مروان حمادة: سخر رفعت الأسد من شقيقه ودعا إلى تقسيم لبنان وسوريا

«الشرق الأوسط» سألت عن تجارب لبنانية شائكة مع عهد الأسدين (الثانية والأخيرة)

TT

مروان حمادة: سخر رفعت الأسد من شقيقه ودعا إلى تقسيم لبنان وسوريا

صورة أرشيفية للرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية للرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)

لم يكتف الرئيس حافظ الأسد بالإمساك بمصير سوريا بقبضة حديدية. أراد أيضاً الإمساك بمصير لبنان وكان له ما أراده. تردد كثيراً في ثمانينات القرن الماضي حديث عن وجود خط ثانٍ في سوريا يمثّله رفعت الأسد شقيق الرئيس ومنافسه. في حلقة اليوم يروي النائب والوزير السابق مروان حمادة أن رفعت كان يدعو إلى تقسيم سوريا ولبنان دويلات طائفية ومغادرة العلاقات مع الاتحاد السوفياتي إلى علاقات مع أميركا وإسرائيل.

سألت حمادة عن رفعت الأسد فأجاب: «أُبعد رفعت في النهاية لكنه بقي مُصاناً. تركوه يذهب وأخذ معه كنزه من الأسرار والخيانات. خيانات لكل الناس ولأخيه (حافظ) أيضاً. ألم يجرّب عام 1983 (الاستيلاء على السلطة)؟ استفاد من مرض حافظ الأسد واضطراره إلى دخول المستشفى فنزل بالدبابات و(الفهود الحمر). كانت لديه فرقة على غرار الفرق الطائفية والحزبية الضيقة من قماشة الجيوش الموازية.

صورة أرشيفية للرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت في يناير 1984 (أ.ف.ب)

كان لا بد من التعاطي مع حافظ الأسد، فحدود لبنان مع سوريا وإسرائيل. سوريا ممرنا الإلزامي إلى العالم العربي. ذهبنا إلى حافظ الأسد، لكننا لم نعتقد يوماً أننا سنرى رفعت، المتهم الأول مع محمد الخولي، قائد المخابرات الجوية، باغتيال كمال جنبلاط. في أحد الأيام من عام 1983، جاءتنا دعوة من رفعت لتناول العشاء في فيلا بالمزة الشرقية - الفيلا تقع في مكان قريب من سجن المزة. فوجئنا، وليد جنبلاط وأنا. في البداية كيف يمكن أن نقبل العشاء، وكيف يمكن أن نرفضه، علماً بأننا كنا لاجئين آنذاك في الشام خلال حرب الجبل (ضد القوات اللبنانية). كما يقولون بالإنجليزية، كان عرضاً لا يمكن رفضه it's an offer you cannot refuse . قررنا أن نذهب إلى العشاء ولكن مع ضرورة أن نكون منتبهين لأنفسنا. الجو كان جو خمّارة. كان رفعت ثملاً إلى حد كبير، لكنه كان طليق اللسان ويتكلم عن كل شيء بلا توقف. كنا نتوق إلى أن تنتهي السهرة عندما قال: أريد أن أعطيكم نصيحة. أنتم تسيرون مع أخي، أي حافظ. هذا الخط هو الخط الحليف للاتحاد السوفياتي والمناهض لأميركا والذي يحارب إسرائيل عبر المقاومة الوطنية. ماذا تريدون من كل هذا؟ اذهبوا واتفقوا مع الموارنة وأعطوهم جزءاً من جبل لبنان وخدوا أنتم الجزء الجنوبي منه وأقيموا دويلتكم. أخي أهبل. لدينا، أي العلويين، أحلى منطقة. جبال وساحل. نعمل دولتنا هناك، وبدون كل هذه القصص (سياسات شقيقه). نتصالح مع الأميركيين ونوقّع سلماً مع إسرائيل، ونترك الأمور تسير بهذه الطريقة. صرنا ننكز بعضنا بالأقدام تحت الطاولة. لم نكن نريد أحداً أن يعلّق سلباً أو إيجاباً أو يدلي بأي تعليق. أينما ذهبت في الشام، سواء كنت في فيلا أو فندق، كل شيء يتم تسجيله ويتم التنصت عليه. لم نتكلم بكلمة. أكملنا العشاء وعدنا إلى مواقعنا سالمين، أو نعتقد أننا كذلك. لا أتصور أنه (رفعت) تمكن من أن يأخذ منا أي شيء ولا أولئك (أجهزة أمن شقيقه حافظ) سمعوا منا شيئاً».

كم تشبه والدك

قلت لحمادة بأنه بعد أربعين يوماً من اغتيال كمال جنبلاط (عام 1977) ذهب نجله وليد إلى دمشق والتقى الأسد، فهل صحيح أنه قال له: كم تشبه والدك؟ أجاب: «نعم. المذبحة التي حصلت (رداً على اغتيال كمال جنبلاط) والتي طالت المسيحيين الآمنين في الشوف، طالت المسيحيين الجنبلاطيين المطمئنين بأنهم من اليسار أو من عائلات محسوبة على جنبلاط في الخلاف الكبير (بين الدروز) في الجبل، الانقسام اليزبكي - الجنبلاطي. جن جنون وليد عندما طالت المذبحة هؤلاء المسيحيين (المحسوبين على والده). راح يركض من قرية إلى قرية مع شيخ العقل كي يوقف ما يحصل. أثّر ذلك عليه كثيراً. شعر بأنه لم يدخل فقط على دم والده، بل دخل على دم مؤامرة حيكت بهدف تعميق الجرح بين الدروز والمسيحيين إلى غير رجعة.

