القبض على أحد رؤوس المسؤولين عن مجزرة «التضامن» بدمشق

«الشرق الأوسط» ترصد مسرح المجازر حيث جرت تصفية أكثر من 500 رجل وامرأة

TT

القبض على أحد رؤوس المسؤولين عن مجزرة «التضامن» بدمشق

محتجون في مظاهرة أخيرة بحي التضامن يجوبون شوارع الحي لعدم اعتقال المسؤولين عن المجزرة (الشرق الأوسط)
محتجون في مظاهرة أخيرة بحي التضامن يجوبون شوارع الحي لعدم اعتقال المسؤولين عن المجزرة (الشرق الأوسط)

أعلن مدير أمن دمشق، المقدم عبد الرحمن الدباغ، الاثنين، إلقاء القبض على أحد رؤوس المجرمين المسؤولين عن مجزرة حي التضامن بدمشق، التي ارتُكبت قبل 12 عاماً، وشخصين ممن شاركوا فيها، لافتاً إلى أنهم اعترفوا بتورطهم بارتكاب مجازر في الحي تمت فيها تصفية أكثر من 500 رجل وامرأة.

ألقت مديرية أمن دمشق القبض على منذر أحمد جزائري وهو أحد المتهمين المتورطين بمجزرة حي التضامن (سانا)

ونقلت وكالة «سانا» السورية الرسمية عن الدباغ قوله: «بعد الرصد والمتابعة تمكنا من إلقاء القبض على أحد رؤوس المجرمين المسؤولين عن مجزرة التضامن بدمشق قبل 12 عاماً، وإثر التحقيقات الأولية مع المجرم، توصلنا إلى أشخاص عدة كانوا قد شاركوا بالمجزرة وألقينا القبض على اثنين منهم».

وأضاف الدباغ: «اعترف الموقوفون الثلاثة بتورطهم بارتكاب مجازر في حي التضامن، تمت فيها تصفية أكثر من 500 رجل وامرأة من أهلنا المدنيين من دون أي محاكمة أو تهمة، ونعمل على البحث عن مواقع المجازر المرتكبة بالتنسيق مع الجهات المختصة».

وتابع: «نؤكد لأهلنا في سوريا أن المجرمين لن يفلتوا من العقاب، وسنعمل على تقديمهم للقضاء لينالوا جزاءهم العادل».

موقع ارتكاب مجزرة حي التضامن في 16 أبريل 2022 (الشرق الأوسط)

ولم يوضح المصدر الأمني في دمشق إن كان من تم إلقاء القبض عليهم كانوا يتبعون للأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد البائد أم لميليشيا «الدفاع الوطني» التي كانت تقاتل إلى جانب جيشه وكان لها نفوذ كبير في الحي.

وأردف الدباغ: «نعمل على البحث عن مواقع المجازر المرتكبة بالتنسيق مع الجهات المختصة».

وشدد على أن «المجرمين لن يفلتوا من العقاب، وسنعمل على تقديمهم للقضاء لينالوا جزاءهم العادل».

عظام بشرية في طابق أرضي لبناء يبعد 100 متر عن مكان ارتكاب مجزرة حي التضامن (الشرق الأوسط)

كما لم يكشف المسؤول الأمني عن هوية الموقوفين الثلاثة، إلا أن الوكالة الرسمية (سانا) أشارت في وقت لاحق إلى أن من بينهم المدعو «منذر أحمد جزائري»، وأنه تمت إحالته للجهات المختصة أصولاً.

وكانت صحيفة «الغارديان» كشفت في تحقيق نشرته في 27 أبريل (نيسان) عام 2022، عن معلومات حول مجزرة ارتكبتها قوات الأسد في 16 من الشهر ذاته عام 2013، في حي التضامن، أسفرت عن مقتل نحو 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية.

ويعرض التحقيق مقطعاً مصوّراً لصف ضابط اسمه «أمجد يوسف» في «فرع المنطقة» الذي كان يتبع لشعبة الاستخبارات العسكرية وهو يدفع مع عناصر آخرين عشرات الأشخاص وهم معصوبو الأعين إلى حفرة كبيرة وعميقة في أحد شوارع منطقة سليخة، ومن ثم إطلاق النار عليهم بعد أن يسقطوا فيها، ثم حرق جثثهم.

