السوريون يستعيدون ذكرى «مجزرة حماة» للمرة الأولى منذ 43 عاماً

مدير «الشبكة السورية»: التجاهل الدولي شكل فشلاً لمبدأ «عدم الإفلات من العقاب»

برج الساعة التاريخي في مدينة حماة وسط سوريا وقد استعادت المدينة حريتها بعد سقوط نظام الأسد (أ.ف.ب)
برج الساعة التاريخي في مدينة حماة وسط سوريا وقد استعادت المدينة حريتها بعد سقوط نظام الأسد (أ.ف.ب)
TT

السوريون يستعيدون ذكرى «مجزرة حماة» للمرة الأولى منذ 43 عاماً

برج الساعة التاريخي في مدينة حماة وسط سوريا وقد استعادت المدينة حريتها بعد سقوط نظام الأسد (أ.ف.ب)
برج الساعة التاريخي في مدينة حماة وسط سوريا وقد استعادت المدينة حريتها بعد سقوط نظام الأسد (أ.ف.ب)

بقيت مجزرة مدينة حماة وسط سوريا طيَّ النسيان طوال 43 عاماً، دون أي تحقيق رسمي، أو مساءلة للمتورطين، أو كشف لمصير آلاف المختفين قسراً، أو حتى اعتراف بمعاناة الناجين وذوي الضحايا. وقد أودت هذه المجزرة بحياة ضحايا مدنيين يتراوح عددهم بين 30.000 إلى 40.000، ما يجعلها «جريمة جماعية ممنهجة ارتُكبت بسبق إصرار من قبل نظام الأسد»، حسب «الشبكة السورية لحقوق الإنسان».

أطفال يلهون قرب نموذج يحمل اسم مدينة حماة مطلي بألوان العلم السوري الجديد في الساحة الرئيسية للمدينة 26 يناير الماضي (أ.ب)

ويستذكر السوريون هذه المناسبة، اليوم، للمرة الأولى بعد هروب الأسد إلى موسكو في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. ومع سقوط حُكم الرئيس المخلوع بشار الأسد الذي امتدّ على 25 عاماً خلفاً لوالده الذي حكم هو الآخر سوريا بقبضة من حديد على مدى 3 عقود، صار بإمكان السوريين الحديث جهراً عمّا كان محرّماً فيما مضى. ومن تلك المحرّمات الكلام عن مجازر حماة.

وكان الرئيس الأسبق، حافظ الأسد، قد أطلق في الثاني من فبراير (شباط) من عام 1982، حملة دامية امتدت على مدى 27 يوماً، لقمع تمرُّد قام به «الإخوان المسلمون» في حماة، بعد محاولة لاغتياله في عام 1980.

حيان حديد (وسط الصورة) أحد الناجين من مجزرة حماة عام 1982 في منزله 27 يناير الماضي (أ.ف.ب)

في ظلّ صمت إعلاميّ مُطبق، نفّذت أجهزة الأمن بقيادة رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد، قصفاً على المدينة بلا هوادة، وأجهزت على من صادفته من مدنيين من رجال ونساء وأطفال، حسب شهود عيان تحدث بعضهم لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». يقول حيّان إنه لم يكن على أي علاقة بجماعة «الإخوان»، لكن اسم عائلته كان كافياً لجلب الويلات عليه. ويضيف: «كنت طالباً في المدرسة حينها، وكان أبي يخاف كثيراً عليّ وعلى شقيقي». فأحد أقارب العائلة هو مروان حديد، صاحب الشهرة الواسعة في تاريخ الجماعات الإسلاميّة المسلحة، الذي كان قيادياً في «الطليعة المقاتلة»، قبل أن يقضي في السجن عام 1976.

