بعدما نجوا من القصف... حياة آلاف الغزيين مهدَّدة بسقوط البنايات المتضررة

يخاطرون بحياتهم ولا يعيشون في خيام تتقاذفها الرياح

فلسطينيون متجمعون لتناول طعام الإفطار الرمضاني وسط الركام بشمال قطاع غزة في 15 مارس (رويترز)
فلسطينيون متجمعون لتناول طعام الإفطار الرمضاني وسط الركام بشمال قطاع غزة في 15 مارس (رويترز)
TT

بعدما نجوا من القصف... حياة آلاف الغزيين مهدَّدة بسقوط البنايات المتضررة

فلسطينيون متجمعون لتناول طعام الإفطار الرمضاني وسط الركام بشمال قطاع غزة في 15 مارس (رويترز)
فلسطينيون متجمعون لتناول طعام الإفطار الرمضاني وسط الركام بشمال قطاع غزة في 15 مارس (رويترز)

كانوا على وشك الالتفاف حول موائد السحور في بناية على أطراف مخيم جباليا بشمال قطاع غزة قبل فجر الاثنين، حين سمعوا «طقطقات» في المبنى المتضرر بفعل القصف الإسرائيلي، فتركوا الطعام ولاذوا بالفرار قبل أن ينهار.

سقط المبنى المكون من ثلاثة طوابق، كل منها يحوي شقتين، وبكل شقة عائلة تضم من 5 إلى 14 فرداً، في منطقة الفاخورة على أطراف المخيم.

والواقعة متكررة. ففي الآونة الأخيرة سقطت بنايات ومنازل متضررة في مناطق عدة بقطاع غزة بعد أن كانت قد تعرضت لقصف إسرائيلي مباشر، أو كانت في محيط استهدافات خلال الحرب التي استمرت 15 شهراً قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

فبعدما نجوا من القصف، لا تزال حياة الآلاف من سكان القطاع مهددة بانهيار المباني التي لم يكن لهم سواها من محيص بعد هدوء أصوات المدافع والانفجارات. أزالوا الركام عن أجزاء منها للعيش فيها، بدلاً من البقاء في خيام لا تكاد تسترهم أو تقيهم قسوة البرد والمطر، أو في مراكز إيواء تُفقدهم وأُسرهم أي خصوصية.

كانت قوة إسرائيلية قد فجَّرت، خلال العملية العسكرية الأخيرة في مخيم جباليا قبل الإعلان عن التوصل لوقف إطلاق النار، جهازاً آلياً في محيط البناية التي ظهرت فيما تبقى من هيكلها تصدعات واضحة قبل أن تسقط قبيل فجر الاثنين. وتمكن مَنْ بالداخل من النجاة بأرواحهم.

يقول عبد الله حميد (41 عاماً)، ابن مالك البناية، إنهم شعروا في الأيام الأخيرة بأن المنزل سيسقط في أي لحظة، وكانوا يرقبونه باستمرار خشية انهياره عليهم. ولأنه لم تكن هناك بدائل سكن أخرى؛ اضطروا إلى البقاء فيه، مفضلين المخاطرة بحياتهم على العيش في خيام مهترئة تتقاذفها الرياح.

ويروي حميد لـ«الشرق الأوسط» كيف نجوا حين سمع أحد أقاربهم قبيل السحور «طقطقات» من السطح، فأدرك أن المبنى قد ينهار في أي لحظة، وطلب من الجميع مغادرته فوراً. وخرج الجميع، صغاراً وكباراً، قبل أن ينهار تماماً.

ويقع المنزل مقابل مدرسة الفاخورة التي شهدت خلال الحرب مجزرتين نتيجة قصفها جواً وبالمدفعية. ومن قبل ذلك كانت المدرسة قد أُحرقت خلال حرب 2008 – 2009 باستخدام الفسفور الأبيض المحرم دولياً.

ويقول حميد: «كادت أن تحصل مجزرة جديدة هنا في هذه المنطقة التي اشتُهرت بالكثير من المجازر في الحروب والعمليات الإسرائيلية، ولكن نجونا هذه المرة بعد أن سبق ونجونا من مجازر وغارات في الحرب الأخيرة وفي غيرها».

