مروان حمادة: سخر رفعت الأسد من شقيقه ودعا إلى تقسيم لبنان وسوريا

«الشرق الأوسط» سألت عن تجارب لبنانية شائكة مع عهد الأسدين (الثانية والأخيرة)

TT

مروان حمادة: سخر رفعت الأسد من شقيقه ودعا إلى تقسيم لبنان وسوريا

صورة أرشيفية للرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية للرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)

لم يكتف الرئيس حافظ الأسد بالإمساك بمصير سوريا بقبضة حديدية. أراد أيضاً الإمساك بمصير لبنان وكان له ما أراده. تردد كثيراً في ثمانينات القرن الماضي حديث عن وجود خط ثانٍ في سوريا يمثّله رفعت الأسد شقيق الرئيس ومنافسه. في حلقة اليوم يروي النائب والوزير السابق مروان حمادة أن رفعت كان يدعو إلى تقسيم سوريا ولبنان دويلات طائفية ومغادرة العلاقات مع الاتحاد السوفياتي إلى علاقات مع أميركا وإسرائيل.

سألت حمادة عن رفعت الأسد فأجاب: «أُبعد رفعت في النهاية لكنه بقي مُصاناً. تركوه يذهب وأخذ معه كنزه من الأسرار والخيانات. خيانات لكل الناس ولأخيه (حافظ) أيضاً. ألم يجرّب عام 1983 (الاستيلاء على السلطة)؟ استفاد من مرض حافظ الأسد واضطراره إلى دخول المستشفى فنزل بالدبابات و(الفهود الحمر). كانت لديه فرقة على غرار الفرق الطائفية والحزبية الضيقة من قماشة الجيوش الموازية.

صورة أرشيفية للرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)

كان لا بد من التعاطي مع حافظ الأسد، فحدود لبنان مع سوريا وإسرائيل. سوريا ممرنا الإلزامي إلى العالم العربي. ذهبنا إلى حافظ الأسد، لكننا لم نعتقد يوماً أننا سنرى رفعت، المتهم الأول مع محمد الخولي، قائد المخابرات الجوية، باغتيال كمال جنبلاط. في أحد الأيام من عام 1983، جاءتنا دعوة من رفعت لتناول العشاء في فيلا بالمزة الشرقية - الفيلا تقع في مكان قريب من سجن المزة. فوجئنا، وليد جنبلاط وأنا. في البداية كيف يمكن أن نقبل العشاء، وكيف يمكن أن نرفضه، علماً بأننا كنا لاجئين آنذاك في الشام خلال حرب الجبل (ضد القوات اللبنانية). كما يقولون بالإنجليزية، كان عرضاً لا يمكن رفضه it's an offer you cannot refuse . قررنا أن نذهب إلى العشاء ولكن مع ضرورة أن نكون منتبهين لأنفسنا. الجو كان جو خمّارة. كان رفعت ثملاً إلى حد كبير، لكنه كان طليق اللسان ويتكلم عن كل شيء بلا توقف. كنا نتوق إلى أن تنتهي السهرة عندما قال: أريد أن أعطيكم نصيحة. أنتم تسيرون مع أخي، أي حافظ. هذا الخط هو الخط الحليف للاتحاد السوفياتي والمناهض لأميركا والذي يحارب إسرائيل عبر المقاومة الوطنية. ماذا تريدون من كل هذا؟ اذهبوا واتفقوا مع الموارنة وأعطوهم جزءاً من جبل لبنان وخدوا أنتم الجزء الجنوبي منه وأقيموا دويلتكم. أخي أهبل. لدينا، أي العلويين، أحلى منطقة. جبال وساحل. نعمل دولتنا هناك، وبدون كل هذه القصص (سياسات شقيقه). نتصالح مع الأميركيين ونوقّع سلماً مع إسرائيل، ونترك الأمور تسير بهذه الطريقة. صرنا ننكز بعضنا بالأقدام تحت الطاولة. لم نكن نريد أحداً أن يعلّق سلباً أو إيجاباً أو يدلي بأي تعليق. أينما ذهبت في الشام، سواء كنت في فيلا أو فندق، كل شيء يتم تسجيله ويتم التنصت عليه. لم نتكلم بكلمة. أكملنا العشاء وعدنا إلى مواقعنا سالمين، أو نعتقد أننا كذلك. لا أتصور أنه (رفعت) تمكن من أن يأخذ منا أي شيء ولا أولئك (أجهزة أمن شقيقه حافظ) سمعوا منا شيئاً».

