مفاوضات غزة... «حماس» تحاول «حشر إسرائيل في الزاوية»

أعلنت موافقتها على مقترح للوسطاء للإفراج عن جندي يحمل الجنسية الأميركية وجثامين 4 آخرين من مزدوجي الجنسية

«ساحة الرهائن» في تل أبيب يوم 13 مارس الحالي (أ.ف.ب)
«ساحة الرهائن» في تل أبيب يوم 13 مارس الحالي (أ.ف.ب)
TT

مفاوضات غزة... «حماس» تحاول «حشر إسرائيل في الزاوية»

«ساحة الرهائن» في تل أبيب يوم 13 مارس الحالي (أ.ف.ب)
«ساحة الرهائن» في تل أبيب يوم 13 مارس الحالي (أ.ف.ب)

أعلنت حركة «حماس»، الجمعة، موافقتها على مقترح قدَّمه الوسطاء بعد اجتماعات عقدت بينهم وبين مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن اتفاق مرحلي لفترة زمنية محددة يتم بموجبه الإفراج عن عدد محدود من المختطفين لدى الحركة في غزة، وتمديد وقف النار في القطاع. وتراهن «حماس»، كما يبدو، على أن تحشر إسرائيل في الزاوية، من خلال موافقتها على المقترح. إذ إن الحركة ستُفرج بموجبه عن جندي إسرائيلي يحمل الجنسية الأميركية وعن جثامين قتلى يحملون أيضاً جنسية مزدوجة، وهو أمر يمكن أن يُثير خلافاً بين واشنطن وتل أبيب، كون حكومة بنيامين نتنياهو كانت ترفض حتى الآن أي معاملة خاصة لمزدوجي الجنسية، وهو ما تؤكده تصريحات مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن حماس لم تتزحزح ولو مليمترا في محادثات وقف إطلاق النار في غزة.

وأوضحت مصادر مطلعة أن موافقة «حماس» على المقترح هي موافقة أولية تنتظر نقاشات حولها من قِبَل كل الأطراف، مشيرة إلى أن هناك وفداً من الحركة سيتوجه مساء اليوم أو فجر غد إلى مصر لمتابعة المفاوضات.

أفراد عائلات ومؤيدون للرهائن الإسرائيليين لدى «حماس» خلال تجمع في «ساحة الرهائن» بتل أبيب ليلة 13 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وقالت «حماس»، في بيان لها، إن وفدها القيادي تسلَّم الخميس مقترحاً من الوسطاء لاستئناف المفاوضات، وأنها تعاملت معه بمسؤولية وإيجابية، وسلَّمت ردها عليه فجر الجمعة، مبينةً أن ذلك يتضمن موافقتها على إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي عيدان ألكسندر، الذي يحمل الجنسية الأميركية، إضافة إلى جثامين 4 آخرين من مزدوجي الجنسية.

وأكدت «حماس» جاهزيتها التامة لبدء المفاوضات والوصول إلى اتفاق شامل حول قضايا المرحلة الثانية، داعيةً إلى إلزام الاحتلال بتنفيذ التزاماته كاملة.

ويأتي بيان «حماس» بعد يوم واحد من اجتماع عقدته قيادة الحركة مع وفد من حركة «الجهاد الإسلامي» في العاصمة القطرية الدوحة، لبحث المقترح المقدم إليها وجهود المفاوضات الجارية.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن قيادة «حماس» أجرت اتصالات مع فصائل فلسطينية أخرى لوضعها في صورة المقترح وتشكيل رد فصائلي موحد.

ووفق مصادر من «حماس» تحدَّثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن بيان الحركة يحمل رداً واضحاً وصريحاً على ما قدم إليها من قبل الوسطاء الذين عملوا على تقريب المسافات بين الحركة والمسؤولين الأميركيين من إدارة دونالد ترمب.