انهيارات متكررة

لم تكن هذه الحادثة الأولى التي تقع في الآونة الأخيرة؛ ففي غضون 3 أيام خلال الأسبوع الماضي انهار برجان في منطقة أبراج الكرامة بشمال مدينة غزة، وكان أحدهما قد عاد إليه بعض السكان للعيش فيه، وكانت به عشرات العائلات قبل إخلائه بعد تحذيرات وردت من جهاز الدفاع المدني بإمكانية سقوطه، وهو ما حدث بعد الإخلاء بيوم واحد.

كما سقط مبنى مكون من 4 طوابق في حي الشجاعية، وآخر مكون من طابقين في حي الصبرة، وثالث في حي الزيتون، وذلك في غضون شهر واحد.

وتسببت هذه الحوادث في بعض الإصابات، دون خسائر في الأرواح.

سيدة فلسطينية تُعدّ طعام الإفطار الرمضاني ببيتها المتضرر من القصف بمدينة غزة في 15 مارس (إ.ب.أ)

ويقول محمد طوطح (56 عاماً)، من سكان حي الزيتون بجنوب مدينة غزة، إنه يعيش في منطقة المصلبة، وهي منطقة مدمرة بالكامل تقريباً.

ولفت إلى أنه منذ انسحاب القوات الإسرائيلية من الحي منذ نحو 3 أشهر، انهار ما لا يقل عن 7 منازل في المنطقة، من بينها منزل ابن عمه المكون من طابق علوي وآخر أرضي، مشيراً إلى أنه انهار بفعل قصف جوي طال منازل مجاورة عدة.

وأضاف: «نعيش هنا بحالة خوف شديد، ونخشى من انهيار منازلنا ومنازل بجوارنا فنفقد حياتنا وحياة أطفالنا الذين يخافون الخروج للشوارع حتى لا تسقط عليهم جدران تلك المنازل».

وتوجَّه المتضررون للجهات المختصة كي تتحرك لوقف هذا الخطر، إلا أنهم اصطدموا بالواقع: الجهات المعنية، سواء الدفاع المدني أو البلديات، عاجزة عن تقديم أي خدمات بعد أن فقدت كل معداتها.

«خطر داهم»

أصدر سلامة معروف، رئيس المكتب الإعلامي الحكومي، بياناً يوم الاثنين يُحذّر فيه من انهيار مئات المباني الآيلة للسقوط جراء قصفها أو حرقها خلال الحرب، وهو ما قال إنه يشكل «خطراً داهماً على حياة آلاف المواطنين الذين يعيشون داخلها أو في محيطها».

وأضاف البيان أنه تم تحديد 220 مبنى آيلاً للسقوط وجرى إخلاؤها من ساكنيها وتحذير المحيطين بها.

وقال محمود بصل، المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، في تصريحات صحافية، الاثنين، إن مئات المنازل والمباني في القطاع مهددة بالانهيار نتيجة الأضرار الجسيمة التي لحقت بها جراء القصف والحرق.

وأشار بصل إلى أن الظروف المأساوية التي تعيشها آلاف العائلات في منازل آيلة للسقوط تشكل تهديداً حقيقياً لحياة أفرادها. ودعا إلى تدخل المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية لتوفير حلول عاجلة.

وترفض إسرائيل حتى الآن إدخال أي معدات ثقيلة تساهم في إزالة الأنقاض والركام، والعمل على ترميم أو إزالة المنازل والبنايات الآيلة للسقوط، والتي تشكل خطراً حقيقياً على السكان في كل أنحاء القطاع، خصوصاً مدينة غزة وشمالها.

وكان من المفترض السماح بإدخال هذه المعدات من مصر إلى قطاع غزة خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في التاسع عشر من يناير (كانون الثاني) الماضي، إلا أن إسرائيل لا تزال تماطل في ذلك.

ويصف توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، حجم الدمار وصعوبة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة بأنه لا مثيل له في كل مناطق الصراع حول العالم. فيما سبق أن وصفه مونغو بيرتش، المسؤول عن دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام، بأنه أكبر من الدمار في أوكرانيا ودول أخرى تشهد صراعات.