كم تشبه والدك

قلت لحمادة بأنه بعد أربعين يوماً من اغتيال كمال جنبلاط (عام 1977) ذهب نجله وليد إلى دمشق والتقى الأسد، فهل صحيح أنه قال له: كم تشبه والدك؟ أجاب: «نعم. المذبحة التي حصلت (رداً على اغتيال كمال جنبلاط) والتي طالت المسيحيين الآمنين في الشوف، طالت المسيحيين الجنبلاطيين المطمئنين بأنهم من اليسار أو من عائلات محسوبة على جنبلاط في الخلاف الكبير (بين الدروز) في الجبل، الانقسام اليزبكي - الجنبلاطي. جن جنون وليد عندما طالت المذبحة هؤلاء المسيحيين (المحسوبين على والده). راح يركض من قرية إلى قرية مع شيخ العقل كي يوقف ما يحصل. أثّر ذلك عليه كثيراً. شعر بأنه لم يدخل فقط على دم والده، بل دخل على دم مؤامرة حيكت بهدف تعميق الجرح بين الدروز والمسيحيين إلى غير رجعة.

بعد ذلك بدأ التحقيق وعُرف من هم السوريون الذين قاموا بالاغتيال. هناك قاض جيد من صيدا اسمه حسن القواص قام بتحقيق كامل ما زال في خزنة وليد جنبلاط وفي العدلية (قصر العدل) ولم يتحرك أحد (لملاحقة القتلة). أظهر التحقيق أن أربعة من المخابرات السورية جاءوا وخطفوا سيارة شاب مسيحي. تركوه فوصل إلى بعقلين. وهو من دل كيف ذهب منفذو اغتيال كمال جنبلاط. ذهبوا باتجاه الجديدة في ضاحية بيروت. المخابرات السورية هي من قام (بالجريمة)، وكان على رأسها رائد يُدعى إبراهيم حويجي الذي يتبع محمد الخولي. كل تفاصيل الجريمة عُرفت. جمع وليد جنبلاط حزبه وكبار المشايخ الدروز. قال لهم أنا أعرف من قتل أبي وأنتم تعرفون أنني أعرف وأنا أعرف أنكم تعرفون (من قتله). ولكن الأمر هو أن هناك مؤامرة كبيرة لإخراج الشريحة العربية من الجبل وضربنا، إما دفعنا إلى جبل العرب وراء الحدود (تهجير دروز لبنان إلى جنوب سوريا)، وإما إلى البحر (تهجيرهم من لبنان). أنا لا أستطيع أن أترك الأمور هكذا. سأخرج إلى سوريا لأنها المنفذ العربي والمعبر العربي الوحيد. هي الواجهة العربية. لا أذهب إلى إسرائيل، ولا أقبل أن أرمى في البحر. وصل وليد جنبلاط لعند حافظ الأسد، وكان الأخير بمنتهى اللطف معه، إن لم يكن بخبث كامل من خلال التمثيل (بأنه لطيف). كان يسأل كيف حصل ما حصل، وكأنه يتنصل من الذين قاموا بالجريمة حتى ولو كانوا من عنده. وبدأ يقول له: كم تشبه أباك! وبدأ يعطي ضمانات بخصوص مصير دروز الجبل هذه الشريحة التي وصفها بحماة الثغور العربية تاريخياً منذ أيام الصليبيين. وهذا ما بدأ في فتح طريق صغيرة في البداية ثم توسعت بعد وقوع الاجتياح الإسرائيلي (عام 1982) حين قاتلنا في بيروت نحن وبقايا الجيش السوري (اللواء 82) بقيادة اللواء محمد حلال وهو لواء عربي سني من درعا. قاوم (الاجتياح الإسرائيلي لبيروت) بقليل من العسكر، إلى جانب حركة أمل».

تطرق حمادة إلى العلاقة الشائكة بين وليد جنبلاط وبشار الأسد، فقال:

«أول رفض علني (من وليد لسياسات بشار) أدى إلى أزمة كان سنة 2000. خاضت سوريا بشار الأسد، وعبر المخابرات اللبنانية، حرباً ضروساً علينا انتخابياً، وضد رفيق الحريري أيضاً في بيروت. صارت تحرّض عليه. ربحنا نحن كل مقاعد الجبل وربح رفيق الحريري كل مقاعد بيروت. في هذا الوقت، تم الانسحاب الإسرائيلي (من الجنوب). (حزب الله) وصل إلى نتيجة أن إسرائيل تريد تخفيف التكلفة (تكلفة انتشارها في شريط حدودي في الجنوب)، فخرجت من لبنان. المسيحيون تداولوا بين بعضهم وصدر بيان المطارنة الموارنة. قالوا، وكان هذا منطقنا، إن العدو (الإسرائيلي) خرج، فيجب على الشقيق (السوري) أن يخفف. قال الإكليروس (المسيحي) إن الجيش السوري يجب أن يخرج أيضاً (بعد انسحاب إسرائيل). نحن قلنا: دعوه يخفف (وجوده). دعا وليد في المجلس النيابي إلى إعادة الانتشار السوري. سارع صديقنا وزميلنا السابق عاصم قانصوه، أمين سر حزب (البعث) في لبنان إلى اتهام وليد بالخيانة مطالباً بإعدامه. كانت تلك أول أزمة كبيرة في عهد بشار، وفي أول عهده. ويمكن أن أقول إن العلاقة مع بشار لم تكن في يوم من الأيام جيدة. بين وليد جنبلاط وبشار الأسد غابت الكيمياء منذ لقائهما الأول.

