«عقبة التبادل» تحيط بهدنة غزة... وجهود للحلحلة

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «حماس» منفتحة على تمديد المرحلة الأولى

الأسير الإسرائيلي السابق عومير شيم توف يُقبّل رأس أحد عناصر «كتائب القسام» (صورة وزّعتها «حماس» - أ.ف.ب)
الأسير الإسرائيلي السابق عومير شيم توف يُقبّل رأس أحد عناصر «كتائب القسام» (صورة وزّعتها «حماس» - أ.ف.ب)
TT

«عقبة التبادل» تحيط بهدنة غزة... وجهود للحلحلة

الأسير الإسرائيلي السابق عومير شيم توف يُقبّل رأس أحد عناصر «كتائب القسام» (صورة وزّعتها «حماس» - أ.ف.ب)
الأسير الإسرائيلي السابق عومير شيم توف يُقبّل رأس أحد عناصر «كتائب القسام» (صورة وزّعتها «حماس» - أ.ف.ب)

لا يزال مشهد إطلاق سراح أكثر من 600 أسير فلسطيني تشوبه الشكوك بانتظار قرار إسرائيلي يسمح بالإفراج عنهم التزاماً بصفقة تبادل أطلقت حركة «حماس» بموجبها ستة محتجزين إسرائيليين السبت الماضي، وذلك بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأجيل الإفراج عن دفعة جديدة من المعتقلين الفلسطينيين.

وصرَّحت مصادر مطلعة من الفصائل الفلسطينية منخرطة بالمفاوضات بشكل غير مباشر لـ«الشرق الأوسط»، بأنه في حالة سير المفاوضات عبر الوسطاء بشكل طيب، فقد تُسلم «حماس»، الاثنين، جثتي رهينتين إسرائيليين من دون مراسم، مقابل العمل على الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين الذين كان من المفترض إطلاق سراحهم السبت، ومضاعفة عددهم.

وقالت المصادر إنه إذا لم يحدث ذلك يوم الاثنين، فقد يحدث الثلاثاء أو الأربعاء.

وتتعلل إسرائيل في قرار تعليق الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين بما تعدّه «مراسم تسليم مهينة» للرهائن الإسرائيليين، مشيرة إلى العروض التي تنظمها «حماس» خلال عمليات التسليم.

وقال مكتب نتنياهو في بيان يوم السبت إنه قرر تعليق التسليم: «في ضوء الانتهاكات المتكررة لـ(حماس)، خصوصاً المراسم المهينة التي تحط من كرامة رهائننا، والاستخدام الساخر للرهائن لأغراض دعائية»، مؤكداً أن القرار سيظل قائماً «حتى يتم ضمان إطلاق سراح الرهائن التالين، من دون مراسم مهينة».

وعدَّت «حماس» عدم الإفراج عن الدفعة السابعة من الأسرى الفلسطينيين «خرقاً فاضحاً للاتفاق».

من جانب آخر، أكد نتنياهو مجدداً عزمه على تفكيك سلطة حركة «حماس» الفلسطينية في قطاع غزة، وقال في كلمة أمام دفعة من خريجي الجيش إن إسرائيل «مستعدة للعودة إلى القتال المكثف في أي لحظة»، وفقاً لتقرير صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، نشرته وكالة الأنباء الألمانية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في القدس في فبراير الماضي (رويترز)

 

وأضاف: «جميع رهائننا، دون استثناء، سيعودون إلى وطنهم». وتابع: «لن تحكم (حماس) غزة. سيجري نزع سلاح من غزة، وسيجري تفكيك قوتها القتالية».

كل الخيارات «متاحة ومباحة»

يسعى الوسطاء لتقريب وجهات النظر بين الأطراف من أجل إنهاء كل الخلافات التي تحول دون تأجيج التوتر مجدداً.

وتشير الترجيحات إلى أنه في حال تعذر الوصول لحل للأزمة خلال المفاوضات المتسارعة الجارية منذ يومين، فإن الغمامة قد تنقشع بحلول الخميس المقبل، وهو الموعد المحدد وفق الاتفاق لتسليم جثث أربعة إسرائيليين آخرين.