فلسطينيون متجمعون بين مبانٍ مدمَّرة في بيت لاهيا بشمال قطاع غزة لتناول طعام الإفطار الرمضاني (إ.ب.أ)

وتشير تقارير أممية ودولية، بالاعتماد على تقارير موثقة من الميدان أو من خلال صور الأقمار الاصطناعية، إلى أن أكثر من 75 في المائة من منازل القطاع قد دُمّرت بالكامل أو لحقت بها أضرار بالغة.

وتؤكد تلك التقارير بما فيها الصادرة عن الخارجية الأميركية والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي أن قطاع غزة في حاجة إلى عقد من الزمن حتى يُعاد إعماره، وسط تقديرات أنه قد يحتاج لأكثر من 15 عاماً.

كما تشير تقديرات جهات فلسطينية وأخرى دولية وأممية إلى وجود أكثر من 55 مليون طن من الركام بقطاع غزة، وإلى أن إزالة الأنقاض ستستغرق فترات طويلة.

وبحسب الخطة المصرية المدعومة عربياً لإعادة إعمار قطاع غزة، هناك حاجة ماسة إلى مبلغ 53 مليار دولار من أجل إعادة الإعمار، بما يشمل مراحل التعافي المبكر من خلال إزالة الأنقاض والتعامل مع المنازل الآيلة للسقوط.


مقالات ذات صلة

السعودية تُوقِّع على ميثاق تأسيس «مجلس السلام»

الخليج الرئيس دونالد ترمب يصفق بعد توقيع الأمير فيصل بن فرحان على ميثاق تأسيس «مجلس السلام» في دافوس الخميس (أ.ف.ب)

السعودية تُوقِّع على ميثاق تأسيس «مجلس السلام»

وقَّع الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الخميس، على ميثاق تأسيس «مجلس السلام» في غزة، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على هامش «دافوس 2026».

«الشرق الأوسط» (دافوس)
أوروبا باريس تقول إنها لن تنضم في الوقت الراهن إلى «مجلس السلام» الذي ‌اقترحه الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب (أ.ف.ب)

فرنسا: لن ننضم إلى «مجلس السلام» في الوقت الراهن

قال المتحدث ​باسم وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، إن باريس لن تنضم ​في ‌الوقت الراهن إلى «مجلس السلام»، الذي ‌اقترحه الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال التوقيع على ميثاق مبادرة «مجلس السلام» في دافوس (أ.ف.ب)

ترمب يوقّع الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام»

وقّع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الخميس، ميثاق ما يُسمى «مجلس السلام»، الذي وصفه بأنه هيئة لحل النزاعات الدولية، وذلك بحضور الأعضاء المؤسسين الآخرين.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
شمال افريقيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يسعى لعقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن لدى أميركا علاقة رائعة وقوية مع مصر، وأوضح أنه سيحاول عقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق بشأن «سد النهضة».

«الشرق الأوسط» (دافوس)
الخليج يسعى مجلس السلام لتثبيت وقفٍ دائم لإطلاق النار ودعم إعادة إعمار غزة (رويترز)

دول عربية وإسلامية تنضم لـ«مجلس السلام» في غزة

رحَّبت السعودية وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وباكستان وقطر والإمارات بالدعوة التي وجَّهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لقادة دولهم للانضمام إلى «مجلس السلام».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

العراق يمهد لمحاكمة سجناء «داعش» المنقولين من سوريا

لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
TT

العراق يمهد لمحاكمة سجناء «داعش» المنقولين من سوريا

لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
لقطة جوية تُظهر «مخيم الهول» في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)

أعلن القضاء العراقي أنه سيباشر التحقيق مع مئات المشتبه في انتمائهم إلى تنظيم «داعش»، بعد يوم من وصول دفعة أولى منهم من مراكز احتجاز شمال شرقي سوريا إلى الأراضي العراقية، في عملية جرت بالتنسيق مع «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة.

وقال مجلس القضاء الأعلى، في بيان، إن جميع الموقوفين «سيُودَعون المؤسسات الإصلاحية الحكومية المختصة، وسيخضعون للإجراءات القضائية؛ وفقاً للدستور والقوانين الجزائية العراقية النافذة، وبما يضمن حقوق الضحايا وعدم إفلات أي متهم من المساءلة».