بشار الأسد ووليد جنبلاط (أ.ف.ب)

كنا نعرف أن حافظ الأسد يقف وراء قرارات قتل وخطف. نعرف في جريدتنا (النهار اللبنانية) قصة خطف ميشال أبو جودة. لكن الابن مغلّق. جاء بزوجته من لندن. يدّعي الحداثة وأنه ملك الإنترنت (الانفتاح على الشبكة العنكوبتية) في الشرق الأوسط. وإذا به لم يتحمل 3 أشهر (من النشاط) في المقاهي والنوادي التي سمح بها في دمشق. هل تتذكر ماذا حصل مع المثقفين؟ فتح لهم الباب قليلاً ثم أطبق عليهم وانتهى بهم المطاف في سجن صيدنايا وفي تدمر. لم تمش الكيمياء بتاتاً بين بشار ووليد.

صار (الأسد) يضايقنا، وصرنا ننتظر الخلاص. فرض على رفيق الحريري تغيير الحكومة سنة 2003 وأخرج منها بعض حلفاء رفيق الأساسيين. جرّب بشار أن يخرجنا أيضاً من الحكومة فلم يقبل لا رفيق ولا وليد. بقينا بالحكومة التي أشرفت على انتخابات الرئاسة في 2004. يومها كان الحريري قد قال: أقطع يدي ولا أمدد لإميل لحود. وليد كانت لديه القناعة ذاتها (بعدم التمديد للحود). تكلمنا مع بشار الذي كان يحاول أن يطمئن لكنه كان يحضّر عملية التمديد للحود. كنا نعرف أشخاصاً علاقتهم السورية جيدة وليس بالضرورة مع بشار، مثل الأستاذ جان عبيد، وهو شخصية مقبولة عربياً، من الخليج، ومقبولة دولياً، لكن بشار لم يكن ليقبل سوى بالتمديد لإميل لحود.

رفيق الحريري يتوسط نبيه بري ووليد جنبلاط

هنا تأزمت الأمور كثيراً. وصدف أن الأميركيين والفرنسيين اتفقوا (آنذاك) على إخراج سوريا من لبنان.

القرار 1559 كانت نتيجة تفاهم أميركي وفرنسي. ميشال عون ساهم في الإعداد له قبل أن يقوم بصفقة مع السوريين ليرجع (من المنفى) ويعمل رئيساً. أذكر أنني ذهبت كوزير خارجية بالوكالة إلى بروكسل في فبراير (شباط) عام 2004. وقتها علّقنا تنفيذ أحكام الإعدام كي نبقى مقبولين أوروبياً لأنهم لا يريدون أحكام إعدام. فقدمت تعهداً بذلك ما زال سارياً حتى اليوم. وأنا خارج من المؤتمر الخاص بلبنان وأوروبا في بروكسل، قال لي وزير خارجية هولندا وكان هو رئيس المؤتمر، إنني نجحت هذه المرة كمحام ناجح لقضية فاشلة. كنت وقتها قد تعهدت بأننا لن نعدّل الدستور (بخصوص الحكم بالإعدام) وقامت القيامة عليّ. كنا نعقد سنوياً مؤتمراً مع أوروبا. أحدهما اقتصادي كنت أقمته في نوفمبر، والآخر سياسي يحضره وزراء الخارجية فشاركت أنا مكان الأستاذ جان عبيد الذي قال لي إنه يريد أن يذهب في جولة في أفريقيا، فالموضوع السوري سيطرح في المؤتمر مع أوروبا وهو سيشعر بالإحراج. فذهبت بالوكالة عنه. قال لي الوزير الهولندي: لقد نفدتم هذه السنة، لكن السنة المقبلة سيكون هناك بند واحد على جدول الأعمال: خروج القوات السورية من لبنان. إذن كان القرار متخذاً بين الأميركيين وغيرهم قبل أن يعلم به رفيق الحريري. ولمّا علم به الحريري ربما تحمس بأنه (لن يتم التمديد) للحود ويمكن أن نغيّر سياسة لبنان بمعنى أن لا نكون مربوطين لهذه الدرجة بسوريا وتحت هيمنة متزايدة عسكرية وأمنية لـ(حزب الله) الذي كان قد أخذ حيزاً من الوجود بحيث صار لا يطاق. يومها استدعي إلى دمشق، في آخر شهر أغسطس (آب). رفيق الحريري ونبيه بري ووليد جنبلاط. جال عليهم رستم غزالي (المسؤول الأمني السوري) وقال لهم إن الرئيس ينتظركم غداً الساعة 9. قال وليد له إنني لن أذهب. نبيه قال إنه سيذهب. رفيق أخّر جوابه. قالوا له إنه لا يستطيع أن يغيب عن الاجتماع، فهو رئيس وزراء لبنان. عاد رستم غزالي وجرّب مع وليد جنبلاط. وليد كان قاطعاً في جوابه: لن أذهب. وهكذا عقد اجتماع الحريري مع الأسد. الاجتماع الذي استغرق 10 دقائق مع الأسد والذي تردد أن الحريري بقي واقفاً خلاله. قال له الأسد إنكم تريدون تغيير وجه لبنان وتريدون فرض رئيس جمهورية وتريدون إخراجنا من لبنان، فسأكسر لبنان على رأسك ورأس وليد جنبلاط وجاك شيراك.