أطفال فلسطينيون يحملون أوعية لنقل إفطار رمضان برفح جنوب قطاع غزة يوم 13 مارس الحالي (رويترز)

ووفقاً للمصادر نفسها، فإن الوسطاء كثَّفوا من الاتصالات في الأيام الأخيرة من أجل محاولة إيجاد حلول إبداعية لتمديد وقف إطلاق النار الهش بقطاع غزة خلال فترة شهر رمضان وعيد الفطر، والأعياد اليهودية.

وبيَّنت المصادر أن المقترح المقدم ينص على تمديد وقف إطلاق النار لنحو 50 يوماً، وفتح معبر كرم أبو سالم لإدخال المساعدات الغذائية والطبية وغيرها، والتزام إسرائيل بتنفيذ البروتوكول الإنساني كاملاً، بما يشمل إدخال الخيام والبيوت المتنقلة والمعدات الثقيلة.

وأشارت إلى أنه سيتم الإفراج عن عدد معين سيتم الاتفاق عليه بشأن الأسرى الفلسطينيين الذين سيفرج عنهم، مقابل تسليم الجندي الإسرائيلي الذي يحمل الجنسية الأميركية، وكذلك الجثث من مزدوجي الجنسية، مبينةً أن الحركة في ردِّها قدمت تصوراً يتعلق بالعدد الذي تريده من المعتقلين الفلسطينيين، خصوصاً أن المفرج عنه جندي، وسيتم التعامل معه بمفاتيح مختلفة عمن أفرج عنهم في المرحلة الأولى.

عائلات الرهائن الإسرائيليين في غزة خلال احتجاج أمام مقر قيادة الجيش الإسرائيلي في تل أبيب يوم 14 مارس الحالي للمطالبة بإكمال صفقة التبادل مع حركة «حماس» (إ.ب.أ)

ولفتت إلى أن كل ذلك مرهون بإطلاق مفاوضات المرحلة الثانية من صفقة تبادل الأسرى، التي ستبدأ فور موافقة كل الأطراف على الاتفاق المطروح، الذي تدعمه الولايات المتحدة بشكل كبير، وتقف خلفه، مشيرة إلى أن الكرة الآن في ملعب الأميركيين والإسرائيليين على حد سواء.

وسعى مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون الرهائن، آدم بوهلر، خلال زيارة قام بها مؤخراً إلى قطر، لتأمين إطلاق سراح الرهائن من حملة الجنسية الأميركية، وقدَّم لـ«حماس» في لقاءات واتصالات جرت بشكل مباشر وغير مباشر لأن يتم التوصل لاتفاق بهذا الشأن، لكنه بفعل تباين المواقف بين واشنطن وتل أبيب توقفت اللقاءات المباشرة، وبقيت الاتصالات غير المباشرة عبر الوسطاء.

وبهذا الرد من «حماس» تكون الحركة، وفق مصادر مطلعة على تفكيرها، قد حشرت إسرائيل في الزاوية، خصوصاً أن الحكومة الإسرائيلية كانت ترفض أي معاملة خاصة لمزدوجي الجنسية، إلا أن رد الحركة الفلسطينية قد يضعها في مأزق، وخلاف أكبر مع إدارة الرئيس دونالد ترمب، التي أجرت اتصالات مباشرة مع «حماس» من أجل تأمين سراح إطلاق حملة الجنسية الأميركية من الأحياء والأموات.

ودعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إجراء مناقشة أمنية وجلسة تقييم خاصة في أعقاب بيان «حماس».

وكان نتنياهو قد أوعز لفريق المفاوضات الإسرائيلي في الدوحة بتمديد بقائه بقطر لحين انتظار رد «حماس». في حين ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن الوفد كان سيعود السبت أو الأحد في حال لم يتلقَّ رداً على المقترح المقدم.

دمار واسع في مخيم جباليا شمال قطاع غزة يوم 13 مارس (د.ب.أ)

ولا يعرف كيف سيتصرف نتنياهو أمام معضلة الضغط الأميركي، وتدخل إدارة ترمب بشكل مباشر لم يكن متوقعاً بالنسبة لإسرائيل و«حماس» على حد سواء.