عظام بشرية في ساحة تبعد 200 متر عن موقع ارتكاب مجزرة حي التضامن (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط»، قامت بجولة ميدانية أخيرة في المنطقة التي تم فيها ارتكاب «مجزرة التضامن» ومحيطها، ورصدت أماكن عدّة كانت مسارح لمجازر إضافية أو تصفية أشخاص، ودل على ذلك العثور على باقي عظامهم.

ففي منطقة سليخة، أقصى شرقي الحي، التي ارتكبت «مجزرة التضامن» في أحد شوارعها، كان دليلنا بضعة أطفال يلعبون كرة القدم في ساحة محاطة بأبنية أغلبها مدمر وبعضها لا يزال قيد الإنشاء، بينما المأهول منها قليل جداً.

ولم تكن الحنكة تنقص بعض هؤلاء الأطفال، فبمجرد معرفتهم بالصحافيين تسابقوا إلى إرشادهم لمسارح عدّة لعمليات تصفية تمت لأشخاص في تلك الأبنية، وتم اكتشافها بعد عودة الأهالي إثر سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

امرأة من سكان حي التضامن خلال الوقفة الاحتجاجية وهي تحمل صورة لذويها الذين قضوا في المجزرة (الشرق الأوسط)

في طابق أرضي بمبنى قيد الإنشاء، يقع على بعد نحو 100 متر غربي مكان ارتكاب «مجزرة التضامن»، تشاهد كومة من عظام بشرية وقسماً من جمجمة على الأرض، بينما يردد الأطفال عبارة: «شوف شوف يا حرام».

وعلى بعد نحو 200 متر شمال مكان ارتكاب «مجزرة التضامن»، تنتشر في ساحة محاطة بأبنية قيد الإنشاء عظام قفص صدري وعظام أرجل وأيدٍ بشرية على الأرض وبجانبها ثياب ملطخة بالدماء.

شارع إسكندرون في وسط حي التضامن بمخيم اليرموك وتبدو الحياة فيه طبيعية الآن (الشرق الأوسط)

ولقطع الشك بأن هذه العظام المنتشرة ربما تعود لضحايا «مجزرة التضامن» الأولى، يؤكد شاب من سكان الحي للشرق الأوسط، أن الحفرة التي جرى ارتكاب المجزرة الأولى فيها، جرى طمرها من قِبل مركبيها، ولا يوجد أي علائم على أنه جرى نبشها.

الشاب الذي تحفظ على ذكر اسمه وتصويره خوفاً من الانتقام منه من قِبل فلول النظام البائد، قال لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نقطن في المنطقة منذ عام 1999 وتعرفنا على مكان ارتكاب المجزرة من خلال الفيديو الذي تم عرضه في وسائل الإعلام».

وأضاف: «هناك عظام بشرية تنتشر في الكثير من الأماكن في الحي، وبالتالي هناك أكثر من مجزرة تم ارتكابها في الحي، قد تكون تلك المجازر جماعية وقد تكون فردية».

وتابع: «المنطقة كانت مهجورة، وعندما عدنا لاحظنا وجود علامات لحصول حرائق عدة يمكن أن تكون لنفايات، وأيضاً يمكن أن تكون لإخفاء معالم مجازر وتصفيات».

 

 

لافتة رُفعت خلال الوقفة الاحتجاجية ضد ظهور المتهم الأساسي في «مجزرة التضامن» في اجتماع للحي مع مسؤولين عن الأمن بدمشق (الشرق الأوسط)

وفي السادس من فبراير (شباط) الحالي، ظهر بشكل مفاجئ للمرة الأولى منذ حصول التغيير السوري، قائد ميليشيا «الدفاع الوطني» فادي أحمد، المعروف بـ«فادي صقر»، في حي التضامن، الذي يتهمه الأهالي بأنه «المسؤول الأول» عن المجزرة التي ارتُكبت في الحي.

ووفق المعلومات، شارك «صقر» في اجتماع عقدته قيادات من الأمن العام وما تسمى «لجنة السلم الأهلي» في «معهد الخطيب» بـ«شارع نسرين».

وأثار حضور «صقر» إلى الحي موجة غضب كبيرة في أوساط السكان، ونفذ المئات من الأهالي في اليوم التالي عقب صلاة الجمعة، وقفة استنكار واحتجاج في مكان ارتكاب «مجزرة التضامن»، رفعوا خلالها لافتات كُتب عليها عبارات تتهم «صقر» بأنه «المسؤول الأول» عن «مجزرة التضامن»، وأخرى تطالب بمحاكمته وإعدامه. والى جانب العَلم الجديد، رفع المشاركون صوراً لضحايا قضوا في المجزرة، بينها صورة لرجل واثنين من أولاده.