إجراءات قانونية

ووفقاً للبيان، فقد أكد المجلس أن «جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم داخل التنظيم، خاضعون لسلطة القضاء العراقي حصراً، وستُطبق بحقهم الإجراءات القانونية دون استثناء، وبما يحفظ حقوق الضحايا ويكرس مبدأ سيادة القانون في العراق».

وكان المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي قد وافق، خلال اجتماع طارئ، على تسلم معتقلي التنظيم من السجون التي كانت تحت إدارة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مبرراً الخطوة بتطورات الوضع الأمني في سوريا وعدم قدرة الجانب السوري على الاستمرار في تأمين حمايتهم.

وأوضح بيان صادر عن مكتب القائد العام للقوات المسلحة أن الدفعة الأولى تضم نحو 150 شخصاً من العراقيين والأجانب، وأنهم نُقلوا إلى سجون تابعة لوزارة العدل العراقية، مضيفاً أن تحديد أعداد الدفعات اللاحقة «سيجري وفق التقدير الأمني والميداني».

ووفق تقديرات رسمية عراقية، فإن العدد الإجمالي لمعتقلي تنظيم «داعش» الموجودين في تلك السجون، ومن بينهم محتجزون في «مخيم الهول»، يبلغ نحو 7 آلاف شخص، سيُنقلون تدريجياً إلى العراق ويودَعون منشآت احتجاز حكومية.

سجناء من «داعش» داخل أحد سجون الرقة في شمال سوريا (الشرق الأوسط)

أماكن الاحتجاز... وإيواء العائلات

وقال مسؤول أمني عراقي، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن «إيواء هؤلاء في سجون وزارة العدل لا يتعارض مع محاكمتهم، فجميعهم مطلوبون للقضاء العراقي، وقد نُقلوا بسبب قلق الجانب السوري من عدم توفير الحماية بعد التطورات الأخيرة».

وأضاف المسؤول، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن غالبية الذين سُلّموا «من الجنسيات الأجنبية، فيما يشكل العراقيون نسبة أقل»، موضحاً أن بعضهم «من قيادات الصف الأول في التنظيم، بمن فيهم أمراء وخلفاء محتملون».

وبشأن عائلات الموقوفين، فقد قال الخبير الأمني، فاضل أبو رغيف، إن «العائلات ستُفصَل عن المقاتلين، وسيجري إيواؤها في مراكز خاصة بعيدة عن المدن»، مشيراً إلى أن «قسماً منهم سيُنقل إلى مناطق قرب الموصل على الحدود، فيما سيُودَع آخرون مخيم الجدعة، وربما محافظات مثل ذي قار أو السليمانية، وفق حسابات أمنية وإنسانية».

وأضاف أبو رغيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه ليست أول مرة يتسلم فيها العراق عناصر من التنظيم، لافتاً إلى أن بغداد تسلمت منذ عام 2018 نحو 3 آلاف موقوف من قبل «قوات سوريا الديمقراطية»، وأن عملية النقل الحالية «جاءت بطلب عراقي مسبق وبموافقة ودعم مباشر من (التحالف الدولي)».

«التحالف الدولي» وانتقادات داخلية

وكانت «القيادة الوسطى الأميركية (سنتكوم)» قد أعلنت أنها بدأت «مهمة جديدة» لنقل معتقلي «داعش» من شمال شرقي سوريا إلى العراق؛ لضمان بقائهم في مراكز احتجاز آمنة، مؤكدة نجاحها في نقل 150 مقاتلاً من الحسكة إلى موقع آمن داخل العراق.

في المقابل، انتقدت كتلة «حقوق» البرلمانية، المرتبطة بـ«كتائب حزب الله» العراقي، العملية ووصفتها بأنها «خرق للسيادة العراقية». وقال النائب قحطان الخفاجي إن التطورات الأخيرة «تنذر بمخاطر أمنية»، داعياً إلى رفع الجاهزية تحسباً لعمليات تهريب محتملة.

أطفال ونساء من عائلات عناصر في تنظيم «داعش» يظهرون داخل «مخيم الهول» بالمنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

إطار قانوني

من جهته، قال الخبير القانوني، علي التميمي، إن «القانون العراقي يتيح محاكمة المتهمين؛ سواء أكانوا عراقيين أم أجانب، إذا كانت الجرائم قد ارتُكبت داخل العراق، أو كان لها تأثير على أمنه القومي». وأضاف أن رفض دول بعض الموقوفين تسلمهم «يعزز اختصاص القضاء العراقي بمحاكمتهم».