ويبدو أن «حماس» تُعوِّل كثيراً على الموقف الأميركي في الضغط على إسرائيل من أجل التوصل إلى اتفاق.

وقال مصدر أمني إسرائيلي لهيئة البث العامة إن المقترح الذي قُدِّم إلى تل أبيب ينص على إطلاق سراح 5 رهائن أحياء، إلى جانب 4 جثث، مشيراً إلى أن هذا المقترح قدمه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، في حين أن «حماس» وافقت على مقترح المبعوث بوهلر.

ويهدف المقترح الأميركي -الذي كشف عنه الخميس- بشكل أساسي للإفراج عن رهينة يحمل الجنسية الأميركية، و4 جثث لرهائن آخرين، على أن يتم إطلاق سراح 4 أحياء في وقت لاحق.

حقائق

58 رهينة

أتاحت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار عودة 33 رهينة إلى إسرائيل بينهم 8 قتلى، في حين أفرجت إسرائيل عن نحو 1800 معتقل فلسطيني كانوا في سجونها.

وخطف خلال هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، 251 شخصاً، من بينهم 58 لا يزالون في غزة، وتقول إسرائيل إن 34 من بين هؤلاء قتلوا.


مقالات ذات صلة

لليوم الرابع... اغتيالات إسرائيلية مكثفة في صفوف «القسام»

خاص فلسطينية تصرخ خلال جنازة ضحايا غارة إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

لليوم الرابع... اغتيالات إسرائيلية مكثفة في صفوف «القسام»

لليوم الرابع، صعدت إسرائيل الاغتيالات ضد نشطاء الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية في غزة، خاصةً القيادات الميدانية لـ«كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

تنخرط إسرائيل في معارك حرب إيران، مبتعدة عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة والتزاماته، فيما تواصل «حماس» حراكاً آخر في القاهرة، بحثاً عن مخرج لتعثر الاتفاق.

محمد محمود (القاهرة)
خاص عناصر من شرطة «حماس» في أحد شوارع مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

خاص «حماس» تقتل فلسطينيين وتثير ردود فعل غاضبة مع عودة ملاحقة الغزيين

كان كثيرون يتوقعون بعد الحرب الإسرائيلية أن تتغير الظروف الأمنية مع الحديث عن رحيل «حماس» عن الحكم في القطاع...

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم العربي عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)

احتجاز مشتبَه به من «حماس» في قبرص مطلوب لألمانيا

قال ‌ممثلو الادعاء الألمان، الثلاثاء، إن السلطات القبرصية احتجزت عضواً مشتبهاً ​به في حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية «حماس» مطلوباً في ألمانيا بتُهم…

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي فلسطينيات يبكين أقارب لهن قُتلوا في غارات إسرائيلية على مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز) p-circle

مقتل 6 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على مدينة غزة

قال مسؤولون في قطاع الصحة، إن غارةً جوية إسرائيلية وقصفاً بالدبابات أسفرا عن مقتل 6 فلسطينيين، بينهم امرأتان وفتاة في مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة - غزة)

عيد فطر «حزين ومؤلم» لمسلمي القدس بعد منعهم من الصلاة في المسجد الأقصى

مصلون فلسطينيون مسلمون يؤدون صلاة العيد في القدس على جانب الطريق احتفالاً بعيد الفطر... إذ لا يُسمح لهم بأداء الصلاة في المسجد الأقصى في أعقاب القيود المفروضة على التجمعات الكبيرة وسط الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران... 20 مارس الحالي (رويترز)
مصلون فلسطينيون مسلمون يؤدون صلاة العيد في القدس على جانب الطريق احتفالاً بعيد الفطر... إذ لا يُسمح لهم بأداء الصلاة في المسجد الأقصى في أعقاب القيود المفروضة على التجمعات الكبيرة وسط الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران... 20 مارس الحالي (رويترز)
TT