صورة الشيخ حسن النصيني المكنى بـ«أبو إياد» إمام طائفة الموحدين الدروز في حي التضامن جنوب شرقي دمشق (الشرق الأوسط)

وحينها، قال الشيخ حسن النصيني المكنى بـ«أبو إياد»، إمام طائفة الموحدين الدروز في حي التضامن، لـ«الشرق الأوسط» خلال الوقفة: «الناس الشرفاء التي انظلمت وتمت محاربتها بلقمة عيشها وانهدمت بيوتها واغتصبت نساؤها، قامت بالاحتجاج لوجود فادي صقر القاتل في التضامن... لا نستطيع إلا القول برسالة قصيرة: هذا القاتل موجود حالياً في لجنة سلم أهلي ولا يمكن أن يٌقبل بسلم أهلي إنسان قاتل ونطالب بمحاكمته هو وأمثاله».

وبحسب شهود عيان من أهالي الحي تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فقد اعتقل الأمن العام في اليوم ذاته «غدير سالم» من منزله في «شارع الجلاء» وهو كان من كبار مساعدي «صقر».


مقالات ذات صلة

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز»

شؤون إقليمية مبادرة فرنسية - بريطانية مشتركة لحماية الإبحار الآمن في مضيق هرمز: في الصورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ) p-circle

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز»

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز» وقمة الجمعة برئاسة ماكرون وستارمر ومشاركة 35 مسؤولاً دولياً لإطلاق «المهمة» الجديدة.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي المسؤول السابق في أجهزة الأمن السورية إياد الغريب بمحكمة كوبلنز الألمانية حيث أُدين بجرائم ضد الإنسانية فبراير 2021 (أ.ب)

متابعة محاكمة محقق في ميليشيا «الدفاع الوطني» بجرائم حرب في سوريا

من المتوقع أن تقدم النيابة العامة في هولندا مرافعاتها الختامية ومطالبها بالحكم في 21 أبريل (نيسان) الحالي، وستصدر المحكمة حكمها في هذه القضية في 9 يونيو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز) p-circle

إجماع أوروبي لتشمل الهدنة لبنان وتنديدات بالهجمات الإسرائيلية عليه

إجماع أوروبي على أن تشمل الهدنة لبنان وتنديدات بالهجمات الإسرائيلية عليه، و«التكتل» يرفض فرض رسوم عبور في مضيق هرمز ويدعو لاحترام حرية الملاحة

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
شؤون إقليمية وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيرته وزيرة الدفاع كاترين فوترين مع نظيريهما اليابانيين منتجي توشيميتسو (الخارجية) وكويزيمي شينجيرو (الدفاع) في طوكيو بداية أبريل (أ.ف.ب) p-circle

باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران

باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران، ووزير الخارجية الفرنسي يحذر من تصعيد إقليمي في الحرب ضد إيران «من غير حدود».

ميشال أبونجم (باريس)

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ)
احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ)
احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ)

«هل حقاً نريد غزّة ثانية؟» هكذا كان السؤال الذي طرحه وزير خارجية لوكسمبورغ، كزافييه بيتيل، على نظرائه في الاتحاد الأوروبي مساء الثلاثاء، خلال الجلسة المغلقة التي عقدها مجلس وزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ، معرباً بذلك عن الإحباط الذي يشعر به عدد متزايد من الدول الأعضاء إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبتها.

وكان على طاولة المجلس الأوروبي، لأول مرة، اقتراح رسمي بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، تقدمت به إسبانيا، وآيرلندا، وسلوفينيا.

.

ورغم أن هذا الاقتراح ما زال يفتقر إلى الأغلبية الكافية لإقراره، أو حتى لوقف العمل ببعض بنود الاتفاقية بسبب الممانعة المستمرة من جانب ألمانيا وإيطاليا؛ فإن لهجة قاسية سادت في الجلسة تجاه السلوك الإسرائيلي، وأعيد فتح باب النقاش حول ما وصفه وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، بـ«انجراف حكومة (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو نحو مزيد من العنف».

وأعلنت المسؤولة عن السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالّاس، في نهاية المناقشات المغلقة، أن الاقتراح لم يحصل على الدعم الكافي لتعليق الاتفاقية الذي يقتضي إجماع الدول الأعضاء، ولا حتى لتعليق بعض بنودها كما سبق أن اقترحت المفوضية منذ أشهر.