عاد رفيق الحريري إلى منزل جنبلاط في كليمنصو (في بيروت) وكنا نحن والأستاذ باسم السبع ننتظره فأخبرنا بما حصل معه، فقال له وليد: أنت صوّت مع (التمديد) للحود لأنهم سيقتلونك إن لم تفعل. فقال له الحريري: وأنت؟ فأجاب أنا سأذهب إلى الجبل وأخلّص نفسي. هكذا صار. لكن الحريري لم يتمكن من ابتلاع ما حصل. نحن لم نصوّت واستقلنا. وزراء التقدمي الاشتراكي الثلاثة مع فارس بويز. لم يحضر جان عبيد لكنهم في النهاية أتوا به بالقوة. لم يأت لكنهم فرضوا على سهيل بوجي أمين عام مجلس الوزراء أن يضع عبيد حاضراً الجلسة. كسر رفيق يده وصارت جلسة التمديد وصوّت فيها (لمصلحة التمديد للحود). صدرت لائحة شرف تضم 29 نائباً قالوا لا للتمديد. من هؤلاء النواب الـ29 اختاروني أنا، في أكتوبر (تشرين الأول) 2004، حيث تعرضت لمحاولة الاغتيال. بعد ثلاثة أشهر ونصف الشهر تعرض الحريري للاغتيال.

في 14 فبراير (شباط) 2005 كنت في (جريدة) النهار. كنت أستقبل سفير أوروبا باتريك رونو. ما زلت أذكر اسمه لأنني أتذكر هذا النهار. سمعنا دوي الانفجار هنا. اعتقدنا في البداية أن خزان ذخيرة يمكن أن يكون انفجر. لأن ارتجاجاً حقيقياً حصل. بدأنا نتصل بكليمنصو (مقر وليد جنبلاط) وقريطم (مقر رفيق الحريري). وليد كان قد نزل إلى مستشفى الجامعة الأميركية. تسألني إن كنت استهدفت بسبب علاقتي الوثيقة بالرجلين. لا شك في ذلك. ربما أولاً (كان الهدف) إلغائي كي لا أكون مرشحاً في الانتخابات المقبلة. ربما قالوا إن هذا يمكن أن نتخلص منه. كان عندهم مرشح ضدي لكنه كان يسقط دائماً. يومها لم تحصل انتخابات وفزت بالتزكية بسبب محاولة الاغتيال.

رفيق الحريري وبجانبه جالساً مروان حمادة (أرشيف حمادة)

إذن كانت هناك صداقتي لرفيق الحريري ووضعي الخاص أنه حتى عندما يختلفا على أمور معينة، قد تكون اقتصادية، كأن لا يكون وليد راضياً عن سياسات رفيق الاقتصادية، أو تفاصيل معينة، كنت دائماً أعود وأوفق بينهما، بحيث إن هذا التحالف بقي ونما إلى صداقة حقيقية بين رفيق الحريري ووليد جنبلاط. صداقة نمت على 15 - 20 سنة لم يتركا بعضهما خلالها في أي شيء، من الأمن إلى الاقتصاد إلى بناء المستشفيات. كانت هناك شراكة حقيقية وكنت أنا أحد حراس هذه الشراكة.

كان وليد (بعد اغتيال الحريري) يبكي عليه، وربما كان يبكي أيضاً على لبنان، لأنه شاهد واعتقد أن الوجود السوري سيستمر دون منازع في ظل رئيس جمهورية جاء السوريون به وفي ظل حكومة عمر كرامي التي جاءوا بها بنسبة مائة في المائة.