غير أنه من غير المعروف في ظل الأزمة القائمة هل ستسلم حركة «حماس» هذه الجثث أم ستعمل على تأخيرها؟ وقالت المصادر من الحركة لـ«الشرق الأوسط» إن كل الخيارات والسيناريوهات «متاحة ومباحة» ما دامت لم تلتزم إسرائيل بما هو منصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار.

ولم تستبعد المصادر تأخير عملية تسليم الجثث الإسرائيلية لساعات عدة، أو حتى تأخيرها أياماً في حال لم تفرج إسرائيل عن الأسرى المقرر الإفراج عنهم، وقالت: «إذا كانت ذرائع الاحتلال تتعلق باتهام (المقاومة) بإهانة أسراه من خلال العروض العسكرية، فإنه بنفسه يهين أسرانا ويمتهن كرامتهم في كل لحظة ويتعمد حلق رؤوسهم وضربهم وإجبارهم على ارتداء ملابس يكتب عليها شعارات انتقامية وعنصرية».

وأكد الناطق باسم حركة حماس عبد اللطيف القانوع، الاثنين، أن عدم تنفيذ إسرائيل كامل بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة «لا يخدم المضي قدماً نحو استكمال الإفراج عن باقي الأسرى الإسرائيليين».

ونقل المركز الفلسطيني للإعلام عن القانوع قوله في تصريحات صحفية: «لن تتعاطى المقاومة مع أي مفاوضات جديدة ما لم يلتزم الاحتلال بالاتفاق وينفذ استحقاقات المرحلة الأولى»، وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء الألمانية.

ودعا الوسطاء والمجتمع الدولي إلى مزيد من الضغط على إسرائيل «لإنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار وتثبيته، ومنع نتنياهو من تعطيل بنوده».

احتمالات تمديد المرحلة الأولى

وتؤكد مصادر من «حماس» أن إسرائيل طلبت عبر الوسطاء تمديد المرحلة الأولى بإطلاق سراح دفعات جديدة من المحتجزين الإسرائيليين، بما يشمل تمديد وقف إطلاق النار خلال شهر رمضان الذي يبدأ السبت وفقاً للحسابات الفلكية.

وبحسب المصادر التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن «حماس» منفتحة تماماً بشكل مبدئي على إطلاق سراح أربعة محتجزين على دفعتين، تُسلّم في كل منهما اثنين أو ما يزيد قليلاً. وأضافت: «ربما يزيد عدد الدفعات والمفرج عنهم، لكن ذلك لا يمكن أن يكون من دون أي مقابل».

وأشارت المصادر إلى أن ثمن الإفراج عن أي محتجزين إسرائيليين في الدفعات الجديدة سيكون بمعايير مغايرة، خاصةً أنهم أسرى من الجنود النظاميين والاحتياط الذين كانوا يقاتلون مع الجيش الإسرائيلي، كما أن هناك محتجزين كانوا يخدمون في مؤسسات أمنية.

وأوضحت أن المعايير التي صُنفت على أنها «إنسانية» على من أُفرج عنهم حتى السبت الماضي «لا تنطبق أبداً على هؤلاء»، مشيرة إلى أن الإفراج عنهم سيكون ضمن شروط واضحة.

عناصر من حركة «حماس» خلال الاستعداد لتسليم أسرى السبت الماضي إلى ممثلي «الصليب الأحمر» في رفح جنوب قطاع غزة (رويترز)

وتقول المصادر إن «حماس» مع أي خيار لا يتيح عودة الحرب لغزة، لكن ليس بأي ثمن، مشددة على أنه يجب على إسرائيل أن توفي أولاً بالتزاماتها وفق الاتفاق الموقع بالإفراج عما تبقى من أسرى فلسطينيين، وأن تلتزم بالإفراج عن باقي الأسرى من الأطفال والنساء المفترض أن يفرج عنهم مقابل الدفعة الأخيرة من جثث الإسرائيليين الذين قتلوا نتيجة الغارات والعمليات الجوية العسكرية في قطاع غزة خلال الحرب.

ولفتت المصادر إلى أن الاتصالات مع الوسطاء لم تتوقف للحظة منذ إخلال إسرائيل بنص الاتفاق، وأشارت إلى وجود ضغوط من الوسطاء لحل الخلاف القائم، وكذلك العمل على إلزامها بتنفيذ اتفاق البروتوكول الإنساني المتعلق بإدخال المعدات الثقيلة والبيوت المتنقلة وغيرها.

