تركيا تخشى وضعاً مؤسسياً للمسلحين الأكراد في سوريا... وتنتظر موقف ترمب

تحركات دبلوماسية مكثفة وتمهيد أرضية إقليمية لضرب «العمال الكردستاني» و«قسد»

السور الخارجي لسجن «الصناعة» الذي يضم عناصر من «داعش» وأسرهم في الحسكة والخاضع لحراسة «قسد»... (رويترز)
السور الخارجي لسجن «الصناعة» الذي يضم عناصر من «داعش» وأسرهم في الحسكة والخاضع لحراسة «قسد»... (رويترز)
TT

تركيا تخشى وضعاً مؤسسياً للمسلحين الأكراد في سوريا... وتنتظر موقف ترمب

السور الخارجي لسجن «الصناعة» الذي يضم عناصر من «داعش» وأسرهم في الحسكة والخاضع لحراسة «قسد»... (رويترز)
السور الخارجي لسجن «الصناعة» الذي يضم عناصر من «داعش» وأسرهم في الحسكة والخاضع لحراسة «قسد»... (رويترز)

تراقب تركيا موقف إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تجاه الوضع الجديد في سوريا، وتعمل بالتوازي عبر تحركات دبلوماسية مكثفة، وترتيبات إقليمية، واستعداد عسكري، للضغط باتجاه منع إضفاء وضع مؤسسي على «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» التي تقودها «وحدات حماية الشعب» الكردية.

وأظهرت سلسلة التحركات التركية الأخيرة التي بدأت بزيارة وفد سوري؛ ضم وزيرَي الخارجية والدفاع ورئيس المخابرات في الإدارة السورية الجديدة، أنقرة واجتماعاتهم مع نظرائهم، ولقائهم الرئيس رجب طيب إردوغان، ثم الزيارتين المتزامنتين، يوم الأحد الماضي، من وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى بغداد، ورئيس المخابرات، إبراهيم كالين، إلى دمشق، أن أنقرة تسعى إلى تشكيل محور إقليمي هدفه تطويق «حزب العمال الكردستاني» وامتداده في سوريا «وحدات حماية الشعب» الكردية.

رسائل متكررة

ووجهت تركيا، مراراً، رسائل تستهدف، في الأساس، واشنطن التي تدعم «وحدات الشعب الكردية» في سوريا، بوصفها حليفاً في الحرب ضد تنظيم «داعش» الإرهابي.

وزيرا الخارجية العراقي فؤاد حسين والتركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي في بغداد الأحد (رويترز)

وأكد فيدان، أكثر من مرة، آخرها في بغداد الأحد، أن الإدارة السورية الجديدة قادرة على تأمين السجون التي تؤوي مقاتلي «داعش» وأسرهم، الخاضعة لحراسة «قسد» في شمال شرقي سوريا، وتحدث بشكل مباشر عن عمليات مشتركة ضد «حزب العمال الكردستاني» و«داعش».

في السياق ذاته، قال نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم المتحدث باسمه، عمر تشيليك، في تصريحات ليل الاثنين - الثلاثاء عقب اجتماع اللجنة المركزية للحزب برئاسة إردوغان، إن المعادلة في المنطقة تغيرت بشكل كامل مع انهيار نظام حزب «البعث»، الذي لم يتبقَّ منه سوى «نموذج مصغر»، هو حزب «الاتحاد الديمقراطي» وذراعه المسلحة «وحدات حماية الشعب».

وأضاف تشيليك أن «قسد»، التي تقودها «الوحدات» الكردية، هي في نهاية المطاف تعمل حارساً لسجون «داعش» في سوريا، متسائلاً: «ما علاقة خدمة الأكراد في المنطقة بهؤلاء الذين يقومون بمهمة كلفهم بها الغرب؟».

مخاوف تركية

وعدّت مصادر دبلوماسية أن تركيا لديها مخاوف من إضفاء طابع مؤسسي على «قسد» في سوريا بدعم غربي (أميركي وأوروبي)، لافتة إلى أنها ظهرت في بيان مجلس الأمن القومي التركي، عقب اجتماعه الأسبوع الماضي برئاسة إردوغان، والذي أكد، صراحة، أن تركيا ترى أن إضفاء الطابع المؤسسي على «حزب العمال الكردستاني» في سوريا يشكل التهديد الأمني ​​الأول لها.