بعد ذلك بدأ التحقيق وعُرف من هم السوريون الذين قاموا بالاغتيال. هناك قاض جيد من صيدا اسمه حسن القواص قام بتحقيق كامل ما زال في خزنة وليد جنبلاط وفي العدلية (قصر العدل) ولم يتحرك أحد (لملاحقة القتلة). أظهر التحقيق أن أربعة من المخابرات السورية جاءوا وخطفوا سيارة شاب مسيحي. تركوه فوصل إلى بعقلين. وهو من دل كيف ذهب منفذو اغتيال كمال جنبلاط. ذهبوا باتجاه الجديدة في ضاحية بيروت. المخابرات السورية هي من قام (بالجريمة)، وكان على رأسها رائد يُدعى إبراهيم حويجي الذي يتبع محمد الخولي. كل تفاصيل الجريمة عُرفت. جمع وليد جنبلاط حزبه وكبار المشايخ الدروز. قال لهم أنا أعرف من قتل أبي وأنتم تعرفون أنني أعرف وأنا أعرف أنكم تعرفون (من قتله). ولكن الأمر هو أن هناك مؤامرة كبيرة لإخراج الشريحة العربية من الجبل وضربنا، إما دفعنا إلى جبل العرب وراء الحدود (تهجير دروز لبنان إلى جنوب سوريا)، وإما إلى البحر (تهجيرهم من لبنان). أنا لا أستطيع أن أترك الأمور هكذا. سأخرج إلى سوريا لأنها المنفذ العربي والمعبر العربي الوحيد. هي الواجهة العربية. لا أذهب إلى إسرائيل، ولا أقبل أن أرمى في البحر. وصل وليد جنبلاط لعند حافظ الأسد، وكان الأخير بمنتهى اللطف معه، إن لم يكن بخبث كامل من خلال التمثيل (بأنه لطيف). كان يسأل كيف حصل ما حصل، وكأنه يتنصل من الذين قاموا بالجريمة حتى ولو كانوا من عنده. وبدأ يقول له: كم تشبه أباك! وبدأ يعطي ضمانات بخصوص مصير دروز الجبل هذه الشريحة التي وصفها بحماة الثغور العربية تاريخياً منذ أيام الصليبيين. وهذا ما بدأ في فتح طريق صغيرة في البداية ثم توسعت بعد وقوع الاجتياح الإسرائيلي (عام 1982) حين قاتلنا في بيروت نحن وبقايا الجيش السوري (اللواء 82) بقيادة اللواء محمد حلال وهو لواء عربي سني من درعا. قاوم (الاجتياح الإسرائيلي لبيروت) بقليل من العسكر، إلى جانب حركة أمل».

تطرق حمادة إلى العلاقة الشائكة بين وليد جنبلاط وبشار الأسد، فقال:

«أول رفض علني (من وليد لسياسات بشار) أدى إلى أزمة كان سنة 2000. خاضت سوريا بشار الأسد، وعبر المخابرات اللبنانية، حرباً ضروساً علينا انتخابياً، وضد رفيق الحريري أيضاً في بيروت. صارت تحرّض عليه. ربحنا نحن كل مقاعد الجبل وربح رفيق الحريري كل مقاعد بيروت. في هذا الوقت، تم الانسحاب الإسرائيلي (من الجنوب). (حزب الله) وصل إلى نتيجة أن إسرائيل تريد تخفيف التكلفة (تكلفة انتشارها في شريط حدودي في الجنوب)، فخرجت من لبنان. المسيحيون تداولوا بين بعضهم وصدر بيان المطارنة الموارنة. قالوا، وكان هذا منطقنا، إن العدو (الإسرائيلي) خرج، فيجب على الشقيق (السوري) أن يخفف. قال الإكليروس (المسيحي) إن الجيش السوري يجب أن يخرج أيضاً (بعد انسحاب إسرائيل). نحن قلنا: دعوه يخفف (وجوده). دعا وليد في المجلس النيابي إلى إعادة الانتشار السوري. سارع صديقنا وزميلنا السابق عاصم قانصوه، أمين سر حزب (البعث) في لبنان إلى اتهام وليد بالخيانة مطالباً بإعدامه. كانت تلك أول أزمة كبيرة في عهد بشار، وفي أول عهده. ويمكن أن أقول إن العلاقة مع بشار لم تكن في يوم من الأيام جيدة. بين وليد جنبلاط وبشار الأسد غابت الكيمياء منذ لقائهما الأول.

بشار الأسد ووليد جنبلاط (أ.ف.ب)

كنا نعرف أن حافظ الأسد يقف وراء قرارات قتل وخطف. نعرف في جريدتنا (النهار اللبنانية) قصة خطف ميشال أبو جودة. لكن الابن مغلّق. جاء بزوجته من لندن. يدّعي الحداثة وأنه ملك الإنترنت (الانفتاح على الشبكة العنكوبتية) في الشرق الأوسط. وإذا به لم يتحمل 3 أشهر (من النشاط) في المقاهي والنوادي التي سمح بها في دمشق. هل تتذكر ماذا حصل مع المثقفين؟ فتح لهم الباب قليلاً ثم أطبق عليهم وانتهى بهم المطاف في سجن صيدنايا وفي تدمر. لم تمش الكيمياء بتاتاً بين بشار ووليد.

صار (الأسد) يضايقنا، وصرنا ننتظر الخلاص. فرض على رفيق الحريري تغيير الحكومة سنة 2003 وأخرج منها بعض حلفاء رفيق الأساسيين. جرّب بشار أن يخرجنا أيضاً من الحكومة فلم يقبل لا رفيق ولا وليد. بقينا بالحكومة التي أشرفت على انتخابات الرئاسة في 2004. يومها كان الحريري قد قال: أقطع يدي ولا أمدد لإميل لحود. وليد كانت لديه القناعة ذاتها (بعدم التمديد للحود). تكلمنا مع بشار الذي كان يحاول أن يطمئن لكنه كان يحضّر عملية التمديد للحود. كنا نعرف أشخاصاً علاقتهم السورية جيدة وليس بالضرورة مع بشار، مثل الأستاذ جان عبيد، وهو شخصية مقبولة عربياً، من الخليج، ومقبولة دولياً، لكن بشار لم يكن ليقبل سوى بالتمديد لإميل لحود.