عيد فطر «حزين ومؤلم» لمسلمي القدس بعد منعهم من الصلاة في المسجد الأقصى

مصلون فلسطينيون مسلمون يؤدون صلاة العيد في القدس على جانب الطريق احتفالاً بعيد الفطر... إذ لا يُسمح لهم بأداء الصلاة في المسجد الأقصى في أعقاب القيود المفروضة على التجمعات الكبيرة وسط الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران... 20 مارس الحالي (رويترز)
مصلون فلسطينيون مسلمون يؤدون صلاة العيد في القدس على جانب الطريق احتفالاً بعيد الفطر... إذ لا يُسمح لهم بأداء الصلاة في المسجد الأقصى في أعقاب القيود المفروضة على التجمعات الكبيرة وسط الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران... 20 مارس الحالي (رويترز)

بقيت فرحة احتفال المسلمين في القدس، الجمعة، بعيد الفطر ناقصة، إذ شابَتها غصّة استحالة الصلاة في المسجد الأقصى الذي ظلّت مداخله مغلقة، كما كانت كل يوم منذ بداية الحرب مع إيران.

وهذا ما جعل التجهم والحزن يبدوان جليَّين على وجوه مئات المصلين المسلمين لدى محاولتهم، من دون كثير أمل، التجمع فجراً أمام بوابات البلدة القديمة في القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 وضمّتها من طرف واحد.

وقال وجدي محمد شويكي إن «رمضان (هذه المرة) حزين ومؤلم» بسبب «مصادرة» المسجد الأقصى، ثالث الحرمين الشريفين لدى المسلمين، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورأى الرجل الستيني أنه «وضع كارثي... على أهل القدس بشكل خاص، وأهل فلسطين عموماً، وعلى كل المسلمين في شتى بقاع الأرض».

مصلون مسلمون خارج أسوار البلدة القديمة في القدس في 20 مارس الحالي لأداء صلاة الفجر بمناسبة عيد الفطر (أ.ف.ب)

أمام الأسوار

وتشكّل المدينة المقدّسة للديانات التوحيدية الثلاث نقطة خلافية أساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وموضوعاً لتوتر دائم.

وتعتبر إسرائيل التي احتلت الشطر الشرقي من القدس عام 1967 وضمّته أن المدينة «الموحّدة» بهذه الصورة هي «عاصمتها الأبدية»، في حين يريد الفلسطينيون أن يجعلوا منها عاصمة الدولة المستقلة ذات السيادة التي يطمحون إليها.

ومنذ القصف الإسرائيلي الأميركي على إيران قبل 21 يوماً، منعت السلطات الإسرائيلية لأسباب وصفتها بالأمنية الدخول إلى الأماكن المقدسة في البلدة القديمة، وهي «حائط المبكى» الذي يُسمح لليهود بالصلاة فيه، و«كنيسة القيامة» للمسيحيين، وللمسلمين «الحرم القدسي الشريف».

وبسبب حالة الطوارئ، يُحظر تجمّع أكثر من خمسين شخصاً، ما يحول دون إقامة الشعائر والصلوات لأتباع الديانات الثلاث.

ونظراً لمنع المصلين المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى، حاول عدد منهم في الأيام الأخيرة أن يأتوا للصلاة أمام أسوار البلدة القديمة، تحت أنظار عناصر الشرطة الذين لم يترددوا أحياناً عن إبعادهم.

ولدى بزوغ فجر أول أيام العيد الجمعة، راحوا يتوافدون إلى المكان في مجموعات صغيرة، قوامها رجال من مختلف الأعمار، يحمل بعضهم سجادات الصلاة.

قوات الأمن الإسرائيلية تجوب بين صفوف المصلين المسلمين المتجمعين خارج أسوار البلدة القديمة في القدس في 20 مارس الحالي لأداء صلاة عيد الفطر (أ.ف.ب)

«اللهم انصر المستضعفين»

حاول المصلّون الاقتراب من الأبواب وهم يرددون هتافات التكبير والشهادة.