جانب من اجتماع مجلس الأمن القومي التركي برئاسة إردوغان الأربعاء الماضي (الرئاسة التركية)

وحمل البيان إشارة إلى إمكانية التدخل العسكري، وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن تركيا قد تعيد خيار العمل العسكري إلى جدول أعمالها، لافتة إلى تصريحات فيدان في بغداد عن النضال المشترك ضد «حزب العمال الكردستاني» والمنظمات التابعة له في العراق وسوريا.

ورأت المصادر أنه يبدو أن الحوار بين أنقرة وواشنطن في المدة الأخيرة، الذي تضمن جولة مباحثات لوفد أميركي برئاسة نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، جون باس، لم يحقق النتائج المرجوة بالكامل بعد، فضلاً عن إصرار العسكريين الأميركيين على الاستمرار في دعم «قسد» في المرحلة المقبلة.

وعبرت عن اعتقادها بأن ملف المسلحين الأكراد من قنديل (شمال العراق) إلى دمشق، ينتظر المحادثات بين إردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترمب، وبأنه إما تؤدي هذه المحادثات إلى اتفاق مُرضٍ لتركيا، وإما تتسبب في عاصفة.

موقف ترمب

وعدّت المصادر أن التحركات التركية الأخيرة مع بغداد ودمشق، استهدفت تهيئة الأرضية لضربة مشتركة للمسلحين الأكراد، وتعني في جانب آخر منها أن أنقرة تريد أن تقول لواشنطن إنها بذلت كثيراً من المساعي الدبلوماسية لحل المشكلة دون الاضطرار للعمل العسكري.

وعبر وزير الخارجية، هاكان فيدان، في تصريحات عقب زيارته بغداد عن الأمل في أن يتم التوصل في هذه المرحلة الجديدة بأميركا إلى أعلى مستوى للتفاهم بشأن سوريا ومحاربة الإرهاب وأمن دول المنطقة، لافتاً إلى أن هناك خلافات بين أنقرة وواشنطن بشأن سوريا، وأن بلاده ستعمل من أجل إزالتها.

جانب من مباحثات القائد العام للإدارة السورية أحمد الشرع ورئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين في دمشق الأحد (أ.ف.ب)

وبعث ترمب، قبل تسلم الرئاسة في أميركا، برسائل إيجابية لتركيا بشأن سوريا، وأشاد بدورها في إرسال مجموعات تحت أسماء مختلفة نجحت في إسقاط نظام بشار الأسد، وقال إن مسألة انسحاب القوات الأميركية في سوريا عائدة إلى تركيا.

وكان ترمب تدخل خلال ولايته الأولى لوقف عملية «نبع السلام» العسكرية التركية ضد «قسد» في شمال شرقي سوريا في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وتحدث عن سحب القوات الأميركية من سوريا، لكنه لم يستطع تنفيذ هذه الخطوة بسبب معارضة الجناح العسكري في إدارته، وهو الموقف الذي لا يبدو أنه سيتغير، بينما ترغب أنقرة في تولي ملف حراسة سجون «داعش» من خلال دعمها الإدارة السورية في دمشق حتى لا تكون هناك ذريعة لاستمرار الدعم الأميركي لـ«قسد».

الاشتباكات مع «قسد»

في غضون ذلك، استمرت الاشتباكات العنيفة بين القوات التركية ومعها فصائل «الجيش الوطني السوري»؛ الموالي لأنقرة، وبين «قسد» على محور شرق حلب، وأيضاً الاستهدافات التركية لمواقع «قسد» في شمال شرقي سوريا.

قصف تركي في محيط سد «تشرين»... (أ.ف.ب)

وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن الطيران الحربي التركي شن، الثلاثاء، غارات عدة على محيط سَدّ «تشرين» في ريف حلب الشرقي، وفي المقابل، استهدفت «قسد» بالمسيّرات تجمعات للفصائل الموالية لتركيا في محيط تلة سيريتل بالقرب من السد، وقصفت بالأسلحة الثقيلة نقطة للفصائل في الموقع ذاته؛ ما أسفر عن مقتل أحد عناصر الفصائل وإصابة آخرين.