رفيق الحريري يتوسط نبيه بري ووليد جنبلاط

هنا تأزمت الأمور كثيراً. وصدف أن الأميركيين والفرنسيين اتفقوا (آنذاك) على إخراج سوريا من لبنان.

القرار 1559 كانت نتيجة تفاهم أميركي وفرنسي. ميشال عون ساهم في الإعداد له قبل أن يقوم بصفقة مع السوريين ليرجع (من المنفى) ويعمل رئيساً. أذكر أنني ذهبت كوزير خارجية بالوكالة إلى بروكسل في فبراير (شباط) عام 2004. وقتها علّقنا تنفيذ أحكام الإعدام كي نبقى مقبولين أوروبياً لأنهم لا يريدون أحكام إعدام. فقدمت تعهداً بذلك ما زال سارياً حتى اليوم. وأنا خارج من المؤتمر الخاص بلبنان وأوروبا في بروكسل، قال لي وزير خارجية هولندا وكان هو رئيس المؤتمر، إنني نجحت هذه المرة كمحام ناجح لقضية فاشلة. كنت وقتها قد تعهدت بأننا لن نعدّل الدستور (بخصوص الحكم بالإعدام) وقامت القيامة عليّ. كنا نعقد سنوياً مؤتمراً مع أوروبا. أحدهما اقتصادي كنت أقمته في نوفمبر، والآخر سياسي يحضره وزراء الخارجية فشاركت أنا مكان الأستاذ جان عبيد الذي قال لي إنه يريد أن يذهب في جولة في أفريقيا، فالموضوع السوري سيطرح في المؤتمر مع أوروبا وهو سيشعر بالإحراج. فذهبت بالوكالة عنه. قال لي الوزير الهولندي: لقد نفدتم هذه السنة، لكن السنة المقبلة سيكون هناك بند واحد على جدول الأعمال: خروج القوات السورية من لبنان. إذن كان القرار متخذاً بين الأميركيين وغيرهم قبل أن يعلم به رفيق الحريري. ولمّا علم به الحريري ربما تحمس بأنه (لن يتم التمديد) للحود ويمكن أن نغيّر سياسة لبنان بمعنى أن لا نكون مربوطين لهذه الدرجة بسوريا وتحت هيمنة متزايدة عسكرية وأمنية لـ(حزب الله) الذي كان قد أخذ حيزاً من الوجود بحيث صار لا يطاق. يومها استدعي إلى دمشق، في آخر شهر أغسطس (آب). رفيق الحريري ونبيه بري ووليد جنبلاط. جال عليهم رستم غزالي (المسؤول الأمني السوري) وقال لهم إن الرئيس ينتظركم غداً الساعة 9. قال وليد له إنني لن أذهب. نبيه قال إنه سيذهب. رفيق أخّر جوابه. قالوا له إنه لا يستطيع أن يغيب عن الاجتماع، فهو رئيس وزراء لبنان. عاد رستم غزالي وجرّب مع وليد جنبلاط. وليد كان قاطعاً في جوابه: لن أذهب. وهكذا عقد اجتماع الحريري مع الأسد. الاجتماع الذي استغرق 10 دقائق مع الأسد والذي تردد أن الحريري بقي واقفاً خلاله. قال له الأسد إنكم تريدون تغيير وجه لبنان وتريدون فرض رئيس جمهورية وتريدون إخراجنا من لبنان، فسأكسر لبنان على رأسك ورأس وليد جنبلاط وجاك شيراك.

عاد رفيق الحريري إلى منزل جنبلاط في كليمنصو (في بيروت) وكنا نحن والأستاذ باسم السبع ننتظره فأخبرنا بما حصل معه، فقال له وليد: أنت صوّت مع (التمديد) للحود لأنهم سيقتلونك إن لم تفعل. فقال له الحريري: وأنت؟ فأجاب أنا سأذهب إلى الجبل وأخلّص نفسي. هكذا صار. لكن الحريري لم يتمكن من ابتلاع ما حصل. نحن لم نصوّت واستقلنا. وزراء التقدمي الاشتراكي الثلاثة مع فارس بويز. لم يحضر جان عبيد لكنهم في النهاية أتوا به بالقوة. لم يأت لكنهم فرضوا على سهيل بوجي أمين عام مجلس الوزراء أن يضع عبيد حاضراً الجلسة. كسر رفيق يده وصارت جلسة التمديد وصوّت فيها (لمصلحة التمديد للحود). صدرت لائحة شرف تضم 29 نائباً قالوا لا للتمديد. من هؤلاء النواب الـ29 اختاروني أنا، في أكتوبر (تشرين الأول) 2004، حيث تعرضت لمحاولة الاغتيال. بعد ثلاثة أشهر ونصف الشهر تعرض الحريري للاغتيال.

في 14 فبراير (شباط) 2005 كنت في (جريدة) النهار. كنت أستقبل سفير أوروبا باتريك رونو. ما زلت أذكر اسمه لأنني أتذكر هذا النهار. سمعنا دوي الانفجار هنا. اعتقدنا في البداية أن خزان ذخيرة يمكن أن يكون انفجر. لأن ارتجاجاً حقيقياً حصل. بدأنا نتصل بكليمنصو (مقر وليد جنبلاط) وقريطم (مقر رفيق الحريري). وليد كان قد نزل إلى مستشفى الجامعة الأميركية. تسألني إن كنت استهدفت بسبب علاقتي الوثيقة بالرجلين. لا شك في ذلك. ربما أولاً (كان الهدف) إلغائي كي لا أكون مرشحاً في الانتخابات المقبلة. ربما قالوا إن هذا يمكن أن نتخلص منه. كان عندهم مرشح ضدي لكنه كان يسقط دائماً. يومها لم تحصل انتخابات وفزت بالتزكية بسبب محاولة الاغتيال.