وأوضح التميمي أن مسألة الإنفاق على احتجازهم ومحاكمتهم «تتعلق بالتنفيذ وليس بالقضاء»، مشيراً إلى أن للعراق الحق في المطالبة بتغطية تلك التكاليف من دولهم الأصلية. أما عائلاتهم، فقال إن وضعهم القانوني «سيحدده التحقيق، وفي حال ثبوت المشاركة أو المساعدة في الجرائم، فإنهم يحاسَبون بوصفهم شركاء؛ وفق القانون العراقي».


لبنان يقترب من إنجاز اتفاقية تسليم المحكومين السوريين إلى بلادهم

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري خلال إحدى زياراته لدمشق بحضور وزير العدل مظهر الويس (سانا)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري خلال إحدى زياراته لدمشق بحضور وزير العدل مظهر الويس (سانا)
TT

لبنان يقترب من إنجاز اتفاقية تسليم المحكومين السوريين إلى بلادهم

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري خلال إحدى زياراته لدمشق بحضور وزير العدل مظهر الويس (سانا)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري خلال إحدى زياراته لدمشق بحضور وزير العدل مظهر الويس (سانا)

باتت الاتفاقية القضائية بين لبنان وسوريا الخاصة بتسليم المحكومين في حكم الناجزة، وقاب قوسين أو أدنى من توقيعها بين البلدين، بعد سدّ الثغرات التقنية والقانونية التي كانت تعتريها.

ويأتي هذا التطور ثمرة مشاورات مكثفة بين اللجنتين القضائيتين اللبنانية والسورية، عُقد آخرها مساء الثلاثاء في اجتماع افتراضي عبر تطبيق «زوم»، جرى خلاله وضع اللمسات الأخيرة على الصيغة شبه النهائية للاتفاقية.

تبديد الهواجس

وأكد مصدر قضائي لبناني بارز لـ«الشرق الأوسط»، أن التعديلات التي أُدخلت على الاتفاقية «أخذت في الاعتبار ملاحظات الجانب السوري، ونجحت في تبديد هواجسه، ولا سيما تلك المتعلقة بشروط التسليم وضمانات ما بعد نقل المحكومين».

وأوضح أن نقاشات الاجتماع الأخير «تركزت على بندين أساسيين شكّلا في السابق نقطة تباين بين الجانبين، الأول يتعلق بالشرط الذي كان لبنان قد أدرجه، والذي يمنحه صلاحية استنسابية بعدم تسليم محكومين محددين من دون تقديم تبرير واضح للجانب السوري بذلك.

ووفق المصدر، فقد «جرى تجاوز هذا الشرط وإلغاؤه بالكامل، في خطوة عُدّت بمثابة تنازل لبناني يهدف إلى تسهيل إقرار الاتفاقية وتفعيلها، مقابل الحصول على ضمانات أخرى تتعلق بمصير المحكومين بعد تسليمهم إلى بلادهم».

الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري في قصر الشعب في شهر نوفمبر الماضي (سانا)

أما البند الثاني، الذي يكمن في الفقرة العاشرة من الاتفاقية التي نصّت في صيغتها الأولى على منع السلطات السورية من منح المحكومين عفواً عاماً أو خاصاً بعد تسلمهم، فشكّل مصدر قلق لدى السلطات السورية، ما استدعى إدخال تعديل جوهري عليه.

وحسب المصدر نفسه، جرى الاتفاق على «صيغة جديدة تتيح للسلطات السورية منح عفو للمحكومين بعد تسلمهم، شرط أن يكون المحكوم قد أمضى أكثر من 7 سنوات من مدة عقوبته في السجون اللبنانية، وألا يشمل العفو ثلث العقوبة الصادرة بحقه عن القضاء اللبناني».

ويحقق هذا التعديل الشرط اللبناني الأساسي، والمتمثل في عدم إطلاق المحكومين فور تسليمهم إلى سوريا، وفي الوقت نفسه يراعي الاعتبارات القانونية والسيادية للجانب السوري. وبرأي المصدر القضائي اللبناني، فإن هذه الصيغة «ستشمل نحو 90 في المائة من المحكومين السوريين الموجودين في السجون اللبنانية، بالنظر لأن معظمهم تجاوز توقيفه مدة السنوات السبع».

