقة الإمام الحسين» التابعة لـ«فيلق القدس» الإيراني (أ.ف.ب)

وأكد المصدر أن تثبيت الهدنة يُمهّد الطريق أمام انعقاد الاجتماع السياسي بين البلدين يومي 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل بأجواء هادئة لئلا ينعقد تحت ضغط إسرائيل بالنار.

وقال إن الاجتماع العسكري يبقى تحت سقف تبادل الطروحات بين الوفدين دون حسمه كل ما يتعلق بالملف السياسي الذي هو من اختصاص وصلاحية الوفد اللبناني المفاوض، برئاسة السفير السابق سيمون كرم، الذي سيتقدم بتصور لبناني متكامل يتناول سلاح «حزب الله» تطبيقاً لحصريته على مراحل بيد الدولة، في مقابل جدولة الانسحاب الإسرائيلي، كما «إعلان النيات» الذي كان قد طرحه في جلسة المفاوضات السابقة، وطلب رئيس الوفد الإسرائيلي السفير لدى واشنطن يحيئيل ليتر التمهل لمراجعة رئيس حكومته بنيامين نتنياهو للوقوف على رأيه ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه.

ولم يستبعد المصدر أن يفتح تبادل الطروحات الباب أمام تقييم الأسباب التي حالت دون انتشار الجيش حتى الحدود الدولية، باحتفاظ إسرائيل بالنقاط الخمس، في مقابل امتناع «حزب الله» عن التجاوب مع قيادة قطاع جنوب الليطاني، بتزويدها بالخرائط الخاصة بالأنفاق التي شقّها تحت الأرض، ويختزن فيها الصواريخ، إضافة إلى عتاد عسكري متنوع، ما تسبب عند تفكيك بعضها في مقتل 12 جندياً وعشرات الجرحى.

وجدد تأكيده أن الوفد اللبناني للمفاوضات السياسية هو مَن يتخذ القرارات بالتشاور مع عون، وإنما تحت سقف إمكانية التوصل لاتفاق أمني لإنهاء حال الحرب بين البلدين، ولن يكون له من مفاعيل سياسية تؤدي لاتفاق سلام لن ينخرط فيه لبنان وحيداً من دون الدول العربية على قاعدة تمسكه بمبادرة السلام العربية التي أقرتها القمة المنعقدة في بيروت عام 2002.

مواطنون في موقع المبنى الذي استهدف بغارة إسرائيلية في مدينة صيدا جنوب لبنان (أ.ب)

وفي هذا السياق، سأل مصدر سياسي عمّا إذا كان تعثر المفاوضات «الأميركية - الإيرانية» يُشكّل حافزاً أميركياً للتوصل إلى اتفاق يقضي بتثبيت الهدنة بين لبنان وإسرائيل، على أن تترك الإدارة الأميركية لنفسها اختيار التوقيت المناسب للإعلان عن ولادته، إفساحاً في المجال أمام التوصل إلى وقف لإطلاق النار يُسجَّل في خانة عون، ويأتي استباقاً للاتفاق «الأميركي - الإيراني»، في حال أدت الوساطات المتعددة إلى تذليل المعوقات التي تؤخر الإعلان عنه، بما يدعم وجهة نظر واشنطن في تمرير رسالة إلى «الثنائي الشيعي»، مفادها أنه لا جدوى من ربط المسار اللبناني بإيران، وأن المصلحة تقتضي الفصل بينهما، ما يضع «الثنائي» أمام إعادة النظر في رهانه على أن لبنان سيكون مشمولاً بالاتفاق «الأميركي - الإيراني».


الصدر يمهل جناحه العسكري أسبوعاً للاندماج في الحكومة

دراجة نارية تمر أمام لافتة لمقتدى الصدر نُصبت على أحد شوارع بغداد 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دراجة نارية تمر أمام لافتة لمقتدى الصدر نُصبت على أحد شوارع بغداد 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الصدر يمهل جناحه العسكري أسبوعاً للاندماج في الحكومة

دراجة نارية تمر أمام لافتة لمقتدى الصدر نُصبت على أحد شوارع بغداد 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دراجة نارية تمر أمام لافتة لمقتدى الصدر نُصبت على أحد شوارع بغداد 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

حدد زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، مهلة أسبوع لإكمال انفكاك جناحه العسكري وإلحاقه بالمؤسسات الحكومية، في حين وصف قيادي بارز في تحالف «الإطار التنسيقي» الحاكم «المقاومة المسلحة» في العراق بأنها «عبء على المجتمع».