رفيق الحريري وبجانبه جالساً مروان حمادة (أرشيف حمادة)

إذن كانت هناك صداقتي لرفيق الحريري ووضعي الخاص أنه حتى عندما يختلفا على أمور معينة، قد تكون اقتصادية، كأن لا يكون وليد راضياً عن سياسات رفيق الاقتصادية، أو تفاصيل معينة، كنت دائماً أعود وأوفق بينهما، بحيث إن هذا التحالف بقي ونما إلى صداقة حقيقية بين رفيق الحريري ووليد جنبلاط. صداقة نمت على 15 - 20 سنة لم يتركا بعضهما خلالها في أي شيء، من الأمن إلى الاقتصاد إلى بناء المستشفيات. كانت هناك شراكة حقيقية وكنت أنا أحد حراس هذه الشراكة.

كان وليد (بعد اغتيال الحريري) يبكي عليه، وربما كان يبكي أيضاً على لبنان، لأنه شاهد واعتقد أن الوجود السوري سيستمر دون منازع في ظل رئيس جمهورية جاء السوريون به وفي ظل حكومة عمر كرامي التي جاءوا بها بنسبة مائة في المائة.

يمكن بعد 14 آذار (تظاهرة المعارضة المليونية ضد سوريا بعد اغتيال الحريري) اكتشف وليد أن الدينامية التي أطلقتها دماء رفيق الحريري ستؤدي إلى خروج السوريين. كان وليد خائفاً من حجم الانتصار وأنه يمكن أن يرجع ويرتد علينا. لأنه يعرف أن الدنيا مد وجزر. فقد كنا نريد أن نقلع إميل لحود من الرئاسة. وليد كان متحمساً لذلك. لكن عندما عارض البطريرك نصر الله صفير ذلك وقال لا وأن الرئيس (يجب أن) يُكمل عهدته، سايرنا هذا الجو واضطررنا بعد ذلك إلى ارتكاب خطأ أساسي وهو الاتفاق الرباعي مع حزب الله».

سألته هل تتهم النظام السوري بمحاولة اغتيالك، فرد قائلاً: «وحزب الله أيضاً. عندي قرار اتهامي موجود هنا على طاولتي بالتفصيل. كل عمليات الاغتيال كان على رأسها وحدة يقودها عماد مغنية. ولكن المنفذ الحقيقي فيها مصطفى بدر الدين المسمى سامي عيسى الذي كان يعيش في جونية باسم مسيحي ولديه محل مجوهرات ولديه يخت وعدد من الصديقات في المحيط المخملي في جونية وجوارها.

وطبعاً هناك المنفذون ومنهم العياش (سليم جميل عيّاش) الذي صدر عليه الحكم باغتيال الحريري، لأن الآخرين ماتوا. عماد مغنية قتل مبكراً. بدر الدين قتل لاحقاً. في القانون الدولي لم يعد يمكنك أن تلاحقهم.

ولكن كل الأمر هو أنه كان هناك تسهيل سوري (للاغتيالات) لكن هناك قراراً وتنفيذاً يبدأ في طهران وينتهي بحارة حريك (معقل حزب الله في ضاحية بيروت)».

زيارة دمشق الجديدة

سألته عن شعوره عندما ذهب براً إلى دمشق ووجد الرئيس أحمد الشرع يجلس على الكرسي الذي كان يجلس عليه بشار الأسد وقبله حافظ الأسد، فأجاب: «كل الرحلة ولّدت مشاعر. العبور من المصنع إلى جديدة يابوس وليس عبر الخط العسكري وعبر المخابرات السورية. كانت الطريق مفتوحة. الشباب يرحبون بك بدون أي تدقيق. الطريق كلها ليست فقط سالكة، بل لم يبق بها تمثال أو كتابة بالحجر على جانبي الطريق: الأسد إلى الأبد. لم يكن هناك أحد في أي ثكنة. ثكنات مدمرة أو مهجورة. تصل إلى طريق الشام فتجد دمشق أمامك. تشعر وكأنك تعود إلى (عهد) الأمويين والعباسيين. هذه سوريا العروبة التي عدنا إليها. بعد ذلك تأخذ الطريق المؤدية إلى القصر الجمهوري. تتذكر أن هذا القصر المشيد على رأس تل كان رفيق الحريري هو من بناه لهم قبل أن يُقتل. حافظ الأسد لم يقم طويلاً في هذا القصر لأنه توفي، لكن بشار أخذ راحته هو والسيدة أسماء. تصل إلى القصر ولا تجد حارساً سوى عندما تصل إلى باب القصر. يفتحون لك الباب فتدخل لتجد قصراً شامياً تتذكر أن رفيق الحريري هو من بناه. المملكة العربية السعودية هي من مولته. تدخل فتلاقي شاباً بمنتهى الحكمة والكلام الرصين والعاقل. لا أقول إنه نفذ أو سينفذ كل شيء (يقوله)، لكنه يقول لك ما يجول في عقله.

وجدت في الشرع خامة ثائر ورئيس. يريد التخلص بسرعة من زمن فصائل. يريد أن ينتقل بسرعة من ثورة إلى جمهورية. من زمن الفصائل إلى زمن الدولة. طبعاً سوريا ما زالت مبعثرة. هناك الموضوع الكردي والموضوع الدرزي الذي أثرناه والذي بحمد الله تقدم نحو الأحسن. كان يخشى ردة فعل على العلويين من جماعته. قال إنه ليس لدينا أي شيء ضد العلويين. هناك قسم كبير منهم كانوا ضده (نظام بشار). كما أنه يقول لماذا أهل الشام المسالمون يتم تحميلهم مسؤولية شيء جرى قبل 1400 سنة؟ بالنسبة له ما حصل كان حادثاً سياسياً يتم تحميل شعوب وطوائف ومناطق وزرها حتى اليوم. أهل الشام ليست لهم علاقة بهذا الشيء. ولذلك يجب أن نعامل سوريا بغير العداء الذي عُوملت به من قبل إيران. وزير الخارجية أسعد الشيباني تحدث أيضاً عن إيران بالاسم. سألته كيف دخلتم ووصلتم من حلب إلى الشام في ثلاثة أيام؟ فقال لي: لم نخترق حدوداً عسكرية. الشعب كان فاتحاً الطريق. أهل حماة يرحبون بنا. أهل حمص يرحبون بنا. كان همهم أن لا تحصل تصفيات، فدخلوا إلى السجون في البداية كي تأخذ الناس نفساً. وإذا لاحظت في حماة وحمص وصيدنايا أول ما تحرر فيها كانت السجون قبل تحرير المباني الرسمية وقبل رئاسة الأركان ووزارة الدفاع. تذكرت هنا ماذا حصل بنا عندما اغتيل كمال جنبلاط وبعض الناس في الجبل وضعوا الاغتيال في ظهر المسيحيين مع أن النظام السوري هو الذي قتله.