ما الفارق بين المرحلتين الأولى والثانية لهدنة غزة؟

بيَّنت المصادر أن «حماس» سترهن تمديد المرحلة الأولى ببدء مفاوضات تتعلق بالمرحلة الثانية، وقالت: «لا يمكن تعليق المراحل الأخرى ورهنها بإطلاق سراح الأسرى لمحاولة استعادتهم فقط ثم استئناف الحرب. لا بد من اتفاق واضح ينصّ على إنهاء الحرب وإعادة الإعمار كما هو متفق عليه بشروط انطلاق المرحلة الثانية».

ويسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بوضوح وبدعم أميركي لتمديد المرحلة الحالية لاستعادة أكبر قدر ممكن من المحتجزين الأحياء من قبضة «حماس»، في حين توصي أجهزته الأمنية بضرورة المضي قدماً للبدء بمفاوضات المرحلة الثانية من أجل استعادة المحتجزين.

وتنص المرحلة الأولى على وقف إطلاق النار لمدة 42 يوماً تنسحب بموجبه القوات الإسرائيلية من قطاع غزة بشكل تدريجي، ويجري تبادل الأسرى والمحتجزين على دفعات عدة بما يشمل 33 محتجزاً ما بين أحياء وأموات.

وكان من المفترض في اليوم السادس عشر من المرحلة الأولى أن تنطلق مفاوضات المرحلة الثانية، إلا أن إسرائيل لم ترسل وفداً لذلك، وسعت في كل مرة لتأجيل إرساله لحين استكمال مشاوراتها مع الولايات المتحدة.

وترتكز المرحلة الثانية على قضايا ملحة مثل إعادة الإعمار، وهو الملف الذي يؤرق الحركة مع بقاء أكثر من مليون و200 ألف فلسطيني بلا مأوى فعلياً، وبخاصة مع امتناع إسرائيل عن الالتزام بإدخال البيوت المتنقلة والخيام وغيرها بما يتيح إيواءهم وسط برودة الطقس القاسية.

وتسعى «حماس» لضمان أن تُنهي مفاوضات المرحلة الثانية، أو تفضي على الأقل، إلى مفاوضات مرحلة ثالثة تضع نهاية دائمة للحرب، أو حتى المضي بمقترحها «مبادلة الكل مقابل الكل»، لكن كل ذلك فيما يبدو لن يكون سهلاً في ظل الشروط الإسرائيلية الجديدة التي أبلغت بها حكومة نتنياهو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي يعتبرها كثيرون «شروطاً تعجيزية».

وتشترط إسرائيل لمفاوضات المرحلة الثانية نزع سلاح «حماس» والفصائل الأخرى، وتفكيكها عسكرياً وإدارياً، إلى جانب ضمان عدم نقل الحكم إلى السلطة الفلسطينية، وذلك في وقت تبدو فيه تحاول التهرب من ضمان إعادة إعمار القطاع، وكذلك ضمان ألا تعود للحرب مجدداً.

وبحسب صحيفة «هآرتس»، فإن الرئيس الجديد لفريق التفاوض الإسرائيلي، وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، أبلغ المبعوث الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، خلال لقاء جمعهما في الولايات المتحدة منذ أيام بأن إسرائيل ترغب في استعادة مختطفيها دفعةً واحدة مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين، ومن دون أن تلتزم بالانسحاب من غزة أو الالتزام بمفاوضات مرحلة ثانية وثالثة.

ومن المقرر أن يزور ويتكوف المنطقة خلال أيام في جولة يزور خلالها إسرائيل، ومصر، وقطر، والإمارات والسعودية.

ويخشى مراقبون وكذلك «حماس» وسكان قطاع غزة أن يعمل نتنياهو على استعادة أسراه ثم يستكمل الحرب حفاظاً على ائتلافه اليميني من جانب، ومنع انهيار حكمه من جانب آخر؛ وهو اعتقاد سائد أيضاً لدى بعض عوائل المحتجزين الإسرائيليين الذين وجَّهوا مناشدة لإدارة ترمب كي تتدخل لضمان الإفراج عن أبنائها.

خرق للهدنة

على صعيد آخر، ذكرت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) أن القوات الإسرائيلية استهدفت السكان الفلسطينيين في منازلهم بحي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، وفي المناطق الجنوبية الغربية لمدينة رفح جنوب القطاع.

