عادوا إلى رفح وافترشوا الركام... فألقتهم «أوامر الإخلاء» على «طريق العذابات»

«الشرق الأوسط» رافقت عائلتين عادتا إلى المدينة عقب الهدنة وسكنتا فوق الركام

TT

عادوا إلى رفح وافترشوا الركام... فألقتهم «أوامر الإخلاء» على «طريق العذابات»

عائلة محمد شيخ أمام خيمتهم في مخيم المواصي بخان يونس (الشرق الأوسط)
عائلة محمد شيخ أمام خيمتهم في مخيم المواصي بخان يونس (الشرق الأوسط)

بأجساد أنهكتها أهوال الحرب، وقلوب مثقلة بآلامها، جمع سكان مدينة رفح جنوب القطاع على عجل ما تبقَّى من متاعهم، وحملوا من نجا من عائلاتهم، قبل أن يلقوا نظرة أخيرة على أنقاض منازلهم، التي عادوا إليها مؤخراً ليقيموا فوق ركامها بعد أن حوّلتها آلة الحرب الإسرائيلية إلى خراب، ثم مضوا مرة أخرى في رحلة على طريق العذاب، بحثاً عن ملاذ جديد قد لا يطول بهم المقام فيه. وكأن مأساة النزوح الأول لم تكن كافية، ليجد سكان غزة أنفسهم مجدداً في دوامة رحيل لا تنتهي، يكابدون فيها فصولاً مضنية وقاسية.

جاء هذا عقب إصدار الجيش الإسرائيلي أوامر جديدة، طالب فيها سكان مدينة رفح بإخلائها بشكل كامل، والتوجه إلى مناطق وسط القطاع. وطالت أوامر الإخلاء الجديدة مناطق واسعة في شمال القطاع وشرقه، دفعت الآلاف للنزوح، وزادت معها معاناة الغزيين الذين يواجهون ظروفاً معيشية مأساوية تحت وطأة تجدّد وتيرة القصف واتساع رقعة الدمار ونقص إمدادات الغذاء والدواء والوقود.

عائلة محمد شيخ في طريقهم من رفح إلى مخيم المواصي بخان يونس (الشرق الأوسط)

عودة إلى طريق العذابات...

رافقت «الشرق الأوسط» عائلتين من رفح في رحلة نزوحهما الثانية باتجاه مخيم المواصي بخان يونس، ورصدت عذابات الطريق التي لا تنتهي، واطّلعت على معاناتهما في هذه الرحلة القاسية.

على عربة تجرّها بهيمة تمضي ببطء، مرهقة من طول السفر، سلكت العائلة طريقاً ترابياً ضيقاً، غطّته سحابة من غبار الأنقاض المتناثرة من بقايا البيوت المدمّرة، واختلطت فيه رائحة البارود برائحة الموت، في حين تردّد خلفهم دويُّ الانفجارات المتلاحقة.

سارت العربة ببطء في طابور من العربات والمركبات المتهالكة، المكتظة بهموم الناس وأغراضهم ولوازم خيامهم وبعض براميل المياه والأسلاك. بدت العربات مثل حقائب سفر ضخمة، تسير في دروب تقود أصحابها إلى محطات جديدة في المجهول.

على العربة الخشبية، حمل محمد شيخ العيد، من سكان حي الزهور في رفح، على عجل ما تيسَّر له من أغراضه، وأخذ زوجته وأبناءه التسعة وغادر مسرعاً نحو مخيم المواصي في خان يونس وسط القطاع. وعلى الطريق، التحقت العائلة النازحة بآلاف السكان الآخرين الذين غادروا مناطقهم إما سيراً على الأقدام وإما في عربات وسيارات، وبعض الشاحنات المحمّلة بأغراض ومستلزمات ضرورية.