يمكن بعد 14 آذار (تظاهرة المعارضة المليونية ضد سوريا بعد اغتيال الحريري) اكتشف وليد أن الدينامية التي أطلقتها دماء رفيق الحريري ستؤدي إلى خروج السوريين. كان وليد خائفاً من حجم الانتصار وأنه يمكن أن يرجع ويرتد علينا. لأنه يعرف أن الدنيا مد وجزر. فقد كنا نريد أن نقلع إميل لحود من الرئاسة. وليد كان متحمساً لذلك. لكن عندما عارض البطريرك نصر الله صفير ذلك وقال لا وأن الرئيس (يجب أن) يُكمل عهدته، سايرنا هذا الجو واضطررنا بعد ذلك إلى ارتكاب خطأ أساسي وهو الاتفاق الرباعي مع حزب الله».

سألته هل تتهم النظام السوري بمحاولة اغتيالك، فرد قائلاً: «وحزب الله أيضاً. عندي قرار اتهامي موجود هنا على طاولتي بالتفصيل. كل عمليات الاغتيال كان على رأسها وحدة يقودها عماد مغنية. ولكن المنفذ الحقيقي فيها مصطفى بدر الدين المسمى سامي عيسى الذي كان يعيش في جونية باسم مسيحي ولديه محل مجوهرات ولديه يخت وعدد من الصديقات في المحيط المخملي في جونية وجوارها.

وطبعاً هناك المنفذون ومنهم العياش (سليم جميل عيّاش) الذي صدر عليه الحكم باغتيال الحريري، لأن الآخرين ماتوا. عماد مغنية قتل مبكراً. بدر الدين قتل لاحقاً. في القانون الدولي لم يعد يمكنك أن تلاحقهم.

ولكن كل الأمر هو أنه كان هناك تسهيل سوري (للاغتيالات) لكن هناك قراراً وتنفيذاً يبدأ في طهران وينتهي بحارة حريك (معقل حزب الله في ضاحية بيروت)».

زيارة دمشق الجديدة

سألته عن شعوره عندما ذهب براً إلى دمشق ووجد الرئيس أحمد الشرع يجلس على الكرسي الذي كان يجلس عليه بشار الأسد وقبله حافظ الأسد، فأجاب: «كل الرحلة ولّدت مشاعر. العبور من المصنع إلى جديدة يابوس وليس عبر الخط العسكري وعبر المخابرات السورية. كانت الطريق مفتوحة. الشباب يرحبون بك بدون أي تدقيق. الطريق كلها ليست فقط سالكة، بل لم يبق بها تمثال أو كتابة بالحجر على جانبي الطريق: الأسد إلى الأبد. لم يكن هناك أحد في أي ثكنة. ثكنات مدمرة أو مهجورة. تصل إلى طريق الشام فتجد دمشق أمامك. تشعر وكأنك تعود إلى (عهد) الأمويين والعباسيين. هذه سوريا العروبة التي عدنا إليها. بعد ذلك تأخذ الطريق المؤدية إلى القصر الجمهوري. تتذكر أن هذا القصر المشيد على رأس تل كان رفيق الحريري هو من بناه لهم قبل أن يُقتل. حافظ الأسد لم يقم طويلاً في هذا القصر لأنه توفي، لكن بشار أخذ راحته هو والسيدة أسماء. تصل إلى القصر ولا تجد حارساً سوى عندما تصل إلى باب القصر. يفتحون لك الباب فتدخل لتجد قصراً شامياً تتذكر أن رفيق الحريري هو من بناه. المملكة العربية السعودية هي من مولته. تدخل فتلاقي شاباً بمنتهى الحكمة والكلام الرصين والعاقل. لا أقول إنه نفذ أو سينفذ كل شيء (يقوله)، لكنه يقول لك ما يجول في عقله.

وجدت في الشرع خامة ثائر ورئيس. يريد التخلص بسرعة من زمن فصائل. يريد أن ينتقل بسرعة من ثورة إلى جمهورية. من زمن الفصائل إلى زمن الدولة. طبعاً سوريا ما زالت مبعثرة. هناك الموضوع الكردي والموضوع الدرزي الذي أثرناه والذي بحمد الله تقدم نحو الأحسن. كان يخشى ردة فعل على العلويين من جماعته. قال إنه ليس لدينا أي شيء ضد العلويين. هناك قسم كبير منهم كانوا ضده (نظام بشار). كما أنه يقول لماذا أهل الشام المسالمون يتم تحميلهم مسؤولية شيء جرى قبل 1400 سنة؟ بالنسبة له ما حصل كان حادثاً سياسياً يتم تحميل شعوب وطوائف ومناطق وزرها حتى اليوم. أهل الشام ليست لهم علاقة بهذا الشيء. ولذلك يجب أن نعامل سوريا بغير العداء الذي عُوملت به من قبل إيران. وزير الخارجية أسعد الشيباني تحدث أيضاً عن إيران بالاسم. سألته كيف دخلتم ووصلتم من حلب إلى الشام في ثلاثة أيام؟ فقال لي: لم نخترق حدوداً عسكرية. الشعب كان فاتحاً الطريق. أهل حماة يرحبون بنا. أهل حمص يرحبون بنا. كان همهم أن لا تحصل تصفيات، فدخلوا إلى السجون في البداية كي تأخذ الناس نفساً. وإذا لاحظت في حماة وحمص وصيدنايا أول ما تحرر فيها كانت السجون قبل تحرير المباني الرسمية وقبل رئاسة الأركان ووزارة الدفاع. تذكرت هنا ماذا حصل بنا عندما اغتيل كمال جنبلاط وبعض الناس في الجبل وضعوا الاغتيال في ظهر المسيحيين مع أن النظام السوري هو الذي قتله.

