«حزب الله» يرفض تمديد الهدنة مع إسرائيل

يوظّف تطورات جنوب لبنان لتعويم نفسه داخلياً

تجمع لمواطنين عند نقطة للجيش اللبناني في انتظار السماح لهم بالدخول إلى بلدة كفركلا (إ.ب.أ)
تجمع لمواطنين عند نقطة للجيش اللبناني في انتظار السماح لهم بالدخول إلى بلدة كفركلا (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يرفض تمديد الهدنة مع إسرائيل

تجمع لمواطنين عند نقطة للجيش اللبناني في انتظار السماح لهم بالدخول إلى بلدة كفركلا (إ.ب.أ)
تجمع لمواطنين عند نقطة للجيش اللبناني في انتظار السماح لهم بالدخول إلى بلدة كفركلا (إ.ب.أ)

استغلّ «حزب الله» عودة آلاف المدنيين إلى قرى جنوبية ومواجهتهم الجيش الإسرائيلي، لتقديم خطاب يحاول عبره أن يثبت إمساكه بالوضع الأمني على الأرض، مما يؤشر إلى أنه يحاول الاستفادة من التطورات الأمنية في الجنوب التي سقط فيها 24 قتيلاً وأكثر من 120 جريحاً الأحد، ويبرز تمسكه بفكرة أن «المقاومة وحدها خيار أبناء الجنوب لتحرير أرضهم».

وهذا الأمر عبّر عنه صراحة أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم بقوله: «ما جرى في خرق الاتفاق يؤكد حاجة لبنان الى المقاومة»، مؤكداً رفضه تمديد الهدنة مع إسرائيل ومدتها 60 يوماً وانتهت الأحد. وقال في خطاب الاثنين: «على إسرائيل أن تنسحب ولا نقبل بأي مبرر لتمديد مهلة الستين يوماً». وأضاف: «أي تداعيات تترتب على التأخير في الانسحاب تتحمل مسؤوليته الأمم المتحدة والدول الراعية» للاتفاق، الولايات المتحدة وفرنسا. وفي السياق ذاته قال عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» (حزب الله) النائب حسن فضل الله الذي قال إن «المقاومة وحدها التي تحمي الأرض وتعيد الناس إلى بيوتها»، مؤكداً في تصريح له من الجنوب الأحد أنه «لا يمكن شطب معادلة (الجيش والشعب والمقاومة) من البيان الوزاري».

وإضافة إلى هذه المواقف السياسية، فقد سجّلت مساء الأحد مواكب لدراجات نارية بمناطق عدة في بيروت معروفة بمعارضتها «الحزب»، انطلقت من داخل الضاحية الجنوبية، وجابت شوارع وأحياء العاصمة، وهي ترفع رايات «الحزب» وتردد شعارات طائفية، مما أثار حفيظة أطراف لبنانية عدّة، محذرة من العودة إلى منطق الغلبة والاستقواء.

منطق الغلبة مجدداً

وصنف خبراء ما يجري رسالةً بالغة الدلالة إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة المكلف نواف سلام، بأنه لا أحد يستطيع تجاوز حيثية «الحزب» الشعبية، وأنه قادر على خلط الأوراق سياسياً وأمنياً ما لم يحصل على مراده في التركيبة الحكومية وحتى في البيان الوزاري.

وعدّ القيادي في حزب «القوات اللبنانية» النائب السابق أنطوان زهرا أن «(حزب الله) يحاول مجدداً ممارسة منطق الغلبة على اللبنانيين نتيجة هزائمه العسكرية والسياسية، ويسعى إلى أن يعوّض في السياسة ما خسره من وهج وتحكّم بمصير البلد على مدى سنوات طويلة».

وعبّر زهرا، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عن استغرابه «حالة الإنكار التي يعيشها (الحزب)، واستفزاز المناطق التي احتضنت جمهوره خلال الحرب، ومحاولة ترويع الآمنين»، مشيراً إلى أن «ما حصل أمس (الأحد) محاولة جديدة لإظهار القوة وممارسة منطق الغلبة والهيمنة على أغلبية اللبنانيين».

مواطنون يحملون أعلام «حزب الله» في بلدة كفركلا جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وجدد «حزب الله»، في بيان أصدره مساء الأحد، تأكيده أن «مشهد عودة الناس إلى قرى الجنوب، هو مشهد جديد من مشاهد العزة والكرامة التي يخطّها شعب المقاومة العظيم، وهذا الشعب يُشكّل السلاح الأقوى للمقاومة».