وقالت كالاس إن «التدابير المطروحة أمام المجلس يحتاج إقرارها إلى أغلبية تقتضي تغييراً في مواقف بعض الدول، لم نشهده اليوم، لكن الموضوع سيبقى على طاولة المجلس».

وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس يتحدث إلى وسائل الإعلام قبل حضور اجتماع مع نظرائه الأوروبيين في لوكسمبورغ الثلاثاء (أ.ب)

وكشفت عن أنها ستدرس مع مفوّض الشؤون التجارية، فالديس دومبروفسكيس، مبادرة تقدمت بها فرنسا والسويد لفرض قيود على المبادلات التجارية الأوروبية مع عدد من المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، وهو تدبير يكفي أن تقدّم المفوضية اقتراحاً به من أجل تفعيله على الصعيد الأوروبي.

وعاد ألباريس ودافع عن الاقتراح الذي كان قد أعلنه رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، قبل يومين، وقال إن الحفاظ على صدقية الاتحاد في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والقيم التي يقوم عليها، مرهون بتوجيه «رسالة قوية» إلى السلطات الإسرائيلية. وكذلك رأت وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكانتي، أن «من واجبنا كاتحاد أوروبي أن ندافع عن قيمنا الأساسية، وأن نكون واضحين وحازمين مع الدول التي نقيم شراكات معها كي تحترم هذه القيم».

«صدقيتنا على المحك»

الدول الثلاث التي تقدمت بالاقتراح (إسبانيا، وآيرلندا، وسلوفينيا) كانت تدرك أن الأجواء ليست ناضجة بعد للإقدام على هذه الخطوة، لكنها أصرّت على الدفع باتجاه إبقائها على طاولة المجلس بعد أن استشعرت مزيداً من التجاوب معها.

وقال ألباريس: «نطلب تدبيراً واحداً، فمنذ أن أطلقت إسرائيل هذه الحرب الدائمة ضد كل جيرانها، لم يصدر عن الاتحاد الأوروبي أي رد. ولذلك نقول إن صدقيتنا على المحك، ولا بد من توجيه رسالة قوية إلى الحكومة الإسرائيلية، مفادها أنه لا يمكن أن تبقى علاقاتنا معها كما لو أن شيئاً لم يحدث».

وليست هذه المرة الأولى التي تقدم فيها إسبانيا وحلفاؤها في الاتحاد مثل هذه المبادرة لتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل والتي تشكّْل إطار العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، شريكها التجاري الأول بمبادلات تزيد على 45 مليار يورو سنوياً. وفي عام 2024، بعد أشهر من بداية الحرب على غزة، تقدمت إسبانيا باقتراح رسمي لتعليق بعض بنود الاتفاقية، لكن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أودعته، حينها، أدراج مكتبها ولم تطرحه للنقاش.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

وبعد ذلك بأشهر تقدم مسؤول السياسة الخارجية الأوروبية، آنذاك، الإسباني جوزيب بورّيل، باقتراح لتعليق الحوار السياسي مع إسرائيل، لكنه قوبل برفض مجموعة من الدول الأعضاء بقيادة ألمانيا.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، بعد سيل من المشاهد الكارثية في غزة والتقارير التي صدرت عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي، والتي أكّدت أن التنمية البشرية في القطاع تراجعت 77 عاماً وأن عقوداً من الجهود الدولية قد أهدرت، تقدمت المفوضية باقتراح لتعليق مفاعيل بعض بنود الاتفاقية يكفي لإقراره تأييد 55 في المائة من الدول الأعضاء يزيد عدد سكانها على 65 في المائة من سكان الاتحاد، لكن الاقتراح أيضاً بقي دون هذه الأغلبية.

«قانون الإعدام خط أحمر»

وذكّرت إسبانيا وآيرلندا وسلوفينيا في مناقشات المجلس، يوم الثلاثاء، بأن الحكومة الإسرائيلية أقرّت مؤخراً قانوناً يجيز الحكم بإعدام الفلسطينيين الذين يغتالون مواطنين إسرائيليين، ورأت الدول أن ذلك «يشكل خطاً أحمر للاتحاد الأوروبي».