وأضافت: «آليات الاحتلال تطلق نيرانها شرق حي الزيتون، وعند دوار العودة وسط مدينة رفح؛ ما أدى إلى اشتعال النيران بمبانٍ سكنية، دون أن يُبلغ عن إصابات أو اعتقالات».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تلاحق قياديين من «الجهاد» في إيران... ماذا نعرف عنهما؟

خاص مجموعة من المقاتلين التابعين لـ«سرايا القدس» في غزة أكتوبر 2023 (إ.ب.أ)

إسرائيل تلاحق قياديين من «الجهاد» في إيران... ماذا نعرف عنهما؟

نقلت وسائل إعلام عبرية أن إسرائيل استهدفت في إيران قائدين كبيرين في حركة «الجهاد الإسلامي»، وهما محمد الهندي وأكرم العجوري... فماذا نعرف عنهما وطبيعة أدوارهما.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يركبون عربة يجرها حمار وسط عاصفة رملية في مدينة غزة (أ.ب) p-circle

بسبب حرب إيران... غزة تستقبل أول عيد في ظل الهدنة وسط قلق من نسيانها

للمرَّة الأولى منذ بداية الحرب في قطاع غزة قبل أكثر من سنتين، تشتري رائدة أبو دية ملابس جديدة لطفلتها لمناسبة عيد الفطر، ولكنها في الوقت ذاته قلقة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي خيام تؤوي فلسطينيين نازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... زخم يتصاعد أمام تعقيدات ومخاوف

زخم يتواصل بشأن ملف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بعد جمود زاد من وتيرته اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوعين.

محمد محمود (القاهرة )
خاص جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي) p-circle

خاص مصادر من «حماس»: إسرائيل درّبت عصابات غزة على المسيرات

أظهرت استجوابات أجرتها «حماس» لشخص تتهمه بالعمل مع العصابات المسلحة الموالية لإسرائيل في غزة نمواً في الدعم العسكري والتدريبي الذي تقدمه لهم إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مبانٍ مدمرة جراء القصف الإسرائيلي لقطاع غزة في خان يونس جنوب القطاع 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

«حماس» أجرت محادثات مع «مجلس السلام» للحفاظ على وقف النار في غزة

أفادت ثلاثة ​مصادر لوكالة «رويترز» للأنباء بأن مبعوثين من «مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التقوا بممثلين عن حركة «حماس» في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: استئناف هجمات بصواريخ ومُسيرات على السفارة الأميركية في بغداد

لقطة عامة للسفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد (إ.ب.أ)
لقطة عامة للسفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد (إ.ب.أ)
TT

تقرير: استئناف هجمات بصواريخ ومُسيرات على السفارة الأميركية في بغداد

لقطة عامة للسفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد (إ.ب.أ)
لقطة عامة للسفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد (إ.ب.أ)

أفادت مصادر أمنية باستئناف هجمات ​بالصواريخ والطائرات المسيرة على السفارة الأميركية ومنشأة دبلوماسية في العراق، اليوم الثلاثاء، بعد سلسلة ‌من الهجمات ‌التي وقعت ​في ‌وقت ⁠سابق ​من اليوم، وفقاً لوكالة «رويترز».

وذكرت ⁠مصادر أمنية أن صواريخ وطائرة مسيرة متفجرة استهدفت السفارة الأميركية في ⁠بغداد، مما أدى ‌إلى ‌انطلاق صفارات ​الإنذار وسماع ‌دوي انفجار ‌قرب المجمع.

وأضافت المصادر أن ثلاث طائرات مسيرة متفجرة على ‌الأقل استهدفت منشأة دبلوماسية أميركية قرب مطار ⁠بغداد ⁠الدولي، مما أدى إلى تفعيل أنظمة الدفاع الجوي (سي-رام).

ولم ترد تقارير فورية عن وقوع إصابات أو أضرار.

ومنذ الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، أعلنت «المقاومة الإسلامية» في العراق (وهي مظلة لمجموعات عراقية شيعية داعمة لإيران) عن شن هجمات على أهداف أميركية في العراق.