كما قصفت مسيّرات «قسد» تجمعات للفصائل في قرية إيمو وتلة عرش بمحور جسر قره قوزاق في ريف منبج الشرقي، ما أدى إلى مقتل عنصرين من الفصائل وإصابة اثنين آخرين، وتدمير دبابة.

وقصفت الفصائل بالطيران المسيّر والصواريخ وقذائف الـ«هاون» نقاطاً عدة تابعة لـ«قسد» في محور دير حافر، وسط أنباء عن أضرار مادية نتيجة القصف المكثف.

مدنيون يعتصمون قرب سد «تشرين» شرق حلب... وتظهر سحب دخان نتيجة القصف التركي (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

وأفاد «المرصد السوري» بأن القوات التركية كررت استهدافها، بشكل مباشر، المدنيين المعتصمين قرب سَدّ «تشرين» احتجاجاً على هجماتها على مواقع «قسد» في منطقة السد وجسر قره قوزاق بريف منبج الشرقي.

في الوقت ذاته، استهدفت المدفعية التركية، فجر الثلاثاء، منزلاً في قرية أم حرمل بريف أبو راسين شمال غربي الحسكة ضمن مناطق «قسد»، ما أسفر عن مقتل 3 مدنيين، بينهم طفل، من عائلة واحدة، وإصابة 4 نساء بجروح بليغة.

بالتوازي، واصل «التحالف الدولي للحرب ضد (داعش)» بقيادة أميركا تعزيز قواعده في شمال شرقي سوريا.

ونقلت طائرة شحن رفقة مروحيتين عسكريتين، بالقاعدة الأميركية في خراب الجير بريف رميلان شمال الحسكة؛ شحنة أسلحة وذخائر وعتاد عسكري ولوجيستي إلى القاعدة، وذلك بعد يومين من استقدام قوات «التحالف الدولي» تعزيزات عسكرية ولوجيستية وطبية على متن طائرة شحن إلى قاعدتها في الشدادي جنوب الحسكة.

مشكلة الرسوم الجمركية

على صعيد آخر، نفى مدير العلاقات في المنافذ البرية والبحرية السورية، مازن علوش، صدور أي قرار من الجانب السوري بتخفيض الرسوم الجمركية على 269 منتجاً تركياً، كما أعلن وزير التجارة التركي عمر بولاط.

وأفاد علوش موقع «تلفزيون سوريا»، القريب من إدارة دمشق، بأن اجتماعاً عُقد مع الجانب التركي بهدف مناقشة إعادة تفعيل اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، ومراجعة الرسوم الجمركية المفروضة على بعض المنتجات، وأن الإدارة السورية لم تتخذ أي قرار بهذا الشأن حتى الآن.

وزير التجارة التركي عمر بولاط خلال زيارة لبوابة «زيتين دالي - غصن الزيتون» الحدودية مع سوريا مطلع يناير الحالي (حسابه على إكس)

وأعلن وزير التجارة التركي، عمر بولاط، الاثنين، أن الإدارة السورية قررت تخفيض الرسوم الجمركية على 269 منتجاً تركياً، تشمل سلعاً غذائية وبعض منتجات الحديد والصلب والتنظيف، بعد رفع التعريفات الجمركية سابقاً بنسب تراوحت بين 300 و500 في المائة.

وتشهد الحدود التركية - السورية أزمة تتعلق بعبور الشاحنات التجارية، وتحدثت تقارير عن وجود نحو 3 آلاف شاحنة تركية عالقة بسبب تأخر الإجراءات الجمركية، وذلك بعد إعلان توحيد الرسوم الجمركية السورية لتشمل جميع الدول، مما دفع بوزارة التجارة التركية إلى العمل على تعزيز التنسيق مع الجانب السوري لمعالجة الأزمة وتخفيف الازدحام على المعابر الحدودية.

