تركيا تخشى وضعاً مؤسسياً للمسلحين الأكراد في سوريا... وتنتظر موقف ترمب

تحركات دبلوماسية مكثفة وتمهيد أرضية إقليمية لضرب «العمال الكردستاني» و«قسد»

السور الخارجي لسجن «الصناعة» الذي يضم عناصر من «داعش» وأسرهم في الحسكة والخاضع لحراسة «قسد»... (رويترز)
السور الخارجي لسجن «الصناعة» الذي يضم عناصر من «داعش» وأسرهم في الحسكة والخاضع لحراسة «قسد»... (رويترز)
TT

تركيا تخشى وضعاً مؤسسياً للمسلحين الأكراد في سوريا... وتنتظر موقف ترمب

السور الخارجي لسجن «الصناعة» الذي يضم عناصر من «داعش» وأسرهم في الحسكة والخاضع لحراسة «قسد»... (رويترز)
السور الخارجي لسجن «الصناعة» الذي يضم عناصر من «داعش» وأسرهم في الحسكة والخاضع لحراسة «قسد»... (رويترز)

تراقب تركيا موقف إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تجاه الوضع الجديد في سوريا، وتعمل بالتوازي عبر تحركات دبلوماسية مكثفة، وترتيبات إقليمية، واستعداد عسكري، للضغط باتجاه منع إضفاء وضع مؤسسي على «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» التي تقودها «وحدات حماية الشعب» الكردية.

وأظهرت سلسلة التحركات التركية الأخيرة التي بدأت بزيارة وفد سوري؛ ضم وزيرَي الخارجية والدفاع ورئيس المخابرات في الإدارة السورية الجديدة، أنقرة واجتماعاتهم مع نظرائهم، ولقائهم الرئيس رجب طيب إردوغان، ثم الزيارتين المتزامنتين، يوم الأحد الماضي، من وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى بغداد، ورئيس المخابرات، إبراهيم كالين، إلى دمشق، أن أنقرة تسعى إلى تشكيل محور إقليمي هدفه تطويق «حزب العمال الكردستاني» وامتداده في سوريا «وحدات حماية الشعب» الكردية.

رسائل متكررة

ووجهت تركيا، مراراً، رسائل تستهدف، في الأساس، واشنطن التي تدعم «وحدات الشعب الكردية» في سوريا، بوصفها حليفاً في الحرب ضد تنظيم «داعش» الإرهابي.

وزيرا الخارجية العراقي فؤاد حسين والتركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي في بغداد الأحد (رويترز)

وأكد فيدان، أكثر من مرة، آخرها في بغداد الأحد، أن الإدارة السورية الجديدة قادرة على تأمين السجون التي تؤوي مقاتلي «داعش» وأسرهم، الخاضعة لحراسة «قسد» في شمال شرقي سوريا، وتحدث بشكل مباشر عن عمليات مشتركة ضد «حزب العمال الكردستاني» و«داعش».

في السياق ذاته، قال نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم المتحدث باسمه، عمر تشيليك، في تصريحات ليل الاثنين - الثلاثاء عقب اجتماع اللجنة المركزية للحزب برئاسة إردوغان، إن المعادلة في المنطقة تغيرت بشكل كامل مع انهيار نظام حزب «البعث»، الذي لم يتبقَّ منه سوى «نموذج مصغر»، هو حزب «الاتحاد الديمقراطي» وذراعه المسلحة «وحدات حماية الشعب».

وأضاف تشيليك أن «قسد»، التي تقودها «الوحدات» الكردية، هي في نهاية المطاف تعمل حارساً لسجون «داعش» في سوريا، متسائلاً: «ما علاقة خدمة الأكراد في المنطقة بهؤلاء الذين يقومون بمهمة كلفهم بها الغرب؟».

مخاوف تركية

وعدّت مصادر دبلوماسية أن تركيا لديها مخاوف من إضفاء طابع مؤسسي على «قسد» في سوريا بدعم غربي (أميركي وأوروبي)، لافتة إلى أنها ظهرت في بيان مجلس الأمن القومي التركي، عقب اجتماعه الأسبوع الماضي برئاسة إردوغان، والذي أكد، صراحة، أن تركيا ترى أن إضفاء الطابع المؤسسي على «حزب العمال الكردستاني» في سوريا يشكل التهديد الأمني ​​الأول لها.

