20 عاماً من المبادرات لم تغلق ملف اللبنانيين المخفيين قسراً في سوريا

الأنظار تتجه نحو زيارة سلام إلى دمشق لمعالجته

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (الشرق الأوسط)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (الشرق الأوسط)
TT

20 عاماً من المبادرات لم تغلق ملف اللبنانيين المخفيين قسراً في سوريا

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (الشرق الأوسط)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (الشرق الأوسط)

يمثل تعهد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، بطرح ملف اللبنانيين المخفيين قسراً في سوريا مع الرئيس السوري، أحمد الشرع، في زيارته إلى دمشق، الاثنين، أحدث تحرك رسمي لبناني لمعالجة هذا الملف الذي لطالما كان عائقاً أمام العلاقات الطبيعية بين لبنان وسوريا.

وبدأت قضية المخفيين قسراً في لبنان مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. خلال سنوات الحرب، اختفى آلاف اللبنانيين في ظروف غامضة. وتشير تقارير حقوقية لبنانية إلى أن عدد المخفيين قسراً خلال الحرب الأهلية قد يتجاوز 17 ألف شخص، بعضهم قُتل ودُفن في مقابر جماعية، بينما نُقل آخرون إلى خارج البلاد، خصوصاً إلى سوريا التي كانت لها اليد الطولى تحكماً في الأوضاع اللبنانية منذ عام 1976 حتى عام 2005.

وخلال فترات سابقة، أفرج النظام السوري عن لبنانيين معتقلين لديه على دفعتين؛ الأولى عام 1998 وشملت 121 لبنانياً، والثانية عام 2000 وشملت 54 لبنانياً، لكن جمعيات لبنانية قالت إنه ما زال مئات اللبنانيين موجودين في السجون السورية، فيما نفت دمشق ذلك.

سقوط النظام

وواظب النظام السوري المخلوع على إنكار وجود معتقلين سياسيين، لكن مع سقوطه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، خرج كثير من المعتقلين اللبنانيين في سجون حماة وحمص ودمشق وريفها. وبدأ القضاء اللبناني الآن استجواب 23 معتقلاً سابقاً في السجون السورية لتقصي أحوال آخرين من المفقودين. وكشف التحقيق مع 8 منهم حتى الآن عن وجود عشرات المعتقلين اللبنانيين في سوريا، كانوا من نزلاء سجون المزّة و«فرع فلسطين» وصيدنايا في دمشق، بالإضافة إلى سجن تدمر. وأفاد هؤلاء بأنهم لم يتعرفوا على أسماء اللبنانيين المعتقلين الحقيقية؛ «لأن أمراء السجون استخدموا الأرقام بدلاً من الأسماء».

وتحرك الملف بشكل جدي وفاعل على الصعيد الرسمي بعد سقوط بشار الأسد؛ إذ بحث رئيس الحكومة اللبنانية السابق، نجيب ميقاتي، ملف المفقودين مع الرئيس السوري، أحمد الشرع، خلال زيارته إلى دمشق في يناير (كانون الأول) الماضي، وقال إن «الجانب السوري يقوم بدوره كاملاً في إنشاء هيئة خاصة للأمور الجنائية والبحث عن كل المفقودين مع اللوائح»، لافتاً إلى أن بيروت ستزود دمشق «باللوائح الكاملة بأسماء المفقودين، وربما تكون هناك حاجة إلى القيام بفحوصات جنائية وفحوصات الحمض النووي».

الإخفاء في سوريا

ولقضية المفقودين في سوريا تاريخ أليم بالنسبة إلى اللبنانيين. وبدأت تتردد أنباء عن نقل معتقلين لبنانيين إلى السجون السورية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ودخول الجيش السوري إلى لبنان. ووفقاً لشهادات معتقلين سابقين، فإنهم احتُجزوا في سجون مثل صيدنايا وتدمر، وهي سجون اشتهرت بظروفها شديدة القساوة. وتشير تقديرات إلى أن عدد المخفيين اللبنانيين في سوريا تراوح بين 700 و1500 شخص، رغم أن السلطات السورية الدائرة في فلك نظام بشار الأسد لم تعترف مطلقاً بهذا الملف.