لجنة التحقيق في أحداث السويداء: تورط أفراد بينهم عناصر حكومية ومجموعات مسلحة و«داعش»

مؤتمر صحافي للجنة التحقيق الوطنية في أحداث السويداء عن تقريرها النهائي حول أحداث يوليو 2025 (سانا)
مؤتمر صحافي للجنة التحقيق الوطنية في أحداث السويداء عن تقريرها النهائي حول أحداث يوليو 2025 (سانا)
TT

لجنة التحقيق في أحداث السويداء: تورط أفراد بينهم عناصر حكومية ومجموعات مسلحة و«داعش»

مؤتمر صحافي للجنة التحقيق الوطنية في أحداث السويداء عن تقريرها النهائي حول أحداث يوليو 2025 (سانا)
مؤتمر صحافي للجنة التحقيق الوطنية في أحداث السويداء عن تقريرها النهائي حول أحداث يوليو 2025 (سانا)

كشفت لجنة التحقيق الوطنية للتحقيق بأحداث السويداء التي وقعت في يوليو (تموز) الماضي، عن توقيف ومحاكمة 23 عنصراً من الأمن العام ووزارة الدفاع بتهم ارتكاب انتهاكات ومخالفة الأوامر العسكرية، بشكل فوري وقبل انتهاء اللجنة من عملها.

جاء ذلك في مؤتمر صحافي عقدته اللجنة، الثلاثاء، مشيرة إلى تورط أفراد من جهات مختلفة، بينهم عناصر من القوات الحكومية ومجموعات مسلحة غير نظامية وتنظيم «داعش»، ومدنيون، في أحداث السويداء، ووُضعت قائمة بأسمائهم لتسليمها للنائب العام. ومن جانبه أعلن وزير العدل تسلُّم تقرير اللجنة النهائي ومباشرة وزارته اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

تصاعد الدخان جرّاء اشتباكات السويداء في يوليو الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)

وعرضت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث محافظة السويداء التي أسفرت عن مقتل المئات ونزوح الآلاف وتخريب عشرات القرى والبلدات، النتائج التي توصل إليها التحقيق، في مؤتمر صحافي عقده رئيس اللجنة، القاضي حاتم النعسان، والمتحدث باسم اللجنة، المحامي عمار عز الدين.

وكشف التقرير أن عدد الضحايا بلغ 1760، وعدد المصابين 2188 من مختلف الأطراف، منهم 300 ضحية من وزارتي الدفاع والداخلية، وتوثيق 60 مفقوداً من العشائر و30 من وزارة الدفاع. كما أدت الاشتباكات والتهجير المتعمد في بعض الحالات إلى تهجير 27404 أشخاص من بدو السويداء، و34845 شخصاً من دروز السويداء والمسيحيين، وطال الحرق والتخريب ما لا يقل عن 36 قرية.

خطف متبادل

وتوصل التحقيق إلى أن العنف تصاعد بين 11 و20 يوليو، نتيجة توترات بين البدو والدروز، شملت عمليات خطف متبادل واعتداءات، مشيراً إلى أن سياسات نظام الأسد البائد أسهمت سابقاً في تأجيج هذه الانقسامات؛ حيث قوبل التدخل الحكومي لفض الاشتباكات بمواجهات وكمائن تزامنت مع قصف إسرائيلي استهدف القوات الحكومية، ما أدى إلى تفاقم الفوضى ووقوع أعمال انتقامية. وأسهم انتشار السلاح خارج سيطرة الدولة ووجود مجموعات مسلحة متعددة في تفاقم الانتهاكات، إلى جانب صعوبة ضبط الوضع الأمني وحماية المدنيين، وفق التقرير.

وشكلت وزارة العدل في يوليو 2025 لجنة للتحقيق في أحداث السويداء ضمت عدداً من القضاة والمحامين مهمتها تحديد هوية المشتبه بهم من مرتكبي الانتهاكات والجرائم، وتحديد المسؤولية لضمان عدم الإفلات من العقاب.

صعوبة دخول السويداء

وأكد رئيس اللجنة القاضي حاتم النعسان، حيادية اللجنة، نافياً تدخل أي جهة حكومية في عملها، مشيراً إلى أن لقاءات اللجنة مع وزارتي الدفاع والداخلية كانت فقط لتسهيل عملها. وأشار في المؤتمر الصحافي إلى عدم تمكن اللجنة من دخول السويداء رغم كل الوساطات التي لجأت إليها، لكنها استطاعت الحصول على إفادات من داخل السويداء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن أشخاص نجوا من مجازر مروعة. وبيّن أن اللجنة التزمت بكتم أسماء الشهود بناء على طلبهم، وذلك بعد تعرض أحدهم إلى القتل جراء تسرُّب اسمه في السويداء، بتهمة التواصل مع الحكومة.