وقالت وزيرة الخارجية الآيرلندية: «السؤال الذي لا بد أن نطرحه على أنفسنا اليوم هو التالي: ماذا يجب أن يحصل كي يتحرك الاتحاد إزاء الطريقة التي تدير بها إسرائيل علاقاتها مع بقية دول المنطقة، وإزاء انتهاكاتها المستمرة للقانون الدولي وحقوق الإنسان؟».

لكن التوجس التقليدي لدى بعض الدول الأوروبية من الصدام مع إسرائيل، عاد وفرض ذاته في اجتماعات المجلس الذي استعرض أيضاً الوضع المتدهور في لبنان، واستمع إلى رئيس وزرائه نواف سلام الذي طلب مساعدات لمواجهة «الأزمة الإنسانية غير المسبوقة» ومواصلة الدعم للجيش اللبناني.

وتقول مصادر إسبانية مسؤولة إن «الرهان كان على تغيير إيطاليا موقفها بعد تصريحات رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني وانتقادها الحكومة الإسرائيلية عند إعلان تعليق اتفاقية التعاون العسكري مع تل أبيب»، لكن وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاجاني، انحاز إلى الموقف الألماني الرافض، مما حال دون تكوّن الأغلبية الكافية لتعليق بعض بنود الاتفاقية.

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني (يسار) ونظيره الألماني يوهان فاديفول خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ)

لكن رغم ذلك، كشف مناقشات المجلس الأوروبي أن الاستياء يتنامى بوضوح في الأوساط الأوروبية من السلوك الإسرائيلي، حتى على لسان بعض الدول المعروفة بتحالفها التقليدي مع تل أبيب، وأيضاً من بعض القوى السياسية المحافظة في بولندا وبلجيكا وهولندا التي قال وزير خارجيتها توم بيرندسين: «من المهم أن نرفع منسوب الضغط على إسرائيل، والهدف ليس تعليق اتفاقية التجارة معها بل دفعها إلى تغيير سلوكها، وانتقاد السياسة الإسرائيلية يجب ألا يكون حكراً على اليسار»

Your Premium trial has ended


تقرير: لبنان سيطلب في المحادثات مع إسرائيل غداً تمديد الهدنة شهراً

حفارات تزيل أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية بحثاً عن ناجين مدفونين تحتها في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
حفارات تزيل أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية بحثاً عن ناجين مدفونين تحتها في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

تقرير: لبنان سيطلب في المحادثات مع إسرائيل غداً تمديد الهدنة شهراً

حفارات تزيل أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية بحثاً عن ناجين مدفونين تحتها في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
حفارات تزيل أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية بحثاً عن ناجين مدفونين تحتها في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يعتزم لبنان أن يطلب خلال المحادثات المرتقبة مع الجانب الإسرائيلي في واشنطن الخميس، تمديد وقف إطلاق النار شهراً، وفق ما أفاد به مصدر رسمي «وكالة الصحافة الفرنسية» الأربعاء.

وقال المصدر، من دون الكشف عن هويته: «لبنان سيطلب تمديد الهدنة لمدة شهر، ووقف إسرائيل عمليات التفجير والتدمير (في المناطق التي يوجد فيها)، والالتزام بوقف إطلاق النار» الذي بدأ سريانه منذ الجمعة لمدة 10 أيام، وجاء بعد اجتماع بين سفيرَي لبنان وإسرائيل في واشنطن، هو الأول بين البلدين منذ عقود.

وأعلن الرئيس اللبناني، جوزيف عون، من جهته، الأربعاء، أن «الاتصالات جارية لتمديد مهلة وقف إطلاق النار، ولن أوفر أي جهد في سبيل إنهاء الأوضاع الشاذة التي يعيشها لبنان حالياً»، في وقت تواصل فيه القوات الإسرائيلية تنفيذ عمليات هدم للوحدات السكنية في بلدات عدة جنوب لبنان.

إسرائيل للبنان: التعاون مطلوب من جانبكم

إلى ذلك، دعا وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، لبنان، في كلمة أمام دبلوماسيين خلال فعالية لمناسبة الذكرى الـ78 لـ«استقلال إسرائيل»، الأربعاء، إلى التعاون وبذل جهود مشتركة لمواجهة «حزب الله».

وقال ساعر: «غداً تُستأنف المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن. أدعو الحكومة اللبنانية إلى أن نتعاون ضد دولة الإرهاب التي بناها (حزب الله) على أراضيكم».