وقال بيان «الحزب»: «إنّنا إذ ننحني أمام عظمة شعب المقاومة، نؤكد أنّ معادلة (الجيش والشعب والمقاومة)، التي تحمي ‏لبنان من غدر الأعداء، ليست حبراً على ورق؛ بل واقع يعيشه اللبنانيون يومياً، ويجسدونه بصمودهم وتضحياتهم»، داعياً جميع اللبنانيين إلى «الوقوف صفاً واحداً مع أهل الجنوب، وتجديد معاني التضامن الوطني وبناء ‏سيادة حقيقية عنوانها التحرير والانتصار».

مشهد الجنوب

وأعطى مشهد الجنوب واستعراض القوّة في شوارع وأحياء بيروت، جرعة دعم لـ«الحزب» الذي يحاول استغلالها لفرض شروطه على الحكومة، وتثبيت معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» مرة جديدة في البيان الوزاري الذي يعدّ معظم الأفرقاء اللبنانيين أنه بات «من الماضي». وفي هذا الإطار، أكد زهرا أن «هذه المعادلة لن تبصر النور مجدداً»، قائلاً: «عندما يسيطرون على المجلس النيابي والحكومة من خلال انتخابات ديمقراطية فليفعلوا ما يريدون». وأضاف: «إما يُحكَم البلد بالدستور والقانون، وإما لكل مقام مقال»، مشدداً على أنه «لا أحد قادراً على أن يحكم لبنان وحده، فإما نكون شركاء، وإما نبحث عن صيغة أخرى لحكم البلد». ورداً على سؤال عن طبيعة هذا الصيغة البديلة التي يلمّح إليها، أجاب زهرا: «قد تكون صيغةُ الفيدرالية الحدَّ الأدنى مما يطلبه الناس للتحرر من هيمنة السلاح».

بيئة ملتزمة

وأعطت تطورات الجنوب والرسائل الاستعراضية في بيروت انطباعاً بأن «الحزب» قادر على فرض شروطه في الشارع كما اعتاد فعله منذ عام 2005 حتى الآن، لكنّ الباحث السياسي والخبير في شؤون «حزب الله» قاسم قصير، عدّ أن «(الحزب) لا يحتاج إلى حادثة هنا أو تطور هناك لتعويم نفسه، فقبل مشهد الجنوب كان حاضراً بقوة في المشهد السياسي، وفي مشاورات تشكيل الحكومة، ومن ثمّ في صياغة البيان الوزاري». وأقرّ قصير، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأن «ما حصل في الجنوب يشكّل رسالة لكل من يشكك في حضور (الحزب) وتراجع قوته الشعبية ودوره المقاوم، وقد أثبتت عودة الناس إلى القرى التي تحتلها إسرائيل رغم الخطر الأمني والخسائر البشرية، أن بيئة (الحزب) ما زالت ملتزمة بخيارات المقاومة، وأن (الحزب) كان في الجنوب خلف الناس وداعماً لتحركاتهم».

تهديد للسلم الأهلي

وأحيت مواكب الدراجات النارية، مساء الأحد، القلق على الوضع الأمني، خصوصاً بعد المواجهات التي وقعت بين عناصر ومؤيدي «الحزب» وسكان عدد من المناطق الآمنة التي دخلوها، مثل عين الرمانة (ذات الغالبية المسيحية) وساقية الجنزير (ذات الغالبية السنيّة)، وتصدّي أبناء المنطقة لهم، جراء قطع الطريق فيها وإطلاق شعارات استفزازية، رغم أن قصير عدّ أن هذه المسيرات، التي انطلقت في الضاحية الجنوبية وبيروت، «تحركات عفوية غير منظمة ولا علاقة لـ(حزب الله) بها، وليست للاستثمار الداخلي»، مذكراً بأن «(الحزب) كان وسيبقى قوياً ولا يمكن تجاوزه في أي معادلة داخلية أو خارجية».

ولاقت هذه المواكب ردود فعل مستنكرة في لبنان، فيما أعلن الجيش اللبناني عن توقيف عدد من الأشخاص.