مروان حمادة خلال المقابلة معه (الشرق الأوسط)

سألته هل استغربت أن سوريا باتت بلا إيران، فأجاب: «استغربت أن سوريا بيد شعبها، بلا نظام مخابراتي. يعني نظام مخابراتي يحاول أن يحمل ثمناً لأي شخص كانت لديه علاقة ولو شكلية بنظام الأسد. هذا كان همه (الشرع) الأساسي (أن لا يحصل ذلك). هناك الآن موظفون نعرفهم منذ أيام الأسد».

قلت لحمادة إننا نُجري هذا الحوار في مبنى جريدة النهار التي كانت لها أكثر من قصة مع نظام الأسدين، ما هو شعورك؟ رد قائلاً: «صحيفتنا تم تفجيرها. احتُلت. خطف رئيس تحريرها ميشال أبو جودة وأعيد بمساعٍ من ياسر عرفات وكمال جنبلاط آنذاك لدى حافظ الأسد وحكمت الشهابي. حاولوا اغتيال جبران تويني عندما كان شاباً صغيراً. رجعوا واحتلونا وأخدوا الأرشيف وكل صناديق (محفوظات) الجريدة. وضعونا قرابة 20 يوماً نحن و(السفير) و(النداء)، ونسفوا جريدة (المحرر)، واحتلوا (الأوريون لوجور). بعد ذلك صرنا في القفص مثل غيرنا.

وبقية القصة المأسوية معروفة. اغتالوا الصحافي والكاتب سمير قصير ثم اغتالوا جبران تويني. حاولنا أن نترك جبران في الخارج لكنه لم يقبل. جربوا أيضاً دفع الصحيفة إلى الإفلاس. كان لرفيق الحريري حصة في شركة (النهار) ففرضوا عليه أن يبيعها. الأسد شخصياً هو من فرض ذلك. لم يكن معنا قرض يسمح لنا بشراء (حصة الحريري). أعد رفيق عقداً وأجّل الدفع إلى ما بعد انتخاب رئيس جديد، على أساس أن لحود لن يرجع رئيساً (ممداً له) وأن لبنان سيتحرر من ضغط السوريين. لم يحصل هذا الشيء لكن اغتيل رفيق وبعدها مزّق الطرفان العقد».

قلت له: انتخب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية وشكّل نواف سلام الحكومة فهل تعتقد أن هناك فرصة حقيقية للبنان اليوم؟ أجاب: «نعم بالتأكيد. الفرصة نشأت قبل أن يتم اختيارهما. الفرصة نشأت من خلال البروفايل الخاص بهما. يعني أحدهما حافظ على الجيش، والثاني حافظ على كرامته وعلمه، ووصلا بحركة لبنانية ليست منسقة بالأساس لكنها تترجم موجة شعبية... نحن رجعنا للحضن العربي. بمجرد انتخاب رئيس الجمهورية الجديد عرفنا أننا طلعنا من القفص إلى الحضن. هذا الفرق بين نظام الأسد وبين الأنظمة التي كانوا يهاجمونها والتي تبين أنها تقدمية أكثر منهم».


مقالات ذات صلة

معركة جنوب لبنان تتدحرج نحو التصعيد

المشرق العربي عمال يرفعون الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عين بعال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

معركة جنوب لبنان تتدحرج نحو التصعيد

تتدحرج وتيرة التصعيد في جنوب لبنان نحو مستويات غير مسبوقة مع انتقال العمليات الإسرائيلية من نمط الضربات الموضعية إلى استهداف واسع ومتزامن لبلدات وقرى عدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)

الرئيس اللبناني يصرّ على تثبيت وقف النار لإطلاق المفاوضات مع إسرائيل

يصرّ الرئيس اللبناني جوزيف عون على تثبيت وقف النار ووقف استهداف إسرائيل للمدنيين في لبنان، قبل استكمال الاجتماعات الثنائية بين ممثلي لبنان وإسرائيل في واشنطن

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)

بري لـ«الشرق الأوسط»: لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل تحت النار

قال رئيس المجلس النيابي نبيه بري لـ«الشرق الأوسط» إن بيان السفارة الأميركية يُعبّر عن نفسه، وليس عندي ما أضيفه عليه، مؤكداً أنه أوقف تشغيل محركاته.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب غارة جوية إسرائيلية على جنوب لبنان كما شوهد من شمال إسرائيل... 29 أبريل 2026 (د.ب.أ)

6 قتلى بينهم طفل بغارتين إسرائيليتين على بلدة في جنوب لبنان

قُتل 6 أشخاص، بينهم طفل بغارتين إسرائيليتين على بلدة حبوش، اليوم (الجمعة)، في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)

في عيد العمال... عون وسلام يؤكدان التزامهما بتحسين أوضاعهم في لبنان

أشاد الرئيس اللبناني جوزيف عون بالعمّال في عيدهم، فيما أكد رئيس الحكومة نواف سلام استكمال مسيرة الإصلاح، ومواصلة العمل لتحسين الظروف المعيشية للعاملين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مقتل إمام مقام السيدة زينب بانفجار قنبلة قرب دمشق

صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل إمام مقام السيدة زينب بانفجار قنبلة قرب دمشق

صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)

قُتل رجل الدين الشيعي فرحان المنصور، وهو إمام في مقام السيدة زينب الواقع في ضواحي دمشق، بانفجار قنبلة، اليوم الجمعة، كما أفاد التلفزيون السوري الرسمي، مشيراً إلى أن السلطات بدأت التحقيق في الحادث.