وراح العشرات من عناصر الشرطة يدفعونهم إلى الخلف، أحياناً بالركلات أو بصفعات خلف الآذان، أو باستخدام القنابل المسيلة للدموع مرتين على الأقل.

وعاود المصلّون الكرّة. فقبلت الشرطة في نهاية المطاف السماح لهم لبضع دقائق بهذه الصلاة في الشارع، وسط الطريق، وكان يؤمهم إمام وقف على كرسي بلاستيكي صغير.

وتوجّه الإمام إلى المصلّين قائلاً: «اجعلوا من صلاة العيد علامة على عهد جديد مع الله. صلّوا، وادعوا الله القدير، وارجوا أن تُستجاب دعواتكم». وفي خاتمة هذا الكلام الديني، كان الشق السياسي الذي عبّر عنه الإمام بقوله: «اللهم انصر المستضعفين».

فلسطينيون يؤدون صلاة العيد في القدس على جانب الطريق احتفالاً بعيد الفطر بعد منع دخولهم إلى المسجد الأقصى... 20 مارس الحالي (رويترز)

وراح عناصر الشرطة الإسرائيلية عندها يدفعون المصلين الذين تفرقوا من دون مقاومة في الأزقة، واشتروا في طريقهم أرغفة خبز ساخنة معروضة على بسطات الشارع.

ومع أن هذا التجمع متواضع في ظاهره لاقتصاره على بضع مئات من المصلين، فإنه حدث غير مألوف. لاختلافه عن المشهد المعتاد في عيد الفطر، إذ تحتضن باحة الأقصى أكثر من مائة ألف مصلٍّ وعائلاتهم.

وذكّر رجل الدين أيمن أبو نجم الآتي من منطقة بيت حنينا الفلسطينية في القدس الشرقية بأن «الاحتلال، بذريعة الحرب، ولأهداف عنده، أقدم على إغلاق المسجد الأقصى قبل 20 يوماً».

وأضاف: «الأصل هو أننا كمسلمين نصلي العيد في المسجد الأقصى»، مشيراً إلى أنها «أطول فترة يُغلق فيها المسجد الأقصى في تاريخ الاحتلال».

أما زياد منة الذي شارك في الصلاة أيضاً فقال: «رمضان هذه السنة كانت بدايته جيدة، ولكن... عندما أُقفِل المسجد الأقصى وحصلت الحرب، كان الشعور حزيناً جداً، وكان شعوراً بالقهر».

وقال ناطق باسم الشرطة الإسرائيلية في وقت لاحق، إن قوات الأمن «سمحت بإقامة الصلوات في الشارع... من دون تدخّل، رغم مستوى التأهّب المرتفع».

وأضافت الشرطة أن «العناصر اضطرّوا مع ذلك إلى تطبيق التعليمات... عندما تجاوزت الحشود لاحقاً القدرة المسموح بها وبدا أنها تحاول الدخول إلى البلدة القديمة»، مؤكدة أنّ «التفريق لم يتمّ إلا من أجل سلامة الجمهور» في حال وقوع ضربات صاروخية.


بعثة «الناتو» تنسحب «مؤقتاً» من العراق مع استمرار حرب إيران

صورة من مدخل مقر «الناتو» في بروكسل (رويترز - أرشيفية)
صورة من مدخل مقر «الناتو» في بروكسل (رويترز - أرشيفية)
TT

بعثة «الناتو» تنسحب «مؤقتاً» من العراق مع استمرار حرب إيران

صورة من مدخل مقر «الناتو» في بروكسل (رويترز - أرشيفية)
صورة من مدخل مقر «الناتو» في بروكسل (رويترز - أرشيفية)

سحب حلف شمال الأطلسي (ناتو) بعثته بشكل «مؤقت» من العراق، على ما أكّد مسؤولان أمنيان عراقيان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة، وذلك على وقع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال مسؤول في قيادة العمليات المشتركة العراقية إن «بعثة الناتو غادرت قاعدة يونيون (3 Union III) باستثناء عدد قليل بقي». وأكّد مسؤول آخر: «الانسحاب المؤقت للبعثة... لأنهم قلقون من الوضع»، مشيراً إلى أن البعثة «أبلغت الحكومة العراقية قبل الانسحاب... وليس هناك أي خلاف» بين الطرفَين.