وبعد 13 يوماً من القتال الضاري، وصلت القوات الموالية للحُكم إلى الحيّ الذي يسكن فيه مروان حديد. واعتقلوا فيه قرابة 200 رجل واقتادوهم إلى المدرسة الصناعيّة، حسب ما يروي حيّان. مع حلول الليل، استُدعي نحو 40 رجلاً منهم، وأيديهم موثوقة بأسلاك هاتف، ونُقلوا في شاحنة.

يقول حيان: «حين وصلنا، أخبرت جاري بأنها مقبرة، فأجابني: هذا يعني أنّهم سيعدموننا». وبالفعل، أطلق صفّان من الجنود النار على المعتقلين، وشعر حيّان حديد بملامسة الرصاص لشعره، لكنه لم يُصب. ويضيف: «سقطت على الأرض، ولم أتحرّك، لا أعرف كيف. لم تكن تلك حيلة واعية منّي لأنجو من الموت».

بعد ذلك، أطلق الجنود رصاصة على كلّ شخص للتثبُّت من وفاته، لكن الجندي الذي اقترب منه لتلك الغاية لم يطلق عليه الرصاصة. ويقول: «كنت أرتدي حينها ملابس نوم حمراء اللون، وربما قال في نفسه إنني ميت».

وبعد أكثر من 4 عقود، لا يزال حيّان حديد مذهولاً من نجاته. ويروي: «لم أستوعب أنني نجوت إلا بعد ساعة. كنت أسمع صوت نباح كلاب وإطلاق نار، ومطر...». قام ومشى إلى بلدة سريحين المجاورة في ضواحي المدينة، ثم عاد إلى حماة مع ساعات الفجر، وتسلّل إلى بيت عمّه الذي كان يؤوي 7 عائلات.

عرض لركوب الجمل بالقرب من عجلات المياه المعروفة باسم «نواعير حماة» على طول نهر العاصي بسوريا (أ.ب)

وكانت «الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان» قد أصدرت، الأحد، بياناً بضرورة كشف الحقيقة وتحقيق العدالة لضحايا مجزرة حماة، مشيرة إلى مجموعة من الإجراءات القانونية والعملية الواجب اتخاذها لتحقيق ذلك.

مسؤولية الحكومة الجديدة

يقول فضل عبد الغني مدير «الشبكة»، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، تمثل مجزرة حماة 1982 فشلاً ذريعاً لمبدأ «عدم الإفلات من العقاب» في القانون الدولي، حيث تعكس الطريقة التي تم التعامل بها مع هذه الجريمة مدى هشاشة منظومة العدالة الدولية في مواجهة الانتهاكات الجسيمة. فعلى الرغم من الطبيعة الممنهجة للجرائم المرتكبة، التي تضمنت عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري وتهجير قسري، لم تُتخذ أي إجراءات قانونية فعالة لمحاسبة المسؤولين عنها، سواء من خلال المحاكم الوطنية أو عبر آليات العدالة الدولية.

فضل عبد الغني مدير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» زار مدينته حماة بعد سقوط النظام السابق (فيسبوك)

واعتبر مدير «الشبكة الحقوقية»، التي تتخذ من مدينة لاهاي مقراً لها، أن فشل المجتمع الدولي في الاستجابة لهذه الجريمة «ساهم في تكريس سياسة الإفلات من العقاب»، ما مهّد الطريق لاستمرار الانتهاكات بحق الشعب السوري خلال العقود اللاحقة، وصولاً إلى الجرائم التي ارتكبها النظام نفسه خلال حقبة الثورة السورية منذ عام 2011.

وكان بيان «الشبكة السورية» قد شدد على أنَّ فتح هذا الملف المغلق بات «ضرورة حتمية للحكومة السورية الجديدة» بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر، باعتباره خطوة أساسية في مسار العدالة الانتقالية، التي لا تتحقق إلا عبر المحاسبة، وجبر الضرر، واستعادة الحقوق، والاعتراف الرسمي بالمجزرة.