طرح جدّي

دخلت قضية المخفيين قسراً منعطفاً مهماً في مسارها عام 2005، وذلك بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وما تلاه من تحولات سياسية كبيرة في لبنان والمنطقة. أدى الاغتيال إلى بداية مرحلة جديدة من التحركات الداخلية والخارجية في لبنان، حيث ارتفعت المطالب بالكشف عن الحقيقة والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية اللبنانية، خصوصاً قضية المخفيين قسراً.

لبنانيون خلال تحركات سابقة في بيروت يعرضون صور أقرباء لهم مفقودين (أرشيفية - الوكالة الوطنية)

ومع تصاعد الاحتجاجات في لبنان والضغط الدولي على سوريا، شهدت تلك المدة انتقالاً كبيراً في العلاقات بين البلدين، خصوصاً انسحاب القوات السورية من لبنان بعد 29 عاماً من الوجود العسكري.

في هذا السياق، بدأ ملف المخفيين قسراً يأخذ أبعاداً جديدة، فقد بدأت العائلات والمجتمع المدني يطالبون علناً بالكشف عن مصير أبنائهم المفقودين، مع تضامن دولي واسع. وضغطت المنظمات الدولية والحكومات الغربية على الحكومة السورية للكشف عن مصير المخفيين اللبنانيين في السجون السورية.

عون

أحدث الزعيم المسيحي ميشال عون عام 2008، خرقاً شكلياً في ملف المخفيين قسراً، فرغم أن قضية اللبنانيين المخفيين في السجون السورية كانت من القضايا الحساسة في العلاقات اللبنانية - السورية، فإن عون قد صرّح بُعيد زيارته الرئيس السوري آنذاك بشار الأسد بأن «هناك لجاناً تعمل وستتوصل إلى نتيجة؛ لأن هناك بحثاً جدياً عن لوائح أسماء المفقودين».

لبنانية خلال تحرك بذكرى المخفيين قسراً في بيروت تحمل صورة ابنها المفقود (أرشيفية - الوكالة الوطنية)

ولكن، بعد أن أصبح ميشال عون رئيساً للجمهورية في لبنان عام 2016، تغيرت بعض الديناميكيات السياسية في معالجة ملف المخفيين قسراً. في البداية، كانت مواقفه تجاه هذا الملف متوافقة مع مساعي توثيق هذا الملف، فقد أكد في أكثر من مناسبة على ضرورة إيجاد حل لهذه القضية، مشدداً على أهمية العدالة للضحايا وعائلاتهم. وبعد توليه الرئاسة، تعهد ميشال عون بالعمل على الكشف عن مصير المخفيين قسراً في السجون السورية، ومع ذلك، لم تُترجم التصريحات إلى خطوات عملية فعالة على الأرض، ولم يحدث تقدم ملموس على صعيد هذا الملف.

الحريري

وخلال زيارة رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، سعد الحريري، إلى سوريا عام 2009، جرى التطرق إلى قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. لكنّ الجانب السوري أكد أن الموجودين في السجون محكومون بجرائم جنائية، نافياً وجود معتقلين سياسيين لبنانيين؛ الأمر الذي أعاد هذه القضية الإنسانية إلى مربع المراوحة والتمييع مجدداً.

نصر الله

بدوره، أدلى الأمين العام الراحل لـ«حزب الله» اللبناني، حسن نصر الله، عام 2013 بتصريح أثار جدلاً واسعاً، حين أشار إلى قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية باستخدام مصطلح «مفقودين»، وهو تصنيف أثار استياءً وانتقادات من قبل معارضين يرون أن هذه التسمية تُغطي على حقيقة الاعتقال والاختطاف، وتعهد بالتواصل مع الحكومة السورية لمعالجة هذا الموضوع.