مروان حمادة خلال المقابلة معه (الشرق الأوسط)

سألته هل استغربت أن سوريا باتت بلا إيران، فأجاب: «استغربت أن سوريا بيد شعبها، بلا نظام مخابراتي. يعني نظام مخابراتي يحاول أن يحمل ثمناً لأي شخص كانت لديه علاقة ولو شكلية بنظام الأسد. هذا كان همه (الشرع) الأساسي (أن لا يحصل ذلك). هناك الآن موظفون نعرفهم منذ أيام الأسد».

قلت لحمادة إننا نُجري هذا الحوار في مبنى جريدة النهار التي كانت لها أكثر من قصة مع نظام الأسدين، ما هو شعورك؟ رد قائلاً: «صحيفتنا تم تفجيرها. احتُلت. خطف رئيس تحريرها ميشال أبو جودة وأعيد بمساعٍ من ياسر عرفات وكمال جنبلاط آنذاك لدى حافظ الأسد وحكمت الشهابي. حاولوا اغتيال جبران تويني عندما كان شاباً صغيراً. رجعوا واحتلونا وأخدوا الأرشيف وكل صناديق (محفوظات) الجريدة. وضعونا قرابة 20 يوماً نحن و(السفير) و(النداء)، ونسفوا جريدة (المحرر)، واحتلوا (الأوريون لوجور). بعد ذلك صرنا في القفص مثل غيرنا.

وبقية القصة المأسوية معروفة. اغتالوا الصحافي والكاتب سمير قصير ثم اغتالوا جبران تويني. حاولنا أن نترك جبران في الخارج لكنه لم يقبل. جربوا أيضاً دفع الصحيفة إلى الإفلاس. كان لرفيق الحريري حصة في شركة (النهار) ففرضوا عليه أن يبيعها. الأسد شخصياً هو من فرض ذلك. لم يكن معنا قرض يسمح لنا بشراء (حصة الحريري). أعد رفيق عقداً وأجّل الدفع إلى ما بعد انتخاب رئيس جديد، على أساس أن لحود لن يرجع رئيساً (ممداً له) وأن لبنان سيتحرر من ضغط السوريين. لم يحصل هذا الشيء لكن اغتيل رفيق وبعدها مزّق الطرفان العقد».

قلت له: انتخب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية وشكّل نواف سلام الحكومة فهل تعتقد أن هناك فرصة حقيقية للبنان اليوم؟ أجاب: «نعم بالتأكيد. الفرصة نشأت قبل أن يتم اختيارهما. الفرصة نشأت من خلال البروفايل الخاص بهما. يعني أحدهما حافظ على الجيش، والثاني حافظ على كرامته وعلمه، ووصلا بحركة لبنانية ليست منسقة بالأساس لكنها تترجم موجة شعبية... نحن رجعنا للحضن العربي. بمجرد انتخاب رئيس الجمهورية الجديد عرفنا أننا طلعنا من القفص إلى الحضن. هذا الفرق بين نظام الأسد وبين الأنظمة التي كانوا يهاجمونها والتي تبين أنها تقدمية أكثر منهم».


مقالات ذات صلة

المشرق العربي مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

ردت إسرائيل، الخميس، على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في جنوب لبنان، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية في الجنوب.

نذير رضا (بيروت)
تحليل إخباري آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تحليل إخباري «حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)

وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

أكد وزير الدفاع الوطني اللبناني اللواء ميشال منسى، الخميس، أن بلاده ذهبت إلى المفاوضات للسلام وليس للاستسلام والمقايضة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)

مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

قتل 9 أشخاص وأصيب 13 وفقد 3 آخرون في غارات إسرائيلية اليوم الخميس على جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

وزير خارجية إسرائيل: ناشطو «أسطول الصمود» سيُنقلون إلى اليونان

قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزير خارجية إسرائيل: ناشطو «أسطول الصمود» سيُنقلون إلى اليونان

قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الخميس، أن النشطاء الذين كانوا على متن «أسطول الصمود العالمي» المتجه إلى غزة واعترضته بحرية الدولة العبرية، سيُنقلون إلى اليونان.