أطفال يلهون قرب نموذج يحمل اسم مدينة حماة مطلي بألوان العلم السوري الجديد في الساحة الرئيسية للمدينة 26 يناير الماضي (أ.ب)

ركيزة المصالحة الوطنية

ويرى مدير «الشبكة»، فضل عبد الغني، أن تحقيق العدالة لضحايا مجزرة حماة مطلب تاريخي، وركيزة أساسية لأي عملية مصالحة وطنية مستقبلية تضمن استقرار سوريا ومنع تكرار مثل هذه الجرائم، مشدداً على ضرورة أن تستند «العدالة الانتقالية في سوريا» إلى آليات قانونية واضحة، تشمل المساءلة الجنائية، وتعويض الضحايا، وكشف الحقيقة، مع ضمان محاكمات عادلة تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وخلص عبد الغني في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الإفلات من العقاب لا يؤدي إلا إلى ترسيخ الاستبداد وإعادة إنتاج الأنظمة القمعية، مما يجعل تحقيق العدالة شرطاً لا غنى عنه لتأسيس دولة قائمة على سيادة القانون واحترام الحقوق الأساسية.


مقالات ذات صلة

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا

أوروبا جانب من المؤتمر الصحافي الختامي للقمة الأوروبية ببروكسل... يوم 20 مارس الحالي (إ.ب.أ) p-circle

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا، وزيلينسكي يؤكد استئناف المحادثات مع واشنطن لإنهاء الحرب الروسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص ووقود الديزل خارج محطة وقود تابعة لشركة «إيسو» في لوتروورث وسط إنجلترا (أ.ف.ب) p-circle

بوتين على خط الوساطة لإنهاء الحرب... مقترحات روسية لتسوية الأزمة

الرئيس الروسي يتوسط مع نظيره الأميركي لوقف الحرب على إيران بعد مرور يوم واحد على تعهده بمواصلة دعم طهران وتأكيد التزام بلاده بمسار الشراكة بين البلدين

رائد جبر (موسكو )
المشرق العربي سوريون يبحثون عن ذويهم بين كشوف المعتقلين في سجن بدمشق (رويترز)

مسؤول مخابرات سوري سابق أمام محكمة بريطانية في جرائم ضد الإنسانية

حضر ‌مسؤول سابق في المخابرات الجوية السورية جلسة استماع بمحكمة بريطانية عبر دائرة تلفزيونية اليوم (الثلاثاء) في مواجهة اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتعذيب

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي شرطة مكافحة الإرهاب في لندن (أرشيفية - متداولة)

مسؤول سوري سابق يواجه في لندن تهماً بارتكاب جرائم ضد الإنسانية

وجّه القضاء البريطاني إلى سوري تهمة القتل العمد، إضافة إلى التعذيب، بوصفهما من الجرائم ضد الإنسانية، على خلفية هجمات استهدفت مدنيين في سوريا عام 2011.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري براميل نفط مطبوعة بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد ومضخة نفط وخريطة توضح مضيق هرمز وإيران (رويترز) p-circle

تحليل إخباري فرنسا تعزز حضورها العسكري في الخليج وتنشط دبلوماسيا

باريس تعزز حضورها العسكري في الخليج والمتوسط، وتنشّط اتصالاتها الدبلوماسية، وتحرص على «مصداقيتها» إزاء حلفائها وشركائها، مستبعدة الاستجابة لدعوات خفض التصعيد

ميشال أبونجم (باريس)

جنوب لبنان... من السيطرة العسكرية إلى الهندسة الأمنية للحدود

رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
TT

جنوب لبنان... من السيطرة العسكرية إلى الهندسة الأمنية للحدود

رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)

لم تعد المواجهة الدائرة في جنوب لبنان تُختزل في مشهد الدبابات أو خطوط التماس، بل تتخذ شكلاً أكثر تعقيداً وعمقاً. فإسرائيل، وفق المسار الذي ترسمه عملياتها وتصريحات قادتها، لا تبدو في وارد إعادة إنتاج نموذج الاحتلال التقليدي، بل تتجه نحو صياغة معادلة مختلفة: السيطرة الأمنية من دون احتلال كل الأرض.