استعراض عسكري لمقاتلين من «الحرس الوطني» في مدينة السويداء يوم 26 سبتمبر 2025 (متداولة)

ووصف تقرير اللجنة الانتهاكات التي وقعت في السويداء، بأنها «خطيرة» من حيث انتهاك حقوق الإنسان ومخالفة القوانين السورية والمعايير الدولية، شملت القتل العمد والسلب والتعذيب وحرق الممتلكات وإثارة النزعات الطائفية، لافتاً إلى تورط أفراد من جهات مختلفة فيها، بينهم عناصر من القوات الحكومية ومجموعات مسلحة غير نظامية وتنظيم «داعش»، إضافة إلى مدنيين، قاموا بارتكاب أعمال فردية «غير ممنهجة»، حسب التقرير.

وتوصلت اللجنة إلى قائمة من المشتبه بهم وممن توفرت لدى اللَّجنة أسباب معقولة للاشتباه بتورطهم في جرائم وانتهاكات جسيمة. وسيتم رفعها إلى النائب العام، مع توضيح عدم تمكن اللجنة من تحديد هوية العديد من الأشخاص الذين ظهرت صورهم ومقاطع الفيديو الخاصة بهم على وسائل التواصل الاجتماعي، بينهم ملثمون، وسيتم إحالة المقاطع والصور المذكورة إلى النائب العام لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وتوسيع نطاق التحقيق.

انتشار الجيش السوري وقوات الأمن في السويداء بجنوب سوريا 14 يوليو (سانا - أ.ف.ب)

كما تابعت اللجنة عمليات تبادل المختطفين بين جميع الأطراف، وشملت تسليم 119 شخصاً من أبناء الطائفة الدرزية و25 شخصاً من البدو والعشائر والقوات الحكومية، ولا يزال هناك عدد آخر من المفقودين لم تتمكن اللجنة من التحقق من مصيرهم أو أماكن احتجازهم، ومن بينهم حمزة العمارين، العامل في الدفاع المدني السوري.

القاضي حاتم النعسان رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء يسلم التقرير النهائي لوزير العدل مظهر الويس الثلاثاء (سانا)

من جانبه قال وزير العدل السوري، مظهر الويس، إن وزارته ستباشر فوراً اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بما يضمن المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، وذلك بعد تسلمها التقرير النهائي للجنة التحقيق في أحداث السويداء.

وشدّد وزير العدل في منشور عبر منصة «إكس» على التضامن مع الضحايا والالتزام الثابت بتحقيق العدالة. كما أصدرت وزارة العدل بياناً أعلنت فيه مباشرة دراسة التقرير النهائي الصادر عن اللجنة، واتخاذ الإجراءات اللازمة على ضوء ما ورد فيه، بما في ذلك إحالة الملفات ذات الصلة إلى النيابة العامة المختصة. كما سيتم رفع نتائج التقرير وما خلص إليه إلى الرئيس أحمد الشرع، ومتابعة تنفيذ ما يتصل به من مخرجات وإجراءات بالتنسيق مع الجهات المختصة، واعتبرت الوزارة تقرير اللجنة «خطوة مهمة ضمن مسار وطني متواصل يهدف إلى حماية حقوق المواطنين وترسيخ العدالة».


القصة الكاملة لمبادرة التفاوض اللبناني مع إسرائيل… وتحدياتها

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستضيف السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستضيف السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
TT

القصة الكاملة لمبادرة التفاوض اللبناني مع إسرائيل… وتحدياتها

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستضيف السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستضيف السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

لم يعد أمام لبنان الرسمي إلا البحث عن هدنة إنسانية في عيد الفطر، بعد اصطدام المساعي الرامية إلى وقف إطلاق النار في الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله» على الأراضي اللبنانية بجدار صلب من التشدد المتبادل.