وأضاف: «هذا التعاون مطلوب من جانبكم أكثر مما هو مطلوب منا. إنه يتطلب وضوحاً أخلاقياً وشجاعة في المجازفة. لكن لا يوجد بديل حقيقي لضمان مستقبل من السلام لكم ولنا».

ولبنان وإسرائيل في حالة حرب رسمياً منذ عام 1948.

وسيطرت إسرائيل على مناطق إضافية في جنوب لبنان بعدما أطلق «حزب الله»، المدعوم من إيران، صواريخ باتجاه إسرائيل دعماً لطهران في 2 مارس (آذار) الماضي.

وأسفرت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل عن مقتل أكثر من 2400 شخص ونزوح نحو مليون من الجانب اللبناني.

ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، فإن القوات الإسرائيلية لا تزال تحتل مناطق في جنوب لبنان وتتحرك فيها.

والأسبوع الماضي، توعد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بأن تستخدم بلاده «كامل قوتها» في لبنان في حال تعرض جنوده للتهديد.

وبموجب شروط الهدنة، فإن إسرائيل تقول إنها تحتفظ بحق التحرك ضد «هجمات مخطط لها أو وشيكة أو جارية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي إقامة «خط أصفر» فاصل في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة.


عام على تأسيس منصة «بداية جديدة في سوريا»... وزيرة التنمية الألمانية تدعو إلى حماية التنوع

وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات تلتقي وزيرة التعاون الألمانية ريم العبلي رادوفان بحضور وفد من الجهتين (السفارة السورية في برلين)
وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات تلتقي وزيرة التعاون الألمانية ريم العبلي رادوفان بحضور وفد من الجهتين (السفارة السورية في برلين)
TT

عام على تأسيس منصة «بداية جديدة في سوريا»... وزيرة التنمية الألمانية تدعو إلى حماية التنوع

وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات تلتقي وزيرة التعاون الألمانية ريم العبلي رادوفان بحضور وفد من الجهتين (السفارة السورية في برلين)
وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات تلتقي وزيرة التعاون الألمانية ريم العبلي رادوفان بحضور وفد من الجهتين (السفارة السورية في برلين)

حذَّرت وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان، من أن الحرب الدائرة في المنطقة، في لبنان وإيران، تعرّض جهود التنمية التي تبذلها الحكومة الألمانية مع الحكومة السورية «إلى الخطر». ولكنها أضافت بأن هذا «لا يجب أن يثنينا عن العمل؛ لأن لا خيار إلا المضي قدماً في عملية إعادة البناء».

ودعت الوزيرة، الحكومة السورية إلى حماية التنوع الديني والإثني، وقالت إنها «على قناعة بأن السلام والاستدامة في سوريا لا يمكنهما أن يتحققا من دون احتضان وحماية المجتمع بتنوعه الديني والإثني والثقافي».

جلسة حوار بين وزيرة التعاون الألماني ووزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات في برلين (سانا)

جاء ذلك في كلمة ألقتها الوزيرة في برلين، الثلاثاء، خلال الاحتفال بمرور عام على تأسيس «منصة بداية جديدة في سوريا» التابعة لوزارتها، وتحت شعار «بناء الجسور من أجل مستقبل أفضل لسوريا»، أشادت فيها رادوفان بوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، هند قبوات، التي كانت حاضرة في اللقاء ببرلين. وقالت بأن الوزيرة السورية «تروّج» للمقاربة نفسها في سوريا، أي احتضان التعددية.

«وكالة الوكالة العربية السورية للأنباء» (سانا)، ذكرت أن اللقاء تناول بحث آفاق التعاون المشترك في المجالات الاجتماعية والتنموية، إلى جانب سبل تعزيز الشراكات الداعمة لجهود الإغاثة والتمكين الاقتصادي للسوريين.

جمهور من الجالية السورية والمجتمع المدني في اجتماع «منصة بداية جديدة في سوريا» (سانا)

منصة «بداية جديدة في سوريا» التي تأسست العام الماضي، هي مبادرة من وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية وموجهة للجهات السورية الفاعلة غير الحكومية، المقيمة في ألمانيا والراغبة في المساهمة ببناء مستقبل جديد لسوريا.

وتحولت المنصة إلى أشبه بمنتدى للنقاشات المهنية وتبادل الخبرات وبناء العلاقات، ويبلغ عدد المشاركين فيها أكثر من 1500 شخص.