كان الصدر، أعلن الأربعاء، دمج جناحه العسكري «سرايا السلام» في الدولة، داعياً فصائل «الحشد الشعبي» إلى تسليم سلاحها.

وبعد يوم واحد من القرار، وجَّه الصدر، قيادات في «سرايا السلام» بإكمال إجراءات الانفكاك والاندماج مع الدولة خلال أسبوع.

وأفادت وثيقة صادرة عن مكتب الصدر، بأن الأخير «أصدر تكليفاً لعدد من القيادات في (سرايا السلام) لاستكمال إجراءات انفكاك الجانب العسكري عن التيار، والانتقال إلى مسار الاندماج مع مؤسسات الدولة».

وحسب الوثيقة، فقد كلف الصدر كلاً من مدير مكتبه الخاص حيدر الجابري، والمستشار العسكري أبو دعاء العيساوي، والمعاون الجهادي تحسين الحميداوي، ومسؤولين آخرين إكمال إجراءات الانفصال خلال مدة أقصاها أسبوع واحد، على أن يُستكمل التسليم الكامل بحلول الخامس من يونيو (حزيران)، مع دمج الجانب المدني ضمن إطار «البنيان المرصوص»، وبالتنسيق مع الجهات الرسمية.

ويقول أعضاء في التيار الصدري إن ما يعرف بـ«البنيان المرصوص» مؤسسة خيرية تقدم خدمات إعانة اجتماعية لفئات وشرائح مختلفة، داخل العراق وخارجه.

كان رئيس الوزراء علي الزيدي قد رحب بقرار الصدر، عادَّاً أنه يمثل «مساراً مهماً لتعزيز الاستقرار الداخلي وترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة».

ودعا الزيدي جميع الفصائل إلى العمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، مؤكداً أن الدولة «هي الجهة المخوّلة حصراً بحمل السلاح وإنفاذ القانون».

وسبق للصدر أن أعلن خلال عامي 2017 و2029 فك الجناح العسكري التابع له، لكن موقفه الأخير يتزامن مع مجيء حكومة تعمل تحت ضغط إقليمي ودولي لنزع سلاح الفصائل.

و«سرايا السلام» منضوية في هيئة «الحشد الشعبي» عبر الألوية 313 و314 و315، وتتولى مهام أمنية في مناطق عدة، أبرزها مدينة سامراء.

جانب من اجتماع لقوى «الإطار التنسيقي» في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

رفض السلاح المنفلت

من جهتها، أكدت «حركة عصائب أهل الحق» في العراق، بزعامة قيس الخزعلي، أن الحركة وجناحها في البرلمان كتلة «صادقون»، تؤمنان بحاكمية الدولة وحصر السلاح بيدها، مشددتين على رفض وجود أي سلاح منفلت أو خارج إطار المؤسسات الرسمية.

وقال عضو المكتب السياسي لكتلة «صادقون»، خالد الساعدي، في تصريحات صحافية، إن «العصائب تؤيد حصر السلاح بيد الدولة، بشرط أن تكون الدولة قادرة على حماية أمن العراق براً وجواً وبحراً من مختلف الأخطار».

كان زعيم حركة «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي صرح في وقت سابق بأن «المقاومة التي لا تمتلك مشروعاً متكاملاً للبناء والتنمية قد تتحول مع مرور الوقت عبئاً على المجتمع».

في غضون ذلك، أكد المتحدث باسم «كتائب سيد الشهداء»، كاظم الفرطوسي، أن موقف فصيله من ملف تسليم السلاح إلى الحكومة «ثابت وغير قابل للتغيير»، لكنه أشار إلى أن «سلاح المقاومة» سيبقى قائماً ما دامت أسباب وجوده مستمرة.

وقال الفرطوسي، في تصريحات صحافية، إن «الكتائب تنظر بإيجابية إلى دعم رئيس الوزراء، علي فالح الزيدي، فيما يتعلق بإدارة الدولة وتحقيق الاستقرار، لكنها في الوقت ذاته ترفض فكرة تسليم السلاح في المرحلة الحالية».

كما انتقد الفرطوسي، فكرة «دمج جميع التشكيلات المسلحة ضمن الأجهزة الأمنية بشكل مباشر»، موضحاً أن «لكل جهة اختصاصها، وأن أي نقاش بشأن الانخراط الكامل في مؤسسات الدولة يرتبط بظروف أمنية وسياسية محددة»، على حد قوله.