جانب من اجتماع مجلس الأمن القومي التركي برئاسة إردوغان الأربعاء الماضي (الرئاسة التركية)

وحمل البيان إشارة إلى إمكانية التدخل العسكري، وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن تركيا قد تعيد خيار العمل العسكري إلى جدول أعمالها، لافتة إلى تصريحات فيدان في بغداد عن النضال المشترك ضد «حزب العمال الكردستاني» والمنظمات التابعة له في العراق وسوريا.

ورأت المصادر أنه يبدو أن الحوار بين أنقرة وواشنطن في المدة الأخيرة، الذي تضمن جولة مباحثات لوفد أميركي برئاسة نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، جون باس، لم يحقق النتائج المرجوة بالكامل بعد، فضلاً عن إصرار العسكريين الأميركيين على الاستمرار في دعم «قسد» في المرحلة المقبلة.

وعبرت عن اعتقادها بأن ملف المسلحين الأكراد من قنديل (شمال العراق) إلى دمشق، ينتظر المحادثات بين إردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترمب، وبأنه إما تؤدي هذه المحادثات إلى اتفاق مُرضٍ لتركيا، وإما تتسبب في عاصفة.

موقف ترمب

وعدّت المصادر أن التحركات التركية الأخيرة مع بغداد ودمشق، استهدفت تهيئة الأرضية لضربة مشتركة للمسلحين الأكراد، وتعني في جانب آخر منها أن أنقرة تريد أن تقول لواشنطن إنها بذلت كثيراً من المساعي الدبلوماسية لحل المشكلة دون الاضطرار للعمل العسكري.

وعبر وزير الخارجية، هاكان فيدان، في تصريحات عقب زيارته بغداد عن الأمل في أن يتم التوصل في هذه المرحلة الجديدة بأميركا إلى أعلى مستوى للتفاهم بشأن سوريا ومحاربة الإرهاب وأمن دول المنطقة، لافتاً إلى أن هناك خلافات بين أنقرة وواشنطن بشأن سوريا، وأن بلاده ستعمل من أجل إزالتها.

جانب من مباحثات القائد العام للإدارة السورية أحمد الشرع ورئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين في دمشق الأحد (أ.ف.ب)

وبعث ترمب، قبل تسلم الرئاسة في أميركا، برسائل إيجابية لتركيا بشأن سوريا، وأشاد بدورها في إرسال مجموعات تحت أسماء مختلفة نجحت في إسقاط نظام بشار الأسد، وقال إن مسألة انسحاب القوات الأميركية في سوريا عائدة إلى تركيا.

وكان ترمب تدخل خلال ولايته الأولى لوقف عملية «نبع السلام» العسكرية التركية ضد «قسد» في شمال شرقي سوريا في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وتحدث عن سحب القوات الأميركية من سوريا، لكنه لم يستطع تنفيذ هذه الخطوة بسبب معارضة الجناح العسكري في إدارته، وهو الموقف الذي لا يبدو أنه سيتغير، بينما ترغب أنقرة في تولي ملف حراسة سجون «داعش» من خلال دعمها الإدارة السورية في دمشق حتى لا تكون هناك ذريعة لاستمرار الدعم الأميركي لـ«قسد».

الاشتباكات مع «قسد»

في غضون ذلك، استمرت الاشتباكات العنيفة بين القوات التركية ومعها فصائل «الجيش الوطني السوري»؛ الموالي لأنقرة، وبين «قسد» على محور شرق حلب، وأيضاً الاستهدافات التركية لمواقع «قسد» في شمال شرقي سوريا.

قصف تركي في محيط سد «تشرين»... (أ.ف.ب)

وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن الطيران الحربي التركي شن، الثلاثاء، غارات عدة على محيط سَدّ «تشرين» في ريف حلب الشرقي، وفي المقابل، استهدفت «قسد» بالمسيّرات تجمعات للفصائل الموالية لتركيا في محيط تلة سيريتل بالقرب من السد، وقصفت بالأسلحة الثقيلة نقطة للفصائل في الموقع ذاته؛ ما أسفر عن مقتل أحد عناصر الفصائل وإصابة آخرين.

كما قصفت مسيّرات «قسد» تجمعات للفصائل في قرية إيمو وتلة عرش بمحور جسر قره قوزاق في ريف منبج الشرقي، ما أدى إلى مقتل عنصرين من الفصائل وإصابة اثنين آخرين، وتدمير دبابة.