وقال الجيش في بيان له إنه «على خلفية قيام بعض المواطنين الذين يستقلون دراجات نارية ويرفعون أعلاماً حزبية بمسيرات في عدد من المناطق اللبنانية ليل أمس (الأحد)، تخلّلها إطلاق نار واستفزازات؛ مما يؤدي إلى تهديد السلم الأهلي، سيّرت وحدات من الجيش دوريات لمنع الأعمال المخلّة بالأمن والاستقرار، وأوقفت عدة أشخاص، فيما تستمر ملاحقة بقية المتورطين»، ودعت القيادة «المواطنين إلى التحلي بالمسؤولية والتصرف بحكمة حفاظاً على الوحدة الوطنية والعيش المشترك».

وفي انتقاد منه لهذه المواكب، كتب رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، عبر منصة «إكس»: «أهل الجنوب سطّروا ملحمة بطولية، والتوتير الطائفي الذي حصل ليلاً نسف مشهد الوحدة نهاراً، وكأن المقصود تعميق الانقسام. إنّ أكثر ما يخدم أصحاب مشروع التقسيم هو السلوك الاستفزازي لمجموعات تطوف وتهتف مذهبياً. الخلاصة أنّ التطرّف يجلب التطرّف، والنتيجة أن لبنان هو الخاسر».

كذلك، قال رئيس حزب «الكتائب»، النائب سامي الجميل، بعد لقائه رئيس الجمهورية جوزيف عون: «كلّ كلامنا الإيجابي والمنفتح يُواجَه بحركات كالتي رأيناها ليلاً في شوارع بيروت، ومن لا يقبل الامتيازات لغيره، يجب ألّا يقبلها لنفسه».

وفي رد على سؤال عما إذا كانوا يتخوفون من أن تشكل مشهدية الأحد ضغطاً على البيان الوزاري، مثل تضمينه عبارة «جيش وشعب ومقاومة»، وباتجاه تشكيل الحكومة، أجاب: «لا أعتقد أن هناك من لا يزال من اللبنانيين يتأثر بهذا النوع من الحملة الإعلامية»، مؤكداً أن «ثقتنا كبيرة بالجيش والدولة التي تقوم بكل واجباتها كي تؤمن هذه العودة الآمنة، ويجب ألا يكون هذا الموضوع للاستغلال السياسي».

وفي بيان له، قال حزب «الكتائب اللبنانية» إن «(حزب الله) يعود مجدداً إلى أسلوبه القديم القائم على الاستقواء على الداخل، وبث الفوضى، وزعزعة الاستقرار، وذلك بعد فشل جميع رهاناته السياسية والعسكرية وسقوط شعاراته الفارغة»، لافتاً إلى أن «ما شهدناه ليل الأحد، من مسيرات نظمها (حزب الله) تحمل شعارات مذهبية، يشكّل استفزازاً صارخاً للمواطنين».

من جهته، انتقد حزب «القوات اللبنانية» «مغامرات (حزب الله)»، وقال في بيان له: «يقوم (حزب الله) بحملة واسعة هدفها تصوير ما حصل في الجنوب على أنّه انتصار كبير وهائل لما تسمى (المقاومة)، قافزاً فوق 22 شهيداً سقطوا ضحية مغامراته المستمرة، كما تصوير أنّ الأهالي أخرجوا بالقوة إسرائيل من القرى التي ما زالت تحتلها»، مؤكداً أن «الجيش الإسرائيلي لم ينسحب سوى من القرى التي كان أعلن انسحابه منها ودخلت إليها الناس»، واصفاً ما حدث بـ«الفيلم الهوليوودي».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تمعن بخرق الهدنة وتدمير وإحراق القرى اللبنانية المحتلّة

تحليل إخباري مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)

إسرائيل تمعن بخرق الهدنة وتدمير وإحراق القرى اللبنانية المحتلّة

تتواصل الخروقات الإسرائيلية للهدنة التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على جبهة لبنان، في ظلِّ استمرار العمليات العسكرية والغارات التي يشنّها الطيران الحربي.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)

ماكرون يعلن قتل جندي فرنسي في هجوم بجنوب لبنان ويتهم «حزب الله»

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مقتل جندي فرنسي في هجوم بجنوب لبنان، متهماً «حزب الله» بالمسؤولية عن قتله.

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد وقف النار مع إسرائيل، أكد فيها أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية».