وكتب ساعر على منصة «إكس»: «بالتنسيق مع الحكومة اليونانية، سيتم إنزال المدنيين الذين نُقلوا من سفن الأسطول إلى السفينة الإسرائيلية، في البرّ اليوناني خلال الساعات المقبلة»، شاكراً للحكومة اليونانية «إبداء استعدادها لاستقبال المشاركين في الأسطول».

وكان منظّمو «أسطول الصمود» العالمي، الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض على القطاع، أعلنوا في وقت سابق الخميس، أن الجيش الإسرائيلي «اختطف» 211 ناشطاً، من بينهم مستشارة في بلدية باريس، خلال عملية نفّذها في المياه الدولية قبالة اليونان، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «غلوبال صمود - فرنسا»، هيلين كورون، الخميس في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن العملية جرت قرب جزيرة كريت، بعيداً من السواحل الإسرائيلية.

وكان منظمو هذا الأسطول الذي يضم ناشطين مؤيدين للفلسطينيين يسعون إلى كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، وتوصيل المساعدات إليه، قد أفادوا في وقت سابق بأن سفناً عسكرية إسرائيلية حاصرت قواربهم لدى وجودها قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية.

تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (أ.ب)

وكان الأسطول قد أبحر في الأسابيع الأخيرة من مرسيليا في فرنسا وبرشلونة في إسبانيا وسيراكيوز في إيطاليا.

وخلال ليل الأربعاء إلى الخميس، قال المنظّمون إن القوارب «حوصرت بشكل غير قانوني» من قبل سفن إسرائيلية.


كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

دعا مسؤولون في نحو ثلاثين وسيلة إعلام دولية، خلال رسالة مفتوحة مشتركة، إسرائيل إلى إتاحة الوصول بحُرّية إلى قطاع غزة، المغلق أمام الصحافيين الأجانب منذ بداية الحرب ضد حركة «حماس» قبل أكثر من عامين. وتحمل الرسالة توقيع مسؤولي هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، وشبكة «سي إن إن»، وصحيفة «نيويورك تايمز»، وصحيفة «واشنطن بوست»، وصحيفة «الغارديان»، وصحيفة «إل باييس»، وصحيفة «لوموند»، ووكالتَي الأنباء «أسوشييتد برس»، و«رويترز»، و«وكالة الصحافة الفرنسية». وجاء في نص الرسالة: «في كل نزاع، يواجه الصحافيون قيوداً على وصولهم إلى ساحة المعركة. لكن الوضع مختلف في غزة، فمنذ أكثر من 930 يوماً، تمنع إسرائيل الصحافيين من دخول القطاع بشكل مستقل»، مطالبين برفع القيود «فوراً». ودأب الصحافيون الأجانب والهياكل الممثلة لهم على المطالبة بإتاحة الوصول إلى غزة منذ بداية الحرب المدمِّرة، على أثر هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. ورفعت رابطة الصحافة الأجنبية في القدس القضية إلى المحاكم الإسرائيلية، لكن دون جدوى حتى الآن. ولم تسمح إسرائيل إلا لبضع عشرات من الصحافيين بدخول القطاع بمرافقة الجيش الإسرائيلي، وبقيود لا تسمح بالعمل الصحافي المستقل. وتتذرع السلطات الإسرائيلية بـ«أسباب أمنية»، حتى بعد بدء وقف إطلاق النار الهش في أكتوبر الماضي. وأضاف الموقِّعون على الرسالة المفتوحة أنه بسبب حظر الدخول الحالي، تقع تغطية الحرب وتداعياتها «بشكل شبه كامل على عاتق زملائنا الفلسطينيين»، الذين «عملوا في ظروف قاسية - الجوع، والنزوح، وفقدان الأحبّة، والقيود المستمرة، والهجمات المميتة. ينبغي ألا يتحملوا هذا العبء وحدهم، ويجب حمايتهم». ووفق لجنة حماية الصحافيين، قُتل أكثر من 200 صحافي فلسطيني في غزة منذ بداية الحرب.


«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
TT

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)

كشفت تقارير إعلامية عن أن لجنة سورية مختصة تعمل على ملف قضائي ضد فادي صقر، القيادي السابق في «قوات الدفاع الوطني»، وهي ميليشيا رديفة كانت تابعة للنظام السابق، بجرائم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وذلك في إطار مسار العدالة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد.

ونشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، الخميس، أن صقر متهم بالتورط في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري للمدنيين، خصوصاً في حي التضامن بدمشق، إلى جانب مناطق أخرى في دمشق.