وأورد التلفزيون الرسمي «مقتل خطيب مقام السيدة زينب فرحان حسن المنصور بحادثة انفجار قنبلة ظهر اليوم بمنطقة السيدة زينب في ريف دمشق».

وأضاف أن «الجهات الأمنية باشرت التحقيقات في موقع الانفجار وبدأت عملية البحث عن الجُناة».

ومنذ سقوط الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024 الذي كان مدعوماً من إيران، تعيش الأقلية الشيعية التي يبلغ عدد أبنائها نحو 300 ألف نسمة يتوزعون خصوصاً بين دمشق وأرياف حمص وريفي حلب وإدلب، في حالة قلق.

وسارعت الأقلية إلى تأييد السلطات الانتقالية، والتقى وجهاء منها الرئيس السوري أحمد الشرع في مارس (آذار) من العام الماضي.

ولم تتعرض الأقلية لأي هجمات باستثناء بعض الحوادث القليلة، أبرزها مقتل رجل الدين رسول شحود بالرصاص قرب مدينة حمص في يوليو (تموز) 2025.


قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية يحذر من انتفاضة فلسطينية

لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)
لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)
TT

قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية يحذر من انتفاضة فلسطينية

لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)
لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)

بعد أسبوع واحد من التصريحات التي أدلى بها رئيس الموساد الأسبق، تامير باردو، بأن ما شاهده من نشاط الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية يجعله يخجل من كونه يهودياً، خرج القائد الإسرائيلي العسكري لقوات الاحتلال هناك، اللواء آفي بلوط، بتصريحات شبيهة وأبدى عجبه كيف أن الفلسطينيين لم يثوروا ويفجروا انتفاضة حتى الآن، وكشف أنه أبلغ رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بالوضع، وحذره من أن الاستمرار في السياسة الحالية سينفجر حتماً بانتفاضة.

جنود إسرائيليون يعاينون مكاناً هاجمه المستوطنون في قرية حوارة قرب نابلس (أرشيفية - إ.ب.أ)

وجاءت تصريحات الجنرال بلوط، في منتدى مغلق للقيادات العسكرية، ونشرها مراسلا صحيفة «هآرتس»، يهوشع براينر ويينيف كوفوفيتش، فأدان بشدة عنف المستوطنين في الضفة الغربية مؤخراً، ووصفه بـ«الإرهاب اليهودي»، وقال: «تكاد تكون معجزة أن يبقى الفلسطينيون غير مبالين. ولكن ذلك لن يبقى إلى الأبد».

ومع أن بلوط تجاهل دور قوات الجيش التي يقودها، وممارساتها الأكثر عنفاً من المستوطنين، وحاول التمييز بين المستوطنين وامتدح أولئك الذين تم إسكانهم في مستوطنات «قانونية»، ومستوطني المزارع «الشرعية» التي تمت إقامتها بالتنسيق مع الجيش، لكنه اعترف بوجود مئات المستوطنين المشاغبين الذين يتسببون بالغليان. وقال إن هؤلاء المشاغبين أرادوا استغلال الحرب مع إيران لتصعيد العنف. وأوضح قائلاً: «كان هناك من اعتقدوا أن الوقت قد حان لمعركة يأجوج ومأجوج، وأن الوقت قد حان لاحتلال المناطق أ (في الضفة الغربية)». وأضاف: «أتحدث إليهم، لكنهم ليسوا من النوع المهذب. يقولون لي (نحن أبطال داود وكل الردع لنا). هذا وهم. يجب أن تلتقوا مع هؤلاء الأشخاص فهم ليسوا من أصحاب الرتب العليا، وهم يضرون بشكل كبير بدولة إسرائيل والمشروع الصهيوني. أنا أعرف تجمعات في الضفة الغربية يقولون فيها: (نحن ضد العنف، لكن حان الوقت للردع، لكننا لا نرى إلى أي منحدر زلق سيقود هذا الأمر الدولة)».

وأشار قائد المنطقة الوسطى في الجيش إلى أنه حذر نتنياهو والحكومة مؤخراً من اندلاع أعمال عنف من قبل الفلسطينيين في الضفة الغربية، رداً على هجمات المستوطنين وسياسة الحكومة، بما في ذلك عدم تحويل أموال الضرائب التي تحتفظ بها إسرائيل للسلطة الفلسطينية. وقال: «قلت لرئيس الحكومة، يجب أن تعرف أن الوضع الراهن جيد بشكل عام والإرهاب في أدنى مستوى، لكن هناك توتراً متبادلاً ولا نعرف أين سيكون الانزلاق. ولكن عندما يتدهور الأمر فإنه يتدهور بسرعة».

جنود إسرائيليون يعاينون مكاناً هاجمه المستوطنون في قرية حوارة قرب نابلس (أرشيفية - إ.ب.أ)

وأشار بلوط إلى أنه اقترح على مجلس الوزراء تقديم مساعدات للفلسطينيين. وقال: «لقد قلت إنه يجب أن تكون لدينا أدوات لتهدئة الوضع بين حين وآخر، وخفض شدة التوتر. يجدر أن تكون لدينا أدوات أيضاً بين حين وآخر لتخفيف حدة النيران من خلال الترهيب والترغيب، وليس الترهيب فقط. الجزرة والعصا وليس العصا والعصا، والعصا فقط. هناك أمور قد تزيد شدة التوتر، مثل الأموال التي لم يتم تحويلها للفلسطينيين منذ سنة، وقوات الأمن الفلسطينية التي لم تحصل إلا على 40 في المائة من الرواتب منذ سنة تقريباً».