فإسرائيل تصر على «استسلام» كامل للحزب قبل وقف عملياتها في لبنان، في حين يربط الأخير موقفه بالموقف الإيراني، بعد أن دخل الحرب الدائرة بين طهران، وواشنطن وتل أبيب. وكشف مصدر لبناني رسمي رفيع لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعث بمقترح لوقف إطلاق النار نقله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرئيس اللبناني جوزيف عون قبل 10 أيام، لكن إقفال «حزب الله» قنوات التواصل، ومن ثم إطلاقه عملية عسكرية واسعة تحت عنوان «العصف المأكول»، أفشلا هذه المبادرة، وزادا التشدد الإسرائيلي في المقابل.

ويبقى تشدد «حزب الله» العائق الأكبر لبنانياً أمام محاولات وقف الحرب. فمن حيث الشكل، يرفض الحزب تقديم خطاب سياسي واضح يتضمن استعداده لوقف الحرب وأهدافه منها، في حين يأتي تصعيده العسكري متزامناً مع المساعي السياسية لوقف هذه الحرب.

وفد لبنان...

ويؤكد مصدر رسمي لبناني لـ«الشرق الأوسط» أن لا موعداً ولا مكاناً محددين بعد لإطلاق المفاوضات مع إسرائيل. مشيراً إلى أن لا رد رسمياً إسرائيلياً بعد حولها، لكن ثمة رسائل تبعثها تل أبيب إلى لبنان عبر ماكرون، ثم عبر ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان جانين بلاسخارت، وفيها سؤال جوهري لم يجد لبنان له جواباً بعد، وهو: هل إذا أوقفنا القتال، سيتوقف «حزب الله» عن إطلاق الصواريخ؟

لكن لبنان، لا يمتلك ترف إضاعة الوقت – كما يؤكد المصدر – ولهذا؛ يسعى رئيس الجمهورية إلى استكمال تشكيل الوفد اللبناني المفاوض الذي يفترض أن يكون يتألف من 4 شخصيات تمثل «الطيف اللبناني الوطني»، أي الطوائف الأساسية. وقد تمت بالفعل تسمية الممثل المسيحي الوحيد السفير السابق سيمون كرم الذي مثل لبنان في اجتماعات «الميكانيزم»، والأمين العام لوزارة الخارجية السفير عبد الستار عيسى (سني) الذي سماه رئيس الحكومة نواف سلام، وشوقي بو نصار (درزي) سماه وليد جنبلاط، في حين لا يزال رئيس مجلس النواب نبيه بري مُصراً على رفض تسمية عضو شيعي للوفد المفاوض، مشترطاً وقفاً للنار وعودة للنازحين قبل قيامه بذلك. ووفقاً لمعلومات «الشرق الأوسط»، لم يتجاوب بري بعد مع اقتراح بتسمية عضو في «وفد الظل» المفاوض الذي سيواكب المفاوضات على الأقل، علماً أن المصدر الرسمي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن إسرائيل تصرّ في رسائلها غير المباشرة على وجود عضو شيعي في الوفد اللبناني المفاوض. ويعتقد المصدر أن بإمكان بري أن يلعب دوراً أساسياً في العملية التفاوضية، باعتبار أنه الوحيد القادر أن يشكل نوعاً من الضغط على الحزب في المرحلة الحالية، وما سيليها من مراحل.

وكانت صحيفة «معاريف» نقلت عن مصادر إسرائيلية، أن تل أبيب ترى أن بري «شخصية لديها قدرة فعلية على منح دعم لخطوة ما أو بدلاً من ذلك كبحها». ووفقاً لهذا التقييم، حتى لو لم يسارع بري للوقوف في جبهة الاتصالات، فإنه لا يزال الجهة القادرة على منحها صلاحية حقيقية، وأشارت الصحيفة إلى أن موقفه العلني هو أنه يجب أن يكون هناك وقف لإطلاق النار أولاً ومن ثم المحادثات، فهو غير معني بالمشاركة في مفاوضات تحت النار، ومع ذلك، فإن التقييم في القدس هو أنه حتى لو لم يكن ضالعاً بشكل مباشر في المرحلة الأولى، فإنه إذا تبلورت تفاهمات تتناسب مع المصالح اللبنانية وميزان القوى الداخلي، فقد يدعمها لاحقاً، بل ويوفر الغطاء السياسي الذي سيسمح لـ«حزب الله» بقبولها.