هذا التحول لا يعكس مجرد تبدل في التكتيك، بل يُشير إلى انتقال في فلسفة إدارة الصراع، من السيطرة العسكرية التي تقوم على التقدم والتمركز، إلى الهيمنة الأمنية التي تقوم على المنع والتحكم وإعادة تشكيل الجغرافيا والسكان.

الحزام الأمني... نسخة محدثة

في قلب هذا التحول، يبرز مفهوم الحزام الأمني الذي عاد إلى الواجهة بصيغة مختلفة عن تلك التي سادت قبل عام 2000، وهو ما تحدّث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل «تواصل توسيع الحزام الأمني في جنوب لبنان».

بدوره، شدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على أن هدف إسرائيل هو «نزع سلاح (حزب الله)»، مؤكداً استمرار استهداف قادته وعناصره في «كل أنحاء لبنان». وأضاف أن المنازل التي تُستخدم مواقع للحزب «سيتم تدميرها وفق نموذج رفح وخان يونس»، مع السعي إلى السيطرة حتى نهر الليطاني ومنع عودة مئات آلاف السكان قبل تحقيق الأمن.

ورغم هذا التصعيد، لا تزال إسرائيل تُعلن أنها لا تسعى إلى احتلال كامل للبنان، إذ نقلت «هآرتس» عن الجيش الإسرائيلي أن هذا الخيار ليس هدفاً للحرب، رغم إقراره بأن نزع سلاح «حزب الله» قد يتطلب ذلك نظرياً.

هذا التناقض يعكس جوهر الاستراتيجية: تجنب تكلفة الاحتلال مقابل تحقيق نتيجته عبر وسائل أخرى، قوامها التحكم بالنار وإفراغ الجغرافيا.

تحركات إسرائيلية على الحدود (إ.ب.أ)

إشراف ناري وإعادة رسم الجغرافيا

في السياق، يكشف مصدر مطلع على الواقع الميداني لـ«الشرق الأوسط»: «أن إسرائيل تسعى إلى إعادة احتلال 18 موقعاً استراتيجياً كانت تُسيطر عليها قبل عام 2000، من بينها البياضة وشمع وبيت ليف وتلة العويضة وتلال الطيبة وقلعة الشقيف ومرتفعات إقليم التفاح المشرفة على البقاع الغربي».

ويؤكد أن «الهدف لا يتمثل في الانتشار العسكري الواسع، بل في فرض إشراف ناري شامل على كامل قضاء النبطية، يمتد إلى الزهراني وصيدا والبقاع الغربي وجزين، بما يسمح بالتحكم في الميدان من دون الحاجة إلى تمركز دائم».

ويضيف أن «ما تسعى إليه إسرائيل هو القدرة على إدارة الجنوب من المرتفعات والنقاط الاستراتيجية، بحيث تُصبح السيطرة بالنار بديلاً عن السيطرة المباشرة على الأرض».

كما يُشير إلى أن الحديث الإسرائيلي «عن منع عودة نحو 600 ألف لبناني لا يقتصر على الشريط الحدودي، بل يشمل نطاقاً جغرافياً أوسع يمتد إلى إقليم التفاح وقرى قضاء النبطية وأجزاء من البقاع الغربي، ما يعكس توجهاً لإعادة تشكيل الخريطة السكانية، وليس فقط العسكرية».

الهيمنة الأمنية... السيطرة من خارج الأرض

في قراءة أوسع، يوضح العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن «ما يجري لا يمكن فهمه ضمن إطار السيطرة العسكرية التقليدية، بل في سياق الهيمنة الأمنية، التي لا تعني احتلالاً برياً دائماً، بل القدرة على التحكم في الميدان عبر النار أو الجو أو حتى عبر قوى بديلة».