ولفت التقرير إلى أن تعاون الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية بعد عام 2024 أثار غضباً واسعاً بين الضحايا وذويهم، الذين طالبوا بمحاسبته وعدم منحه أي دور رسمي.

القيادي في الدفاع الوطني بالنظام المخلوع فادي صقر (متداولة)

تعاونت الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية، بعد الإطاحة ببشار الأسد، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، مما أثار غضب الضحايا الذين طالبوا بمحاسبته على جرائمه. وقالت زهرة البرازي، نائبة رئيس اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية والمستشارة في وزارة الخارجية السورية، إن اللجنة تعمل مع الضحايا لبناء قضية ضد صقر. وأوضحت أن «هناك أدلة كافية ضد صقر. لقد كان مفيداً لأسباب معينة، ولكنه لم يعد كذلك. لا أحد فوق القانون».

فحص ما يُعتقد أنها مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

وأشار تقرير «الغارديان» إلى أن الإجراءات القضائية ضد قائد الميليشيا السابق علامة فارقة مهمة لسوريا، التي عانت طويلاً في سبيل إرساء العدالة الانتقالية بعد أكثر من عقد من الحرب التي خلّفت مئات الآلاف من القتلى وأدت إلى صراعات في المدن والأحياء.

وسبق أن صرّح خبراء بأن عملية عدالة انتقالية سليمة من شأنها أن تُسهم في الحد من العنف الطائفي في البلاد، التي شهدت مجازر طائفية وعمليات قتل متفرقة منذ سقوط الأسد.

ألقت السلطات السورية القبض، الأسبوع الماضي، على أمجد يوسف، أحد أبرز منفذي «مجازر التضامن».

ووثّقت مقاطع فيديو عُثر عليها في حاسوب محمول لضابط مخابرات سابق وسُرّبت خارج البلاد، مقتل ما يقرب من 300 مدني على يد قوات النظام في حي التضامن عام 2013.

كانت صحيفة «الغارديان» قد كشفت في عام 2022 عن مجموعة من اللقطات أظهرت يوسف وهو يأمر مدنيين معصوبي الأعين بالركض إلى الأمام بينما كان يطلق النار عليهم، ويدفعهم إلى حفرة، ويعدمهم، ويحرق جثثهم.

فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

وأصر سكان التضامن منذ فترة طويلة على وجود عديد من الجناة الآخرين، بمن فيهم أعضاء في قوات الدفاع الوطني بقيادة صقر، طالبوا باحتجاز صقر.

صقر، من جانبه، نفى مسؤوليته عن المجازر. وصرح لصحيفة «الغارديان» بأنه «لم يعلم بالمجزرة إلا من خلال وسائل الإعلام»، وأنه «يثق بالإجراءات القضائية».

وأضاف: «تجب معاقبة كل من تثبت إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية». وتابع: «صمتي حيال الحملات المرفوعة ضدي نابع من رغبتي في عدم التأثير في مسار التحقيقات».

متزعم ميليشيا الدفاع الوطني في عهد نظام الأسد فادي صقر (سوشيال ميديا)

وقال صقر إنه أصبح قائداً لقوات الدفاع الوطني في دمشق في يونيو (حزيران) 2013، أي بعد شهرين من تسجيل لقطات مصورة علنية لإعدامات يوسف للمدنيين قرب الحفرة. ومع ذلك، اطَّلعت صحيفة «الغارديان» على مقاطع فيديو غير منشورة لعمليات قتل إضافية نفَّذها يوسف وعناصر من قوات الدفاع الوطني، بما في ذلك لقطات مصوَّرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، أي بعد أربعة أشهر من تولي صقر منصبه.

وحسب «الغارديان»، بررت الحكومة الجديدة تعاونها مع شخصيات مثل صقر، بالقول إنها تسعى إلى تحقيق التوازن بين ضرورة تحقيق العدالة والاعتبارات العملية لضمان استقرار سوريا خلال مرحلتها الانتقالية. وساعد صقر الحكومة على التواصل مع فلول نظام الأسد الذين شنوا تمرداً محدوداً منذ سقوط الرئيس السوري السابق.

وقالت زهرة البرازي إن إعداد قضية ضد صقر قائمة منذ بضعة أشهر، وخلال هذه الفترة ازدادت التكلفة السياسية لإبقاء قائد الميليشيا السابق في صفوفها، وإن هناك إدراكاً حقيقياً لأن أي مكاسب قد تُجنى منه، مقارنةً بالتوتر الذي كان يخلقه مع الرأي العام، لا تستحق العناء. مضيفةً أن اعتقال يوسف «ساعد على دفع هذه القضية إلى الواجهة».