وبحسب بلوط، فإن الجيش يبذل جهده للحد من الجرائم القومية بقدر الإمكان. مع ذلك قال إن الجيش الإسرائيلي لا يجمع معلومات استخبارية عن الإسرائيليين، بل عن الفلسطينيين فقط. وحذر من أنه «في مرحلة معينة قد يتفاقم هذا الوضع، وعندها سيصبح حدثاً عظيماً. الجميع يعرفون أن وجود 2.5 مليون فلسطيني على بعد متر واحد عن الطريق السريع 5 يعدّ حدثاً مهماً جداً. الجيش الإسرائيلي يعمل على تعزيز المستوطنات الإسرائيلية من أجل أنه إذا، لا سمح الله، بدأت انتفاضة، فستشكل سلسلة من العمليات وليس حادث اقتحام مثلما كان في 7 أكتوبر (تشرين الأول)».

فلسطينيون يشيعون شاباً قتله المستوطنون في بلدة جيت بالضفة الجمعة (أرشيفية - رويترز)

وقال بلوط إنه «وجد صلة مباشرة بين أعمال الانتقام التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين وازدياد الإرهاب الفلسطيني. اليوم نحن نعرف فلسطينيين تضرروا من عمليات تدفيع الثمن، وذهبوا على الفور بعد ذلك لتنفيذ عملية». وأضاف: «هؤلاء الأشخاص لا يعدون العرب بشراً، ويعتقدون أنه يمكن إحراق الناس وإحراق البيوت بسكانها، وهم يفعلون ذلك، للأسف، صباح مساء. لقد قرروا أن (يمحوا عار أوسلو). هذا عار على الشعب اليهودي، وأنا أشعر بالخجل الكبير من هذا الأمر بشكل عام».

واعترف بلوط بأن عدداً من المستوطنين قاموا بإحراق وسائل تشخيص عسكرية في مستوطنة «بات عاين» من أجل ألا يتم رصدهم عندما كانوا في طريقهم لإحراق بيوت الفلسطينيين في قرية صوريف القريبة. وقال: «لقد أحرقوا وسائل أمنية استهدفت الحماية من المخربين كيلا يصلوا إليهم. إذن من الذي انتقموا منه؟»، تساءل.

وانتقد بلوط جهاز القضاء والشرطة العاجزين أمام عنف المستوطنين. وقال: «بعد قتل يهودا شيرمان قاموا بإحراق ثلاث قرى في ثلاث ليالٍ متتالية. من بين الـ100 شخص الذين أحرقوا البيوت والسيارات اعتقلنا خمسة ملثمين وقدمناهم للمحاكمة. ماذا كان حكمهم؟ ثلاثة أيام في الإقامة الجبرية. هذا أمر لا يصدق. بعد 72 ساعة خرجوا وقاموا بمهاجمة جنود حرس الحدود، فحكم عليهم قاضٍ بإبعادهم عن القرية مدة شهر. هل هذا يعدّ رادعاً؟ هذا مضحك. لأنهم ذهبوا إلى قرية أخرى».

سيارات أحرقها المستوطنون في بلدة جيت بالضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)

وانتقد بلوط أيضاً قرار وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، التوقف عن استخدام الأوامر الإدارية ضد اليهود في الضفة الغربية. وقال: «هم متوحشون، هؤلاء أشخاص مكانهم في السجن. أنا لا ألوم أي أحد، لكن يجب علينا تسمية الشيء باسمه؛ عندما يتم إحراق البيوت بسكانها يسمى هذا إرهاباً إسرائيلياً، حتى لو لم تكن هناك جهة منظمة وراءه».

وأكد بلوط أن تصاعد العنف في الضفة الغربية لا يقتصر على هذه المنطقة، لأن كل المجتمع الإسرائيلي أصبح عنيفاً أكثر في أعقاب حرب قطاع غزة. وقال: «نرى الخطاب العنيف في الحياة العامة الإسرائيلية. مؤسف أن نقول ذلك، لكن إسرائيل أيضاً تغيرت، وبحسب رأيي أصبح السكان عنيفين أكثر».

يذكر أن حركات السلام الإسرائيلية نظمت قبل أسبوع زيارة لمجموعة من القادة العسكريين وكبار المسؤولين السابقين في الضفة الغربية وأطلعوهم على ممارسات المستوطنين، فعاد هؤلاء بانطباعات سيئة. وقال باردو باسمهم إنهم يخجلون من كونهم يهوداً، وهم يرون المستوطنين اليهود يمارسون اعتداءات كهذه، تذكّر بما تعرّض له اليهود في أوروبا في الماضي.


جنوب سوريا... عائلات تعيش قلق انتظار أبنائها المحتجَزين لدى إسرائيل

عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)
عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)
TT

جنوب سوريا... عائلات تعيش قلق انتظار أبنائها المحتجَزين لدى إسرائيل

عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)
عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

في كل مرة تسمع طَرقاً على الباب، تخال فاطمة الصفدي أن القوات الإسرائيلية قد أفرجت عن ابنيها محمّد وأحمد، بعد نحو عام من احتجازهما. لكن مصيرهما، على غرار نحو خمسين سورياً اقتادتهم إسرائيل إلى أراضيها، ما زال مجهولاً.

وكان ابناها؛ محمّد (40 عاماً) وأحمد (36 عاماً)، في عداد سبعة أشخاص أعلن الجيش الإسرائيلي، في 12 يونيو (حزيران) الماضي، أنه اعتقلهم، خلال «عملية ليلية دقيقة» في قرية بيت جن، الواقعة جنوب غربي دمشق. وقال إنه جرى نقلهم إلى إسرائيل؛ للتحقيق معهم، متهماً إياهم بالتخطيط لشن هجمات.

بينما تفترش الأرض في منزلها المتواضع بالقرية، تقول فاطمة (57 عاماً)، حاملة صورة ولديها، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أسمع أحياناً طَرقاً على الباب، فأُسرع لفتحه، لكنني لا أجد أحداً في الخارج». وتضيف بصوت مرتجف: «أنا خائفة على مصير ولديّ المعتقلين، وأخشى ألا يُفرَج عنهما».