وزار وفد تركي برئاسة مصطفى طوزجو، نائب وزير التجارة، دمشق، الخميس الماضي، وعقد لقاءات مع وزير التجارة وحماية المستهلك السوري ماهر خليل الحسن، ورئيس هيئة الحدود البرية والبحرية قتيبة بدوي، ونائب وزير الخارجية أحمد دخان.


مقالات ذات صلة

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

المشرق العربي مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

من المتوقع أن يعلن مكتب الرئاسة أسماء ثلث مقاعد المجلس بعد المصادقة على نتائج انتخابات الحسكة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لافتة لأهالي المعتقلين المرحّلين إلى سجون العراق في اعتصام وسط دمشق (متداولة)

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

يلتقي في الشدادي بالحسكة وفدٌ أممي أهاليَ المرحّلين من سجون «قسد» إلى العراق، ويطالب الأهالي بإعادتهم ومحاكمتهم في سوريا.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الوفد الرئاسي الحكومي في اجتماع مع الإدارة الذاتية في الحسكة (روناهي)

تعثر مسار الدمج في الملف القضائي في الحسكة

شهد مسار الدمج تعثراً في تسليم القصر العدلي في مدينة القامشلي للحكومة السورية كما تم منع القضاة من الدوام في القصر العدلي بالحسكة بعد يوم من تسلم وزارة العدل.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي محافظ الحسكة نور الدين أحمد استقبل وفد اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب التي تعدّ لانتخابات الحسكة الفرعية استكمالاً لمقاعد مجلس الشعب الذي يفتتح قريباً (محافظة الحسكة)

«الإدارة الذاتية» تعدّ قوائم مرشحين للمشاركة في الوزارات السورية

تحدثت القيادية في «الإدارة الذاتية»، إلهام أحمد، عن اجتماع عُقد في 15 أبريل (نيسان) بدمشق، جمع بينها وبين القائد مظلوم عبدي، مع الرئيس السوري أحمد الشرع...

«الشرق الأوسط» (الحسكة (سوريا))
المشرق العربي النائب العام السوري القاضي حسان التربة زار السجن المركزي في حي غويران بالحسكة واطلع على أوضاع النزلاء تمهيداً لإنشاء مكتب قانوني لمتابعة شؤونهم (مرصد الحسكة)

الحكومة السورية تتسلم سجنَي «غويران» و«علايا» في محافظة الحسكة

تسلمت الحكومة السورية، الأحد، القصر العدلي في محافظة الحسكة بعد توقف دام أكثر من عام، كما تسلمت سجن الحسكة المركزي «غويران» وسجن «علايا».

سعاد جرَوس (دمشق)

مقتل إمام مقام السيدة زينب بانفجار قنبلة قرب دمشق

صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل إمام مقام السيدة زينب بانفجار قنبلة قرب دمشق

صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)

قُتل رجل الدين الشيعي فرحان المنصور، وهو إمام في مقام السيدة زينب الواقع في ضواحي دمشق، بانفجار قنبلة، اليوم الجمعة، كما أفاد التلفزيون السوري الرسمي، مشيراً إلى أن السلطات بدأت التحقيق في الحادث.

وأورد التلفزيون الرسمي «مقتل خطيب مقام السيدة زينب فرحان حسن المنصور بحادثة انفجار قنبلة ظهر اليوم بمنطقة السيدة زينب في ريف دمشق».

وأضاف أن «الجهات الأمنية باشرت التحقيقات في موقع الانفجار وبدأت عملية البحث عن الجُناة».

ومنذ سقوط الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024 الذي كان مدعوماً من إيران، تعيش الأقلية الشيعية التي يبلغ عدد أبنائها نحو 300 ألف نسمة يتوزعون خصوصاً بين دمشق وأرياف حمص وريفي حلب وإدلب، في حالة قلق.

وسارعت الأقلية إلى تأييد السلطات الانتقالية، والتقى وجهاء منها الرئيس السوري أحمد الشرع في مارس (آذار) من العام الماضي.

ولم تتعرض الأقلية لأي هجمات باستثناء بعض الحوادث القليلة، أبرزها مقتل رجل الدين رسول شحود بالرصاص قرب مدينة حمص في يوليو (تموز) 2025.


قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية يحذر من انتفاضة فلسطينية

لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)
لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)
TT

قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية يحذر من انتفاضة فلسطينية

لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)
لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)

بعد أسبوع واحد من التصريحات التي أدلى بها رئيس الموساد الأسبق، تامير باردو، بأن ما شاهده من نشاط الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية يجعله يخجل من كونه يهودياً، خرج القائد الإسرائيلي العسكري لقوات الاحتلال هناك، اللواء آفي بلوط، بتصريحات شبيهة وأبدى عجبه كيف أن الفلسطينيين لم يثوروا ويفجروا انتفاضة حتى الآن، وكشف أنه أبلغ رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بالوضع، وحذره من أن الاستمرار في السياسة الحالية سينفجر حتماً بانتفاضة.

جنود إسرائيليون يعاينون مكاناً هاجمه المستوطنون في قرية حوارة قرب نابلس (أرشيفية - إ.ب.أ)

وجاءت تصريحات الجنرال بلوط، في منتدى مغلق للقيادات العسكرية، ونشرها مراسلا صحيفة «هآرتس»، يهوشع براينر ويينيف كوفوفيتش، فأدان بشدة عنف المستوطنين في الضفة الغربية مؤخراً، ووصفه بـ«الإرهاب اليهودي»، وقال: «تكاد تكون معجزة أن يبقى الفلسطينيون غير مبالين. ولكن ذلك لن يبقى إلى الأبد».

ومع أن بلوط تجاهل دور قوات الجيش التي يقودها، وممارساتها الأكثر عنفاً من المستوطنين، وحاول التمييز بين المستوطنين وامتدح أولئك الذين تم إسكانهم في مستوطنات «قانونية»، ومستوطني المزارع «الشرعية» التي تمت إقامتها بالتنسيق مع الجيش، لكنه اعترف بوجود مئات المستوطنين المشاغبين الذين يتسببون بالغليان. وقال إن هؤلاء المشاغبين أرادوا استغلال الحرب مع إيران لتصعيد العنف. وأوضح قائلاً: «كان هناك من اعتقدوا أن الوقت قد حان لمعركة يأجوج ومأجوج، وأن الوقت قد حان لاحتلال المناطق أ (في الضفة الغربية)». وأضاف: «أتحدث إليهم، لكنهم ليسوا من النوع المهذب. يقولون لي (نحن أبطال داود وكل الردع لنا). هذا وهم. يجب أن تلتقوا مع هؤلاء الأشخاص فهم ليسوا من أصحاب الرتب العليا، وهم يضرون بشكل كبير بدولة إسرائيل والمشروع الصهيوني. أنا أعرف تجمعات في الضفة الغربية يقولون فيها: (نحن ضد العنف، لكن حان الوقت للردع، لكننا لا نرى إلى أي منحدر زلق سيقود هذا الأمر الدولة)».

وأشار قائد المنطقة الوسطى في الجيش إلى أنه حذر نتنياهو والحكومة مؤخراً من اندلاع أعمال عنف من قبل الفلسطينيين في الضفة الغربية، رداً على هجمات المستوطنين وسياسة الحكومة، بما في ذلك عدم تحويل أموال الضرائب التي تحتفظ بها إسرائيل للسلطة الفلسطينية. وقال: «قلت لرئيس الحكومة، يجب أن تعرف أن الوضع الراهن جيد بشكل عام والإرهاب في أدنى مستوى، لكن هناك توتراً متبادلاً ولا نعرف أين سيكون الانزلاق. ولكن عندما يتدهور الأمر فإنه يتدهور بسرعة».

جنود إسرائيليون يعاينون مكاناً هاجمه المستوطنون في قرية حوارة قرب نابلس (أرشيفية - إ.ب.أ)

وأشار بلوط إلى أنه اقترح على مجلس الوزراء تقديم مساعدات للفلسطينيين. وقال: «لقد قلت إنه يجب أن تكون لدينا أدوات لتهدئة الوضع بين حين وآخر، وخفض شدة التوتر. يجدر أن تكون لدينا أدوات أيضاً بين حين وآخر لتخفيف حدة النيران من خلال الترهيب والترغيب، وليس الترهيب فقط. الجزرة والعصا وليس العصا والعصا، والعصا فقط. هناك أمور قد تزيد شدة التوتر، مثل الأموال التي لم يتم تحويلها للفلسطينيين منذ سنة، وقوات الأمن الفلسطينية التي لم تحصل إلا على 40 في المائة من الرواتب منذ سنة تقريباً».