وقصفت الفصائل بالطيران المسيّر والصواريخ وقذائف الـ«هاون» نقاطاً عدة تابعة لـ«قسد» في محور دير حافر، وسط أنباء عن أضرار مادية نتيجة القصف المكثف.

مدنيون يعتصمون قرب سد «تشرين» شرق حلب... وتظهر سحب دخان نتيجة القصف التركي (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

وأفاد «المرصد السوري» بأن القوات التركية كررت استهدافها، بشكل مباشر، المدنيين المعتصمين قرب سَدّ «تشرين» احتجاجاً على هجماتها على مواقع «قسد» في منطقة السد وجسر قره قوزاق بريف منبج الشرقي.

في الوقت ذاته، استهدفت المدفعية التركية، فجر الثلاثاء، منزلاً في قرية أم حرمل بريف أبو راسين شمال غربي الحسكة ضمن مناطق «قسد»، ما أسفر عن مقتل 3 مدنيين، بينهم طفل، من عائلة واحدة، وإصابة 4 نساء بجروح بليغة.

بالتوازي، واصل «التحالف الدولي للحرب ضد (داعش)» بقيادة أميركا تعزيز قواعده في شمال شرقي سوريا.

ونقلت طائرة شحن رفقة مروحيتين عسكريتين، بالقاعدة الأميركية في خراب الجير بريف رميلان شمال الحسكة؛ شحنة أسلحة وذخائر وعتاد عسكري ولوجيستي إلى القاعدة، وذلك بعد يومين من استقدام قوات «التحالف الدولي» تعزيزات عسكرية ولوجيستية وطبية على متن طائرة شحن إلى قاعدتها في الشدادي جنوب الحسكة.

مشكلة الرسوم الجمركية

على صعيد آخر، نفى مدير العلاقات في المنافذ البرية والبحرية السورية، مازن علوش، صدور أي قرار من الجانب السوري بتخفيض الرسوم الجمركية على 269 منتجاً تركياً، كما أعلن وزير التجارة التركي عمر بولاط.

وأفاد علوش موقع «تلفزيون سوريا»، القريب من إدارة دمشق، بأن اجتماعاً عُقد مع الجانب التركي بهدف مناقشة إعادة تفعيل اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، ومراجعة الرسوم الجمركية المفروضة على بعض المنتجات، وأن الإدارة السورية لم تتخذ أي قرار بهذا الشأن حتى الآن.

وزير التجارة التركي عمر بولاط خلال زيارة لبوابة «زيتين دالي - غصن الزيتون» الحدودية مع سوريا مطلع يناير الحالي (حسابه على إكس)

وأعلن وزير التجارة التركي، عمر بولاط، الاثنين، أن الإدارة السورية قررت تخفيض الرسوم الجمركية على 269 منتجاً تركياً، تشمل سلعاً غذائية وبعض منتجات الحديد والصلب والتنظيف، بعد رفع التعريفات الجمركية سابقاً بنسب تراوحت بين 300 و500 في المائة.

وتشهد الحدود التركية - السورية أزمة تتعلق بعبور الشاحنات التجارية، وتحدثت تقارير عن وجود نحو 3 آلاف شاحنة تركية عالقة بسبب تأخر الإجراءات الجمركية، وذلك بعد إعلان توحيد الرسوم الجمركية السورية لتشمل جميع الدول، مما دفع بوزارة التجارة التركية إلى العمل على تعزيز التنسيق مع الجانب السوري لمعالجة الأزمة وتخفيف الازدحام على المعابر الحدودية.

وزار وفد تركي برئاسة مصطفى طوزجو، نائب وزير التجارة، دمشق، الخميس الماضي، وعقد لقاءات مع وزير التجارة وحماية المستهلك السوري ماهر خليل الحسن، ورئيس هيئة الحدود البرية والبحرية قتيبة بدوي، ونائب وزير الخارجية أحمد دخان.