موافقة مبدئية

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر معنية بهذا الملفّ، أن رئيس الجمهورية جوزيف عون «اطّلع على نص الاتفاقية بصيغتها شبه النهائية، وأبدى موافقة مبدئية عليها»، مشيرة إلى أن الرئيس عون «حضّ اللجنة اللبنانية على العمل بجدية، وبالسرعة الممكنة على إنجاز هذه الاتفاقية، وإيفاء لبنان بالتزاماته بهذا الموضوع، بما لا يتعارض مع السيادة اللبنانية والقوانين المرعية الإجراء».

ومن المتوقع، وفق المصادر، أن «يُعقد لقاء قريب بين وزير العدل اللبناني عادل نصار ونظيره السوري مظهر الويس لتوقيع الاتفاقية رسمياً، على أن تُحال لاحقاً إلى مجلس الوزراء اللبناني لإقرارها وفق الأصول الدستورية، قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ العملي».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً نائب رئيس الحكومة طارق متري في وقت سابق (رئاسة الجمهورية)

وحسب المعطيات المتوافرة، فإن عدد السجناء السوريين الذين يُتوقع أن يستفيدوا من هذه الاتفاقية يتراوح بين 270 و300 سجين، ما من شأنه أن يُخفف الضغط عن السجون اللبنانية، ويُشكّل خطوة متقدمة على طريق تنظيم التعاون القضائي بين بيروت ودمشق، في ملف طال انتظاره، وشكّل لسنوات موضع تجاذب قانوني وسياسي.

الوزير طارق متري مستقبلاً الوفد السوري في بيروت مطلع سبتمبر 2025 (إكس)

وتلفت المصادر إلى أن ملف الموقوفين السوريين الذين يتجاوز عددهم الـ1500 «سيبقى معلقاً بانتظار صدور قانون عن المجلس النيابي يسمح بتسليمهم إلى بلادهم». وتتخوف المصادر نفسها من أن «يتسبب حل أزمة المحكومين السوريين في أزمة جديدة ومرتقبة مع السجناء اللبنانيين، الذين يرفضون حلولاً مجتزأة على حسابهم». وتؤكد أن «الحلّ النهائي لأزمة السجون لا تكون إلا عبر قانون عفو عام، وهذا غير متاح، أقله في المرحلة الراهنة».


«حماس» تندد بضم نتنياهو لـ«مجلس السلام»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

«حماس» تندد بضم نتنياهو لـ«مجلس السلام»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

عبّرت حركة «حماس»، اليوم الخميس، عن استنكارها الشديد لضم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى «مجلس السلام» بشأن غزة، واصفة ذلك بأنه «مؤشر خطير يتعارض مع مبادئ العدالة والمساءلة».

وذكرت «حماس»، في بيان، أن نتنياهو «ما زال يعمل على تعطيل اتفاق وقف الحرب على غزة، ويمارس أبشع الانتهاكات عبر استهداف المدنيين العُزل وتدمير الأحياء والمرافق العامة واستهداف مراكز الإيواء، رغم الإعلان عن سريان وقف إطلاق النار قبل أكثر من ثلاثة أشهر».

وشدّدت الحركة على أن أولى خطوات إحلال الاستقرار تكمن في «وقف انتهاكات الاحتلال وإنهائه بلا رجعة، ومحاسبة كل المسؤولين عن الإبادة الجماعية وسياسة التجويع المُمنهج».

كان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي قد قال، أمس الأربعاء، إن نتنياهو قَبِل دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام»، وهي مبادرة تهدف مبدئياً لإنهاء الصراع في غزة، لكن يمكن توسيع نطاقها لاحقاً للتعامل مع الصراعات في أماكن أخرى.

ووقَّع ترمب، اليوم، ميثاق «مجلس السلام» في دافوس، بحضور عدد من قادة العالم. وأعلن البيت الأبيض أن المجلس أصبح، الآن، «منظمة دولية» نشطة، وأن الميثاق دخل حيز التطبيق.