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار... ومقترح فرنسي لتجاوز عقدة الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح «حزب الله».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره ستبقى على الزناد، بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

بولا أسطيح (بيروت)

إسرائيل تمعن بخرق الهدنة وتدمير وإحراق القرى اللبنانية المحتلّة

مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تمعن بخرق الهدنة وتدمير وإحراق القرى اللبنانية المحتلّة

مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)

تتواصل الخروقات الإسرائيلية للهدنة التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على جبهة لبنان، في ظلِّ استمرار العمليات العسكرية والغارات التي يشنّها الطيران الحربي على أهداف يزعم أنها تابعة لـ«حزب الله»، ما حمل الأهالي العائدين إلى بعض القرى الجنوبية إلى مغادرتها فوراً؛ خوفاً من تجدد القتال على نحوٍ سريع.

الخط الأصفر

وتترافق هذه الخروقات، مع إعلان الجيش الإسرائيلي «إنشاء الخطّ الأصفر في جنوب لبنان على غرار غزّة»، ما يعني منع الأهالي من العودة إلى 55 بلدة لبنانية واقعة ضمن هذا الخطّ.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه أقام خطاً أصفر فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة، لافتاً إلى أنه استهدف مسلحين مشبوهين حاولوا الاقتراب من قواته على طول هذا الخط. وقال الجيش: «خلال الساعات الـ24 الأخيرة، رصدت قوات الجيش الإسرائيلي، العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان، إرهابيين انتهكوا اتفاق وقف إطلاق النار، واقتربوا من القوات من شمال الخط الأصفر في صورة شكَّلت تهديداً مباشراً»، في إشارة أولى إلى هذا الخط منذ بدء تنفيذ وقف النار.

وأضاف: «مباشرة بعد الرصد وبهدف القضاء على التهديد، هاجمت القوات الإرهابيين في مناطق عدة بجنوب لبنان»، مذكِّراً بأنَّ الجيش مخوّل التحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار.

وفي هذا الإطار، يقول الخبير العسكري والأمني العميد فادي داود لـ«الشرق الأوسط»: «إن الخط الأمني الإسرائيلي غير رسمي، لكنه عملياً يشكل نقطة احتكاك خطيرة. هو يُعرف ميدانياً بالخط التقني الإسرائيلي على طول الحدود بين لبنان وإسرائيل، وهو ليس حدوداً رسمية معترفاً بها دولياً، بل إجراء أمني فرضته إسرائيل لأنه يتجاوز الخط الأزرق، و يُستخدم لفرض وقائع ميدانية، كما أنه يمكن أن يشعل اشتباكاً بسرعة كبيرة».

وضع غير مطمئن

أمام التطورات الميدانية التي فرضتها الحرب الأخيرة، بات من الصعب إحصاء الخروقات الإسرائيلية، لعدم قدرة قوات «اليونيفيل» على دخول البلدات الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. وأوضح مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، أن الخروقات الإسرائيلية «ليست محصورة بالقصف المدفعي والاستهداف عبر المسيّرات، أو بنقاط الاشتباك مع مقاتلي (حزب الله)، بل هناك تفخيخ متعمّد للمنازل ونسفها بالكامل، بذريعة تدمير البنى التحتية العائدة للحزب». ورأى أن الوضع في الجنوب «غير مطمئن، وثمة قلق من العودة إلى دوامة القتال». وأكد المصدر أن «الجانب اللبناني كان يتابع التطورات عبر مهمّة لجنة (الميكانيزم)، إلّا أن هذه اللجنة ليست موجودة حالياً، وبالتالي لا توجد آلية للتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية الجديدة».

مواطنون لبنانيون يزيلون الأنقاض من محل تجاري دُمِّر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة النبطية بجنوب لبنان (أ.ب)

على الصعيد الميداني، قُتل شخص في بلدة كونين، وأُصيب آخرون جراء جسم مشبوه يعتقد أنه قنبلة عنقودية من مخلفات القصف الإسرائيلي، وذلك بعد ساعات قليلة على دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، بينما يستمرّ القصف المدفعي يٌسمع في عدّة قرى واقعة في القطاع الأوسط، كما أطلق الجيش الإسرائيلي رشقات نارية على بلدة عيترون. وأفادت المعلومات الميدانية بأن مدينة الخيام لا تزال تتعرَّض لقصف مدفعي، كما نفَّذت القوات الإسرائيلية عمليات نسف لمبانٍ في بلدات الخيام، والقنطرة، وشمع، وبنت جبيل، والبياضة، كما سُمعت في محيط بنت جبيل أصوات انفجارات وتمشيط.