ولا تقدم المنصة منحاً مالية، بل تلعب دور الجسر بين السوريين المقيمين في ألمانيا وسوريي الداخل؛ بهدف إعادة الإعمار. وتدعو إلى الالتزام بأسس محددة تدعمها الحكومة الألمانية تتعلق بالمساواة واحترام كل الأديان داخل سوريا. وقد حرصت وزيرة التنمية الألمانية، وهي من أصول عراقية، على الإشارة إلى ذلك في كلمتها التي ألقتها احتفالاً بمرور عام على تأسيس المنصة.

وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات تلتقي وزيرة التعاون الألمانية ريم العبلي رادوفان (السفارة السورية في برلين)

الوزيرة الألمانية نوَّهت بأن التعددية التي تشجعها في سوريا تنعكس على المجتمع السوري داخل ألمانيا، وشددت على ضرورة الالتزام بمبادئ أساسية لتنمية سوريا، أولها «حماية كل السوريين بغض النظر عن جنسهم أو دينهم»، مشيرة إلى التوترات التي شهدتها سوريا مؤخراً في هذا الإطار. وقالت بأن التوترات في سوريا تنعكس أيضاً على الجالية في ألمانيا.

وأكدت رادوفان أن وزارتها ستواصل دعم سوريا بهدف بناء «مستقبل ينعم فيه جميع السكان بالأمان والحرية»، مضيفة بأن ذلك سيتحقق من خلال التبادل المثمر بين ألمانيا وسوريا. وذكرت الوزيرة أن المبادرة التي دعمتها منصة «بداية جديدة في سوريا» ووصلت أشخاصاً ببعضهم في سوريا وألمانيا، وأدت بناشط سوري إلى تأسيس منظمة تساعد بنقل مساعدات طبية طارئة إلى مستشفيات سوريا.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في مقر المستشارية ببرلين 30 مارس الماضي (رويترز)

وتدعم حكومة المستشار الألماني فريدريش ميرتس الحكومة السورية من خلال مساهمات مالية لإعادة الإعمار، إضافة إلى برامج أخرى متعددة عبر وزارات عدة، مثل وزارة التنمية تدعم هذه الجهود. وتهدف بذلك إلى تسهيل العودة الطوعية للسوريين المقيمين لديها ويتجاوز عددهم المليون شخص وصلوا منذ عام 2015.

واستقبل المستشار الألماني قبل بضعة أسابيع الرئيس السوري أحمد الشرع في برلين، وناقشا مسألة عودة السوريين وإعادة الإعمار. وأثار ميرتس الجدل بقوله خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الشرع، الشهر الماضي،ب أنه يسعى لإعادة قرابة 80 في المائة من السوريين.

وكان ميرتس تعهد خلال حملته الانتخابية العام الماضي بتشديد قوانين اللجوء وزيادة جهود الترحيل الجماعي. وتعمل برلين اليوم على خطط مع دمشق لبدء عمليات ترحيل مباشرة إليها، علماً أن هكذا عمليات لا تحصل إلا نادراً بسبب استمرار تصنيف الخارجية الألمانية لسوريا بأنها غير آمنة.

سلمان (40 عاماً) لاجئ سوري يساعد منظمة غير حكومية بتوزيع الطعام على المشردين في أمستردام بهولندا مارس الماضي (رويترز)

وأوقفت ألمانيا كذلك منح اللجوء للمتقدمين من سوريا على اعتبار أن حجة اللجوء، أي الهرب من نظام الأسد، انتفت مع سقوطه. ولم تعد تمنح اللجوء لسوريين إلا في حالات نادرة.

وحسب وكالة الاتحاد الأوروبي المعنية بشؤون اللجوء، صدرت قرارات برفض 27687 طلب لجوء من أصل 38407 طلبات في 2025. وقالت الوكالة إن ذلك يعود في كثير من الأحيان إلى أسباب إجرائية، مثل سعي مقدمي الطلبات سابقاً إلى اللجوء في دولة أخرى من دول الاتحاد الأوروبي، أو لسحبهم طلباتهم.

ويمثل ذلك معدل قبول بنسبة 28 في المائة مقارنة مع 90 في المائة عام 2024. وانخفض معدل قبول الطلبات من المرة الأولى في أنحاء الاتحاد الأوروبي والنرويج وسويسرا لجميع الجنسيات إلى 29 في المائة عام 2025 من 42 في المائة. ويرجع ذلك بالأساس إلى انخفاض كبير في عدد القرارات المتعلقة بالطلبات السورية.