ويشرح لـ«الشرق الأوسط»: أن «هذا المفهوم يقوم على سيناريوهين متوازيين، إما عبر وجود عسكري مباشر يدير المنطقة، وإما إقامة منطقة عازلة قائمة على الأرض المحروقة، تُمنع فيها أي قدرة على التمركز العسكري أو العودة السكانية».

ويؤكد أن الطروحات الإسرائيلية، رغم تباينها، تلتقي عند هدف واحد متمثل في فرض تحكم أمني مستمر، سواء من داخل الأرض أو من خارجها.

أنقاض منزل دمّرته غارة إسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» (رويترز)

الجغرافيا بوصفها منصة للسيطرة

ويضيف ملاعب أن السيطرة العسكرية التقليدية تظهر في تركيز إسرائيل على «الهضاب الخمس» المحاذية للحدود، التي تؤمّن إشرافاً نارياً واسعاً على الجليل والجنوب اللبناني. ويلفت أنه «قد جرى ربط هذه النقاط بنحو 18 موقعاً عسكرياً لتشكيل ما يُشبه خط بدء الهجوم، يُستخدم نقاط ارتكاز لأي توغل بري، ضمن محاور مدروسة تتلاءم مع حركة الدبابات».

ويشير إلى أن «التوغل الفعلي لا يتجاوز 8 كيلومترات، ما يُعزز فرضية أن الهدف ليس احتلالاً شاملاً، بل تثبيت واقع ميداني يمكن التحكم فيه».

الأرض المحروقة وخط الدبابات

ويشرح ملاعب أن «الفارق الجوهري بين السيطرة العسكرية والسيطرة الأمنية يتمثل في أن الأولى تمسك بالأرض، في حين الثانية تمنع الخصم من استخدامها».

وفي هذا السياق، يُشير إلى أن «تهديد صواريخ (كورنيت) يدفع إسرائيل إلى إنشاء نطاق خالٍ بعمق يتراوح بين 6 و8 كيلومترات، يُسوّى بالكامل ويُحوّل إلى أرض محروقة، ويرتبط ذلك بما يُعرف بـ(خط الدبابات)، أي الحد الذي يمكن أن تصل إليه الآليات ضمن نطاق آمن، مرجحاً امتداده نحو مرتفعات استراتيجية مثل قلعة الشقيف، بما يتيح مراقبة نهر الليطاني والتحكم في الميدان».

ويعدّ أن «استهداف الجسور، ولا سيما على نهر الليطاني، لا يهدف فقط إلى قطع الإمداد، بل إلى التحكم في عودة السكان لاحقاً، بحيث تبقى المنطقة العازلة خالية أو محدودة الاستخدام».


حرب إسناد «حزب الله» لإيران: ساحة ضغط موازية وأثمان داخلية متصاعدة

أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)
أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)
TT

حرب إسناد «حزب الله» لإيران: ساحة ضغط موازية وأثمان داخلية متصاعدة

أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)
أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)

بعد أكثر من شهر على بدء حرب «إسناد إيران» التي أطلقها «حزب الله» عبر 6 صواريخ باتجاه إسرائيل، بدأ يُطرح السؤال حول مدى نجاح هذا الإسناد عسكرياً وسياسياً، وهو الذي تحوّلت تداعياته إلى عبء مكلف على الداخل اللبناني في المرحلتين الحالية والمقبلة، مع توقعات بلجوء الحزب إلى توظيف نتائج الحرب في موازين القوى المحلية.

«حزب الله» رابح بانتظار الحسم

وفي حين يرى البعض أن «حزب الله» نجح في مساندة إيران عبر تشتيت إسرائيل وفتح جبهة ضغط، ولكنه لم يصل إلى مستوى الحسم الاستراتيجي ولا تغيير ميزان المعركة بشكل جذري بانتظار تطور أكبر قد يحدد الاتجاه النهائي للصراع، يعتبر اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أنّ «(حزب الله) رابح حتى الآن» رغم أن الخسائر التي منيت بها بيئته كبيرة جداً، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «إسرائيل لم تتمكن من تحقيق هدفها الأساسي بالقضاء على الحزب أو إنهاء قدراته؛ إذ إنّ (حزب الله) لا يزال موجوداً ويحتفظ بسلاحه، بينما «إسرائيل نفسها تقرّ بعدم حسم المعركة حتى الآن».