النازح محمد شيخ في طريقه من رفح إلى مخيم المواصي بخان يونس (الشرق الأوسط)

كان محمد وعائلته قد نزحوا عدداً من المرات خلال الأشهر الماضية من جنوب القطاع إلى وسطه، واضطروا للتنقل هناك بين المخيمات ومراكز الإيواء. رافقت «الشرق الأوسط» محمد وعائلته في طريقهم من جنوب القطاع إلى وسطه، واطّلعت على أحوالهم.

يقول محمد: «هذه هي المرة الثامنة التي ننزح فيها. مناطق رفح كلها، من دون استثناء، تلقَّت أوامر بالإخلاء. كانت ليلتنا صعبة، إذ بالكاد استطعنا تدبير أمورنا، وها نحن نغادر على متن هذه العربة التي تجرّها بهيمة».

في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تعرَّض منزل عائلة محمد لقصف إسرائيلي. يستذكر الرجل الأربعيني ما لحق بعائلته قائلاً: «استشهدت والدتي، رحمها الله، وأصيبت زوجتي وثلاث من بناتي. نزحنا بعدها نحو خان يونس، ثم تنقلنا بين أكثر من مركز إيواء، وحين هدأت الأمور بعض الشيء، عدنا إلى رفح، فأنشأنا خيمة فوق ركام بيتنا وسكنا هناك. لكن بعد نحو شهر، عادت الأوضاع أصعب مما كانت عليه، وها نحن نجد أنفسنا مجدداً في نزوح إلى آخر».

وبين صفوف الخيام المتراصّة في مخيم المواصي، الذي تقدّر أعداد النازحين فيه بنحو نصف مليون نازح، نصب محمد خيمة لعائلته علّها توفر لهم ملاذاً ومكاناً ينامون فيه. ترك محمد وعائلته كثيراً من أغراضهم خلفهم، ما اضطره للعودة مرة أخرى إلى رفح لجلب ما تركوه هناك، في عودة محفوفة بالمخاطر. يقول: «نصبتُ الخيمة، وعدتُ إلى رفح لجلب ما تبقى من أغراض. كان الطريق خطراً مع تواصل سقوط القذائف. الوضع صعب للغاية في رفح»، مضيفاً: «سنقيم هنا الآن وننتظر القادم».

عائلة محمد شيخ في خيمتهم في مخيم المواصي بخان يونس (الشرق الأوسط)

يشكو محمد قساوة الحال، وما تركه ذلك من علامات صعبة على أجساد البشر وأرواحهم: «الظروف صعبة للغاية. اقتربت اليوم من الخمسين، لكنني لم أتعب طيلة العقود الماضية كما تعبت خلال العام ونصف العام الماضيين في هذه الحرب. الوضع مأساوي أكثر مما قد يتخيل المرء».

تقول زوجته وقد أنهكها الترحال الدائم: «حياتنا من نزوح إلى نزوح، ولا ندري أين سنذهب غداً. لا نرى أمامنا سوى الغموض والمجهول، ولا أدري إن كنا سنعيش غداً أم لا، وهل سأجد أبنائي حولي حين أفيق صباحاً أم لا».

نازح: الهجرة أفضل من الحياة في غزة

على عربة أخرى، سلك أحمد كوارع مع عائلته طريق الرحيل ذاته من رفح نحو خان يونس. يقول الشاب العشريني، بينما يسمع دوي القصف في المناطق المجاورة، إنه منذ أبصر النور هنا وهو يعيش حروباً متلاحقة: «ما إن تنتهي حرب حتى تأتي بعدها حرب أصعب. ليس هناك أصعب مما حلَّ بنا، ولا أقسى من أن تهوي البيوت فوق رؤوسنا». يشكو الشاب النازح بصوت مثقل بهموم الشهور الماضية، مضيفاً: «تعبنا من حياتنا، ولا نريد إلا أن ينتهي ما حلّ بنا».