مقالات ذات صلة

تركيا تعمل على ملفات مهمة في العلاقات مع سوريا من بينها إعادة الإعمار

شؤون إقليمية زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الجامع الأموي الكبير وضريح صلاح الدين الأيوبي في العاصمة السورية دمشق يوم 14 سبتمبر (الخارجية التركية)

تركيا تعمل على ملفات مهمة في العلاقات مع سوريا من بينها إعادة الإعمار

أكدت تركيا العمل على العديد من الملفات الخاصة بالعلاقات مع سوريا ومتابعتها عملية اندماج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من كثب.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي انتشار أمني في عين عرب ليل الجمعة - السبت (سانا)

جرائم «الثأر» تهدد مسار الدمج والسلم الأهلي في شرق وشمال سوريا

السجن لا يزال يُدار من كوادره السابقة «الأسايش»، ولم تتسلمه قوى ‌‏الأمن الداخلي حتى الآن.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي إلهام أحمد خلال حوارها مع مذيعة قناة «إيلكه تي في» التركية بانو غوفان (موقع القناة)

إلهام أحمد: انتقلنا من كفاح مسلح إلى مرحلة سياسية باندماجنا في الدولة السورية

قالت إلهام أحمد، رئيسة لجنة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية (الكردية) لشمال وشرق سوريا» إن اتفاق 29 يناير وفر أرضية لتحقيق وقف إطلاق نار دائم.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي أعلن مستشار الرئيس السوي القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية مصطفى عبدي اكتمال حلها واندماجها في الدولة السورية في 25 أغسطس الماضي (أ.ب)

عبدي: حل «قسد» بداية جديدة ويجب إشراك الأكراد في صياغة الدستور الجديد

وصف مستشار الرئيس السوري حل «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بأنه «نهاية، وبداية في آن واحد»، مشدداً على ضرورة مشاركة الأكراد في صياغة الدستور.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إدارة إيرانية لـ«حزب الله» بعد الضربات الإسرائيلية

«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
TT

إدارة إيرانية لـ«حزب الله» بعد الضربات الإسرائيلية

«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)

أنتجت الحرب الإسرائيلية الموسّعة على لبنان التي تحل ذكراها الثامنة، غداً الأربعاء، تغييراً كبيراً في وضعية «حزب الله» السياسية والعسكرية، وانتهت بإدارة إيرانية مباشرة للحزب.

وقال الخبير في شؤون الأمن والدفاع رياض قهوجي لـ«الشرق الأوسط» إن قدرات «حزب الله» شهدت تراجعاً كبيراً بين عام 2024 واليوم، سواء على مستوى القيادة والبنية العسكرية، أو النفوذ السياسي وخطوط الإمداد، مقدّراً أن حجم هذا التراجع «تجاوز النصف تقريباً»، وأضاف أن «الإدارة كانت في عام 2024 محلية بتوجيه إيراني، أما اليوم فأصبحت الإدارة والتوجيه إيرانيين بصورة مباشرة».

في غضون ذلك، أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بقيادة الرئيس اللبناني جوزيف عون للبنان في هذه المرحلة، مقدِّراً «التزامنا المشترك السلام والأمن والازدهار حول العالم».

وجاءت إشادة ترمب خلال رسالة أرسلها لعون، عبَّر فيها عن سعادته باستقباله في البيت الأبيض يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، وعن إعجابه بقيادته لبنان في هذه المرحلة؛ حسبما أفادت الرئاسة اللبنانية.

ووصف ترمب زيارة عون إلى البيت الأبيض بـ«التاريخية بكل معنى الكلمة، وهي الأولى لرئيس دولة لبناني منذ ما يقارب عقدين من الزمن». وتابع: «في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط صراعاً، أُعجب بقيادتكم الحاسمة نيابة عن لبنان وشعبه».


كردستان العراق يعلن توحيد «البيشمركة»

رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
TT

كردستان العراق يعلن توحيد «البيشمركة»

رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)

بعد أكثر من 3 عقود على انفصالها خلال «حرب الإخوة» بين الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، وحزب «الاتحاد الوطني»، أعلن إقليم كردستان شمال العراق، أمس (الاثنين)، توحيد قوات «البيشمركة»، في خطوة قد تسهم في توحيد الصف الكردي المنقسم أمنياً وسياسياً.

وجرت مراسم توحيد «البيشمركة» في أربيل، بإشراف رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني بصفته القائد العام لقوات «البيشمركة»، وبمشاركة رئيس الحكومة، مسرور بارزاني. كما حضر مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، عبد الأمير الشمري.

وعبّر رئيس الحكومة العراقية علي فالح الزيدي، عن مباركته لاكتمال توحيد التشكيلات تحت مظلة وزارة شؤون (البيشمركة).

ويعود الانقسام في صفوف «البيشمركة» إلى منتصف تسعينات القرن الماضي، حينما انقسمت إلى قوتين؛ واحدة تابعة لـ«الديمقراطي» وأخرى لـ«الاتحاد الوطني».


باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش

الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش

الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)

تعتبر باريس أن الخلاصات التي أفضى إليها اجتماع الأسبوع الماضي الخاص بدعم الجيش اللبناني، والذي شهد مشاورات سياسية وأخرى عسكرية على مستوى رفيع للغاية، دافعاً يجب أن يمهد الطريق من أجل التحضير للمؤتمر الدولي الموعود لدعم لبنان.

وتؤكد باريس أن دعمها للجيش اللبناني ليس مشروطاً. بيد أن الجديد الذي يصر عليه الجانب الفرنسي، يتمثل في أن هدف المؤتمر الموعود لن ينحصر فقط بتوفير الدعم المالي والتجهيزي والتسليحي للجيش اللبناني بل يجب أن يتناول الإصلاحات الاقتصادية والمالية مع هدف واضح هو تعزيز السيادة اللبنانية في كل المجالات.

وبكلام آخر، لا تريد باريس «تجزئة» الدعم للبنان بل معالجة وضعه بكليته، علماً بأن الرئيس ماكرون كان يدفع بداية من أجل مؤتمرين: الأول، مخصص لدعم الجيش، والثاني لدعم الاقتصاد اللبناني.

التصور الجديد

لكن التصور الجديد يدمج الأمرين معاً ويربط بهما ضرورة أن تعمل الدولة اللبنانية على إقرار الإصلاحات المطلوبة منها منذ سنوات وبما فيها الإصلاحات المالية، مشيرة تحديداً إلى ما يسمى قانون الفجوة المالية المتنقل ما بين مجلسي الوزراء والنواب وصندوق النقد الدولي.

الرئيس ماكرون يتوسط العاهل الأردني «يمين» عبد الله الثاني والرئيس اللبناني جوزيف عوف في قصر الأنفاليد بمناسبة الاجتماع المخصص لدعم الجيش اللبناني (د.ب.أ)

وتنبه باريس من أنه إذا كان اللبنانيون غير قادرين أو غير راغبين في القيام بهذه الإصلاحات، فإن الآخرين (الأطراف الخارجية) لن تحل مكانهم لا في توفير الأمن ولا في نزع سلاح «حزب الله» ولا في إعادة إيقاف المؤسسات اللبنانية على رجليها. وبنظرها، فإنه كلما تأخرت الإصلاحات، أصبح القيام بها أكثر صعوبة. وتساءلت باريس عما إذا كان لبنان يود أن يكون فقط «غسالة» للمال «الوسخ» أم أنه يطمح إلى العودة للانتظام المالي العادي المعمول به.

عرض مقنع ولكن...

ينظر الجانب الفرنسي إلى العرض الذي قدمه الرئيس جوزيف عون وقائد الجيش عن الوضع اللبناني وحاجات لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بالجيش والقوى الأمنية، على أنه جاء «مقنعاً» وأن الأطراف المشاركة في الاجتماع أكدت استعدادها لتقديم الدعم والانخراط في مساعدته، بما في ذلك الطرف الأميركي الذي تمثل في الاجتماع بوفد عسكري - دبلوماسي رفيع المستوى.

بيد أن الطرف الفرنسي ما زال يرى أن الخطة اللبنانية بحاجة «لمزيد من العمل» والبلورة، كما أنه يحث لبنان على أن يكشف «بوضوح ودقة» عن توقعاته وعما يريده تحديداً من فرنسا ومن الدول الشريكة.

وبالتوازي تدعو باريس السلطات اللبنانية إلى الإفصاح عما تنوي القيام به إن على الصعيد الأمني أو بالنسبة لانتشار الجيش بموجب القرار 1701، وأخيراً بالنسبة لما تريده وتقبل به «بديلاً» عن قوة «اليونيفيل».

والمعروف أن لبنان يرغب بأن يتم التمديد للقوة الدولية الحالية لفترة تتراوح ما بين ستة أشهر وسنة، علماً بأن انتدابها ينتهي نهاية العام الجاري. إلا أن واشنطن، بدفع من تل أبيب، ترفض التمديد كما أنها ترفض، حتى اليوم، مشروع حلول قوة متعددة الجنسيات أو قوة «يونيفيل 2»، أي تحت علم الأمم المتحدة، وبانتداب من قبلها محل القوة الحالية، وتدفع لأن تقوم اللجنة العسكرية الثلاثية المشكلة من الولايات المتحدة ولبنان وبإسرائيل بمهمات «اليونيفيل». وهذا الأمر يرفضه لبنان حتى اليوم.