وردّت القوى المعارضة لـ«الحزب»، مثل النائب سامي الجميل، على تصريحات نصر الله بتأكيدها أن اللبنانيين المحتجزين في السجون السورية ليسوا «مفقودين» بالمعنى الحرفي، بل هم معتقلون ومخطوفون؛ إذ أشار جميل إلى أن القائمة الرسمية التي تتضمن نحو 622 اسماً تُثبت أنهم تحت حجز النظام السوري وليسوا «ضائعين» كما وصفهم نصر الله.

خطوة نحو الإنصاف

وشقّت هذه القضية طريقها داخل المؤسسات الدستورية اللبنانية، فبعد عقود من مثابرة أهالي المفقودين، أقرّ البرلمان اللبناني عام 2018، قانوناً يتعلق بالمفقودين والمخفيين قسراً، وهو قانون «105»، الذي نصّ على «الاعتراف بحق العائلات في معرفة مصير ذويهم»، و«إنشاء هيئة وطنية مستقلة للكشف عن مصير المفقودين»، و«تجريم الإخفاء القسري»، و«حفظ الأدلة وصون المقابر الجماعية».

لبنانية خلال تحرك في بيروت تحمل لافتة تدعو إلى الكشف عن مصير المفقودين (أرشيفية - الوكالة الوطنية)

واجه تطبيق القانون، رغم إقراره، كثيراً من التحديات، من أبرزها ضعف الدعم السياسي والمالي؛ مما أدى إلى تأخر خطوات تنفيذية حقيقية. لكن شُكلت «الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً» عام 2020، التي ضمت حقوقيين وأعضاء من العائلات.

ويأمل أهالي المفقودين أن تنجح التحركات الرسمية، بعد سقوط النظام السوري السابق، في كشف مصير هؤلاء.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

ردت إسرائيل، الخميس، على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في جنوب لبنان، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية في الجنوب.

نذير رضا (بيروت)
تحليل إخباري آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تحليل إخباري «حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)

وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

أكد وزير الدفاع الوطني اللبناني اللواء ميشال منسى، الخميس، أن بلاده ذهبت إلى المفاوضات للسلام وليس للاستسلام والمقايضة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)

مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

قتل 9 أشخاص وأصيب 13 وفقد 3 آخرون في غارات إسرائيلية اليوم الخميس على جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

وزير خارجية إسرائيل: ناشطو «أسطول الصمود» سيُنقلون إلى اليونان

قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزير خارجية إسرائيل: ناشطو «أسطول الصمود» سيُنقلون إلى اليونان

قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الخميس، أن النشطاء الذين كانوا على متن «أسطول الصمود العالمي» المتجه إلى غزة واعترضته بحرية الدولة العبرية، سيُنقلون إلى اليونان.

وكتب ساعر على منصة «إكس»: «بالتنسيق مع الحكومة اليونانية، سيتم إنزال المدنيين الذين نُقلوا من سفن الأسطول إلى السفينة الإسرائيلية، في البرّ اليوناني خلال الساعات المقبلة»، شاكراً للحكومة اليونانية «إبداء استعدادها لاستقبال المشاركين في الأسطول».

وكان منظّمو «أسطول الصمود» العالمي، الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض على القطاع، أعلنوا في وقت سابق الخميس، أن الجيش الإسرائيلي «اختطف» 211 ناشطاً، من بينهم مستشارة في بلدية باريس، خلال عملية نفّذها في المياه الدولية قبالة اليونان، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «غلوبال صمود - فرنسا»، هيلين كورون، الخميس في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن العملية جرت قرب جزيرة كريت، بعيداً من السواحل الإسرائيلية.

وكان منظمو هذا الأسطول الذي يضم ناشطين مؤيدين للفلسطينيين يسعون إلى كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، وتوصيل المساعدات إليه، قد أفادوا في وقت سابق بأن سفناً عسكرية إسرائيلية حاصرت قواربهم لدى وجودها قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية.

تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (أ.ب)

وكان الأسطول قد أبحر في الأسابيع الأخيرة من مرسيليا في فرنسا وبرشلونة في إسبانيا وسيراكيوز في إيطاليا.

وخلال ليل الأربعاء إلى الخميس، قال المنظّمون إن القوارب «حوصرت بشكل غير قانوني» من قبل سفن إسرائيلية.


كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

دعا مسؤولون في نحو ثلاثين وسيلة إعلام دولية، خلال رسالة مفتوحة مشتركة، إسرائيل إلى إتاحة الوصول بحُرّية إلى قطاع غزة، المغلق أمام الصحافيين الأجانب منذ بداية الحرب ضد حركة «حماس» قبل أكثر من عامين. وتحمل الرسالة توقيع مسؤولي هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، وشبكة «سي إن إن»، وصحيفة «نيويورك تايمز»، وصحيفة «واشنطن بوست»، وصحيفة «الغارديان»، وصحيفة «إل باييس»، وصحيفة «لوموند»، ووكالتَي الأنباء «أسوشييتد برس»، و«رويترز»، و«وكالة الصحافة الفرنسية». وجاء في نص الرسالة: «في كل نزاع، يواجه الصحافيون قيوداً على وصولهم إلى ساحة المعركة. لكن الوضع مختلف في غزة، فمنذ أكثر من 930 يوماً، تمنع إسرائيل الصحافيين من دخول القطاع بشكل مستقل»، مطالبين برفع القيود «فوراً». ودأب الصحافيون الأجانب والهياكل الممثلة لهم على المطالبة بإتاحة الوصول إلى غزة منذ بداية الحرب المدمِّرة، على أثر هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. ورفعت رابطة الصحافة الأجنبية في القدس القضية إلى المحاكم الإسرائيلية، لكن دون جدوى حتى الآن. ولم تسمح إسرائيل إلا لبضع عشرات من الصحافيين بدخول القطاع بمرافقة الجيش الإسرائيلي، وبقيود لا تسمح بالعمل الصحافي المستقل. وتتذرع السلطات الإسرائيلية بـ«أسباب أمنية»، حتى بعد بدء وقف إطلاق النار الهش في أكتوبر الماضي. وأضاف الموقِّعون على الرسالة المفتوحة أنه بسبب حظر الدخول الحالي، تقع تغطية الحرب وتداعياتها «بشكل شبه كامل على عاتق زملائنا الفلسطينيين»، الذين «عملوا في ظروف قاسية - الجوع، والنزوح، وفقدان الأحبّة، والقيود المستمرة، والهجمات المميتة. ينبغي ألا يتحملوا هذا العبء وحدهم، ويجب حمايتهم». ووفق لجنة حماية الصحافيين، قُتل أكثر من 200 صحافي فلسطيني في غزة منذ بداية الحرب.


«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
TT

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)

كشفت تقارير إعلامية عن أن لجنة سورية مختصة تعمل على ملف قضائي ضد فادي صقر، القيادي السابق في «قوات الدفاع الوطني»، وهي ميليشيا رديفة كانت تابعة للنظام السابق، بجرائم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وذلك في إطار مسار العدالة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد.

ونشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، الخميس، أن صقر متهم بالتورط في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري للمدنيين، خصوصاً في حي التضامن بدمشق، إلى جانب مناطق أخرى في دمشق.

ولفت التقرير إلى أن تعاون الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية بعد عام 2024 أثار غضباً واسعاً بين الضحايا وذويهم، الذين طالبوا بمحاسبته وعدم منحه أي دور رسمي.

القيادي في الدفاع الوطني بالنظام المخلوع فادي صقر (متداولة)

تعاونت الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية، بعد الإطاحة ببشار الأسد، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، مما أثار غضب الضحايا الذين طالبوا بمحاسبته على جرائمه. وقالت زهرة البرازي، نائبة رئيس اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية والمستشارة في وزارة الخارجية السورية، إن اللجنة تعمل مع الضحايا لبناء قضية ضد صقر. وأوضحت أن «هناك أدلة كافية ضد صقر. لقد كان مفيداً لأسباب معينة، ولكنه لم يعد كذلك. لا أحد فوق القانون».