ويلفت شحيتلي إلى أن إيران استفادت من فتح جبهة الجنوب، مضيفاً: «انخراط (حزب الله) أدى إلى تشتيت القدرات العسكرية الإسرائيلية، بحيث إنّ القوة التي كان يمكن أن تكون إسرائيل قد جهّزتها كاحتياط لدعم الولايات المتحدة في حال تنفيذ إنزالات عسكرية في إيران، أصبحت منشغلة في لبنان»، ما يعني أنّ «لبنان تحوّل إلى ساحة ضغط موازية تخفف العبء عن إيران».

الدخان يتصاعد من بلدة الخيام عند الحدود مع إسرائيل نتيجة قصف إسرائيلي استهدفها (إ.ب.أ)

مع العلم بأنه إضافة إلى سياسة التدمير الممنهجة التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وأدت إلى محو قرى حدودية ومنازلها بشكل كامل، أدت حرب «إسناد إيران» إلى نزوح أكثر من مليون شخص من منازلهم، وفق أرقام رسمية؛ خصوصاً من معاقل «حزب الله» في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية.

حرب استنزاف طويلة ومكلفة

من هنا، يرى رئيس دائرة الدراسات السياسية والدولية في الجامعة اللبنانية– الأميركية، الدكتور عماد سلامة، أن «الرابح والخاسر في هذه الحرب لا يُقاسان فقط بالخسائر المباشرة؛ بل بقدرة كل طرف على الاستمرار». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إيران و(حزب الله) تكبّدا خسائر عسكرية وبنيوية يصعب تعويضها، ما قد يهدد بتفكك تدريجي لمحور (المقاومة)، رغم التكلفة العالية التي دفعتها الولايات المتحدة ودول الخليج. في المقابل، إسرائيل حققت تقدماً استراتيجياً في إضعاف هذا المحور، ولكنها لا تزال تواجه حرب استنزاف طويلة ومكلفة».

ومع إقراره بنجاح «حزب الله» في تشتيت الجهد الإسرائيلي ورفع تكلفة الحرب، يؤكد سلامة أن «(حزب الله) استنزف قدراته، وعرّض بيئته لضغوط غير مسبوقة»، مضيفاً: «داخلياً، سينعكس ذلك بتراجع هامش نفوذه وتصاعد التوترات؛ خصوصاً مع تحميله مسؤولية الانخراط في حرب مفتوحة. ويظل من الصعب جداً فصل الحزب عن إيران؛ إذ إنهما جزء من بنية واحدة عقائدياً وعسكرياً ضمن منظومة (ولاية الفقيه) و(الحرس الثوري)».

عناصر في قوى الأمن الداخلي ينتشرون في بيروت (أ.ب)

إيران ودور «حزب الله» في المفاوضات

وبينما لم يبدأ مسار المفاوضات بشكل جدي بين أميركا وإيران التي تطالب بأن يشمل الاتفاق الجبهة اللبنانية، وهو ما ترفضه إسرائيل على غرار ما فعلت في الحرب على غزة، شدّد شحيتلي على «ضرورة فصل المسار اللبناني عن المسار الإقليمي»، معتبراً أنّ «قرار وقف الحرب على لبنان اليوم ليس بيد (حزب الله)؛ بل بيد إيران. وربط الجبهات يعني عملياً أنّ المفاوضات لن تكون بيد الدولة اللبنانية»، لذلك يؤكد أن «المصلحة اللبنانية تقتضي أن تقوم الدولة نفسها بإدارة المفاوضات، والسعي إلى وقف إطلاق النار بما يخدم المصلحة اللبنانية»، مؤكداً: «أي وقف لإطلاق النار من دون انسحاب إسرائيلي وعودة النازحين سيبقى مجرد هدنة، وليس نهاية للحرب وعودة إلى ما قبل عام 2000»، بعدما احتلت إسرائيل جنوب لبنان لمدة عقدين.