وبحسب بلوط، فإن الجيش يبذل جهده للحد من الجرائم القومية بقدر الإمكان. مع ذلك قال إن الجيش الإسرائيلي لا يجمع معلومات استخبارية عن الإسرائيليين، بل عن الفلسطينيين فقط. وحذر من أنه «في مرحلة معينة قد يتفاقم هذا الوضع، وعندها سيصبح حدثاً عظيماً. الجميع يعرفون أن وجود 2.5 مليون فلسطيني على بعد متر واحد عن الطريق السريع 5 يعدّ حدثاً مهماً جداً. الجيش الإسرائيلي يعمل على تعزيز المستوطنات الإسرائيلية من أجل أنه إذا، لا سمح الله، بدأت انتفاضة، فستشكل سلسلة من العمليات وليس حادث اقتحام مثلما كان في 7 أكتوبر (تشرين الأول)».

فلسطينيون يشيعون شاباً قتله المستوطنون في بلدة جيت بالضفة الجمعة (أرشيفية - رويترز)

وقال بلوط إنه «وجد صلة مباشرة بين أعمال الانتقام التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين وازدياد الإرهاب الفلسطيني. اليوم نحن نعرف فلسطينيين تضرروا من عمليات تدفيع الثمن، وذهبوا على الفور بعد ذلك لتنفيذ عملية». وأضاف: «هؤلاء الأشخاص لا يعدون العرب بشراً، ويعتقدون أنه يمكن إحراق الناس وإحراق البيوت بسكانها، وهم يفعلون ذلك، للأسف، صباح مساء. لقد قرروا أن (يمحوا عار أوسلو). هذا عار على الشعب اليهودي، وأنا أشعر بالخجل الكبير من هذا الأمر بشكل عام».

واعترف بلوط بأن عدداً من المستوطنين قاموا بإحراق وسائل تشخيص عسكرية في مستوطنة «بات عاين» من أجل ألا يتم رصدهم عندما كانوا في طريقهم لإحراق بيوت الفلسطينيين في قرية صوريف القريبة. وقال: «لقد أحرقوا وسائل أمنية استهدفت الحماية من المخربين كيلا يصلوا إليهم. إذن من الذي انتقموا منه؟»، تساءل.

وانتقد بلوط جهاز القضاء والشرطة العاجزين أمام عنف المستوطنين. وقال: «بعد قتل يهودا شيرمان قاموا بإحراق ثلاث قرى في ثلاث ليالٍ متتالية. من بين الـ100 شخص الذين أحرقوا البيوت والسيارات اعتقلنا خمسة ملثمين وقدمناهم للمحاكمة. ماذا كان حكمهم؟ ثلاثة أيام في الإقامة الجبرية. هذا أمر لا يصدق. بعد 72 ساعة خرجوا وقاموا بمهاجمة جنود حرس الحدود، فحكم عليهم قاضٍ بإبعادهم عن القرية مدة شهر. هل هذا يعدّ رادعاً؟ هذا مضحك. لأنهم ذهبوا إلى قرية أخرى».

سيارات أحرقها المستوطنون في بلدة جيت بالضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)

وانتقد بلوط أيضاً قرار وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، التوقف عن استخدام الأوامر الإدارية ضد اليهود في الضفة الغربية. وقال: «هم متوحشون، هؤلاء أشخاص مكانهم في السجن. أنا لا ألوم أي أحد، لكن يجب علينا تسمية الشيء باسمه؛ عندما يتم إحراق البيوت بسكانها يسمى هذا إرهاباً إسرائيلياً، حتى لو لم تكن هناك جهة منظمة وراءه».