الولايات المتحدة

وفي المقابل، لا يرى المصدر الرسمي في الصمت الأميركي إشارة سلبية. فواشنطن – كما يرى المصدر – مشغولة بالكامل في الحرب مع إيران، لكنها بالتأكيد لم تطلق يد الإسرائيلي في لبنان، وإلا لكان المشهد مختلفاً. وأكد المصدر أن مبادرة الرئيس اللبناني لاقت آذاناً صاغية في الولايات المتحدة الأميركية، كاشفاً أن مستشار الرئيس دونالد ترمب للشؤون الأفريقية بولس مسعد وصهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنير قد كُلّفا رسمياً متابعة هذا الملف وقيادة عملية التفاوض المتوقعة.

مفاوضات تحت النار

ولا يرى المصدر أي إمكانية لوقف الحرب الإسرائيلية قريباً؛ ولهذا يصرّ الرئيس عون على المضي في مبادرته من منطلق أن «مفاوضات تحت النار أفضل من مفاوضات بعد الخراب والدمار». وأشارت إلى أن الرئيس عون يخشى بقوة مما تحضره إسرائيل للبنان في الفترة المقبلة، وهو مصرّ على السعي لتجنبه قبل فوات الأوان.

ووفقاً للمصدر، فإن ضغط النزوح بات هائلاً على مؤسسات الدولة اللبنانية، في ظل غياب الدعم الخارجي. متسائلاً عمن سوف يساعد في إعادة الإعمار في ظل حال اللااستقرار التي تفرضها الحروب في المنطقة وانشغال دول العالم بأوضاعها الاقتصادية الصعبة.

وكشف عن أن الأمم المتحدة أطلقت بشخص أمينها العام أنطونيو غوتيريش خلال زيارته لبيروت نداءً إنسانياً لجمع 300 مليون دولار للتعامل مع أزمة النزوح، لكنها بالكاد تمكنت من جمع 100 مليون دولار لا تكفي للتعامل مع 1.3 مليون نازح.

جدول أعمال... تقني

ويؤكد المصدر أن مبادرة عون لا تشمل الآن هدفاً يتمثل باتفاق سلام مع إسرائيل، بل هي مفاوضات تقنية، تبدأ بوقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل وإطلاق الأسرى وترسيم الحدود. أما موضوع نزع سلاح «حزب الله»، فهو أمر بديهي بعد تحقيق هذه الشروط، حيث لن يعود له مبرر أبداً. وسيصار إلى التعامل معه بحزم وفقاً لقرارات الحكومة اللبنانية ومصلحة لبنان العليا التي تقتضي أن تكون أمرة السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها.

سلاح «حزب الله»... آخر الدواء الكي

ويوضح المصدر أن الرئيس عون، والحكومة، قررا في وقت سابق التعامل مع موضوع السلاح بسلاح التفاهم مع «حزب الله»، لكن آخر الدواء الكي، إذا لم يتجاوب مع ما تقتضيه مصلحة البلاد ومصلحة البيئة الشيعية تحديداً، التي عانت ما عانته بسبب القرارات المتسرعة وغير المفهومة بدخول حرب إسناد جديدة بموازين قوة غير متناسبة، ومن دون أفق عسكري واضح.

وأوضح المصدر أن الجيش اللبناني بدأ يتعامل بالفعل بشدة مع عناصر الحزب المسلحين، وهم باتوا غير قادرين على نقل السلاح بحرية، ولا المسلحين عبر حواجز الجيش ونقاطه المنتشرة جنوباً، كما أن الجيش بات على معرفة بكثير من المواقع التي يمكن أن يتعامل معها لاحقاً بعد نهاية الحرب.

ويستغرب المصدر بشدة ما يقال بأن هذه الحرب «مصيرية» بالنسبة لشيعة لبنان، مشيراً إلى أن الشيعة في لبنان هم طائفة مؤسسة، وموجودة في كل مفاصل الدولة وممثلة بقوة في البرلمان، ولم يسعَ أحد يوماً لعزلها أو استضعافها أو تهميشها، بل العكس. فالمطلوب من هذه الطائفة أن تكون شريكاً أساسياً في إعادة بناء لبنان والمساهمة في استقراره وازدهاره. مشدداً على أن اختصار البيئة الشيعية بحزب أو تيار لا يتناسب مع الواقع.