النازح أحمد كوارع في طريقه من رفح إلى مخيم المواصي في خان يونس (الشرق الأوسط)

يقول الشاب، وقد بدت الدنيا ضيقة أمامه، إن الناس جميعاً تعبوا في غزة بعد أشهر طويلة من حرب عادت مرة أخرى لتشتد وتتسع، الأمر الذي بدأ يدفع الناس للتفكير في خيارات صعبة وقاسية: «الشعب تعب، وباتت الهجرة أفضل من الحياة في غزة. أصبحت أتمنى أن أخرج أنا وعائلتي من غزة لنرتاح من القسوة التي نعيشها هنا. لم أكن أفكر بالهجرة قبل الحرب، لكنني بعدها أصبحت مصمّماً على ذلك».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يحاصر سفن مساعدات متّجهة إلى غزة

شؤون إقليمية قطعة عسكرية تابعة للبحرية الإسرائيلية ترافق إحدى سفن «أسطول الصمود» إلى ميناء أشدود بعد اعتراضها أكتوبر الماضي (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يحاصر سفن مساعدات متّجهة إلى غزة

ذكرت إذاعة ​الجيش الإسرائيلي نقلا عن مصدر إسرائيلي، اليوم (الأربعاء)، أن ‌إسرائيل بدأت ‌السيطرة ​على سفن ‌مساعدات ⁠متجهة ​إلى غزة، ⁠بعيدا عن سواحلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس») p-circle

خاص «حماس» تعيد زخم انتخاب رئيس مكتبها السياسي

أفاد مصدران في حركة «حماس» داخل وخارج قطاع غزة، الأربعاء، بأن الحركة استأنفت مسار انتخاب رئيس جديد لمكتبها السياسي، إلى حين انتخاب أعضاء المكتب بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

خاص «حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

كشفت 3 مصادر من «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في غزة والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في «القسام».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيّعون يحضرون جنازة فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية وفق مُسعفين بمستشفى الشفاء بمدينة غزة (رويترز)

مقتل مُسعف فلسطيني في غارة إسرائيلية على شمال غزة

قُتل مُسعف فلسطيني وأُصيبت مواطنة، اليوم الأربعاء، بقصف ورصاص القوات الإسرائيلية على شمال قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لإياد أحمد عبد الرحمن شمبري

إسرائيل تعلن مقتل قيادي في استخبارات «حماس» متهم بالتخطيط لهجوم 7 أكتوبر

أعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام «الشاباك»، اليوم الأربعاء، مقتل إياد أحمد عبد الرحمن شمبري، رئيس قسم العمليات في الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

تحشد واشنطن مع أطراف في بغداد ضغوطها لعزل الفصائل المسلحة الموالية لإيران عن الحكومة العراقية الجديدة، حسبما أفادت مصادر موثوقة.

ورحبت البعثة الأميركية في بغداد، أمس (الأربعاء)، بتكليف علي الزيدي تشكيل الوزارة الجديدة، ودعت إلى «تشكيلها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين».

وقالت المصادر، إن «الزيدي أبلغ قادة أحزاب بأن برنامجه يستند إلى إبعاد الجماعات المسلحة»، لكنها أشارت إلى أن «تمرير تشكيلة وزارية بعيدة عن المسلحين يشكل اختبار قوة حاسم».

ويخشى خبراء أن تلجأ فصائل مسلحة إلى خيار المراوغة بشأن وجودها في المؤسسات الحكومية، أو التصعيد مجدداً ضد الأميركيين.

إلى ذلك، قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.


سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
TT

سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)

أشعلت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سجالاً كلامياً بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، بعد أن قال عون إنه نسَّق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نَقُلْ غير ذلك».

وكان عون قد قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع بري وسلام». ورد بري على ذلك، سريعاً، إذ قال في بيان، إن الكلام الذي ورد على لسان عون «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

ميدانياً، فرضت إسرائيل بالنار «خطاً أحمر»، يهدد عشرات القرى اللبنانية، ويحاذي منطقة الخط الأصفر التي أُعلن عنها قبل أسابيع، وهي عبارة عن منطقة جغرافية واسعة تتعرض للقصف المتواصل ولإنذارات إخلاء وتمتد إلى مسافة تبعد 25 كيلومتراً عن الحدود إلى العمق.


بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».