وأكد بلوط أن تصاعد العنف في الضفة الغربية لا يقتصر على هذه المنطقة، لأن كل المجتمع الإسرائيلي أصبح عنيفاً أكثر في أعقاب حرب قطاع غزة. وقال: «نرى الخطاب العنيف في الحياة العامة الإسرائيلية. مؤسف أن نقول ذلك، لكن إسرائيل أيضاً تغيرت، وبحسب رأيي أصبح السكان عنيفين أكثر».

يذكر أن حركات السلام الإسرائيلية نظمت قبل أسبوع زيارة لمجموعة من القادة العسكريين وكبار المسؤولين السابقين في الضفة الغربية وأطلعوهم على ممارسات المستوطنين، فعاد هؤلاء بانطباعات سيئة. وقال باردو باسمهم إنهم يخجلون من كونهم يهوداً، وهم يرون المستوطنين اليهود يمارسون اعتداءات كهذه، تذكّر بما تعرّض له اليهود في أوروبا في الماضي.


جنوب سوريا... عائلات تعيش قلق انتظار أبنائها المحتجَزين لدى إسرائيل

عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)
عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)
TT

جنوب سوريا... عائلات تعيش قلق انتظار أبنائها المحتجَزين لدى إسرائيل

عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)
عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

في كل مرة تسمع طَرقاً على الباب، تخال فاطمة الصفدي أن القوات الإسرائيلية قد أفرجت عن ابنيها محمّد وأحمد، بعد نحو عام من احتجازهما. لكن مصيرهما، على غرار نحو خمسين سورياً اقتادتهم إسرائيل إلى أراضيها، ما زال مجهولاً.

وكان ابناها؛ محمّد (40 عاماً) وأحمد (36 عاماً)، في عداد سبعة أشخاص أعلن الجيش الإسرائيلي، في 12 يونيو (حزيران) الماضي، أنه اعتقلهم، خلال «عملية ليلية دقيقة» في قرية بيت جن، الواقعة جنوب غربي دمشق. وقال إنه جرى نقلهم إلى إسرائيل؛ للتحقيق معهم، متهماً إياهم بالتخطيط لشن هجمات.

بينما تفترش الأرض في منزلها المتواضع بالقرية، تقول فاطمة (57 عاماً)، حاملة صورة ولديها، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أسمع أحياناً طَرقاً على الباب، فأُسرع لفتحه، لكنني لا أجد أحداً في الخارج». وتضيف بصوت مرتجف: «أنا خائفة على مصير ولديّ المعتقلين، وأخشى ألا يُفرَج عنهما».

فاطمة الصفدي تجلس في منزلها إلى جانب صورتيْ ابنيها المحتجَزين لدى إسرائيل بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

وتقع بيت جن جنوب غربي دمشق على سفح جبل الشيخ الفاصل بين سوريا ولبنان، قرب الحدود مع الجولان السوري الذي تحتل إسرائيل أجزاء منه. وهي ضِمن مناطق عدة؛ بينها القنيطرة (جنوب) توغلت فيها القوات الإسرائيلية، خلال الأشهر الماضية، واحتجزت منها قرابة خمسين شاباً، وفق تقديرات رسمية.

بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع بشار الأسد، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، شنّت إسرائيل مئات الضربات الجوية على أهداف عسكرية في سوريا، وتوغّلت في أراض داخل المنطقة العازلة المنزوعة السلاح في الجولان، والتي تفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية، بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وتتقدّم القوات الإسرائيلية بين الحين والآخر إلى مناطق في عمق الجنوب السوري، حيث تؤكد عزمها إقامة منطقة منزوعة السلاح.

وتقول فاطمة: «لم تكتمل فرحتي بتحرير سوريا، حتى جاءنا ما هو أصعب»، مضيفة: «فرح الناس جميعاً بالنصر، أما نحن فلا نزال نعاني».

«دون تهمة»

على طول الطريق المؤدي من دمشق إلى بيت جن، تقتصر المظاهر العسكرية السورية على حواجز ينتشر عليها عناصر أمن مع أسلحة خفيفة، بينما تغيب الآليات الثقيلة التي كانت موجودة سابقاً في مناطق قريبة من جبل الشيخ، الذي باتت القوات الإسرائيلية تسيطر على موقع دائم في قمّته.