مساران للعمليات في الجنوب

وفرضت شروط الهدنة التي دخلت حيّز التنفيذ منتصف ليل الخميس ـ الجمعة، واقعاً جديداً أكثر صعوبة مما كان عليه الوضع في قرار وقف الأعمال العدائية الذي اتفق عليه الجانبان، اللبناني والإسرائيلي، في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ورأى داود، أن «العمليات الإسرائيلية جنوب نهر الليطاني تجري على مسارين متوازيين، يهدفان إلى تثبيت واقع ميداني جديد في المنطقة». ويوضح أن المسار الأول «يتمثَّل بمحاولة الجيش الإسرائيلي ترسيخ وجوده في القرى التي سيطر عليها، بالتوازي مع استكمال سياسة التدمير الشامل التي اعتمدها سابقاً في قطاع غزة»، مشيراً إلى أنَّ الجيش الإسرائيلي «يركز الآن على تدمير المباني في القرى التي أحكم سيطرته عليها في النسقين الأول والثاني، ويعمد إلى اقتلاع الأشجار، بما فيها الزيتون، وإضرام النيران في الأحراج لتحويلها إلى منطقة محروقة بالكامل»، لافتاً إلى أنَّ إسرائيل «تعمد إلى تجريف ركام المنازل المُهدَّمة ونقلها لإعادة تدويرها، في مؤشر إلى نية إحداث تغيير جذري في طبيعة المنطقة».

نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان بعد إعلان وقف إطلاق النار (أ.ب)

معركة بنت جبيل

أما المسار الثاني، فيتركز وفق تقدير العميد داود على معركة بنت جبيل، ويؤكد: «هذه المعركة لها بعدان أساسيان: الأول رمزي، بعد أن أطلق (حزب الله) على المدينة اسم (عاصمة المقاومة)، والثاني استراتيجي، نظراً إلى موقعها الجغرافي القريب من الحدود، وتجعل مَن يسيطر عليها قادر على أن يتحكم بشمال إسرائيل وجنوب لبنان».

أهمية بنت جبيل لا تقتصر على رمزية المدينة فحسب، بل ترتبط بمحيطها، ويعدّ العميد فادي داود، أن «السيطرة عليها تعني سيطرة تلقائية على الطرق والبلدات المحيطة بها، لأنَّها تمنح أفضليةً ميدانيةً تسمح بالتحكم الناري بالقطاعين الشمالي الشرقي والغربي من المنطقة»، لافتاً إلى أنَّ «العمليات داخل بنت جبيل ستستمرّ بغض النظر عن الهدنة». ورجّح أنه «في حال توفر ضوء أخضر أميركي، فإنَّ إسرائيل قد تواصل عملياتها ضمن ما تُعرف بـ(الحرب الصغيرة) أو ما تُعرف بـ(حرب العصابات)؛ بهدف استكمال السيطرة على ما تبقَّى من مواقع للحزب داخل المدينة».

أطفال يرفعون إشارة النصر خلال عودتهم إلى قراهم في جنوب لبنان بعد وقف إطلاق النار (رويترز)

وشدَّد العميد داود، على أنَّ «العمليات الإسرائيلية غير المرئية، هي ترجمة فعلية لسياسة الأرض المحروقة، وتحويل البلدات المحتلة في جنوبي الليطاني إلى مساحة مدمرة بالكامل، بما يعكس نمطاً عملياتياً مشابهاً تماماً لما جرى في غزة».


ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل التي تنشط داخل قطاع غزة، وخاصةً جناحها المسلح «كتائب القسام».

وقال مصدران من «حماس» في خارج قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك محاولات من بعض الدول الوسيطة لإقناع الحركة بإبداء موافقة خطية مبدئية على الخطة، التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف، لقيادة الحركة منذ نحو أسبوعين، على أن يتم التفاوض بشأن بنودها لاحقاً في مرحلة أخرى.

وأوضح المصدران أن هناك محاولات لانتزاع هذه الموافقة قبل الحصول على ضمانات واضحة تلزم إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، مبينةً أن الفريق المفاوض مُصر على الاستمرار في التمسك بموقفه الذي يهدف لضمان تنفيذ المرحلة الأولى بكامل بنودها، قبل الانتقال للتفاوض على المرحلة الثانية.

الدمار في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال المصدران: «إن هناك محاولات من الوسطاء وجهات عدة ليكون هناك تنفيذ للمرحلة الأولى بجميع بنودها بلا استثناء، مقابل أن يتم العمل فوراً على بدء تطبيق الثانية بشكل متزامن، وقد يفضي هذا الحراك إلى اتفاق».