وهذا الأمر يتحدث عنه أيضاً سلامة الذي يؤكد أنه «في حال استمرار الحرب دون تسوية، قد يكون الخاسر الأكبر هو الدولة اللبنانية نفسها التي تواجه خطر الانهيار الكامل، تحت وطأة الحرب مع إسرائيل».

احتلال جديد وأثمان داخلية

وبينما تؤكد مصادر وزارية غياب أي مؤشرات لفتح باب التفاوض مع إسرائيل التي لم تتجاوب مع مبادرة رئيس الجمهورية جوزيف عون حول «التفاوض المباشر»، تتوقف «عند التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين التي لا تعكس أي نية للحل القريب؛ بحيث هناك الخوف من تنفيذ الوعود بتوسيع الاحتلال وتكون تكلفة (إسناد إيران) أكبر حتى من تكلفة (إسناد غزة) التي انتهت باحتلال إسرائيل لخمس نقاط كنا نسعى لتحريرها وتأمين تكلفة إعادة الإعمار، ونصبح اليوم نريد التفاوض على كامل جنوب الليطاني، والتعويض عن خسائر مضاعفة».

مواطن نازح أمام خيمة يقيم فيها مع عائلته في بيروت (رويترز)

في المقابل، لا تنفي المصادر قلق البعض في لبنان من محاولة «حزب الله» توظيف نتائج هذه الحرب داخلياً، وتقول: «في حالتي الربح والخسارة ستكون هناك ردّة فعل من قبل (حزب الله) على الداخل اللبناني. لذا، الأهم هو المحافظة على الوحدة الداخلية، والتعويل يبقى على الفريق العاقل في (الثنائي الشيعي)، أي رئيس البرلمان نبيه بري الذي نعتقد أنه لن يسمح بذلك».


الخارجية السورية تؤكد رفضها أي اعتداء على البعثات الدبلوماسية

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

الخارجية السورية تؤكد رفضها أي اعتداء على البعثات الدبلوماسية

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

أكدت وزارة الخارجية والمغتربين السورية، في بيان السبت، «موقفها الثابت والراسخ رفض أي اعتداء أو محاولة اقتراب من السفارات والمقار الدبلوماسية المعتمدة في سوريا»، مشددةً على أن هذه المقرات «محمية بموجب القانون الدولي والاتفاقيات الدبلوماسية، وتعد رمزاً للعلاقات بين الدول والشعوب».

وأعربت الوزارة أيضاً عن «رفضها القاطع واستنكارها لأي شعارات أو أفعال مسيئة للدول أو المساس برموزها»، مؤكدةً أن هذا التصرف يتناقض مع مبادئ الاحترام المتبادل والتعاون الدولي، حسبما أوردت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

وتابع البيان: «في إطار احترام حقوق المواطنين في التعبير عن آرائهم، تؤكد الوزارة أهمية ممارسة هذا الحق ضمن إطار القوانين والأنظمة المعمول بها، مع التزام كامل بالحفاظ على الأمن العام، بعيداً عن أي ممارسات قد تُخلّ بالاستقرار أو تمس وتقترب من السفارات والمقرات الدبلوماسية المعتمدة».

صدر هذا البيان غداة احتجاج نظَّمه مناصرون لفصيل إسلامي أمام سفارة دولة الإمارات في دمشقح احتجاجاً على توقيف قيادي سوري كان يقود فصيلاً مسلحاً خلال الثورة ضد النظام السابق. وتخلل الاحتجاج رشق مبنى السفارة بالحجارة.