لا تقوى عائشة الصفدي (53 عاماً) على حبس دموعها كلما نظرت إلى صورة ابنها حسام، الذي اقتادته القوات السورية من بيت جن أيضاً في يونيو الماضي.

عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

وتقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أن تُقبِّل صورة ابنها المطبوعة على ورقة: «الأمر صعب لأننا لا نعرف شيئاً عنه».

وتضيف: «أَعدُّ الأيام والليالي، وفي كل يوم أقول لنفسي: سيخرج».

وبينما يتحلّق حولها أحفادها الثلاثة، ويلاعب أحدهم قطة صغيرة، تُناشد المرأة «الحكومة السورية، كما عملت على إخراج معتقلين من دول عربية، أن تنظر في أمرنا وتساعد في إخراج أبنائنا من إسرائيل بكل الطرق الممكنة».

فاطمة الصفدي تجلس برفقة أحفادها في منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

وحين اعتقل الجيش الإسرائيلي في يونيو (حزيران) السوريين السبعة من أبناء القرية، قال إنهم «من مُخرِّبي منظمة (حماس) الإرهابية». وأسفرت عمليته حينها عن مقتل مدني.

وفي 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذه عملية بهدف «توقيف مشتبَه بهم ينتمون إلى تنظيم (داعش)»، قال إنهم كانوا «يقومون بأنشطة إرهابية ضد مدنيين في دولة إسرائيل»، دون أن يحدد عدد الموقوفين. وأسفرت العملية حينها عن مقتل 13 سورياً، وإصابة ستة جنود إسرائيليين.

«كل لحظة بلوعة»

من مكتبه داخل مبنى حكومي تقع قربه قاعدة إسرائيلية مستحدَثة، يحصي المسؤول بمحافظة القنيطرة محمّد السعيد، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، «اختطاف الجيش الإسرائيلي أكثر من خمسين شخصاً» من أبناء المنطقة.

ويُقدّر أن إسرائيل «احتلّت أراضي جديدة بعمق يراوح بين 500 متر وكيلومتر واحد، وبمساحة تُقدَّر بنحو 240 كيلومتراً مربعاً»، عمدت قواتها فيها «إلى نَصْب حواجز مؤقتة واقتحام البيوت».

محمد السعيد ينظر من نافذة منزله في بلدة خان أرنبة بمحافظة القنيطرة السورية (أ.ف.ب)

وأفاد متحدّث باسم الجيش الإسرائيلي مكتب «وكالة الصحافة الفرنسية» في القدس بأن القوات الإسرائيلية اعتقلت أفراداً في سوريا «حين كانت توجد شبهة بتورطهم في نشاط إرهابي ضد دولة إسرائيل».

وأضاف أنه في بعض الحالات يواصل الجيش احتجاز الأفراد «لأغراض أمنية وقائية، وفقاً للقانون الإسرائيلي والقواعد المعمول بها في القانون الدولي».

وتابع: «أوامر الاحتجاز ومدتها تخضع للمراجعة القضائية، كما يقتضي القانون».

ومنذ وصولها إلى دمشق، أبدت السلطات الجديدة إيجابية تجاه إسرائيل وعقدت معها سلسلة جولات من المحادثات. واتفق الطرفان، تحت ضغط أميركي، في يناير (كانون الثاني) الماضي، على إنشاء آلية تنسيق مشتركة، تمهيداً لاتفاق أمني بين البلدين اللذين يعدّان رسمياً في حالة حرب منذ عقود.

في بلدة خان أرنبة بالمحافظة نفسها، يستعيد محمّد محمود السيد (45 عاماً) بغصّةٍ بينما يجلس في مكتبه العقاري، تجربة اعتقاله بيد القوات الإسرائيلية، العام الماضي، قبل أن يُفرَج عنه لاحقاً.

ويقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «خلال سجني لمدة 65 يوماً، كل لحظة مرت عليّ كانت أشبه بالحصار، ونحن بعيدون من أهلنا وأولادنا وأقاربنا». ويضيف: «كل لحظة كانت تمرّ بلوعةٍ، فكيف مَن مرّ عليه أكثر من سنة ولا يعرف شيئاً عن أهله ولا يعرف أهله شيئاً عنه؟!».