فحص ما يُعتقد أنها مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

وأشار تقرير «الغارديان» إلى أن الإجراءات القضائية ضد قائد الميليشيا السابق علامة فارقة مهمة لسوريا، التي عانت طويلاً في سبيل إرساء العدالة الانتقالية بعد أكثر من عقد من الحرب التي خلّفت مئات الآلاف من القتلى وأدت إلى صراعات في المدن والأحياء.

وسبق أن صرّح خبراء بأن عملية عدالة انتقالية سليمة من شأنها أن تُسهم في الحد من العنف الطائفي في البلاد، التي شهدت مجازر طائفية وعمليات قتل متفرقة منذ سقوط الأسد.

ألقت السلطات السورية القبض، الأسبوع الماضي، على أمجد يوسف، أحد أبرز منفذي «مجازر التضامن».

ووثّقت مقاطع فيديو عُثر عليها في حاسوب محمول لضابط مخابرات سابق وسُرّبت خارج البلاد، مقتل ما يقرب من 300 مدني على يد قوات النظام في حي التضامن عام 2013.

كانت صحيفة «الغارديان» قد كشفت في عام 2022 عن مجموعة من اللقطات أظهرت يوسف وهو يأمر مدنيين معصوبي الأعين بالركض إلى الأمام بينما كان يطلق النار عليهم، ويدفعهم إلى حفرة، ويعدمهم، ويحرق جثثهم.

فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

وأصر سكان التضامن منذ فترة طويلة على وجود عديد من الجناة الآخرين، بمن فيهم أعضاء في قوات الدفاع الوطني بقيادة صقر، طالبوا باحتجاز صقر.

صقر، من جانبه، نفى مسؤوليته عن المجازر. وصرح لصحيفة «الغارديان» بأنه «لم يعلم بالمجزرة إلا من خلال وسائل الإعلام»، وأنه «يثق بالإجراءات القضائية».

وأضاف: «تجب معاقبة كل من تثبت إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية». وتابع: «صمتي حيال الحملات المرفوعة ضدي نابع من رغبتي في عدم التأثير في مسار التحقيقات».

متزعم ميليشيا الدفاع الوطني في عهد نظام الأسد فادي صقر (سوشيال ميديا)

وقال صقر إنه أصبح قائداً لقوات الدفاع الوطني في دمشق في يونيو (حزيران) 2013، أي بعد شهرين من تسجيل لقطات مصورة علنية لإعدامات يوسف للمدنيين قرب الحفرة. ومع ذلك، اطَّلعت صحيفة «الغارديان» على مقاطع فيديو غير منشورة لعمليات قتل إضافية نفَّذها يوسف وعناصر من قوات الدفاع الوطني، بما في ذلك لقطات مصوَّرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، أي بعد أربعة أشهر من تولي صقر منصبه.

وحسب «الغارديان»، بررت الحكومة الجديدة تعاونها مع شخصيات مثل صقر، بالقول إنها تسعى إلى تحقيق التوازن بين ضرورة تحقيق العدالة والاعتبارات العملية لضمان استقرار سوريا خلال مرحلتها الانتقالية. وساعد صقر الحكومة على التواصل مع فلول نظام الأسد الذين شنوا تمرداً محدوداً منذ سقوط الرئيس السوري السابق.

وقالت زهرة البرازي إن إعداد قضية ضد صقر قائمة منذ بضعة أشهر، وخلال هذه الفترة ازدادت التكلفة السياسية لإبقاء قائد الميليشيا السابق في صفوفها، وإن هناك إدراكاً حقيقياً لأن أي مكاسب قد تُجنى منه، مقارنةً بالتوتر الذي كان يخلقه مع الرأي العام، لا تستحق العناء. مضيفةً أن اعتقال يوسف «ساعد على دفع هذه القضية إلى الواجهة».