وتؤدي بعثة «الناتو» في العراق دوراً استشارياً للقوات العراقية، ومهمّتها غير قتالية. وتتخذ مقرّاً في قاعدة عسكرية عراقية في قلب بغداد، على مقربة من السفارة الأميركية التي تعرَّضت لهجمات عدّة بصواريخ ومسيّرات منذ بدء الحرب.


ضغوط توقف هجمات فصائل عراقية على سفارة واشنطن

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين. (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين. (أ.ف.ب)
TT

ضغوط توقف هجمات فصائل عراقية على سفارة واشنطن

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين. (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين. (أ.ف.ب)

دخلت الأزمة الأمنية المتصاعدة في العراق منعطفاً حذراً، مع تراجع ملحوظ في وتيرة الهجمات على السفارة الأميركية في بغداد خلال اليومين الماضيين، في خطوة تعكس مزيجاً من الضغوط السياسية والقضائية الداخلية، إلى جانب رسائل تحذيرية أميركية، وفق ما أفادت به مصادر عراقية مطلعة.

يأتي هذا التطور في سياق إقليمي بالغ الحساسية منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير (شباط) الماضي، والتي انعكست تداعياتها بشكل مباشر على الساحة العراقية، بصفتها إحدى ساحات النفوذ والتماس غير المباشر.

ضغوط متعددة المسارات

وقالت المصادر إن تحركات مكثفة قادتها أطراف سياسية فاعلة خلال اليومين الماضيين هدفت إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع، قد تهدد الاستقرار الداخلي، خصوصاً في ظل أوضاع اقتصادية دقيقة.

وأوضحت أن قيادات حكومية وسياسية مارست ضغوطاً مباشرة وغير مباشرة على قادة الفصائل المسلحة لوقف الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، محذّرة من تداعياتها على السيادة والأمن الوطني.

وأشارت المصادر إلى أن المؤسسة القضائية دخلت على خط الأزمة عبر التلويح بملاحقات قانونية بحق المتورطين، وهو ما شكّل عامل ضغط إضافياً باتجاه التهدئة.

في المقابل، نقلت واشنطن عبر قنوات رسمية رسائل وُصفت بأنها «حازمة»، تضمنت تهديدات بخيارات تصعيدية في حال استمرار استهداف بعثاتها الدبلوماسية ومصالحها في العراق.

أفراد من قوات «الحشد الشعبي» يحضرون جنازة في النجف الأربعاء (أ.ب)

تفاهمات غير معلنة

تشير المعطيات إلى وجود تفاهمات أولية غير معلنة بين الأطراف العراقية، تهدف إلى خفض التصعيد، تقوم على امتناع الفصائل عن استهداف السفارة الأميركية وقاعدة الدعم اللوجيستي في مطار بغداد.

كشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» عن أن اجتماعات منفصلة عُقدت داخل المنطقة الخضراء في بغداد، حيث التقى مسؤولون عراقيون بممثلين عن فصائل مسلحة، كما عقد المسؤولون العراقيون اجتماعاً آخر مع القائم بالأعمال الأميركي؛ لبحث آلية تحول دون تصعيد المواجهة إلى مستويات أكثر خطورة.

في هذا السياق، أعلنت «كتائب حزب الله» هدنة لمدة خمسة أيام، مشروطة بعدم استهداف مواقعها، في خطوة عُدَّت اختباراً عملياً لإمكانية تثبيت التهدئة.