ولفت مصدر إلى أن هناك مخاوف حقيقية لدى قيادة «حماس» من استغلال إسرائيل والولايات المتحدة، لموافقة الحركة المبدئية للتوقيع على الوثيقة المتعلقة بالمرحلة الثانية، لإجبار الحركة على خطوات ما زالت ترفضها ضمن الخطة الأصلية وطلبت تعديلات واضحة عليها.

وأشار المصدر إلى أن بعض الدول الوسيطة تتفهم موقف «حماس» ومخاوفها وتحاول نقل رسائل طمأنة بهذا الشأن، فيما لا تزال الاتصالات والنقاشات الداخلية في أوساط الحركة ومع الفصائل الفلسطينية مستمرة.

واقترحت بعض الفصائل، بدعم من وسطاء، أن يتم تقصير مدة المرحلة الثانية من 8 أشهر إلى 3 أو 4، لاستغلال أي تقدم إيجابي في تحسين الوضع الإنساني والحياتي للسكان بقطاع غزة، وخاصةً إطلاق مرحلة إعادة الإعمار في ظل الحاجة الماسة للتقدم في هذا الملف، مع استمرار تفاقم حياة النازحين المدمرة منازلهم والذين يعيشون في ظروف قاسية وصعبة جداً، حسب مصدر فصائلي لـ«الشرق الأوسط».

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورأى المصدر الفصائلي أن الهدف من تقصير مدة تطبيق المرحلة الثانية، هو الانتقال لمراحل أكثر تقدماً تخدم جميع الأطراف، وخاصةً الفلسطيني الذي يسعى إلى لملمة أوراقه على الصعيد الداخلي والالتفات لاحتياجات السكان، والعمل على بناء نظام وطني فلسطيني متكامل، مشيراً إلى أن هناك جهوداً تُبذل أيضاً بدعم عربي وكذلك من دول إسلامية، منها تركية، للعودة إلى الحوار الوطني الفلسطيني ولكن حتى هذه اللحظة لا يوجد تقدم ممكن أن يشير إلى عقد اجتماع قريب، ولكن الجهود مستمرة من أجل ذلك.

ولفت إلى أن هناك توافقاً لدى الفصائل بشأن قضية حصر السلاح، لكن ليس بالطريقة المطروحة نفسها، وهناك تعديلات تريد الفصائل إدخالها على المقترح الأساسي، وستنتظر ما ستؤول إليه الاتصالات الجارية حالياً لتقديم تعديلاتها في حال بدأت مناقشات جدية بشأن المرحلة الثانية.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي الميداني داخل قطاع غزة، ما أدى لارتفاع عدد الضحايا الفلسطينيين.

وأصيب 4 فلسطينيين، صباح السبت، أحدهم وُصفت جروحه بالخطيرة، إثر إطلاق النار باتجاههم شرقي مدينة غزة، وشرق بلدة جباليا شمالي القطاع.

وقتل الجمعة، 3 فلسطينيين في سلسلة اعتداءات إسرائيلية طالت مجموعات من المواطنين وخيام النازحين في خان يونس جنوب القطاع، ومناطق شماله. ومن بين الضحايا فلسطينيان شقيقان كانا يقودان مركبة مياه محلاة تقدم خدمات للنازحين بدعم من منظمة «اليونيسف» التي أعلنت تعليق نشاطاتها شمال القطاع بعد الحادثة.

وارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى أكثر من 773، وأكثر من 2015 مصاباً، والعدد التراكمي منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72500.


ماكرون يعلن قتل جندي فرنسي في هجوم بجنوب لبنان ويتهم «حزب الله»

لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)
لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)
TT

ماكرون يعلن قتل جندي فرنسي في هجوم بجنوب لبنان ويتهم «حزب الله»

لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)
لبنانيون يعودون لقرى الجنوب (رويترز)

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مقتل جندي فرنسي في هجوم بجنوب لبنان، متهماً «حزب الله» بالمسؤولية عن قتله.

وكتب ماكرون في ‌منشور ‌على ​موقع ‌«إكس» أن ‌ثلاثة جنود آخرين أصيبوا بجروح، وتم إجلاؤهم، وحث ‌الحكومة اللبنانية على اتخاذ ⁠إجراءات ضد المسؤولين ⁠عن الهجوم.

من جانبه، تعهد الرئيس اللبناني جوزيف عون بملاحقة المسؤولين عن استهداف القوة الفرنسية.