يشاع على نطاق واسع أن خمسة فصائل مسلحة وافقت على حصر سلاحها بيد المؤسسات الحكومية، دون تفاصيل واضحة حول كيفية تنفيذ العملية المحتملة، في حين رفضت كل من «حركة النجباء» و«كتائب حزب الله» الامتثال لطلبات نزع السلاح.

كان رئيس المجلس التنفيذي لـ«حركة النجباء» ناظم السعيدي، قد قال في وقت سابق من الشهر الحالي، إن إجراءات حصر السلاح تستهدف السلاح «غير المنضبط» الذي يسبب «الفوضى»، وليس «سلاح المقاومة».

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» في القائم على الحدود مع سوريا 2 مارس 2026 (رويترز)

خطة نزع السلاح

كانت «الشرق الأوسط» كشفت في 9 مايو (أيار) 2026 عن لجنة عراقية تضم رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي، ورئيس الحكومة المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، وهادي العامري، تعمل على إنجاز «مشروع تنفيذي» لنزع سلاح الفصائل المسلحة؛ تمهيداً لعرضه على واشنطن، وسط ضغوط أميركية متصاعدة لإبعاد الميليشيات عن الحكومة الجديدة ومفاصل الدولة.

وكانت اللجنة قد عرضت على قادة ميليشيات «أفكاراً حول كيفية نزع السلاح»، لكن بعض الاجتماعات «لم تكن تمر بهدوء»، على حدّ وصف مطلعين.

وتشمل الخطة نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وإعادة هيكلة «الحشد الشعبي» بالتزامن مع تغييرات مرتقبة في أجهزة أمنية حساسة، قد تشمل جهاز المخابرات.

لكن مصادر سياسية شكّكت في قدرة الحكومة على تنفيذ المشروع، عادَّة أنه قد يهدف إلى «شراء الوقت». في المقابل، أعلنت فصائل بارزة، بينها «كتائب حزب الله» و«النجباء»، رفضها تسليم السلاح «مهما كان الثمن».


وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله

الرئيس هادي خلال استقبال الملك سلمان بن عبد العزيز له في مناسبة سابقة (سبأ)
الرئيس هادي خلال استقبال الملك سلمان بن عبد العزيز له في مناسبة سابقة (سبأ)
TT

وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله

الرئيس هادي خلال استقبال الملك سلمان بن عبد العزيز له في مناسبة سابقة (سبأ)
الرئيس هادي خلال استقبال الملك سلمان بن عبد العزيز له في مناسبة سابقة (سبأ)

توفي، صباح الخميس، الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، بعد مسيرة امتدت لثمانية عقود، عاصر خلالها مختلف التحولات السياسية في اليمن، وارتبط اسمه بمحطات مفصلية حفلت بالتحديات والصراعات والتقلبات التي شهدتها البلاد.

وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله (سبأ)

يُعد هادي من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالتحولات السياسية والعسكرية الأكثر تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث، خصوصاً خلال مرحلة ما بعد «الربيع العربي»، وصعود الحوثيين، ثم اندلاع الحرب التي أعادت رسم المشهد اليمني بكل تفاصيله.

وُلد عبد ربه منصور عام 1945 في قرية ذكين بمديرية الوضيع بمحافظة أبين، وانخرط مبكراً في العمل العسكري، ليتدرج في المؤسسة العسكرية بجنوب اليمن قبل الوحدة، ثم أصبح من أبرز القيادات العسكرية التي انتقلت للعمل ضمن مؤسسات الدولة اليمنية الموحدة بعد عام 1990.

وخلال حرب صيف 1994 بين شريكي الوحدة، انحاز هادي إلى الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، وهو ما عزّز موقعه داخل السلطة اليمنية لاحقاً.

في عام 1994، عُيّن نائباً للرئيس، وظل يشغل هذا المنصب لما يقارب 18 عاماً، في واحدة من أطول فترات النيابة السياسية في المنطقة العربية، وبقي بعيداً نسبياً عن دائرة الضوء الإعلامي والسياسي مقارنةً بالرئيس صالح وشبكة مراكز القوى المحيطة به.

في الشارع اليمني، ارتبط اسم عبد ربه منصور هادي بصورة الرجل الهادئ والغامض، الذي نادراً ما دخل في صدامات علنية أو أطلق مواقف تستفز مختلف الأطراف السياسية والقبلية في البلاد.