ملف «اليونيفيل»

سيكون ملف «اليونيفيل» موضع تشاور إن في نيويورك، في إطار الأمم المتحدة، أو في إطار الاجتماعات التي سيعقدها رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن، وعلى رأسها مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وقالت باريس إن الوفد الفرنسي برئاسة إيمانويل ماكرون الذي وصل إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة سيكون سنداً للبنان في موضوع القوة البديلة. وتعمل فرنسا، منذ عدة أشهر، مع روما على فكرة تشكيل قوة متعددة الجنسيات في حال استحالة تشكيل قوة «يونيفيل 2».

وبالتوازي، يقوم الاتحاد الأوروبي بمشاورات داخلية لـ«مهمة» غرضها توفير الدعم للجيش اللبناني تدريباً وتجهيزاً وتمويلاً ومواكبة واستخبارياً، وهي منفصلة عن ملف بديل «اليونيفيل».

وقالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، عقب اجتماع لوزراء دفاع الاتحاد مؤخراً، إن عشر دول أوروبية مستعدة للمساهمة في «المهمة» المذكورة.

الجنرال الإيطالي ديوداتو أبنيارا يتفقد ثلة من قوة الأمم المتحدة المؤقتة «اليونيفيل» في جنوب لبنان يوم 21 سبتمبر (رويترز)

وبحسب الخارجية الفرنسية، فإن الاتحاد يدرس إمكانية استفادة لبنان، بالتوازي، من «الصندوق من أجل السلام» الذي منه تذهب المساعدات الأوروبية المالية إلى أوكرانيا. وما يهم لبنان وأيضاً أصدقاؤه وشركاؤه عدم قيام فراغ أمني في الجنوب بعد رحيل القوة الدولية، ما يعني غياب أي جهة يمكن أن تراقب الحدود وتسعى لمنع التعديات. وحجة واشنطن وتل أبيب أن القوة الدولية «لم تقم بمهماتها»، وبالتالي يتعين النظر في شيء آخر للحلول مكانها.

سلاح «حزب الله»

تعي فرنسا أن المطلوب من الجيش اللبناني أن يقوم بجمع السلاح من «حزب الله»، وتعي أيضاً أن هذا الجيش لن يعمد إلى الدخول في معارك معه، وهو ما أشار إليه وشدد عليه الرئيس جوزيف عون في كلمته أمام المؤتمرين. وفي هذه النقطة بالذات وكذلك بالنسبة لانتشار الجيش، تدعو باريس إلى التحلي بـ«الواقعية» لتحقيق هذين الهدفين.

وبالنظر للضغوط الشديدة التي تمارس على لبنان أميركياً وإسرائيلياً، بخصوص نزع السلاح، فإن باريس ترى أنه يتعين العمل على أمرين: الأول، «تليين» المطالب الأميركية - الإسرائيلية. والثاني، أن يعرض لبنان خطة لإعادة الانتشار ولنزع سلاح «حزب الله» تتميز بالصدقية، وأن يكون جاهزاً للعمل بموجبها. كذلك تعي باريس الصعوبة التي يعاني منها لبنان بشأن «المناطق التجريبية» التي ترفض إسرائيل السير بها بحجة أنها «غير مقتنعة» بأداء الجيش اللبناني، وأنه نجح في «تنظيفها» من سلاح «حزب الله». فضلاً عن ذلك، فإنها تعرف أن واشنطن وتل أبيب تريدان من لبنان أن يقوم بمبادرات وخطوات غير قادر على القيام بها، علماً بأن إسرائيل تتذرع بعدم نزع سلاح «حزب الله» لتبرير رفض انسحابها من الأراضي اللبنانية التي تحتلها.

وبالمقابل، فإن «حزب الله» يرفض تسليم سلاحه طالما أن إسرائيل تحتل أراضي لبنانية، ما يجعل الأمور تدور في فراغ. وبأي حال، فإن الرسالة التي تريد باريس إيصالها إلى المسؤولين اللبنانيين مفادها أنه ليس بمقدورهم المراهنة على دور خارجي لقوات أوروبية أو غير أوروبية لنزع سلاح «حزب الله»، بل عليهم القيام بذلك بأنفسهم.