فاطمة الصفدي تجلس في منزلها إلى جانب صورتيْ ابنيها المحتجَزين لدى إسرائيل بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

وتقع بيت جن جنوب غربي دمشق على سفح جبل الشيخ الفاصل بين سوريا ولبنان، قرب الحدود مع الجولان السوري الذي تحتل إسرائيل أجزاء منه. وهي ضِمن مناطق عدة؛ بينها القنيطرة (جنوب) توغلت فيها القوات الإسرائيلية، خلال الأشهر الماضية، واحتجزت منها قرابة خمسين شاباً، وفق تقديرات رسمية.

بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع بشار الأسد، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، شنّت إسرائيل مئات الضربات الجوية على أهداف عسكرية في سوريا، وتوغّلت في أراض داخل المنطقة العازلة المنزوعة السلاح في الجولان، والتي تفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية، بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وتتقدّم القوات الإسرائيلية بين الحين والآخر إلى مناطق في عمق الجنوب السوري، حيث تؤكد عزمها إقامة منطقة منزوعة السلاح.

وتقول فاطمة: «لم تكتمل فرحتي بتحرير سوريا، حتى جاءنا ما هو أصعب»، مضيفة: «فرح الناس جميعاً بالنصر، أما نحن فلا نزال نعاني».

«دون تهمة»

على طول الطريق المؤدي من دمشق إلى بيت جن، تقتصر المظاهر العسكرية السورية على حواجز ينتشر عليها عناصر أمن مع أسلحة خفيفة، بينما تغيب الآليات الثقيلة التي كانت موجودة سابقاً في مناطق قريبة من جبل الشيخ، الذي باتت القوات الإسرائيلية تسيطر على موقع دائم في قمّته.

لا تقوى عائشة الصفدي (53 عاماً) على حبس دموعها كلما نظرت إلى صورة ابنها حسام، الذي اقتادته القوات السورية من بيت جن أيضاً في يونيو الماضي.

عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

وتقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أن تُقبِّل صورة ابنها المطبوعة على ورقة: «الأمر صعب لأننا لا نعرف شيئاً عنه».

وتضيف: «أَعدُّ الأيام والليالي، وفي كل يوم أقول لنفسي: سيخرج».

وبينما يتحلّق حولها أحفادها الثلاثة، ويلاعب أحدهم قطة صغيرة، تُناشد المرأة «الحكومة السورية، كما عملت على إخراج معتقلين من دول عربية، أن تنظر في أمرنا وتساعد في إخراج أبنائنا من إسرائيل بكل الطرق الممكنة».

فاطمة الصفدي تجلس برفقة أحفادها في منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

وحين اعتقل الجيش الإسرائيلي في يونيو (حزيران) السوريين السبعة من أبناء القرية، قال إنهم «من مُخرِّبي منظمة (حماس) الإرهابية». وأسفرت عمليته حينها عن مقتل مدني.

وفي 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذه عملية بهدف «توقيف مشتبَه بهم ينتمون إلى تنظيم (داعش)»، قال إنهم كانوا «يقومون بأنشطة إرهابية ضد مدنيين في دولة إسرائيل»، دون أن يحدد عدد الموقوفين. وأسفرت العملية حينها عن مقتل 13 سورياً، وإصابة ستة جنود إسرائيليين.

«كل لحظة بلوعة»

من مكتبه داخل مبنى حكومي تقع قربه قاعدة إسرائيلية مستحدَثة، يحصي المسؤول بمحافظة القنيطرة محمّد السعيد، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، «اختطاف الجيش الإسرائيلي أكثر من خمسين شخصاً» من أبناء المنطقة.

ويُقدّر أن إسرائيل «احتلّت أراضي جديدة بعمق يراوح بين 500 متر وكيلومتر واحد، وبمساحة تُقدَّر بنحو 240 كيلومتراً مربعاً»، عمدت قواتها فيها «إلى نَصْب حواجز مؤقتة واقتحام البيوت».

محمد السعيد ينظر من نافذة منزله في بلدة خان أرنبة بمحافظة القنيطرة السورية (أ.ف.ب)

وأفاد متحدّث باسم الجيش الإسرائيلي مكتب «وكالة الصحافة الفرنسية» في القدس بأن القوات الإسرائيلية اعتقلت أفراداً في سوريا «حين كانت توجد شبهة بتورطهم في نشاط إرهابي ضد دولة إسرائيل».

وأضاف أنه في بعض الحالات يواصل الجيش احتجاز الأفراد «لأغراض أمنية وقائية، وفقاً للقانون الإسرائيلي والقواعد المعمول بها في القانون الدولي».

وتابع: «أوامر الاحتجاز ومدتها تخضع للمراجعة القضائية، كما يقتضي القانون».

ومنذ وصولها إلى دمشق، أبدت السلطات الجديدة إيجابية تجاه إسرائيل وعقدت معها سلسلة جولات من المحادثات. واتفق الطرفان، تحت ضغط أميركي، في يناير (كانون الثاني) الماضي، على إنشاء آلية تنسيق مشتركة، تمهيداً لاتفاق أمني بين البلدين اللذين يعدّان رسمياً في حالة حرب منذ عقود.

في بلدة خان أرنبة بالمحافظة نفسها، يستعيد محمّد محمود السيد (45 عاماً) بغصّةٍ بينما يجلس في مكتبه العقاري، تجربة اعتقاله بيد القوات الإسرائيلية، العام الماضي، قبل أن يُفرَج عنه لاحقاً.

ويقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «خلال سجني لمدة 65 يوماً، كل لحظة مرت عليّ كانت أشبه بالحصار، ونحن بعيدون من أهلنا وأولادنا وأقاربنا». ويضيف: «كل لحظة كانت تمرّ بلوعةٍ، فكيف مَن مرّ عليه أكثر من سنة ولا يعرف شيئاً عن أهله ولا يعرف أهله شيئاً عنه؟!».