جاءت اللحظة الأبرز في مسيرته السياسية مع احتجاجات عام 2011 ضد نظام صالح، حين دخل اليمن في أزمة سياسية حادة انتهت بتوقيع «المبادرة الخليجية» التي نقلت السلطة بصورة سلمية إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً للمرحلة الانتقالية.

وفي فبراير (شباط) 2012، انتُخب رئيساً للجمهورية في انتخابات توافقية بمرشح وحيد، بدعم إقليمي ودولي واسع، ليقود مرحلة إعادة هيكلة الدولة اليمنية وصياغة دستور جديد.

واجه هادي منذ الأيام الأولى تحديات هائلة، تمثلت في الانقسامات العسكرية، وتصاعد نفوذ الحوثيين، وتنظيم «القاعدة»، والانهيار الاقتصادي، إضافةً إلى تعقيدات التوازنات القبلية والسياسية التي خلّفها عهد صالح.

وسعى جاهداً إلى إعادة هيكلة الجيش وتقليص نفوذ القيادات التقليدية، كما دعم انعقاد «مؤتمر الحوار الوطني الشامل» الذي ضم مختلف القوى اليمنية، واعتُبر آنذاك محاولة تاريخية لرسم مستقبل جديد للدولة.

الرئيس هادي خلال استقبال الملك سلمان بن عبد العزيز له في مناسبة سابقة (سبأ)

غير أن المرحلة الانتقالية سرعان ما دخلت منعطفاً خطيراً مع تمدد الحوثيين من معقلهم في صعدة نحو العاصمة صنعاء، مستفيدين من تحالف غير معلن مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح وشبكات النفوذ التابعة له. وفي 21 سبتمبر (أيلول) 2014، سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء، ووُضع هادي تحت الإقامة الجبرية، قبل أن ينجح لاحقاً في الفرار إلى مدينة عدن مطلع 2015.

ومن عدن، حاول هادي إعادة بناء السلطة الشرعية وإدارة البلاد من هناك، لكنَّ الحوثيين واصلوا تقدمهم نحو الجنوب، مما دفعه إلى مغادرة اليمن عبر سلطنة عمان متوجهاً إلى الرياض في مارس (آذار) 2015، بالتزامن مع انطلاق عمليات «عاصفة الحزم» بقيادة السعودية دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

ومنذ انتقاله إلى الرياض، أصبح هادي يمثل المرجعية السياسية للشرعية اليمنية المعترف بها دولياً، وحافظ على دعم الأمم المتحدة ودول الخليج والمجتمع الدولي، رغم الانتقادات التي وُجهت لأداء حكومته، والانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتعثر مؤسسات الدولة في المناطق المحررة.

وخلال سنوات الحرب، ظل هادي شخصية محورية في المشهد اليمني، إذ ارتبط باسمه عديد من القرارات السيادية والتعيينات العسكرية والسياسية، كما قاد مفاوضات وتسويات متعددة برعاية أممية وإقليمية، وسط بيئة شديدة التعقيد سياسياً وعسكرياً.

وفي أبريل (نيسان) 2022، أعلن هادي نقل صلاحياته الرئاسية إلى «مجلس قيادة رئاسي» برئاسة رشاد العليمي وعضوية سبعة نواب، في خطوة اعتُبرت تحولاً كبيراً في بنية السلطة اليمنية ومحاولة لإعادة توحيد القوى المناهضة للحوثيين ضمن إطار قيادي جماعي.

ومنذ ذلك الحين، ابتعد هادي بصورة شبه كاملة عن المشهد السياسي والإعلامي واستقر في الرياض، في وقت ترددت فيه أنباء عن معاناته من مشكلات صحية، إذ خضع خلال سنوات توليه الرئاسة لعدد من الفحوصات الطبية الدورية في الولايات المتحدة الأميركية، دون أن يُعلن رسمياً طبيعة حالته الصحية أو تفاصيلها.

ورغم ابتعاده عن المشهد الرسمي بعد ذلك، يبقى عبد ربه منصور هادي واحداً من أكثر الرؤساء اليمنيين ارتباطاً بمرحلة التحولات العاصفة التي شهدتها البلاد، من الانتقال السياسي بعد 2011، إلى انهيار الدولة، ثم الحرب المعقدة التي ما زالت تُلقي بظلالها على اليمن حتى اليوم.