وكانت «كتائب حزب الله» قد طرحت جملة شروط لتعليق هجماتها، من بينها وقف ما وصفته بالهجمات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية في بيروت، والتزام واشنطن بعدم استهداف مناطق سكنية داخل العراق، إضافة إلى تقليص نشاط عناصر الاستخبارات الأميركية خارج السفارة.

غير أن مصادر أشارت إلى أن الجانب الأميركي لم يقدّم حتى الآن رداً واضحاً على هذه الشروط؛ ما يبقي الهدنة في إطار هش وقابل للانهيار.

ميدانياً، شهدت العاصمة بغداد هدوءاً نسبياً، مع اختفاء أصوات الطائرات المسيّرة والصواريخ التي كانت تتكرر يومياً خلال شهر رمضان، في مؤشر على نجاح جزئي للجهود السياسية.

لكن هذا الهدوء يتزامن مع استمرار الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية ضد أهداف مرتبطة بالفصائل في مناطق متفرقة من البلاد، من غرب العراق إلى شماله وصولاً إلى جنوب بغداد.

وكانت مصادر غربية أكدت أن واشنطن ستواصل نهجها القائم على توجيه ضربات إلى الفصائل المدعومة من إيران، رداً على هجماتها في العراق. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن العمليات العسكرية ستتواصل بهدف تحييد التهديدات، في ظل تصاعد التوترات الأمنية.

من جهته، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، خلال إحاطة في البنتاغون، إن مروحيات الهجوم الأميركية من طراز «AH-64» تستهدف تلك الجماعات بهدف «التأكد من قمع أي تهديد في العراق ضد المصالح أو القوات الأميركية».

مقر السفارة الأميركية داخل «المنطقة الخضراء» في بغداد (ا.ف.ب)

خسائر «الحشد الشعبي»

في غضون ذلك، أعلن هادي العامري، الأمين العام لـ«منظمة بدر»، سقوط أكثر من 160 قتيلاً وجريحاً في صفوف «الحشد الشعبي» جراء الضربات الأخيرة، مندداً بما وصفه بـ«الاعتداءات الأميركية – الإسرائيلية».

ويعكس هذا التصعيد تعقيداً إضافياً؛ إذ تصرّ الحكومة العراقية على عدّ «الحشد الشعبي» مؤسسة رسمية، في حين يؤدي تداخل بنيته مع الفصائل المسلحة إلى جعله هدفاً مشروعاً للضربات، وفق قواعد الاشتباك التي تعتمدها الولايات المتحدة وحلفاؤها.

دولياً، تتزايد الضغوط على بغداد لضبط الجماعات المسلحة. فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السلطات العراقية إلى اتخاذ إجراءات واضحة لمنع استهداف البعثات الدبلوماسية، مؤكداً أن ذلك «لا يخدم استقرار العراق».

في موازاة ذلك، أعلن محافظ أربيل أوميد خوشناو أن عاصمة إقليم كردستان تعرضت لنحو 300 هجوم جوي وصاروخي منذ بداية التصعيد، مؤكداً أن الإقليم «ليس طرفاً في الصراع»، وأن استهدافه «غير مبرر».

رغم مؤشرات التهدئة، لا تزال مواقف بعض الفصائل تتسم بالتصعيد. فقد أكد أكرم الكعبي، الأمين العام لـ«حركة النجباء»، أن «المقاومة» مستعدة لجميع السيناريوهات، عادَّاً أن الضربات الجوية لن تثنيها، بل ستزيدها إصراراً.

وتعكس التطورات الراهنة توازناً دقيقاً بين مساعي الاحتواء ومخاطر الانفجار. فبينما تقول الحكومة العراقية إنها تسعى إلى تجنيب البلاد التحول إلى ساحة صراع مفتوح، تبقى هشاشة التفاهمات، واستمرار الضربات المتبادلة، وخطاب التصعيد، عوامل تهدّد بإعادة إشعال المواجهة في أي لحظة.